تسجيل الدخول

المحاضرة 24 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - مناظرة مع ملحد

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة الأخيرة، المحاضرة الرابعة والعشرون من محاضرات مادة العقيدة في أكاديمية زاد في الفصل الثالث. هذه المحاضرة عنوانها الإلحاد، وهذه المحاضرة قد فصلنا فيها في الفصل الأول -تذكرون في الفصل الأول أخذنا ثلاث محاضرات أو أربع محاضرات متوالية كلها في هذا الموضوع- لذلك سنحاول في هذه المحاضرة أن نلخص تلخيصاً لما سبق دراسته بحيث تكون في محاضرة واحدة ولا نفصل فيها، ومن أراد التوسع يرجع لتلك المحاضرات فيتوسع فيها.

أريد منكم يا إخوان الآن الاستعداد للمناظرة: لو أحضرت أحد الناس معي هنا يجلس ويريد أن يناظركم، هو يقول: هل أنتم مستعدون للمناظرة أو لا؟ أي واحد مستعد للمناظرة يكتب أمامي في ورقته أنه مستعد، وغير المستعد يكتب غير مستعد والسبب كذا وكذا. جاء ودخل شخص وجلس هنا بجواره وقال هو يناظر: إن هذا الاستوديو أوْجَدَ نفسه بنفسه! بَنَى نفسَه بنفسه ولم يبنِهِ أحد، ويتحدى على هذا؛ هذا الاستوديو بما فيه من إضاءة، وما فيه من كاميرات، وما فيه من جدران، وما فيه من زخارف، وهذه المناظر هذه كلها أوجدت نفسها بنفسها! وجلس هنا بجواره وقال هو يريد أن يناظر الطلاب؛ طلابي الذين يدرسون هذه مادة العقيدة، ويريد المناظرة فقط. من كان منكم مستعداً يكتب مستعداً لنرتب له اللقاء مع صاحبنا هذا. الذي مستعد يكتب مستعد سنعطيه فرصة لتحضر عشرة أيام، عشرين يوماً، على حسب ما نرتب موعد المناظرة، وهو جالس الآن بجواره مثلاً -تخيلوا هنا- ويريد أن يناظر. يقول هذا الاستوديو بنى نفسه بنفسه، أنتم جميعاً طبعا تقولون هذا الاستوديو بانيه غيره، وهو يقول بنى نفسه بنفسه. من يستطيع أن يناظر؟ من مستعد للمناظرة يكتب مستعد، وغير المستعد اكتب غير مستعد ولماذا؟

أيها الأحبة في الله، من كتب أنه مستعد لمناظرة هذا المجنون، فللأسف قد أضاع حظه من العلم! إذا كنت تعلم لتناظر مجانين؛ فهذا مجنون، هذا مجنون لا يمكن لأحد أن يناظره، ولم نتعلم حتى نناظر هؤلاء المجانين! إذا كان الإنسان يتعلم حتى يناظر المجانين والسفهاء، إذاً سلام الله على علمه. والذي قال غير مستعد لكون هذا الإنسان فاقد الأهلية مجنون، فهذه إجابته صحيحة. والذي قال مستعد فإنه يستغفر الله سبحانه، كيف يناظر هؤلاء المجانين؟ لكن ممكن يقول: أنا أقصَد أن أَلْعَب معه لعبة. ما هي هذه اللعبة؟ تقول له: اجلس في هذا المكان وتَعَالَ نُعْطِيكَ مئة بلوكة، وتجلس أنت بجواري على كرسي وتنتظر، هذا البلوك سيركب بعضه بعضاً وسيصنع لك استوديو، وستكون فيها الأنوار، وسيكون فيه… وستضرب نفسها بنفسها البلوك بالبوية والزخارف وهذه الأشياء التي تراها الآن، الصور هي ستركب نفسها بنفسها، فأنت انتظر هنا واجلس! هذا معقول يعني من باب المداعبة له والمزاح، وإلا فهذا فاقد الأهلية.

