دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة عطرة الشذى، تفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.

تحدثنا في الحلقة الماضية عن مزاحه ﷺ وقلنا إن هنالك أعظم التوازن عند سيد البشر، أبي هو وأمي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، فكان يمازح لكنه في الوقت ذاته كان يغضب، وهذا من كمال بشريته عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذي لا يغضب هذا لا إحساس عنده، الإنسان يحصل له ما يحصل فلا يغضب البتة، هذا فيه خلل.

كان عليه الصلاة والسلام ربما يحلم في أوقات نغضب نحن فيها لأنه معلم، عليه الصلاة والسلام، لأنه أسوة وقدوة. مثلاً يأتيه أعرابي فيجذبه من ردائه الغليظ جذبة تؤثر في عاتقه، ويأتيه من خلفه فيفزعه ويقول: «يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك»، فيبتسم ﷺ ويأمر له بعطاء. أحدنا لو حصل هذا الموقف معه لأقام، كما نقول بالعامية، فدعس في بطنه من شدة غضبه، وأقل القليل ما يعطيه شيئاً، لكن ليس هذا بخلقه عليه الصلاة والسلام.

كيف إذا كان يغضب؟ هو ما كان يغضب لنفسه عليه الصلاة والسلام قط، كما جاء عن أمنا عائشة: «ما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط». إلا أن تُنتهك حرمة من حرمات الله عز وجل، فكان يغضب لله، وكان يغضب حتى يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه عليه الصلاة والسلام.

إذاً كيف نضبط مسألة الغضب؟ الغضب للذات المحمود، أما الغضب للذات الذي تتجاوز عنه ولا تفعله؛ أحد شتمك فتجاوزت عنه، أحد أساء إليك فغضضت الطرف، أحد ما قام بتقديرك كما ينبغي، فكن أنت الأفضل. لكن أمور الشرع، المنكرات والمحرمات التي تُرتكب أمامك، وأنت تبتسم وما شاء الله تبارك الله لا تتأثر ولا تنفعل، فلا؛ فيك خلل، وهنالك خلل وأنت لست على الجادة ولست على السنة.

هذه أمثلة لغضبه عليه الصلاة والسلام نستشعر منها كيف ينبغي أن تكون أحوالنا. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: هجرت، أي أتيت في وقت الهاجرة، نصف النهار، إلى رسول الله ﷺ يوماً، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية في المسجد. رجلان يختلفان في آية من الآيات، هم لا يختلفان في استنباط حكم فقهي، هم يختلفان فيما أُمروا بالإيمان به دون تأويل، كأن تكون من المتشابه من القرآن، المحكم والمتشابه، والراسخون في العلم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. هذا تأويله ما يعلمه إلا الله عز وجل.

فهو سمع هذين الصحابيين يختلفان في آية من آيات المتشابه فخرج عليهما ﷺ، يقول عبد الله بن عمرو: خرج علينا عليه الصلاة والسلام يعرف في وجهه الغضب، إذاً هذه من الأماكن التي كان يغضب فيها عليه الصلاة والسلام، وقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب». إذن لا بد للمسلم أن لا يختلف في كتاب الله عز وجل، وألا يضرب بعضه ببعض، يجب أن يعلم أن كتاب الله عز وجل هو الحق المبين يصدق بعضه بعضاً. فإن أشكل عليه شيء لم يجادل بغير علم ولا كتاب منير، لم يتحدث هكذا من هواه دون الرجوع إلى أهل العلم الموثوق في علمهم لأخذ العلم منهم، ما يصلح أن يفعل ذلك.

النبي ﷺ غضب لجدال صحابيين اثنين في آية من آيات الله عز وجل، انظر إلى واقع المسلمين المرير في هذه الأيام، حيث تجد في وسائل الإعلام التمكين للرويبضة، وهو الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة. تجد رجلاً ما عنده شيء مطلقاً إلا الواسطة، يبرز في وسيلة من وسائل الإعلام أو في وسائل الإعلام كلها، ويتحدث في المشرق والمغرب وفي أمور المسلمين وهو من أتفه خلق الله عز وجل.

