السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله في المحاضرة الثانية عشرة من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث. اليوم بمشيئة الله سنتحدث عن صفات المؤمن القوي، وكيف يكون تعامله مع القضاء والقدر، وسنتحدث عن موضوع الاحتجاج بالقدر، وسنتحدث عن الواجب علينا تجاه الشرع والقدر. هذه الثلاث العناصر هي التي سنتحدث عنها.
نبدأ بالمؤمن القوي؛ كيف تعامله مع القدر؟ أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان».
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». المؤمن نعرفه؛ المؤمن هو من جمع بين قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح؛ فالتزم بشرع الله في قول قلبه، وقول لسانه، وعمل قلبه، وعمل جوارحه، فكان قوياً في هذا الجانب، قوياً في إيمانه.
هذه القوة في الإيمان جعلته قوياً في مجالات أخرى؛ قوياً في بدنه، قوياً في ماله، قوياً في فهمه، قوياً في همته، قوياً في عزيمته، قوياً في تمسكه بهذا الدين. هذا لا شك أنه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في إيمانه، المؤمن الضعيف في بدنه، المؤمن الضعيف في علمه، المؤمن الضعيف في ماله، المؤمن الضعيف في كل ما من شأنه أن يعود بالقوة على الإنسان؛ فهو ضعيف في هذا الأمر.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم -انظر الآن ما علاقة هذا المؤمن القوي بالقدر؟- يعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، المؤمن القوي يؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومُرِّه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنت أنت مؤمناً قوياً فعندك النفع؛ «احرص على ما ينفعك». كن حريصاً على هذا النافع، حدد لك النافع؛ تتعلمه من شرع الله، هذا النافع الدنيوي والنافع الأخروي.
المؤمن بالقضاء والقدر يكون حريصاً عليه، فيضع الأسباب، يبحث عن الأسباب التي توصله لهذا النافع، ويرسم الخطَّة هذه ليسير على هذه الأسباب حتى يحقق النافع الدنيوي والأخروي. الأسباب سيترتب عليها ثواب، أو يترتب عليها عند الخطأ عقاب. ترتب الثواب والعقاب من الذي يحكم؟ من الذي يقدر الثواب والعقاب؟ هو الله سبحانه وتعالى.
لذلك، وأنت تنفذ هذه، ثم من الذي يعينك على هذا التنفيذ؟ هو الله. ترتب الثواب وترتب العقاب والإعانة على هذا السير كله من الله. لذلك المؤمن بالقضاء والقدر يأتي بالأسباب ثم يقول: يا الله! اللهم أعني، اللهم أعني على فعل ذلك، اللهم حقق لي مقصودي من ذلك، اللهم جنبني الخلل في ذلك، اللهم جنبني ما يترتب على الخلل في ذلك من مصائب وكوارث يا الله، واستعن بالله.
هذا الإيمان بالقضاء والقدر؛ تفعل الأسباب وتطلب من الله العون، ثم أيضاً تترك العجز والتكاسل. ما تقول: المؤمن بالقضاء والقدر فتاتل؟ لا، الإيمان بالقضاء والقدر من المؤمن القوي يبذل وينطلق في حياته، ويأتي بالأسباب وبهمة وبنشاط وبعزيمة النافع ويحرص عليه، رغم أنه يؤمن أن كل شيء بقدر الله.
لكن هذا ما علمه الشرع؛ يحرص على الاتيان بالأسباب لتحقيق هذا النافع، ويطلب من الله العون، ويترك العجز والتكاسل. تحقق المقصود، قال: هذا من فضل الله؛ لأنه يعلم أن ترتب الثواب وترتب النتيجة على هذه الأسباب إنما هي من الله جل جلاله، وأن هذا الإعانة على القيام بهذا الفعل من شرح صدر وتسيير أمر وإزالة العقبات وتوفر الأسباب وانتفاء الموانع حتى يتحقق هذا السبب كله من الله.
لذلك إذا تحقق المقصود قال: الحمد لله، هذا من فضل الله، هذا من فضل الله. وإذا لم يتحقق المقصود، ما يقول: يا الله لو سويت كذا خلاص! يعلم علم يقين أن الله ما كتب له هذا الأمر، فلذلك ما يقول: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، لكن يقول: قدر الله وما شاء فعل. ثم يعود ويراجع خطته، ويستدرك الأخطاء. بالنسبة للمصائب يقول: قدر الله وما شاء فعل. تحقق المقصود قال: الحمد لله، تحقق غير المقصود قال: الحمد لله على كل حال، قدر الله وما شاء فعل.