سيصيح بعضكم ويقول: أنت تريد العالم والكون، ونحن نقصد أن النتيجة أننا نريد أن نناظر على أن هذا الكون له خالق. نقول يا إخوان بالله عليكم، إذا كنا هذا الاستوديو الصغير هذا لا نقبل بأي حال من الأحوال أن يقول قائل إن هذا الاستوديو قد أوجد نفسه بنفسه -لا نقبل ذلك، ولا يمكن أن نجلس مع هذا الشخص ونناظره لأنه فاقد الأهلية- فكيف بمن يقول إن هذا الكون بسمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وإنسه وجنه، وملائكته، وشجره وحجره، كيف يمكن لعاقل أن يقول: هذا الكون قد أوجد نفسه بنفسه؟ لا نقبل في هذا حُجيرة صغيرة أن نقول إنها أوجدت نفسها بنفسها، فكيف نقبل أن يقال عن هذا العالم بأكمله قد أوجد نفسه؟ هذا غير معقول، لا يمكن هذا، هذا مجنون هذا الإنسان!

قد يقول قائل: لكننا في الواقع رأينا أن منهم من هؤلاء الملاحدة أن منهم مهندسون، ومنهم أطباء، ومنهم فيزيائيون، ومنهم جيولوجيون، ومنهم في أدق التخصصات، وجدنا ملاحدة بهذا الشكل. نقول يا إخوان: مثل لو أن أحد الإخوة في هذا الاستوديو هنا قال: هذا الاستوديو أوجد نفسه بنفسه، ولا أَعترِف أن هذا الاستوديو للباني، ولا أعترف أن هذا الاستوديو له مسؤول. نقول: تعال، هو عنده مشكلة؛ هذا تجده انفصل من عمله والان واقف في الاستوديو رافض الخروج، لماذا؟ لأنه لا يعترف، هو يعرف أن هذا الاستوديو له مسؤول وهناك مدير لهذا الاستوديو، لكنه بسبب تشنجه الآن لا يريد أن يعترف بهذا صاحب الاستوديو؛ لماذا؟ لأنه لا يريد أن يلتزم بالنظام. هؤلاء الأطباء والمهندسون هم في الحقيقة ليس لكونهم ذهبت عقولهم أن يكون لهذا الكون خالق، لا؛ لكن من هذا الخالق؟ لما جعل أن هذا الخالق هو عيسى عليه السلام، وهذا الخالق خرج من بطن امرأة من البشر، وخرج من بطن امرأة، فلما تقول له: إن الخالق هو هذا، يقول: لا يمكن. طيب من خلق هذا؟ ولذلك بعض الإخوان يقول: يعني إيش سؤالهم هذا من خلق الله؟

لماذا يقولون من خلق الله؟ لكونهم يرون أن هذا الخالق أصلاً بشر، هذا الخالق واضح من هذا السياق أنه كان معدوم ثم وجد، فلا بد له من موجد، فسؤالهم منطقي إذا كان المقصود به عيسى عليه السلام، فهذه الشبهة هي ليست شبهة، هي حقيقة في عيسى عليه السلام. طيب من خلق عيسى عليه السلام؟ فعندما نصور للناس أن الخالق هو عيسى، وأن عيسى وجد في بطن امرأة ثم خرج منها ثم هكذا، هذا ما… فلما يقدم لهم صورة الإاله بهذا الشكل قالوا: لا، ما نعترف بوجود الإله؛ ما يعترفون بوجود الإله لأن الإله هذا الذي أُعطي لهم، هذا الذي قُدِّم لهم. لكن لو قيل لهم: إن هذا الإله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هذا الإله هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. يجب أن تقدم لهم هذه الصورة أنهم لم يُسبَقُوا بعدم. ولذلك هذه الشبهة لا مكان لها؛ لم يُسبَق بعدم ولا يلحقُه فناء. السؤال: طيب من أوجده؟ لا يمكن، لأنه لم يُسبق بعدم.

خذْ فاصل، ثم نعود إليكم بمشيئة الله.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة؛ أنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: "دِّبوهم وعلموهم". فنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: "كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن". فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن؛ قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

حياكم الله أيها الأحبة في الله. كما ذكرنا لكم قبل الفاصل: أن هناك أسباب جعلت بعض هؤلاء المهندسين، بعض هؤلاء الأطباء، بعض هؤلاء الفيزيائيين ينكرون وجود الخالق سبحانه وتعالى، رغم أن الإقرار بوجود الخالق جل جلاله أمر يحكم به كل عاقل، ما ينكر ذلك إلا مجنون، لكن لما كانت الصورة التي قُدِّمَت لهم عن هذا الخالق أنه عيسى عليه السلام بشر، وقالوا لهم: دَعْ عقلَك واتبِعْنا وأنهم ثلاثة؛ الآب والابن وروح القدس إله واحد لا شريك له، ما قبلوا هذه العقيدة! من أعمل عقله لا شك أنه لا يقبل مثل هذه العقيدة، فلابد أن تُقدَّم لهؤلاء الملاحدة الصورة الحقيقية لله سبحانه وتعالى؛ أن الله جل جلاله هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير سبحانه وتعالى.