هذه من علامات اقتراب الساعة، ظهور الرويبضة، أن تجد في وسائل الإعلام تقزيم العمالقة من العلماء والمثقفين والمفكرين أهل الخير والصلاح، وعملقة الأقزام الرويبضة ونحوهم من الذين قد لا يحسن أحدهم معرفة الوضوء أو كيف يستنجي ويستجمر، ومع ذلك يقدم للعامة. أصبحنا نرى من يخوض في دين الله بالتحليل والتحريم بلا علم، ويشكك في ثوابت الدين وفي أصوله، ويأتي بأمور العامة لا تعرف كيف ترد، لكنه يبرز للعوام على أنه من أهل العلم ويضرب آيات الله بعضها ببعض، ويخالف أقوال السلف في أحاديث الرسول ﷺ، وربما قلل من السنة، قلل من البخاري ومسلم، وقال: «هذه أحاديث ما ندري صحيحة أم ضعيفة»، أعوذ بالله! يشكك في أصل من أصول الدين وهو السنة المطهرة، وهذا الذي يبرز الآن.

هل هذا أحق بأن يغضب منه ﷺ؟ أم من اختلف في آية من آيات الله بحسن نية؟ لا شك أن النبي ﷺ حري بالغضب ممن يمكن لمثل ذلك وأشكاله من التلبيس على المسلمين. النبي ﷺ غضبه كان في ذات الله عز وجل ودفاعاً ومنافحة عن شرع الله سبحانه وتعالى، وهو الذي نحن في أمس الحاجة إلى النظر إن كانت أحوالنا فيها موافقة لسنته وهديه ﷺ.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

مليار وثلاثمائة مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بسبعمائة وخمسين مليار دولار في كل عام. هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، يحدث كل هذا في ظل وجود ثمانمائة وسبعين مليوناً من الجائعين يومياً.

وصدق من قال: «ما رأيت إسرافاً إلا وكان بجانبه حق مضيع». ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها تسعة عشر مليار دولار في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر مائة طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة وجد أن ثمانين بالمئة من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين؛ فثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف، ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة والقحط. فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه...

شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو لنعطيه للمحتاجين بعد أن نغلفه. وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان، فلنجد مجمعه في صندوق ولنجعله غذاء للطيور والحيوان؛ ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيضًا شبيها بما تقدم ذكره في غضبه عليه الصلاة والسلام عند الخلاف والنزاع في آية من آيات الله، ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نتنازع في القدر».

القدر أحد أركان الإيمان الذي لا يستقيم إسلام أحد بدونه، فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه وقال: «أبي هذا؟ أمرتم بهذا؟ أرسلتم إليّ هذا؟ أخلقتم تضربون القرآن بعضه ببعض؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه».

سبحان الله! مسألة القدر، والقدر والنقاش فيه؛ الله عز وجل قدر هذا عليّ، فكيف يعذبني على ما قدر؟ وكذا تشرح وتتكلم عن أركان القدر من الكتابة والخلق والعلم إلى غير ذلك، فالنقاش العلمي أو تبيان ذلك للناس لا حرج فيه. المشكلة في الجدال الذي يريد أن ينتصر لرأيه فيطرح الشبهات بلا حجج فقط لينتشر أو ليشكك، هذا هو المنهي عنه.

وقضية القدر هي من أخطر القضايا وأغمضها، ولذلك قال علي رضي الله عنه: «القدر سر الله في خلقه فلا تكلفوه». والقدر هو علم الله كما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «إذا ذكر القدر فامسكوا». لا تجادل، لا تناقش، لا تخض في مسائل القدر، فإن هذا علم الله عز وجل، امسك عنه ولا تدخل فيه. الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء ومقدر الأقدار ومسبب الأسباب عز وجل.

أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام من بشريته أنه كان يغضب، هذا الغضب أمر فطري طبيعي. ولا يمكن أن يفهم مسلم وصية الرسول عليه الصلاة والسلام لصاحبه عندما قال له: «أوصني»، قال: «لا تغضب»، قال: «زدني»، قال: «لا تغضب»، «لا تغضب»، «لا تغضب» يكررها عليه الصلاة والسلام.

ما يمكن أحد أن يفهم أن النبي عليه الصلاة والسلام يأمر صاحبه بأن لا يغضب، لأن هذا ليس بصحيح، ما يمكن للمسلم ألا يغضب وإلا عدمت الغيرة في قلبه. أحد يؤذي زوجتك أو ابنتك وتقول أنا ما أغضب لأن أوصاني الرسول أن لا أغضب؟ مشكلة، هذا فهم سقيم. نهي الرسول عليه الصلاة والسلام عن الغضب محمول على آثاره التي ليست منضبطة بشرع الله؛ فإنسان يغضب فيطلق، لا أصبر، ليس هذا من شرع الله. يغضب فيقتل، يغضب فيسفك دم، يغضب فيكذب، هذه كلها من الآثار المترتبة على الغضب التي نهى عنها عليه الصلاة والسلام. أما الغضب لذات الله عز وجل فلا شك أن هذا أمر محمود.

