يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم؛ تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة العطرة، تفوح لأهل كل زمان بشرى لنا زادنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو خير البشر، وهو سيد ولد آدم صلى الله عليه وآله وسلم. وعلى الرغم من أنه أكمل البشر بلا شك ولا ريب، إلا أنه بشر، ما يعني أنه تختلجه مشاعر بشرية مختلفة. وهذه نعمة من الله عز وجل، من لم ينزل إلينا ملكًا إنما أنزل إلينا خير البشر وسيد ولد آدم صلى الله عليه وآله وسلم.
الرسول يعتلج في صدره مشاعر الرضا والسخط، الفرح والحزن، قد يسر من أمر وقد يسوؤه أمر آخر، وتبرز قيمة هذا العنصر الأخلاقي في حياته عليه الصلاة والسلام، ونراها واضحة في سيرته؛ لأن الرسول لم يكن عليه الصلاة والسلام جامد المشاعر، لم يكن عليه الصلاة والسلام بلا أحاسيس، فإن ذلك نقص وعيب في الإنسان. والرسول عليه الصلاة والسلام ليس كأي شخص آخر، بل هو الأسوة والقدوة الذي بعثه الله عز وجل للبشرية جمعاء.
وعليه، إن أنت راقبت ودرست مشاعره عليه الصلاة والسلام لوجدت أن لها بعدًا راقيًا، حيث صانها عليه الصلاة والسلام من الإفراط ومن التفريط، وأعطى لها بعدًا راقيًا حين ربطها بقضية الثواب والحساب. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وقال لأبي ذر رضي الله عنه وأرضاه: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق».
إذن، الضحك والمزاح هذه من الأمور المشروعة التي نلمسها في نصوصه القولية عليه الصلاة والسلام وفي الأحاديث الفعلية. الضحك والمزاح أمران فطريان تحتاجهما النفس البشرية للتخفيف من قسوة هذه الحياة ومن همومها ومن مشاكلها وأعبائها، ولا حرج فيها البتة ما دامت منضبطة بسنة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه، وما دام لا يترتب عليها ضرر، بل الشيء اليسير منها مطلوب ومرغوب؛ لأن النفس تعتريها حالات من السآمة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يداعب أهله ويمازح أصحابه ويضحك لضحكهم.
الإمام النووي رحمه الله يقول: "المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه؛ فإن هذا يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار". فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، إذ خير الأمور القصد والوسط، وهو فعله عليه الصلاة والسلام.
قد تجد من الناس من يفرط في الضحك والمزاح ويرغب فيه ويبذل فيه الأوقات، وبالمقابل قد تجد من يمنع منه ويحرمه ويجعل هذا الدين دينًا حزينًا مليئًا بالكآبة والسآمة، ظنًا منه أن هذا هو السمت للعلماء وأن هذا هو الحال للتقياء. قال رجل لسفيان بن عيينة رحمه الله: "المزاح هجنة؟" أي هل هو مستنكر؟ قال: «بل هو سنة، ولكن لمن يحسنه ويضعه في موضعه».
هذا الهدي النبوي غفل عنه كثير من المسلمين؛ لأنهم الآن في ظل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية والترف وكثرة المال والانشغال بالدنيا واتباع الشهوات والشبهات، أصبح شغل الناس الشاغل الفكاهة والمزاح. فتجد قنوات فكاهية، مسرحيات هزلية، أفلامًا مليئة بالسخرية والضحك وتوافه الأمور، بل إن من الناس من كسب عيشهم عن طريق هذه الأمور التافهة، يقولون هذا كوميدي وهذا محترف عنده برامج "ستاند أب كوميدي"، يأخذون عليها أموالًا ويتقاضون عليها مبالغ طائلة؛ لماذا؟ لأن الناس في فراغ، الناس في إفراط، الناس في غفلة عن الله عز وجل.