أمر ثاني يا إخوان، عندما يقال له: إن آمنْت بوجود هذا الخالق فيجب عليك أن تلتزم بشريعته! ثم تقدم هذه الشريعة أنها رهبانية، أنه انقطاع كلي عن الدنيا، أنه ترك الملذات، ترك الطيبات، ترك ما يسعد بدن الإنسان، قال: إذن ننكر وجود الله! هم ينكرون وجود الله لا لكون هذا الأمر مقبول عقلاً أو له شيء من العقل، لا؛ إنما لكونه لو آمن بهذا الإله لا بد أن يلتزم بالنظام، مثل هذا الذي أنكر أن يكون هذا الاستوديو له بانٍ أو له مسؤول، هو ينكر النظام، هو عنده مشكلة مع النظام، نظام الاستوديو، ولذلك قال: أنا ما أعترف أصلاً، أنا لا أعترف أن هناك مسؤولاً! لا يعترف أن هناك مسؤولاً رغم أنه يعرف أن هناك مسؤولاً، لكن لأنه لو اعترف بهذا المسؤول لابد أن يلتزم بالنظام، وهكذا!

ثم عندما يقال له: إن هذا الإله لا يمكن أن تصل له إلا عن طريق هؤلاء الأشخاص، وهؤلاء الأشخاص يمارسون أنواع الظلم، كل هؤلاء الأتباع يحجرون عليهم في عقولهم، في أموالهم، في تعليمهم، في أشيائهم، وهؤلاء الوسطاء نفروا الناس من هذا، فقال: لا، لا نعترف بالإله.

وباور الناس هو يريد أن تكون حياته عبثاً، هو يريد أن يكون مثل البهائم، ينظر إلى الكلاب ويقول: ما أجمل حياة الكلاب! فقيل له: ما السبب؟ قال: لأنهم ما يبكون في الليل، لأنهم يفعلون ما يشاؤون وهذا… والملاحدة المعاصرون الآن كبارهم ورئيسهم دوكنز هو يقول بهذا، هو يصرح بهذا يقول: تمتع، لا تمتنع عن شيء ترغب فيه نفسك بسبب دين؛ لأنه قد لا يكون هناك إله، فلماذا أنت تحرم نفسك؟ لا تلتزم مثلاً بحرام حلال وأشياء وهكذا، كل ما تشتهي نفسك افعله! وهكذا. فهذه العبثية وهذه الشهوانية هذه الحياة البهيمية هذه من أسباب الإلحاد.

أيها الأحبة في الله، سنمر مرور سريع على أدلة وجود الله، وفي خلال كلامنا عن أدلة وجود الله نرد على بعض الشبهات، شبهات الملاحدة، لاسيما الشبهات الكبرى التي تطرح.

أول دليل على وجود الله يسمى بدليل الفطرة. ما معنى الفطرة؟ تذكرون شرحنا هذه بتوسع لكن نختصرها الآن؛ الله سبحانه وتعالى خلقنا وجعل في أصل خلقتنا مزودين بقوتين: قوة علمية وقوة إرادية. القوة العلمية: بمجرد أن ينمو العقل تعرف أن هذه تمرة وهذه جمرة، أن هذا ماء وهذا طعام، أن هذا حار وهذا بارد، أن هذا ضار وهذا نافع. يبدأ العقل القوة العلمية بمجرد أن تنمو في رأس الطفل يعلم أن هذا الكون لابد له من خالق. هذه القوة العلمية. القوة الإرادية: أن هذا الخالق لابد أن يُشكر وحده، ويقال له: شكراً على الخلق وعلى الإيجاد وعلى… هذه القوة العلمية والقوة الإرادية جعلها الله سبحانه وتعالى في أصل خلقتنا. ولذلك هذه القوة العلمية تفرض علينا فرضاً بحيث لا نحتاج فيه لا إلى نظر ولا إلى استدلال إلى القول بوجود الله وتعالى. فتقول: الدليل الأول على وجود الله الفطرة؛ أن الإقرار بوجود الله أمر مفروض على ذهني فرضاً بحيث لا أحتتاج لا إلى استدلال ولا إلى نظر. هذا الأعرابي رأى أثر مسير أقدام، أنت دخلت إلى غرفتك فوجدت آثار أقدام، ماذا تقول؟ لا بد أن أحداً دخل، لكن لو قال لك: لا هذه أقدام تكونت في الهواء من غير أن يمر شخص ونزلت، هذا الكلام ما يقول به عاقل! هذا الذي نقوله؛ فالأثر يدل على المسير. البعرة -هذا عند الأعراب ويعرفون- موجود يفحص صدر البعرة يقول: لا، هذا نوى المدينة، هذا الجمال من المدينة، هذا الجمال من مكة، هذا الجبال… البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟ هذا، ولذلك أول واجب على المكلف عندنا هو النطق بالشهادتين، فإن كان قد نطق بالشهادتين يصلي، كان يصلي يصوم وهكذا.