هنالك غضب فطري ربما يصدر من الإنسان دون شعوره وقد لا يحاسب عليه الإنسان، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقد يحاسب، يعتمد على الحال. عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو، فاغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله، من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان، أي أحد أصاب شيء من الخير هذول الاثنين والله ما شافوا خير. قالت: وما ذاك؟ فقالت: لعنتهما وسبتهما، فأي خير يكون وراء ذلك؟ من أنت لعنتهما وسبتهما؟ فقال لها مبينا عليه الصلاة والسلام: «أو ما علمت؟ ما شرطت عليه ربي؟»، قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته اجعله له زكاة وأجرًا. رواه الإمام مسلم في الصحيح.

الله أكبر! إذاً هذا يبين لك شفقة النبي عليه الصلاة والسلام وعنايته بمصالح الأمة والاحتياط لهم، كما يقول الإمام النووي رحمه الله، والرغبة في كل ما ينفعهم. هذه الرواية تبين لنا الروايات الأخرى أن الدعاء أو السب أو اللعن من النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو دعاء رحمة وكفارة وزكاة إذا لم يكن هذا الذي دعا عليه أهلاً مستحقًا للعن والسب.

فقد دعا الرسول عليه الصلاة والسلام على الكفار وأن يملأ الله بطونهم وبيوتهم وقبورهم نارًا، دعا الرسول عليه الصلاة والسلام ولعن آكل الربا ولعن السارق ولعن الراشي وهكذا؛ فهؤلاء ليسوا داخلين ضمن الاستثناء بأن تكون هذه اللعنة أو ذلك السب زكاة ورحمة وقربة لهم يوم القيامة، لأنهم مستحقون لهذا اللعن.

فقد يسأل سائل: كيف يدعو الرسول عليه الصلاة والسلام ويلعن من ليس مستحقًا للعن؟ فأجاب العلماء بجوابين اثنين: أحدهما أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله، فهذا الذي تم لعنه أو سبه ليس مرادًا بذلك في باطن الأمر، لكنه في الظاهر فعل ما يستوجب ذلك، فظهر له عليه الصلاة والسلام استحقاقه لذلك بإمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك، وهو صلى الله عليه وسلم مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

مثال: قد يأتي رجل فيفعل أمرًا يستوجب المذمة والملامة، لكنه في باطن الأمر ليس أهلاً لذلك، فيقوم عليه الصلاة والسلام بحكم بشريته بعد أن أغضبه الرجل لأمر شرعي بلعنه أو بسبه، وهذه حالات جدًا نادرة لا تكاد تذكر أو تحصى، لكنها تظهر لنا بشريته عليه الصلاة والسلام. يقوم عليه الصلاة والسلام بعد أن رأى من الرجل ما رأى بلعنه أو بسبه، فهذا اللعن والسب لأنه مستوجب له في الظاهر، لكنه في حقيقة الأمر ليس أهلاً له، الله عز وجل يجعله له زكاة ورحمة ومغفرة وقربة يوم القيامة.

مثل ما يأتي رجل من الصحابة فيقول للرسول عليه الصلاة والسلام: إن اليهود يعتزلون النساء في الحيض، فهل نعتزلهم يا رسول الله؟ فينهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام، ثم يقوم رجل يذكر الشق المضاد فيقول: أفلا نجامعهم في الحيض يا رسول الله؟ فيغضب من ذلك عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه تكلف وفيه مضادة لأمر الله وشرعه؛ ربما الرجل سأل وهو غالب عليه حسن نية ورغبة في التيسير لكنه مخالف للقرآن ومخالف لشرع الله، فربما استحق من على ذلك شيئًا من اللعن أو من السب، ولكنه في باطن الأمر ليس مستحقًا، فجعلت له كفارة وزكاة.

أما الأمر الثاني، وهو أن ما وقع من سبه ولعنه عليه الصلاة والسلام لمن ليس لذلك بأهل إنما كان غير مقصودًا، وهو مما جرت العرب في عادتها عليه في وصل كلامها بلا نية، كقول الرجل: تربت يمينك، أو قوله لمعاذ مثلاً: ثكلتك أمك، يعني هل يدعو أن على معاذ أن يموت بحيث أن أمه تصبح ثكلى؟ أبدًا، لكن هذا مما درج على لسان العرب ولا يقصدونه، كقوله: عقرًا حلقًا.

