دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، وتقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة، يفوح لأهل كل زمان للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبًا بكم في الفصل الرابع من هذه الأكاديمية المباركة.

وما زلنا مع سيرة أشرف الخلق ﷺ، سيرة نعطر بها أنفاسنا، وتتعطر وتتجمل بها حياتنا، سيرة يجعلها الله عز وجل نورًا وهداية لمن كان في قلبه تشوق وحب للنبي ﷺ. بلا شك أن المسلم كلما درس وتدارس سيرته عليه الصلاة والسلام انشرح لذلك صدره، وهانت عليه هموم الدنيا؛ هو يرى خيرة خلق الله عز وجل، يراه في أحواله، يراه في فرحه وحزنه، في ضحكه في غضبه، في أحوال راحته وتعبه، في أموره كلها ﷺ.

لا شك أن المؤمن إذا تدارس سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ازداد حبه في قلبه، هذا الحب يزداد ويضطرد مع إيمانه؛ فكلما زاد حبك كلما اضطرد وزاد إيمانك بالله عز وجل. النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن يكون أحب إلينا من أنفسنا، وأموالنا، من آبائنا وأولادنا وأزواجنا. ولذلك توعد الله تعالى من لا يحب النبي عليه الصلاة والسلام أشد من حبه لآبائه وأبنائه وإخوانه وأزواجه وعشيرته، وأموال اقترفتموها أو تجارة تخشون كسادها أو مساكن ترضونها، كما جاء في سورة التوبة: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...﴾ [المجادلة: 22]، وفي سورة التوبة: ﴿إِن كَانَ حُبُّكُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ أَعْظَمَ مِنْ أَجْلِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. هذا وعيد شديد؛ إذ لا سبيل لمحبة النبي عليه الصلاة والسلام إلا بتدارس سيرته ومعرفة أحواله عليه الصلاة والسلام.

ولذا سنحاول في هذا الفصل أن نقف على شيء من أحواله عليه الصلاة والسلام فيما يحب ويبغض، في الأمور التي تكلم فيها أو سكت عنها، في معاتبته وتعزيراته وغير ذلك من المواقف. لماذا ندرس هذه الأمور في هذه الأوقات؟ نحن في حاجة إلى مدارستها لوجود تلك الهجمة الشرسة على الإسلام، وإذا أردت أن تهدم الإسلام فاهدم حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قلوب أتباعه؛ لأن الذي يدعو الناس لاتباع النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته، وإيمانهم بأنه عليه الصلاة والسلام هو خير خلق الله تعالى وأكرمهم وأحبهم إليه عز وجل.

أعداء الله يحاولون تشويه صورته، وهذا ليس بشيء جديد، بل هو منذ بدء الرسالة المحمدية ﷺ؛ اتهموه في الماضي بالجنون، بالكذب، بالسحر، بالكهانة، وبشتى أنواع التهم، ومع ذلك اتبعه الناس لأن ما يروه غير ما يسمعونه؛ وهم يسمعون الافتراء ولكنهم يرون الطهر والصدق والأمانة ماثلة أمام أعينهم. فهذه الهجمة الشرسة قد تؤثر في أبنائنا وبناتنا خاصة ما يبثه الملحدون، فلا بد من تصحيح الصورة. هنالك شبهات كثيرة يثيرها أعداء الله على الإسلام؛ بادئ ذي بدء يبدأون بالطعن في الصحابة، فإن طعن في الصحابة طعن في حملة هذا الدين، ثم يكبرون في غيهم وطغيانهم فيطعنون في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يطعنون في القرآن وفي ربنا عز وجل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.

إذن ينبغي علينا أن نتعلم سيرته كي نستطيع أن نحصن أنفسنا وأبناءنا من مثل هذه الشبهات، بالإضافة إلى أن الله عز وجل أمرنا أن نتأسى به وأن نتخذه قدوة. فكيف نقتدي بمن لا نعرف عن أحواله شيئًا؟ الله عز وجل قد حمى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته جسديًا، وبعد مماته في سمعته وفي عرضه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95]. قال السعدي رحمه الله: «بك وبما جئت به»، وهذا وعد من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يضره المستهزئون، وأن يكفيهم الله تعالى إياهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل؛ فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شرًا.