خير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان هديه في المزاح؟ أتى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب منه دابة تحمله يركبها للجهاد في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «أنا حاملوك على ولد ناقة». المتبادر إلى الذهن أنه الناقة ولدها، يعني جمل صغير، دابة مولود، قعود أو شيء أصغر من ذلك ما يصلح السفر ولا للحرب. فقال الرجل: "ما أصنع بولد ناقة؟" يعني هو يشتكي يا رسول الله، أتيتك أطلبك ما تحملني عليه كي أجاهد، وأن تحملني على ولد ناقة، على شيء صغير الآن مولود. فقال عليه الصلاة والسلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟». ولد الناقة هذا ينطبق على من عمره يوم وعلى من عمره خمس سنوات، هذا اسمه أيضًا ولد ناقة. مثل ما يقول بعضهم عند ضرب الموعد، يقول أقابلك بعد العشاء إن شاء الله، العشاء ينتهي الساعة الثامنة مساءً فإذا به يأتي الساعة الحادية عشر، فيلومه صاحبه، يقول: تأخرت! يقول: وعدتك بعد العشاء وأتيت بعد العشاء، هو لم يكذب لكنه لم يكن دقيقًا في القول، فالنوع هذا من مزاح محمود.
ولعبارات إدخال شيء من الترفيه والخلق في الموضوع، الرسول عليه الصلاة والسلام كما يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: "ربما زار أخًا فطيمًا له، كان عنده عصفور نغير صغير ومات، فيقول له: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟". كلما يشوفه عليه الصلاة والسلام يداعبه ويلعب معه بهذه العبارات. طبعًا في البداية الطفل كان صغيرًا، لكن بعد ذلك نسى، فكلما يعاود عليه الصلاة تذكيره بذلك يفرح الطفل ويضحك ويتذكر، فكان ذلك علامة على مداعبته صلى الله عليه وآله وسلم للأطفال. إذا كان هذا مع الأطفال، فكيف بأطفاله وأحفاده؟
هذه الدعابة التي نفتقدها في حياتنا، والتي يفتقدها أهلنا، ما يلمس فينا إلا الحزن من الندم أو الكآبة، ولكن إذا اختلط أحدنا بأصحابه وإذا به يتبسم ويبش في وجوههم، هذا خلل لا بد أن نسعى إلى تغييره.
فاصِل، وبعد أن نواصل بإذن الله، فانتظرونا بالعلم كالأزهر في البستان، به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات. إنه الدعاء، مخ العبادة وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، إطابة المأكل والملبس، استقبال القبلة ورفع اليدين، حضور القلب مع اليقين في الإجابة، الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، الإكثار من المسألة والإلحاح فيها، إخفاء الدعاء وعدم الجهر به، الجزم في الدعاء وقوة اليقين، عدم استعجال الإجابة.
ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء: تحري الأوقات والأماكن الفاضلة والأحوال المناسبة. فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر، الثلث الأخير من الليل، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر عند سماع الأذان، وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة...
المساجد عموما والمسجد الحرام خصوصا. ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
كان عليه الصلاة والسلام جادًا في أحواله، ولكن لا يمنع أن يكسر رتابة هذه الجدية بشيء من الترفيه المباح. يأكل معه صهيب رضي الله عنه، فيلاحظ عليه الصلاة والسلام أن به رمدًا في عينه وهو يأكل، فيقول له مداعبًا: «إن بعينك رمدًا». وصهيب يأكل رضي الله عنه، فتوقف فقال: «يا رسول الله، إنما آكل من الناحية الأخرى، هذه التي فيها الرمد، أنا ما آكل من اليمين، آكل من الناحية الشمالية». فيبتسم عليه الصلاة والسلام ويضحك مع صاحبه.
مواقف التي يسمونها الطرف الفعلية، أو التي يقوم الإنسان بفعلها لا بقولها، حتى هذه فعلها الرسول عليه الصلاة والسلام. زاهر بن حرام رجل من البادية كان يأتي إلى الرسول فيجلس معه ويضاحكه ويسامره، والرسول عليه الصلاة والسلام يحب جلسته ويحب خلطته، وكان يأتي يشتري الأشياء ويهديها إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
في يوم خرج عليه الصلاة والسلام فوجد زاهرًا يبيع في السوق، أتى من خلفه وزاهر لا يبصره، فالتزمه حوطه من خلفه، وزاهر ما يدري من هذا الذي يمسكه، فجعل ينظر خلفه وما يستطيع أن يراه ويقول: «اتركني، أرسلني من هذا». فلما تبين له أنه النبي عليه الصلاة والسلام جعل يلصق ظهره بصدره عليه الصلاة والسلام، وحبب إليه تلك المسكة.