ناخذ دليل آخر -هذا بعض الناس يحب التطويل في الدليل وأن يكون فيه صعوبة وهكذا- تأتي له بدليل الخلق والإيجاد، تقول: كل مخلوق من مخلوقات الله هو دليل على وجود الله، هذا من غير النظر في داخل الدليل، لا، كل مخلوق من مخلوقات الله تدل على وجود الله. كم عدد الأدلة داخل هذا النوع؟ بعدد مخلوقات الله! كل مخلوق من مخلوقات الله يدل على وجود الله، فيقول: كيف؟ تقول: تعال أعطيك إياها بشكل عام؛ رقم واحد: العالم مخلوق، سيقول: ما الدليل؟ نقول: نحن ما نصعب عليك، الدليل المشاهدة. العالم مخلوق، الدليل مشاهدة، المشاهدة كيف؟ شاهدنا أن هذا الشيء كان معدوماً. ما معنى مخلوق؟ أنه وجد بعد عدم ويلحقه فناء.

فشاهدنا هذا الفرد من الناس. هذا كان معدوما ثم وجد ثم بعد وجوده أعدم. فكل الناس كذلك، هذه الشجرة، هذا الحجر، هذا الجزء من السماء، إذاً كل العالم هذا مخلوق الدليل المشاهدة.

نقول: المخلوق لابد له من خالق. رقم اثنين: العالم مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق. سيقول: ما الدليل؟ نقول: ضرورة عقلية، لابد أن نحتكم. إذا أنت ما تقر بذلك خلاص لا نكمل الحوار. ضربة! سمعت الضربة؟ قالوا: سمعت. لابد لها من ضارب. قال: لا. نقول: خلاص ما انتهينا، انتهى النقاش، نغلق النقاش. قال: نعم. نقول: صح، ضرورة عقلية. هذا ضربة لابد لها من ضارب ضرورة عقلية. تعالى لأخوك الصغير اضربه من الخلف، التفت يقول: من ضرب؟ قل له: صفعة في الهواء نزلت عليك. ما يقبلها. هذا المخلوق لابد له من خالق.

طيب، واحد واثنين: العالم مخلوق والمخلوق لابد له من خالق. رقم ثلاثة: العالم لابد له من خالق. من سلم بواحد واثنين يلزمه التسليم بهذه النتيجة: لابد له من خالق. سيقول: نعم نعم أنا أعرف أن العالم لابد له من خالق، لكن هو الخالق هو العدم. نقول: كيف يكون الخالق هو العدم؟ أو من غير خالق؟! من غير خالق العدم؟ العدم موجود؟ يقول: لا غير موجود. كيف يهب الوجود وهو يفتقده؟ فهذا مستحيل عقلاً. استحالة وجود مخلوق من غير موجد ضرورة عقلية ضرورة عقلية ضرورة عقلية. فهذا مردود، من غير خالق يعني العدم هذا مستحيل.

سيقولون: نحن الآن نأتيكم، نحن نقول بالطبيعة. أيوه، تقولون بالطبيعة؟ ويقصدون بالطبيعة القوانين والسنن والأسباب. نقول لهم: هذا المثال دائما نكرره وكررناه في الفصل الأول، مثاله مثال شخص كان يعيش -وهذا المثال ينطبق عليهم مهما كانوا أطباء، مهما كانوا فيزيائيين، مهما كانوا ما كانوا، ينطبق عليهم هذا المثال انطباق تام- الأعرابي الذي كان يعيش في البادية، والطريق للوصول للماء هو الآبار، يحصل على الماء من الآبار عن طريق الدلو، فعندما جاء إلى المدينة فوجد أن الماء يخرج من الجدار في قطعة حديد صنبور، فكه يخرج الماء.