وهذا واضح من أكثر من ألف وأربعمائة سنة من خلد التاريخ. سيرته ممن طعن في النبي عليه الصلاة والسلام ووسائل الإعلام على مدى العقود الماضية يطعنون ويستهزئون، من بقي منهم كلهم دخلوا مزبلة التاريخ من أوسع أبوابه، نسوهم الناس ولم يعودوا يذكرونهم، فإن ذكروهم ذكروهم باللعن، ولكن بقيت سيرته صلى الله عليه وآله وسلم ناصعة البياض، بقيت سمعته صلى الله عليه وسلم تعطر الأفواه بالصلاة عليه وبحسن ذكره.

إذن، هذا الفصل نسأل الله أن يجعل فيه البركة وأن ينفعنا بما نسمع ونقول. هذا الفصل سوف نتكلم ونتحدث فيه عن أحواله صلى الله عليه وآله وسلم؛ عن الأمور التي يحبها ويبغضها، عن الناس الذين يحبهم ويبغضهم، عن أحواله في حال الفرح وفي حال الحزن، في حال الغضب وفي حال الرضا، عن أمور متعددة من سيرته عليه الصلاة والسلام من شمائله نتقرب بها إلى الله عز وجل، عسى أن ينفعنا الله تعالى بها.

نبدأ في هذا الفصل بإذن الله عز وجل في الحديث عن كلامه، كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ عجيب على قلته إلا أن فيه من المعاني الشيء العظيم، ولذلك جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أوتيت جوامع الكلم». وكلامه عليه الصلاة والسلام كان أطيب الكلام؛ لأنه ما إن يسمعه السامع حتى يدخل في قلبه مباشرة فيؤثر فيه تأثيرًا عجيبًا، على الرغم من تحذير المشركين للناس من أن يسمعوا كلامه. وهذه الدعاية الضالة المغرضة كانت كثيرة ضد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؛ الطفيل بن عمرو الدوسي كما جاء في السيرة، كان أحد أولئك الذين سمعوا هذا الافتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما هي قصته؟ هذا ما سوف نعرفه إن شاء الله عز وجل بعد الفاصل.

فابقوا معنا. صيانة للمرأة عن الأذى، وأمانًا لغيرها من الفتنة، وحفاظًا على المجتمع من السقوط في مهاوي الرذائل والشهوات. الحجاب فرضه الله على المرأة المسلمة وأمرها بالالتزام به أمام كل رجل أجنبي عنها، ولو كان من قارب غير المحارم. وحجاب المرأة هو ما ستر جميع البدن، وكان موافقًا للشروط الآتية: أن يكون كثيف النسيج لا يشف ما تحته، أن يكون فضفاضًا لا يصف ما دونه، ألا يكون زينة في نفسه، ألا يكون مبخرًا أو مطيبًا، ألا يشبه ثياب الرجال، ألا يشبه زي الكافرات، ألا يكون ثوب شهرة تمتاز به عن قريناتها، ما دون ذلك كان داخلًا في التبرج الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33]. فالمرأة المسلمة تلتزم أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم كي...

فوز برضى الله تعالى وجنته، وتنجو من الوعيد الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما؛ هما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد مما سيرة كذا وكذا».

الطفيل بن عمرو الدوسي رجل من خيرة قومه، قدم إلى مكة، وكانت العادة أنه ما إن يأتي غريب إلى مكة حتى يمسكه المشركون ويعطوه تحذيراتهم من أن يستمع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: هذا الذي فرق بيننا، وظهر فينا، وفرق جماعاتنا وشتت أمرنا، وقوله كالسحر يفرق بهذا الكلام بين الرجل وبين امرأته، بين الرجل وأخيه، بين الأب وابنه، فنحن نخشى إن سمعت منه أن يصيبك شيء مما جاء به فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا.

طبعًا حسن النية موجود، قالوا: هو أعلم بمن من جماعتهم وقومه أعلم به منا، فحاشوا أذنه قط حتى لا يسمع، كأنه وضع سدادات في أذنه كي لا يسمع شيئًا، ودخل إلى المسجد ليعبد الآلهة كما كانوا يفعلون. فرأى النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا به يصلي عند الكعبة، ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يوسف: 31]. الدعوة بالفعل بالعمل لا بالحديث فقط؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يصلي ولا يبالي بمدح المادحين أو بانتقاد المنتقدين، وهذه علامة الإخلاص.