عن صفية بنت حيي رضي الله عنها وأرضاها، عندما أراد أن يخرج من مكة ويرجع، فقالوا له إنها حائض وإنها لم تطف طواف الوداع، وقال "عقرة حلقة"، يعني هل يقصد أنها تعقر فتذبح ويحلق رأسها؟ أبداً، إنما هو من كلام العرب ولا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة، ولأن الرسول ﷺ ما قصده حقيقة، فسأل الله أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً على من فعل ذلك تجاهه بلا قصد، وإلا فالأصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن متفحشاً ولا لعاناً ولا منتقماً لنفسه.

قيل له: يا رسول الله ادع الله لدوس عوضاً عن الدعاء عليهم، قال: «اللهم اهد دوساً»، وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله فارتقبونا.

«من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين وتعلم الضروري من أحكامه، وتصحح عبادتها، وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها. وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان، فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والنفاس وغير ذلك، فإذا أرادت عبادة أو معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، إن أرادت الحج فتتعلم أحكامه، وإذا توفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.

وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قال عروة بن الزبير: «ما رأيت أحداً أعلم بشرع ولا فريضة ولا أعلم فقه من عائشة». ومنهن عائشة بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال القاسم بن محمد للزهري: «عليك بعائشة بنت عبد الرحمن فإنها كانت في حجر عائشة»، قال: فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف.

ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتابه "تحفة الطالب" والذي شرحه الكساني في "بدائع الصنائع"، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة، فقال الفقهاء: «شرح تحفته وزوجه ابنته». وبعد زواجها من الكساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد، هو توقيع زوجها.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رسولنا عليه الصلاة والسلام لم يكن أبداً فحاشاً ولا لعاناً ولا طعاناً ولا سباباً، كما يقول أنس رضي الله عنه، كان ربما إذا زاد الأمر وأراد أن يعاتب أحدنا قال عند العتاب: «ما لهُ تَرِبَ جَبينُه»، رواه البخاري في الصحيح، يعني أصاب جبينه التراب. هذا يعني أن كل ما تقدم من الروايات التي فيها لعن أو سب لمن ليس بأهل، يؤخذ منها أنها على باب الدعاء له بالزكاة والقربى، وهذا خير لذلك الشخص.

عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل -وهذا أيضاً يظهر لك مواطن غضب النبي عليه الصلاة والسلام- قال رجل: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب ﷺ، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضباً منه يومئذ، ثم قال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن أحب من الناس فليتزوج، فإن خلفه»، والكبير وذا الحاجة. غضب النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان لنفسه التطويل في صلاة الفجر، أمر طيب، قرآن الفجر مشهود، لكن الأضرار بالناس والإثقال عليهم وتنفيرهم من الدين هذا الأمر الذي لا يمكن أن يقبل به عليه الصلاة والسلام.

لذلك إذا رأيت من يشدد على الناس، من ينفرهم عن الدين، من يظهر للناس أن الدين دين عنف أو دين غلظة أو دين سوء خلق، فالإسلام ليس بدين يشجع على سوء الأخلاق وعلى عدم الاحترام، فإن رأيت ممن ينتسب إلى الدين وفيه هذه الأخلاق الشرسة أو السيئة أو شيء من التطرف والشدة، فاعلم أن هذا مما يغضب النبي عليه الصلاة والسلام: «إن منكم منفرين».

أيضاً يغضب عليه الصلاة والسلام ممن يفتري على دين الله عز وجل، عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: قسم النبي ﷺ قسماً، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه. الآن هذا الرجل وهو ذو الخويصرة أو غيره من المنافقين، عندما قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، إن أنت تتهم من؟ أنت لا تتكلم في النبي عليه الصلاة والسلام كرجل أو مثلاً تؤذيه في جسده أو تطلب شيئاً من ماله أو تسيء الأدب معه، أنت الآن تطعن في دين الله، ولذلك غضبه عليه الصلاة والسلام هنا يختلف عن معاملته لذلك الأعرابي الذي جذب من ردائه النجدي الشديد الحاشد كما تقدم في أول الحلقة وأثر في عاتقه، الغضب هنا يختلف عن هنا. لماذا؟ الأعرابي تعدى على النبي عليه الصلاة والسلام كبشر فتنازل عن حقه عليه الصلاة والسلام، هذا المنافق تعدى على شرع الله بأن اتهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمين من في السماء في الأرض، اتهمه في عدالته ونزاهته، فلذلك غضب عليه الصلاة والسلام حتى رؤي الغضب في وجهه، ولذا قال: «يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر».