من أفضل من النبي عليه الصلاة والسلام من يضمه؟ والرسول عليه الصلاة والسلام يصيح في الناس وهو في السوق: «من يشتري مني هذا العبد؟». طبعًا الآن زاهر حر وليس بعبد، لكنه عبد لله عز وجل. فالرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف واحد يمازح زاهر، واثنان يظهر للناس في السوق حبه لهذا البدوي، فهو بادي من البادية، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن زاهرًا بادينا ونحن حاضرون». هو من باديتنا ونحن من حاضرتها؛ هذه العلاقة الوطيدة التي بينهما صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه، فهو الآن يظهر للناس أني أحب هذا الرجل وأمازحه، فأقول: «من يشتري مني هذا العبد؟».
فجعل زاهر من تواضعه يقول: «تجدني يا رسول الله كاسدًا، يا رسول الله من يشتري من هو في مثل حالي؟ من يشتري من هو في مثل موضعي؟ ما أحد يشتريني منك يا رسول الله؟ تجدني كاسدًا». فقال عليه الصلاة والسلام مبينا للصحابة أن أكرمهم عند الله عز وجل من كان تقيًا ومن الله مقربًا: «لكنك عند الله لست بكاسد»، وفي رواية: «بل أنت عند الله غالٍ».
سبحان الله، رسول يمازح عليه الصلاة والسلام، ونحن كما نقول بالعامية يمازح بيده مو فقط بالقول، لكن بحدود. كان صلى الله عليه وسلم أيضًا يمازح في أمور أهون من ذلك بكثير، مثل أنس رضي الله عنه وأرضاه خادمه، ربما قال له: «يا ذا الأذنين»، فهذه ممازحة، ولكن هل كذب فيها عليه الصلاة والسلام أبدًا؟ كل واحد منا عنده أذنان، فما يغضب من ذلك أحد، ولكنها ليست هي العلامة البارزة.
يمازحه بذلك، يمازح زوجاته عليه الصلاة والسلام. تذكرون القصة المشهورة المعروفة عن أمنا عائشة أنه عندما تزوجها عليه الصلاة والسلام كانت خفيفة اللحم، كانت ذات جسم صغير، حديثة عهد بالزواج. وفي غزوة من الغزوات أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يتقدموا، وطلب من عائشة أن تسابقه، يقول: «فسابقته فسبقته». وسكت عليه الصلاة والسلام، وأنا نسيت. وبعد أعوام خرجت معه في غزوة أو في رحلة، وطلب من أصحابه أن يتقدموا، وقد حملت اللحم، سخنت قليلاً، سمنت، وهذا معروف من أثر الزواج والراحة النفسية. فقال: «قومي أسابقك»، قالت: «يا رسول الله وأنا هكذا؟ كيف الآن تسابقني وأنا على هذه الحال؟»، قال: «لتفعلن، لتفعلن». تقول: فسابقته فسبقني، فضحك عليه الصلاة والسلام ويقول: «هذه بتلك السبقة».
انظر إلى المزاح والترفيه المباح، انظر إلى طيب الأخلاق من الرسول عليه الصلاة والسلام. بعض الرجال لا يتبسم في وجه زوجته، تظنها جنديًا من الجنود وهو ضابط من الضباط، بل إن شئت قلت تظنها أسيرة من الأسرى، هذا ليس بأخلاق المسلم. مداعبة عمر، يقول: «أحب من الرجل أن يكون الصبي في أهل بيته»، يعني الرجل هذا الكبير المعروف إذا دخل على امرأته أحب أن يكون كالصبي يلعب ويضحك ويمازح.
يلعب الرسول عليه الصلاة والسلام ويمازح حتى الأطفال. محمود بن الربيع رضي الله عنه يقول: «عقلت من النبي عليه الصلاة والسلام مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين». من دلوين تعرف الإنسان لما يضع ماء في فمه ثم يمج هذا الماء، يخرجه من فمه بشيء من الدفع والضخ، محمود رضي الله عنه وأرضاه يقول: «وأنا من خمس سنوات»، يعني هذا من صغار الصحابة، يقول: عقلت، اذكرها، أن الرسول كان يتمضمض ثم رآني فمجها في وجهي، وهذا من مداعبته عليه الصلاة والسلام مع الأطفال.