كان يصلي عند الكعبة يرفع صوته بالقرآن، يقول الطفيل: فأبى الله عز وجل إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، ما سمعت سحرًا، ما سمعت تمتمة، إنما سمعت كلامًا عربيًا فصيحًا مبينا، وقلت في نفسي: أنا امرؤ عاقل لبيب، هل يعقل أن أعير عقلي لغيري؟ وهذا سبحان الله شبيه بما يفعله العامة مع وسائل الإعلام الغالب أنها كاذبة، يقول ما لا يرضي الله عز وجل من القول فتقود الناس قيادة القطيع. هذا الرجل عاقل، قال: أنا أسمع وأتبع الشيء الذي يكون موافقًا للمنطق، موافقًا للعقل، ما يخفى عليه الحسن من القبيح، ما يمنعني أن أسمع هذا الرجل.

يقول: مكثت حتى انصرف الرسول عليه السلام إلى بيته، فتبعته ثم دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا كذا وكذا، فاسمعني، فقرأ عليه عليه الصلاة والسلام القرآن وعرض عليه الإسلام، يقول: فما سمعت قولًا أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق. ولكن هذه القصة الجميلة نتبين فيها أن الهداية بيد الله تعالى؛ فكم من الناس سمعوا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يؤمنوا، لماذا؟ لأن الله طبع وختم على قلوبهم. وكم من الناس سمعوا كلام النبي عليه الصلاة والسلام فآمنوا، فكان إيمانهم كالجبال الراسيات.

وكما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46]. الله عز وجل الذي ثبتهم، لأن الله تعالى علم أنه ليست لديهم الرغبة ولا الهمة في معرفة الحق، ولو أنهم جاهدوا في الله حق جهاده لهداهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. أنت تريد الهداية وأنت على كرسيك، لا بد أن تتحرك، لا بد أن تطلب.

ولذلك جاءت هذه الهداية منة من الله عز وجل وفضل، على ذلك الرجل كلام الرسول عليه الصلاة والسلام فيه من الخير والفائدة الشيء العظيم. أما قال هو نفسه صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحر»، عندما سمع شاعر القوم وخطيبهم يتحدث، قال: «إن من البيان لسحر، وإن من الشعر لحكمة». فإذا كان هذا عند الناس، فكيف بكلامه هو صلى الله عليه وسلم؟

النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تمهل في كلامه، فكان يترسل ولم يكن يواصل الكلام ويجمعه بعضه ببعض، ولم يكن يتكلم بصورة متصلة حتى ينقطع نفسه، بل كان يتخير السكتات المناسبة. عن عائشة رضي الله عنها تقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث بالحديث لو عده العاد لأحصاه، ولم يكن يسرد الحديث كسردكم». فالرسول عليه الصلاة والسلام كلامه متمهل، ما كان يسرده سردًا، وكان يتكلم بكلام بين، يفهمه من يجلس إليه.

الآن أنت لو تنظر في كلام الناس، بعض الخطباء يتكلم ما شاء الله ثلاث ساعات، أربع ساعات، ويظن أن هذا فيه قوة وفيه زيادة علم، أبدًا، كثرة الحديث ينسي بعضه بعضًا. أنت إذا تحدثت ساعة كاملة في موضوع وتكلمت بحديث متواصل وسريع، الناس ما يفهمون عنك. ولذلك كلامه عليه الصلاة والسلام كان بتمهل وكان موجزًا، يستطيع الإنسان أن يعده.

وهذا أيضًا سيأتي معنا شيء من هذا القبيل؛ فالأصل أن الخطيب إذا تحدث أن يتحدث بلغة فصيحة، وأن يتخير الحديث والكلام، وأن يقلل ويوجز منه ما استطاع. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن نفسه فقال: «بعثت بجوامع الكلم»، فكلامه بليغ وكلامه موجز، وكلامه يفهمه السامع. أما أن يتحدث الخطيب بسرعة وباتصال وبدون وقفات معينة، هذا لا ينفع. الإنسان إذا تحدث لا بد أن يعرف متى يقف، ولا بد أن يعرف متى يتحدث، ونبرة الصوت متى تطلع ومتى تنزل، هذا كله من الأمور التي ينبغي على المسلم أن يحرص عليها، أن يراعي أحوال المستمعين.