أما إذا بدأ يفتح باب «لو»؛ سينفتح عليه الشيطان ثم يقول: قد يتسخط ويتهكم على قدر الله، ليش أنا يا ربي؟ طيب أنا صليت الفجر! أنا أتيت بهذه الأسباب! لماذا ما تحقق لي المقصود؟ وفلان ما صلى ولا يعني يزكي و... ماله في... هنا يفتح عمل الشيطان، فيتسلط على الإنسان، فيتسخط ويتجحد الله.
إذاً يا إخوان، الناس على أربعة أقسام بالنسبة في هذه الحياة، سواء مع ناخذ مثال العباده والاستعانة. الناس في العبادة والاستعانة على أربعة أقسام: مؤمن قوي؛ المؤمن القوي هذا العبادة لله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] عنده، ويستعين بالله يطلب من الله العون على عبادة الله. هذا بشكل عام في جميع مناحي الحياة؛ فهذا المؤمن القوي يراعي الأمر الشرعي فيلتزم بالعبادة، ويراعي القدر فيطلب من الله الإعانة.
المؤمن الضعيف؛ يلتزم بالعبادة لكن الاستعانة ضعيف فيها، ولذلك هو دائماً متسخط متجزئ لأن إيمانه ضعيف. القسم الثالث: المبتدع؛ المبتدع هذا قد يكون في في القضاء والقدر قوي، فعنده الاستعانه بالله، لكن العبادة على غير سنة؛ فهذا عنده ضلال. وشر الناس من لا عبادة له ولا استعانة بالله سبحانه وتعالى عنده؛ فهذا من المغضوب عليهم. إذاً، أهل الصراط المستقيم المنعم عليهم، أهل الإيمان القوي، هم من جمعوا بين العبادة والاستعانة، جمعوا بين الشرع والقدر، جمعوا في حياتهم بين الأخذ بالأسباب وبين علمهم اليقيني بأن نتائج هذه الأسباب وأن التوفيق لنجاح هذه الأسباب وأن التوفيق في القيام بهذه الأسباب يكون بعون الله سبحانه وتعالى.
حياكم الله أيها الأحبه في الله. الآن سندخل في موضوع آخر يتعلق بمساله الاحتجاج بالقدر. اريد أن اسالكم هذا السؤال يا إخوان، وأريد منكم التركيز معي فيه: هناك قصة أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي في البخاري ومسلم، حدثت بين آدم عليه السلام وبين موسى عليه السلام. حدث هذا الحوار الذي يخبرنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من امور الغيب يخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم. حدثت المحاجة بين آدم وموسى، فبدأ موسى عليه السلام بلوم آدم.
هل لام موسى آدم على الأكل من الشجرة أم لامه على الإخراج من الجنة؟ أريد منكم كل واحد يضع إجابة لامه. فقال له: يا آدم، أنت أبو البشر، أكلت من الشجرة فعصيت الله، أو قال له: اخرجتنا ونفسك من الجنة؟ هل لامه على الإخراج من الجنة أم لامه على الأكل من الشجرة؟ كل واحد منكم يحط الخيار الذي يراه صواباً.
طيب، الذي كتب أن لامه على الأكل من الشجرة، خلينا ناخذ هذا القول: لامه على الأكل من الشجرة، فاحتج آدم بالقضاء والقدر، احتج آدم بالقدر. فلو قلنا إن موسى لامه على الأكل من الشجرة، الأكل من الشجرة معصية أم لا؟ معصية، عصى آدم ربه فهي معصية، فاحتج بالقدر. من فاز في المحاجة؟ فاز في المحاجة آدم! إذاً يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية، فيعصي الإنسان ربه ثم يقول: قدر الله ما شاء فعل؟ لا! إذاً هذا خطا، فانتبهوا يا إخوان.
لم يكن لوم موسى لادم على الاكل من الشجرة؛ من فهم أنه على الأكل من الشجرة فقد أخطأ، لم يلمه على الأكل من الشجرة، وموسى عليه السلام يعلم أن آدم عليه السلام لم يحتج بالقدر على المعصية. لما عصى ربه والله سبحانه وتعالى قال له: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: 22]، ماذا قال آدم؟ ما قال: قدر الله ما شاء فعل! قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
فآدم عليه السلام بالنسبة للمعصية استغفر وتاب منها: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّه فغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 121-122]. انتهت المعصية، المعصية انتهت، وقع في المعصية والله عز وجل غفر له ذنبه. لكن هناك مصيبة قد حكم الله عز وجل بها وقدرها على الأكل من الشجرة.