كان ربما مازح أصحابه بتغيير أسمائهم أو أسماء جديدة أو تكنيتهم بكنا جديدة. أمنا فاطمة رضي الله عنها وأرضاها ابنة النبي عليه الصلاة والسلام، سيدة أهل الجنة، زارها عليه الصلاة والسلام في بيتها ذات يوم يبحث عن زوجها ابن عمه علي، فأخبرته أنه حصل بينها وبينه شيء من الخصومة أو الجدال أو المناقشة، فخرج من البيت غضبان وهو ذاهب للمسجد. فخرج عليه الصلاة والسلام فوجده مستلقيًا على ظهره على أرض المسجد، فجعل يقيمه ينهضه وينفض التراب عن ظهره وعن ردائه يقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب». يعني ما قال له قم يا أبا الحسن، ما قال قم يا علي، قم يا ابن عمي، إنما لهذا التراب الذي عليه قال: «قم يا أبا تراب». وكان علي رضي الله عنه يحب هذه الكنية أشد الحب لتسمية الرسول عليه السلام له بذلك.
حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق، وقد كانت في ليلة شديدة الظلام شديدة البرودة، طلب الرسول عليه الصلاة والسلام من الصحابة وفيهم جهابذتهم وكبراؤهم قال: «من يأتيني بخبر القوم؟ جعل الله معي في الجنة». ولم يقم أحد لخوف وشدة وبرد.
وظلمة، فلما لم يقم أحد، وقد كرر هذا الطلب مرات عديدة عليه الصلاة والسلام، قال لحذيفة بن اليمان -يسيمه- قال: «قم يا حذيفة». فذهب حذيفة وأتاه خبر القوم رضي الله عنه وأرضاه، ولم يجد شيئاً من هذا البرد، ولن يجد شيئاً من الخوف، بل ذهب في أمن ورجع في أمن، وعندما نام قال له عليه الصلاة والسلام: «قم يا حذيفة» يداعبه بذلك.
كذلك كان عليه الصلاة والسلام يستخدم ما يعرف باسم الترخيم، وهو حذف جزء من الاسم وغالباً ما يكون في الآخر مناداة الشخص، وهذا ما إن شاء الله سوف نذكر عينات منه بعد الفاصل فانتظرونا بإذن الله.
جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال، هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد، ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال كمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر؛ فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحمهم صدراً، أشدهم حياءً، كان مع الناس وازهادهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير.
كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان، أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان جوتا: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد»، ويقول الإنجليزي جورج برناتشو: «إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد»، بل قال تولستوي الأديب العالمي: «إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة».
ولنصرته، نعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولندافع عن شريعته وندفع عنها الشبهات. فلو لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافئته، فقد عاش حياته يبلغ خير لأمته، ولم يكتف بهذا بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
السلام عليكم ورحمة الله. الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينادي أصحاباً له بطريقة مختلفة عن أسمائهم، فمثلاً يقول: «يا أبا هر» لعبد الرحمن بن الصخر الدوسي رضي الله عنه وهو اسمه أبو هريرة، يعرف عند الناس لكن في بعض الأحيان يداعبه عليه الصلاة والسلام فيقول: «يا أبا هر»، كما كان يكثر من قول: «يا عائش» وهي عائشة، وأيضاً ذاك الصحابي أنجشة يقول له: «يا أنجش رفقاً بالقوارير».
فهذا النوع من اللعب بالأسماء وتحويلها وتغييرها أو ترخيمها هذه من الأمور الطيبة، ولا يقل أحد: لماذا تسميني باسم غير اسمي؟ لا، هذا ما يجوز، هذا غلط، هذا تغيير لما سميت به، أبداً يا أخي الأمر واسع؛ إذا كان أنس يقول له: «يا ذا الأذنين» لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويقول صاحبه: «يا أبا بطين» يعني الذي لا يهمه إلا بطنه، نحو ذلك، هذا لا حرج فيه إن شاء الله البتة.
من مزاحه عليه الصلاة والسلام ما جاء في الحديث -والذي هو مرسل ومن أهل العلم من ضعفه ومنهم من قبله-: عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. عجوز امرأة بلغت من الكبر عتياً، فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز». قالت: فولهت تبكي، وقال: «أخبروها، الحقوها».