هذا النبي صلى الله عليه وسلم كان لو أرادوا أن يحصوا ويعدوا كلامه لفعلوا، وكلام أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام يستطيع طلبة العلم حفظها؛ حديث عمر رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات»، وأربع كلمات أو ثلاث، شيء عجيب عندما يقول عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، هذا يبنى عليه أصول الإسلام، أربع أو خمس كلمات جمل عجيبة: «لا ضرر ولا ضرار».

هذا كله يدلك على ماذا؟ يدلك على أن الأصل هو الإيجاز بأبلغ العبارات لكن بأقصرها. ولذا أحياناً تتعجب وتسمع من الناس التذمر، يقول: صلينا عند إمام في صلاة الجمعة، وإذا بخطبته والصلاة تصل إلى الساعة والربع ساعة، يا الذي لا تخاف الله يخطب في الناس! قال: نعم، حدثتهم بما حدث منذ آدم إلى قيام الساعة! يا أخي اتق الله، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قصر خطبة الرجل وطول صلاته لمئنة من فقهه».

إذًا كلما كانت الخطبة قصيرة وموجزة، يخرج الناس من الجمعة وقد فهموا عنك؛ حدثتهم عن مسألة، أتقنتم هذه المسألة. أما لما تطيل الخطبة وتحدثهم عن عشرات المسائل، يخرجون من الخطبة تسألهم: ماذا تحدث الشيخ؟ قال: والله خطبة جميلة، خطبة بليغة، لكن ما فقهنا منها ولا نذكر منها شيئًا. فاصل قصير، وبعده نواصل بإذن الله عز وجل.

به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات؛ إنه الدعاء. مخ العبادة، وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، إطابة المأكل والملبس، استقبال القبلة ورفع اليدين، حضور القلب مع اليقين في الإجابة، الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، الصلاة على النبي ﷺ، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، الإكثار من المسألة والإلحاح فيها، إخفاء الدعاء وعدم الجهر به، الجزم في الدعاء وقوة اليقين، وعدم استعجال الإجابة.

ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء: تحري الأوقات والأماكن الفاضلة والأحوال المناسبة؛ فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر (الثلث الأخير من الليل)، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر، عند سماع الأذان، وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة: المساجد عموماً، والمسجد الحرام خصوصاً. ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من خصائص كلام النبي ﷺ أنه كان إذا تحدث تخير المدخل المناسب للموضوع الذي يريد أن يطرحه. بعض الناس ربما يهجم على الموضوع هجوماً، وهذا خطأ؛ لأنك إذا أردت أن يستجيب الناس لك فلا بد من أمور معينة، مثل أن تتخير المدخل المناسب للموضوع، في مقدمة، أو أن تلفت انتباههم بأمر، أو ربما أعدت الحديث مرات كي يُفهم عنك هذا الموضوع.

فعلى سبيل المثال، كان ﷺ يقدم الموضوع بمقدمة مناسبة. وعندما أرسل ﷺ إلى قومه بعد أن أمر بتبليغ الرسالة، جمع قومه فصاح بهم وهو على الصفا: «يا صباحاه»، فاجتمع الناس إليه. «يا صباحاه» هذه صرخة نذير، كأن جيشاً مصبحهم أو ممسيهم، فاجتمعوا لهذا النداء. فسألهم رسول الله ﷺ سؤالاً فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقين؟».

هذا سؤال عادي: لو أخبرتكم هل تصدقوني؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً. إذاً هذه هي المقدمة؛ سألتكم سؤالاً فأجبتموني عليه، لابد إذاً أن تلتزموا بإجابتكم. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». خلاص، أسقط في أيديهم؛ سألهم سؤالاً فأجابوه، فعرفوا أن ما يتبع ذلك السؤال وتلك الإجابة لابد أن يكون حقاً. من شاء الله له أن يؤمن، آمن.