فلوم موسى لم يكن على المعصية، إنما كان لوم على المصيبة التي حدثت. ما هي المصيبة الناجمة المترتبه على تلك المعصية؟ الإخراج من الجنة. فموسى قال: آدم اخرجتنا ونفسك من الجنة، فلامه على الإخراج من الجنة. السؤال: آدم هو الذي اخرجنا من الجنة ولا هو أكل؟ أكل من الشجرة. هذا فعل آدم، الأكل من الشجرة. لم يحتج آدم على معصيته بالقدر، لكن ما ترتب على معصيته من الإخراج من الجنة قال: هذا قدر الله؛ فالله هو الذي قدر الإخراج من الجنة على هذه المعصية. فآدم قال: ما هو أنا الذي أخرجتكم من الجنة، أنا أكلت من الشجرة، والله هو الذي قدر على الأكل من الشجرة الإخراج من الجنة.
تابعوا معي هذا الحديث؛ الحديث اخرجه البخاري ومسلم، وانتبهوا لأي رواية يكون فيها الكلام عن المعصية، إنما كل الروايات الصحيحة وإنما هي على الإخراج من الجنة. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة». شفتوا كيف الآن نتحدث عن المصيبة؟ «أنت أبونا، خيبتنا، أخرجتنا من الجنة». إذاً لامه على الإخراج من الجنة.
قال له آدم: «يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده -يعني التوراة- أتلُومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن أخلق، أو قدره علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟» ايش معنى أربعين سنة؟ لأن آدم عليه السلام ظل في القبضة من الطين أربعين سنة. ظل آدم عليه السلام قبضه من الطين أربعين سنة. عندما خلق الله آدم قبضة من الطين، ماذا قال للملائكه؟ قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
فالله علم أن آدم عليه السلام باختياره وإرادته سياكل من الشجرة، فكتب ما علم وشاء وقوعه، فأراد أن يكون ذلك في كونِهِ وخلقه بما خلق في آدم عليه السلام من القدرة والاختيار. ثم رتب الله عز وجل على هذه المعصية التي فعلها آدم باختياره وإرادته كانت العقوبة هي الإخراج من الجنة، فالله كتب ذلك قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
قال يعني: أنت ما وجدت في التوراة هذا الكلام؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى. لماذا حجه؟ لأنه احتج بالقدر على المصيبة. فنحن يا إخوان، بالنسبة للمصائب يجوز الاحتجاج بالقدر على المصيبة؛ المعصية الواجب فيها الاستغفار، والمصيبة الواجب فيها التسليم والرضا والصبر على هذا القضاء والقدر.
أعطيكم أمثلة: لو أن شخصاً من الناس كان مسرعاً بسيارته، السيارة هذه ما تتحمل السرعة، وهذا الإنسان مسرع، مسرع مثلاً 140، 160، والسيارة هذه قرمبع، السيارة هذه ممسوحة الكفرات، ثم هذا مسرع به الأمر، فحدث أن هذا الإطار ضرب فانقلبت السيارة وكسرت ساقه. ثم جاء شخص يزوره، فقال له: تسرع؟ جاء مثلاً واحد من أعمامه كبار السن، قال له: يا ولدي تسرع بالسيارة 140 والسيارة لا تتحمل مثل هذه السرعة؟ فقال: قدر الله وما شاء فعل. صح أم خطأ؟ هذا خطأ، المفروض يقول: استغفر الله، وإن شاء الله ما أعوذ إليها مرة أخرى. فاحتجاجه بالقدر على السرعة احتجاجه بالقدر على...
خطأ، طيب، قال له الثاني: يا ولدي، انظر ماذا أصابك؟ انظر لتكسير قدميك، انظر ماذا حصل لك؟ وكسر ساقاك؟ فقال: قدر الله ما شاء فعل. صح أم خطأ؟
هنا صح، لماذا؟ لأنه الآن احتج بالقدر على المصائب، والمصائب هي ما قدره الله من العقوبات على تلك المعائب، ما قدره الله من العقوبات أو الثواب هذا قدر الله. وبالنسبة للطاعة وبالنسبة للمعصية، هذه الإنسان يحمد الله سبحانه وتعالى على الطاعة، ويستغفر من المعصية، هذا هو الذي ينبغي، نأخذ فاصل، ثم نعود ونؤكد على هذا الكلام بمشيئة الله ونوضح أكثر.
حياكم الله أيها الأحبه في الله. اخذنا قبل الفاصل أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب لا المعائب، وخلصنا على أن موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم أن موسى عليه السلام لام آدم على الإخراج من الجنة، والإخراج من الجنة مصيبة، فلامه على المصيبة، فاحتج آدم بأن هذا قدر الله، وما قدره الله هو الذي سيكون. فانتصر في المحاجة آدم على موسى. فقلنا إذاً أن آدم عليه السلام لم يحتج بالقدر على الأكل من الشجرة، إنما احتج بالقدر على الإخراج من الجنة، فجاز هذا الأمر.
وقلنا إنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب لا المعائب، المعيبة يعني مثلاً شخص تارك للصلاة ما يصلي، ثم جاءه شخص ناصح فقال له: يا اخي، أنت عمرك ثلاثين سنة وإلى اليوم ما تصلي، اتق الله عز وجل وراقب الله، فقال: قدر الله ما شاء فعل. احتجاجه أصاب أم خطأ؟ احتجاجه خطأ. طيب لو كان هناك شخص بلغ عمره ثلاثين سنة وتاب، وتاب الله سبحانه وتعالى عليه، ثم بدأ يصلي، فجاء شخص يقول له: يا الله! بلغ عمرك ثلاثين سنة وما كنت تصلي واليوم تصلي؟ قال: قدر الله ما شاء فعل. هذا الآن يعتبر هذا الماضي مصيبة، مصيبة أنه قد فاتت تلك الأجور، بلغ عمره ثلاثين سنة ما كان يصلي، فهذه مصيبة، فقال: قدر الله ما شاء فعل. هذا احتجاج بالقدر على المصيبة، أما المعيبة نفس العيب، نفس المعصية، لا يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر عليها.
نختم هذه المحاضره بالكلام عن الواجب علينا تجاه الشرع والقدر. يا إخوان، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]. الله سبحانه وتعالى جعل لنا شريعة نسير عليها، هذه الشريعة فيها مأمورات، فيها منهيات، فيها أخبار عقيدة، وفيها كذا. فأمر الله سبحانه وتعالى أن نلتزم بهذه الشريعة.
هل يمكن أن يأمرنا الله سبحانه وتعالى وينهانا بشيء وليس في قدرتنا أن نقوم بهذا الشيء؟ مستحيل يا إخوان! إذا كان الإنسان قد حُرم من نعمة القدرة فصار مكرهاً، صار مضطراً، مثلاً ما عنده نعمة الجوارح الممكنة، جاءت رسالة الإسلام وهو أصم وغير بصير، جاءت يعني خُلق هكذا، مجنون، كان مجنوناً، حُرم نعمة العقل، حُرم نعمة الشرع، حُرم نعمة الجوارح السمع والبصر، حُرم نعمة الاختيار والإرادة، هذا يرفع الله سبحانه وتعالى عنه التكليف. يجب أن يكون عندنا يقين بهذا الأمر: أن الله سبحانه وتعالى ما يجعل لنا شريعة وليس في قدرتنا القيام بها، فما كلفنا الله سبحانه وتعالى بما لا يطاق، إنما كلفنا الله عز وجل بما هو في وسعنا وفي طاقتنا أن نقوم به.
وهذا الشرع وهذا القدر، هذا القدر لا يمكن أن يكون فيه جبر للإنسان، سواء على الفعل؛ لأنك إذا كنت تفعل شيئاً وأنت مجبور عليه ما تستحق الثواب، وأيضاً إذا كنت أنت تفعل معصية مجبوراً عليها ما تستحق العقاب. فهذا يجب أن يكون عندنا يقين، يقين تام عندنا. إذاً، الشرع الواجب علينا تجاه الشرع أن نجتهد في الامتثال، أن تقول: امتثل، فتمتثل هذا الشرع بالابتداء، تمتثل هذا الشرع بالاعتراض؟ وأهم شيء أنك لا تعترض على هذا الشرع بالقدر؛ لأنه لا يمكن لا يمكن أن يكون بينهما تعارض البتة. فلا تعترض على شريعة الله بشيء، لا بقدر ولا بشيء آخر من سياسة، من عادات، من أعراف، لا يعترض على هذا الشرع، الواجب هو في الشرع هو الامتثال.
طيب، حدث عندك تقصير في هذا الامتثال، فلم تمتثل المامور كما ينبغي، ففرطت فيه، أو أنك وقعت في المحظور، فوقع منك تفريط فوقعت في المحظور، ما الواجب عليك حينئذ؟ ما الواجب عليك إذا أنت قد قصرت في المأمور أو وقعت في المحظور؟ الواجب عليك أن تستغفر، تستغفر الله، تطلب من الله سبحانه وتعالى المغفرة، هذا الواجب عليك تجاه الشرع.