طيب، من أحضر الماء إلى داخل المنزل؟ وهو يعرف أن الماء في الآبار، الماء في الأنهار، الماء في البحار، طيب من أدخل هذا الماء إلى داخل المنزل؟ فقام يبحث ويكسر في الجدر حتى وصل الخزان، ثم وصل مثلاً كان في جدة ولا شيء، وصل إلى التحلية، وصاح صيحته وقال: الذي أوجد الماء في داخل المنزل هو المواسير. ما رأيكم في هذه الإجابة؟ ناخذ فاصل ثم نناقش إجابة هذا الأعرابي.

العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، وضياء يمحو ظلمات الجهل. الحرص على طلب العلم والازدياد منه طريق الأنبياء ودرب الأصفياء. وقد رغب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الازدياد من طلبه فقال: مما يحبه الله تعالى ويرضاه، ويفتح لك به طريقا إلى الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». فدراسة العلم تفيدك معرفة وأدبا ومهارة ووعيا تخدم به دينك، وتؤهلك إلى مناصب ومواقع يعلو بها شأنك، وتنفع بها أمتك لله، وتكون بذلك من خير الناس. ففي الحديث: «خير الناس أنفعهم للناس».

ولتحرص دائما على أسباب التفوق، ومنها: حفظ الوقت وحسن اغتنامه، فالوقت هو الحياة، استذكار دروسك واسترجاعها بصفة مستمرة دون تسويف أو ملل، الاستعانة بالله سبحانه وتعالى فبيده مقادير كل الأمور. من ثمرات العلم النافع أنه يورث الخشية من الله تعالى، فالعلماء حقا من يخشون الله تعالى حق خشيته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28].

حياكم الله أيها الأحبة. ما رأيكم في إجابة الأعرابي؟ قد يقول بعضكم: إجابته صحيحة! وإجابته صحيحة؟ هذه مغالطة يغلط فيها بعض الناس؛ يجيب عن كيف، يعني ما هي الوسيلة التي وصل بها الماء إلى داخل المنزل؟ هي المواسير، لكن الذي أوجد الماء أدخل الماء إلى داخل المنزل هو الإنسان صاحب البيت، والحكومة، الوزارة، وزارة المياه، هؤلاء هم الذين أدخلوا الماء إلى داخل المنزل.

هؤلاء الأطباء والفيزيائيون، هؤلاء مثلهم مثل هذا الأعرابي، بحثوا فوجدوا قوانين وجدوا سننا أوجد الله عز وجل بها الأشياء، بعضها عرفوها صحيح ومعرفتهم صحيحة، لكنهم أجابوا عن كيف، ونحن نسأل عن من! هذا حيد عن موضوع السؤال؛ نحن نسأل: من؟ وهم يجيبون عن الوسيلة: كيف؟ القانون، وهكذا.

مثلاً من خلق الانسان؟ كان الإنسان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صار عظاما ثم كسي لحما ثم خرج من بطن أمه صغيرا ثم صار شابا ثم صار كبيرا. احنا ما نسألك كيف تدرج الإنسان، فتقول: هذه الطبيعة، يعني هذه السنة التي خلق الله عز وجل بها الإنسان، وهكذا فتجيب أن هذا الخالق... هذا مضحك جداً! هذا مضحك جداً! وإن قال به الطبيب وإن قال به فيزيائي وإن قال به من قال.

هذا يسمى يعني سنة الله سبحانه وتعالى في كيفية خلقه للإنسان، هكذا خلق الله عز وجل الإنسان، لكن من؟ هو الله سبحانه! لا يمكن، بل هذه الأمور من أعظم الدلالة على وجود الله سبحانه وتعالى. كيف يمر الإنسان بهذه المراحل دون رعاية، دون تدبير إلهي؟ ما يمكن! ما يقبله العقل! هذا لابد أن يكون وراء هذا الأمر حكيم متقن لطيف خبير عليم وهو الله سبحانه وتعالى، هذا من أعظم الأدلة على وجود الله.