كذلك كان النبي ﷺ يختار ما يلفت الانتباه؛ يعني عندما يريد أن يخبرهم بحكم شرعي أو بأمر من أمور الدين، ما كان يخاطب أصحابه ويقول لهم كذا، لكن يسألهم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، فالناس يتشوفون للإجابة. قال: «أتدرون ما الرقوب؟» قالوا: الذي لا يولد له. قال: «ليس ذلك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً». حقيقة الذي لم يمت له ولد، فهذا هو الرقوب؛ لأن الله متعه بأولاده وأحفاده. أما من مات له شيء من الولد واحتسب وصبر على المصيبة، فهذا الذي قدم شيئاً، وهذا الذي رزقه الله عز وجل من الولد. ثم يسألهم فيقول: «فماذا تعدون السرعة فيكم؟ ليس الشديد بالصرعة»، قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: «ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب».

أمور قد تبدو لنا أنها عادية، ولكن النبي ﷺ أكمل الخلق حتى في كلامه، لذلك كلامه يقع في موقع حسن. «أتدرون من المفلس؟». نحن في عالم مادي اليوم، الناس يقاسون ويقدرون بحسب حساباتهم البنكية، بحسب منازلهم الفاخرة الكبيرة، واستثماراتهم وعقاراتهم وسياراتهم، لكن النبي ﷺ يرد الناس إلى الأصل العظيم، أصل المقياس بالتقوى. فقال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: من لا درهم له ولا متاع، هذا المفلس، هذا الطفران، الكحيان، ما عنده شيء. فقال: «لكن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، وقد ضرب هذا، وسفك دم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا».

الحديث إذاً الآن غير المفاهيم عند الناس؛ أصبح الذي استمع إلى هذا الحديث لا يرى الناس بمقياس المال والثراء والجاه والسلطان، إنما يقيمهم بهذا المقياس، مقياس الحسنات والسيئات. رجل عنده صوم وصلاة وصدقة، هذا رجل خير، لكن إن كان يؤذي المسلمين فسيأخذون من حسناته يوم القيامة بقدر إساءته، فإن فنيت حسناته ولما يقض ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فطرح في النار. مصيبة عندما قيل للرسول ﷺ عن امرأة تقوم الليل وتصوم النهار لكنها تؤذي جيرانها، قال: «هي في النار».

إذاً المقدمة الحسنة ولفت الانتباه كان من صفات كلامه عليه الصلاة والسلام. وكان يكرر الكلام ثلاثاً، ﷺ يعيد الكلام ثلاث مرات ليعقل عنه. طبعاً هو لا يتحدث بعبارات طويلة ثم يعيدها مرة أخرى وثم ثالثة، إنما يعيدها إن كانت عبارات موجزة قصيرة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار». أناس يتوضأون في غزوة من الغزوات، متعبون، يتوضأون وهم في هذه الحال، بعضهم لم يكن يحسن غسل قدميه مع التعب، فحذرهم بهذا التحذير الموجز.

وكان إذا سلم ﷺ يسلم ثلاثاً، هذا الاستئذان الشرعي: «السلام عليكم، أدخل؟ السلام عليكم، أدخل؟ السلام عليكم، أدخل؟» ثم ينصرف إن لم يرد عليه أحد. وقوله: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» أعادها ثلاث مرات إذاً كي يفهموا منه. ولذلك ما كان يكرر كل الكلام ثلاث مرات، إنما إذا اقتضى المقام فعل ذلك؛ كي يفهم عنه، أو لصعوبة معناه، أو لغرابته عن الناس، أو لكثرة السامعين. لا، لم يكن ﷺ يفعل ذلك دائماً؛ لأن تكرار الكلام من غير حاجة ليس من البلاغة. فيحمل ﷺ ذلك للفت الانتباه، ولغرابته على أفهام الناس، أو لكثرة السامعين إذ لم يكن هنالك مكبرات صوت، فربما تكلم ﷺ بكلام ما وعى عنه بعضهم فيكرره ثلاثاً، وهذا من بلاغته ﷺ.

بقي معنا في هذا الدرس التقنية عما يستقبح ذكره من الكلام، ولكن لأن الموضوع فيه شيء من الأمثلة والإطالة، فلربما أخّرناه إن شاء الله في الدرس الثاني، على أن نلقاكم بإذن الله عز وجل على خير وأنتم في صحة وعافية. هذا والله أعلم، ونسب العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.