بالنسبة للقدر، ما الواجب عليك تجاه القدر؟ أنت وأنت تريد أن تلتزم بهذا الشرع تؤمن أن الثواب المترتب على التزامك بهذا الشرع هو من تقدير الله، وتؤمن أن الإعانة على أن تأتي بهذا المشروع هو من عند الله، فتطلب من الله سبحانه وتعالى العون، وتتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، فيكون في قلبك صدق الاعتماد على الله في تحقق هذه النتيجة، وفي القيام بهذه الأسباب. فهذه الأسباب الشرعية تتعامل معها بيدك، وأما القلب فيكون معلقاً بالله سبحانه وتعالى، فتطلب من الله الإعانة على الفعل، وتطلب من الله سبحانه وتعالى أن يثيبك على هذا الفعل. فالواجب تجاه القدر الاستعانة بالله والتوكل على الله وأنت تقوم بهذا الشرع.
طيب، حدث الأمر، حدث مثلاً تحقق هذا المطلوب، الواجب عليك إذا تحقق هذا المطلوب أن تقول: هذا من فضل الله، وترجع هذا الأمر إلى الله؛ لأنه لولا الله ما استطعت أن تقوم بتلك الأسباب، ولولا أن الله سبحانه وتعالى قد أعانك بتوفر تلك الشروط التي إذا توفرت لذلك السبب أنتج، وأيضاً لولا الله أنه أزال عنك الموانع عن ذلك السبب حتى ينفع، لولا أن الله قد أعانك على تحقيق ذلك السبب بتوفر الشروط وانتفاء الموانع ما تحقق ذلك. إذاً واجب عليك أن تعيد، تحمد الله سبحانه وتعالى إذا تحقق لك هذا المقصود.
فلم يتحقق لك هذا المقصود بسبب نقص في أمورك، بسبب أشياء، الواجب عليك أن تحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وأن تصبر على هذا المقدور، أن تحسن الظن بالله جل جلاله، فلا تتسخط ولا تجزع على قدر الله، وتعلم أنه طالما هو من عند الله فهو من جهة الله هو خير لك. صحيح، أنت أصابك فقد هذا الحبيب بموته، أنت أصابك خسارة مالية، أنت أصابك مرض في بدنك، أنت تشعر أن أصابك ضرر، أن أصابك شر، لكن يجب عليك أن تعلم أنه من جهة الله هو خير، أراد الله عز وجل بك الخير، أراد الله أن يكفر عنك سيئاتك، أراد الله سبحانه وتعالى أن تكثر حسناتك، أراد الله سبحانه وتعالى أن ترتفع درجاتك، أراد الله سبحانه وتعالى بك الخير أن تعود إليه، أن تستغفر وأن تتوب. فالواجب عليك تجاه القدر هو الصبر إذا لم يتحقق المطلوب، هو الصبر على هذا المقدور وإحسان الظن بالله سبحانه وتعالى.
أختم هذه المحاضرة بما أخرجه البخاري بسنده عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم». لأنه خلاص فرغ من ذلك. قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له». يعني هؤلاء الذين علم الله أنهم باختيارهم وإرادتهم سيسيرون في طريق الطاعة فكتب ذلك عنده، وشاء منهم ذلك شريعة، وخلقه سبحانه وتعالى ذلك أفعالهم خلقها بما خلق فيهم من القدرة والاختيار ونحو ذلك، الله عز وجل قال: هؤلاء الجنة فييسر لهم طريق الجنة، ييسر ذلك لهم، ويجعلهم يعملون لذلك الطريق لما خلق له.
وأولئك الذين علم الله أنهم باختيارهم وإرادتهم سيسيرون في طريق النار، وكتب ذلك عنده، وشاء وقوعه كونا، أراد وقوعه كونا، وخلق الله عز وجل فيهم ما يمكنهم من القيام بذلك الكفر والفسق والمعاصي، بعد ذلك ييسر لهم هذه العسر، طريق العسر، طريق النار والعياذ بالله. فكل يعمل لما خلق له.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يملأ قلوبنا يقيناً بالقضاء والقدر، وأن يجعلنا نفهمه الفهم الصحيح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى عنا، ويجعل جوارحنا تلتزم بشريعه الله. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً، وإلى لقاء في المحاضرة القادمة بمشيئة الله.
د. أبو زيد مكي القبي