فهذه السنن وهذه القوانين التي يكتشفونها في الكون هذه تزيد من إيماننا بالله، فكيف نجعلها هي الله؟ كيف نجعل هذه الطبيعة هي الخالق؟ ما يمكن! هذه كيفية، مثل خرجنا وجدنا سيارة فخمة، من صنع هذه السيارة؟ قام شخص يشرح لنا كيف صنعت السيارة، احنا ما نسألك عن كيف صنعت؟ نسأل من الصانع؟ من أين صنعت؟ هذا كوري أمريكي ياباني؟ هذه السيارة من صنعها؟ نسأل عن من؟ وهو يشرح لنا كيف صنعت. فانتبهوا من هذه المغالطة يا إخوان، هذه المغالطة ذهنية قد يغلط الإنسان فيها.

طيب سيقول: لا الخالق مخلوق آخر، هذا المخلوق خلق هذا المخلوق. مثلا الإنسان خلقه الأرض، الأرض خلقتها السماء، السماء كذا. مخلوق يخلق مخلوق! هذا مستحيل، لأنك أنت تقول مخلوق. فتسلسل الفاعلين ممتنع ضرورة عقلية، لابد أن نصل إلى وهذه النتيجة أن يكون وراء هذا العالم خالق، لكن هذا الخالق مختلف في وجوده، وجوده لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء.

لابد أن يكون هذا الخالق مختلف في ذاته، فليس كمثل مخلوقاته، لابد أن يكون هذا الخالق لا مثيل له في أسمائه ولا في صفاته. من هذا الذي لم يسبق بعدم؟ هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء. من هذا الذي ليس كمثله شيء؟ من هذا الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا ولا سمي له في أسمائه وفي صفاته؟ هذا هو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المطلوب اثباته.

هناك أيضاً من الأدلة يا إخوان دليل الأحكام والاتقان. قلنا الدليل الثاني كان كل مخلوق يدل على وجود الله، الآن نأتي للمخلوق نفسه ونستدل به من ناحية النظر إلى ما فيه من أحكام وإتقان. خذوا مثلاً اليد، انظر ابتعاد الإبهام عن هذه الأصابع، وهذا من أجل الأحكام والإتقان في قبض الأشياء، هذا دليل على أحكام الخالق جل جلاله واتقانه. كل مخلوق من مخلوقاته ستشاهد فيه آثار أحكام وإتقان.

حتى قال يعني بعض الإخوان الميكانيكيين قال: اليد فيها عدة كاملة، فيها مفتاح ثمانية عشر، مفتاح اثنا عشر، أربعة وعشرين، فيها كذا مفتاح بهذا الشكل، فيها كذا يعني هذه المفاصل في اليد، طبعاً العين، الأنف، كل ما في الإنسان، كل ما في أي مخلوق من مخلوقات الله سترى فيه آثار الأحكام والإتقان. هذا الأحكام وهذا الاتقان الموجود في كل مخلوق من مخلوقات الله المدرك حسا لا يمكن أن يكون من غير سبب، هكذا من غير سبب تبتعد هذه ما يمكن من غير سبب، أو يوجد لها لذاته هي تفعل بنفسها هكذا لا يمكن. النتيجة لابد: عدم الوجود خالق عليم حكيم خلق المخلوقات بهذا الأحكام والاتقان وهو الله سبحانه وتعالى.

هناك دليل آخر يسمى دليل التخصيص، التخصيص يعني نأتي إلى المخلوق نفسه، مثلاً نأتي إلى الفم: ماء الفم عذب، ماء العين مالح، ماء الأذن مر. ما الذي جعل هذا له هذه الخاصية وهذه الخاصية وهذه الخاصية؟ الآن لو كان ماء الفم مالح بالله عليكم كيف نشرب الشاي؟ نحتاج إلى كيس سكر تضعه في الكاسة حتى تتذوق طعم الشاي، مثلاً طعم الحلى في الشاي. لو كان ماء العين عذب لا، العين فسدت! فسدت هذه العين. ماء الأذن لو كان حلو وكان له رائحة طيبة لنام الإنسان فدخلت الحشرات. هذا التخصيص المدرك حسا لا يمكن أن يكون من غير سبب أو يوجد لها لذاتها، النتيجة لابد أن يكون هناك خالق عليم حكيم خلق المخلوقات بهذه الخواص.

دليل التقدير، نرى يا إخوان في الكون لن تنزل الأمطار، المطر النقاط هذه من المطر من أي مسافة تأتي؟ تأتي من مسافة بعيدة. لو كان حجم الماء هذا النازل أكبر مما هو عليه الآن لما استطاع الناس يعيشون، ولا ما أمكن الناس يمارسون الرياضة والمطر ينزل، بل البرد ينزل، بل الثلج في بعض البلدان الثلج ينزل وهم يمشون في الشوارع ويستمتعون، يا الله! لو كان هذا الثلج أكبر مما هو عليه وأراده الله سبحانه وتعالى إذا ضرب في رأس الإنسان يخرج من دبره، مثل طير الأبابيل عندما رموا على الكفار أبرهة ومن معه رموا عليهم تلك الحجارة خرقتهم تخريق حتى عصف مأكول مثل أوراق الشجر، يضرب الحجر فيخرق الورقة، هكذا هم تخرقوا تخرقوا بسبب هذا.

هذا التقدير في هذا الكون في نزول المطر بهذا الأمر لا يمكن أن يكون هكذا من غير سبب أو يوجد لها لذاتها، بل لابد من وجود خالق عليم حكيم خلق المخلوقات بهذا التقدير المحكم المتقن وهو الله سبحانه وتعالى.

ثم أيها الأحبة في الله، كل دليل من الأدلة يدل على كون النبي مرسلا من عند الله وأنه صادق في كلامه هو يدل على وجود الله. الآيات والبركات التي جاء بها الأنبياء جميعهم، كل آية وكل برهان جاء به نبي يدل على وجود الله، لأنه يقول هذا الدليل الله سبحانه وتعالى آياه، فكل الأدلة والبراهين هذه كلها من أدلة وجود الله.

أيضاً إجابة الدعاء؛ يقف هذا النبي ويأتيه الأعرابي كرسولنا صلى الله عليه وسلم ويقول: يعني أجدبت الأرض وهلكت المواشي، اجعلنا ندعو الله أن يسقينا. فيرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ويدعو الله والسماء ليس فيها أي سحابة، ما ينتهي من خطبته صلى الله عليه وسلم حتى نزل المطر، ويظل المطر أسبوع كامل، ثم يأتيه الرجل نفسه أو غيره ويدعو الله سبحانه وتعالى فيقول: اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآفاق، اللهم على منابت الشجر، وهكذا فيتوزع ذلك المطر.

كذلك النصر على الأعداء، كذلك الدين الذي جاء به كل نبي، الدين وهو دين الإسلام، كلهم جاءوا بدين الإسلام، النظر في الدين الإسلامي الذي جاء هذه الأنبياء كله يدل على وجود الله، النظر إلى شخصية كل نبي ونبينا صلى الله عليه وسلم شخصيته وأخلاقه تدل على أنه رسول الله، وهذا الدليل في الوقت ذاته هو دليل على وجود الله.

أيها الأحبة في الله، ما يذكر من شبه إنما هي أيها الأحبة في الله أمراض نفسية، إنما هي أهواء، ولذلك ينبغي للإنسان أن يملأ قلبه يقينا بالله سبحانه وتعالى وينشغل بعبادة الله جل جلاله. وهؤلاء إذا كان حصل الإنسان العلم واستطاع أن يبين لهم ويدعوهم ويعلمهم فجزاه الله خيراً، وإلا فإن الإنسان يبتعد عن شبهات هؤلاء، عن شبهات هؤلاء.

لأن أغلب هذه الشبهات انتبهوا لها بسبب عدم معرفتهم لله؛ ينظرون إلى هذا الإله مثل ما ينظرون إلى البشر، ينظرون لعيسى مثل ما ينظر الإنسان إلى إنسان، ولذلك يطرحون هذه التساؤلات، تطرح على بشر اعتراضات على بشر هذا صحيح، أما من عرف الله سبحانه وتعالى وأنه حكيم وأنه قدير وأنه لطيف وأنه خبير، عرف الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، هذه الشبهات لا مكان لها، لا مكان لها لا في قدر الله ولا في شرع الله ولا في يعني حسن الظن بالله، هذه كلها تمحى. من عرف الله جل جلاله، من عرف الدين الإسلامي الحق أنه تنتفي عنه تلك الشبهات، ومن لم يعرف الدين الإسلامي ستبقى له تلك الشبهات.

لا يسعنا في ختام هذا الفصل إلا أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يكون ما تدارسناه خالصاً لوجه الله، وأن يكون ما تدارسناه معيناً لنا على طاعة الله مقرباً لنا إلى الله جل جلاله. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.

يا راغبا في كل علم نافع متطلع لزيادة الايمان وتريد سهلا عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.