إذا المسألة فيها أمر وهو أن الغضب يكون لدين الله، لا لنفسي وذاتي وشخصي، إنما منافحة ودفاعاً عن شرع الله عز وجل. وعن أم المؤمنين رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي عليه الصلاة والسلام وهو واقف على الباب: يا رسول الله إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فقال عليه الصلاة والسلام: «وأنت تصبح جنباً وأنت تريد الصيام؟»، فاغتسل وأصوم، كوني أصبحت في حالة جنابة لا يؤثر في نيتي للصوم فإنا أفعل ذلك. الرجل كأنه ظن أن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع».

إذا غضبه عليه الصلاة والسلام هنا لأنه هذا الرجل تعدى على التشريع؛ الرسول عندما كان عليه الصلاة والسلام يذكر له صنيعه إذا أصبح جنباً كان يذكر حكماً شرعياً لا يذكر حكماً إنسانياً خاصاً به عليه الصلاة والسلام، إنما كان يذكر الحكم الشرعي، ولذلك غضب. أيضاً هذا حديث آخر يظهر لنا صورة من صور غضبه عليه الصلاة والسلام، أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأى النبي ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه.

الآن الإنسان لما يبصق نخامة من صدره تخرج في قبلة المسجد، هذا أغلب الظن أنه فعل ذلك وهو يصلي، ومن فعل ذلك فقد أتى أمرًا محرمًا وعظيمًا؛ كيف تصلي وتبصق؟ بعض الإخوان يكون في فمه مثلاً شيء من المسواك وهو في الصلاة، فإذا به يفسقه وهو مقابل لله عز وجل ووجهه في اتجاه ربه عز وجل يفعل هذا الفعل.

رأى الرسول ﷺ رجلًا يبصق ذات يوم وهو يؤم الناس، فقال: «لا يصلي بكم إمامًا هذا بعد اليوم»، هذا ما يصلح يتقدم للإمامة، ليش؟ لأنه ما يحسن الصلاة، يبصق في الصلاة في اتجاه القبلة وهو في صلاة ما يقدر الله عز وجل ولا يعظمه، فعندما رأى هذه النخامة غضب غضبًا شديدًا واحمر وجهه. فقامت امرأة من الأنصار فحكتها من الجدار لأنها رأت هذا الغضب، وجعلت مكانها خلوقًا، أي طيبًا، جاءت في طيبة المكان وزينته.

انظر الآن إلى أولئك الذين يضعون القاذورات في المسجد؛ يشرب من الزجاجة البلاستيكية الماء يرميها، يخلّف المناديل مكانه، يأتي بالقاذورات، هذا يثير الغضب. بعضهم يأتي بالأطعمة ويجعلها عند باب المسجد تأتي القطط الضالة تأكل منها وتعيث في محيط المسجد الفساد، هو أراد خيرًا ولكنه أساء إلى المسجد، تجد من القطط ما يدخل المسجد وربما لوثوا المنطقة المحيطة بالمسجد، لا هذا ما يصلح. إذن هذه الأشياء التي تغضب أو يغضب لها الإنسان عندما تنتهك حرمة المسجد، عندما يشق الإمام على المصلين.

وأخيرًا من المواقف التي غضب عندها النبي ﷺ ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه أتى النبي ﷺ وعليه ثوبان معصفران، والعصفر هذا منهي في الثياب لأنه من تشبه الكفار، فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: «اذهب فاطرحهما عنك»، فقال: يا رسول الله أين؟ قال: «في النار»، يعني اذهب فاحرقهما. في رواية قال: اغسلهما يا رسول الله؟ قال: «لا، احرقهما»، وهذا فيه أشد الوعيد والعقوبة على التشبه بالكفار.

أين شبابنا اليوم من هذه البناطيل؟ أين هم من تعليق السلاسل والقصات الشعر المنكرة والأمور المحرمة البغيضة المقيتة في ديننا؟ هذه لو رآها الرسول ﷺ لغضب لذلك غضبًا شديدًا. نسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياكم اتباع السنة والاقتداء بهديه عليه الصلاة والسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.