وصحيح ما قلته ليس بكذب، أنا لا أكذب ولا أقول إلا حقاً، لكن لابد أن ينظر هذا الكلام مئة بالمئة على ظاهره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز»، إن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 35-37]، لا يدخل الجنة إلا من كان على سن ثلاث وثلاثين، يرجعهم الله عز وجل ويعيدهم في أفضل وأحسن صورة.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يمازح وكان يضحك، وكان صلى الله عليه وآله وسلم عنده التوازن الذي نحن في أمس الحاجة إليه في حياتنا؛ فضحكه له وقت وغضبه له وقت، كما نتذاكر إن شاء الله، له وقت مزاح وله وقت جدية، هذا التوازن لابد أن يكون مضبوطاً بضوابط.
المزاح هذا هل هو على إطلاقه؟ أبداً، لأن من الأمور التي ينبغي أن يضبط بها هذا الأمر أن لا يقع في الكذب ليضحك الناس، وهذا خلل عظيم نجده الآن، ونسأل الله أن يعافينا وإياكم منه. بعض الأحيان الإنسان يتحدث، ربما انصعق في حديثه، ربما لمس كلمات الإعجاب عند مستمعيه فيأتيه الشيطان فينزغه، وربما حدث فكذب لينال إعجاب الناس وضحكهم، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له، ويل له».
إذا عندما نرى بعض الدعاة تحولت دروسهم إلى تمثيليات هزلية، كلامهم خلا من الذكر، من القرآن، من السنة، من ترقيق القلوب، مشتمل على الضحك والسخرية والاستهزاء والتنكيت وبلا حساب، هذا خلل. نعم، لا حرج في أن يلقي الإنسان طرفة هنا أو هناك لتلطيف الجو، ما في حرج ولا بأس بذلك، لكن أن يقوم الدرس أو المحاضرة على الضحك وعلى اللعب وعلى الترفيه بهذه الطريقة.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يمزح ويضاحك أصحابه ولكن لم يكن يقول إلا حقاً عليه الصلاة والسلام وصدقاً، لذا ما ينبغي أن يشتمل الضحك والمزاح على السخرية بالآخرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
وقال عليه الصلاة والسلام: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». إذا ما نجده أيضاً في بعض وسائل التواصل الاجتماعي من سخرية واستهزاء بشعب أو بأثنية أو بعرق أو بقبيلة، وصمهم بالغباء، وصفهم بالبخل، جماعة من الناس معروفون بأنهم بخلاء، جماعة معروفون بأنهم أغبياء، جماعة معروفون بأنهم مثلاً فيهم دمامة، هذا كله من السخرية المحرمة.
نعم يا شيخ ولكنها تضحكنا! هذا الضحك ما يجوز، ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، هذا ما يجوز؛ الأمر يعني أنك تتوصل إلى ما تترفه به أو ما تنبسط به أو ما ينشرح صدرك به، غضب الله.
من ضوابط المزاح والضحك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما». كيف؟ لا يصلح أن تخوف المسلم، والآن انتشر ما يعرف باسم "البرانك"، وهو المواقف التي يفجع الإنسان فيها أخاه، إما بترويعه بشكل أو بتخويفه في ظلمة الليل، أو بوضع ثعبان في لعبة مثلا، أو دمية على شكل ثعبان أو عقرب أو شيء فيه ثعابين عند نومه؛ هذا كله الترويع ما يجوز.
النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك، قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما ولو حتى بأخذ حذائه». بعض الناس يدخل المسجد فيداعب أصحابه، فيأخذون حذاءه ويخفونه، أو يأخذون غرضا من متاعه أو كتابا أو شنطة أو شيئا، هذا كله محرم ولا يجوز، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام وإن كانت نيتك المزاح. قال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا هريرة أقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب».
إذا خرجنا عن حد الاعتدال، وحد الاعتدال لا يعرف بالهوى إنما يعرف باتباع السنة؛ لأن الاعتدال عندك قد يكون مختلفا عما عندي، قد يكون اعتدالك تشددا عندي، وقد يكون اعتدالي أنا تفريطا عندك، إذا لا يعرف ذلك إلا عن طريق السنة. فالمنهي عنه هو الإكثار، لأن المبالغة في المزاح والضحك يخشى من ورائه الإلهاء عن الأعباء، أو تجرؤ السفهاء، أو إغضاب الأصدقاء، أو الوقوع فيما حرم ربنا عز وجل.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في دينه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في سائر أحوالنا، وأن يرزقنا الاعتدال والقصد في جميع الأمور، وأن يرزقنا التوازن كي نعرف كيف نسير في هذه الدنيا على النحو الذي يرضيه عنا، هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم