دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة عطرة الشذى، يفوح لأهل كل زمان؛ بشرى لنا زدنا كاذبين، بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تحدثنا عن حب النبي ﷺ لبعض المهاجرين وهم من أحب الناس إلى قلبه: أبي بكر، عمر، عثمان، وعلي، وحبه للحسن والحسين، وحبه لأم المؤمنين خديجة وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.

أيضا مما يجب على المسلم أن يعلمه، مما يجب عليه أن يعلمه، أن النبي ﷺ كان يحب الأنصار حبا عظيما. فالمهاجرون هم من هاجر من بلادهم إلى المدينة، فتركوا الأموال والأولاد والأهل، وقدموا لنصرة النبي ﷺ مرارا بدينهم، وأغلبهم كان من مكة. لكن الأنصار هم أهل المدينة الذين آووا ونصروا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

والله عز وجل مدحهم بهذه الصفات الجميلة، والنبي ﷺ كان يكن لهم حبا عظيما، وذلك لما لهم من الفضل في نصرة هذا الدين والذب عنه والدفاع عن النبي ﷺ. عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: رأى النبي ﷺ النساء والصبيان مقبلين من عرس، فقام فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي». يكرر هذه العبارة ثلاث مرات كي يفهمها الناس وتعيها قلوبهم، وليعلموا أن حبه للأنصار حب عظيم؛ ليشعروا الامتنان والاعتراف بالفضل، ويزيدهم ذلك تفانيا وحبا للإسلام والمسلمين.

وهذا الحب للأنصار لا شك أنه من الأدلة على وجوب حبنا لهم، لأننا إن كنا نحب النبي ﷺ حقا، فإنه يجب علينا أن نحب من يحبه الرسول ﷺ. وللأسف نجد بين من ينتسب إلى الإسلام اليوم من لا يجد حرجا بالطعن في أصحاب النبي ﷺ، والانتقاص منهم، والادعاء أنهم بشر مثل البشر، وأنهم ونحن سواء، هم يخطئون وهم يذنبون، فإذا لا مكانة لهم خاصة عند المسلمين.

وهذا ولا شك أنه تجن، ولا شك أنه انتقاص، ولا شك أنه طعن في الدين؛ فالطعن والانتقاص من الأنصار طعن في الدين، لا شك في ذلك. وما الدليل؟ أليسوا بشرا؟ أليسوا مثلنا؟ الجواب: كلا، ليسوا مثلنا قطعا. هم بشر ولكنهم من خيرة البشر، كما قال ﷺ: «خير القرون قرني»، إذا خير الأجيال التي مرت على هذه الدنيا هم جيل الصحابة والأنصار منهم. بل إن النبي ﷺ جعل حب الأنصار علامة على الإيمان؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». لا شك أن هذا الذي في قلبه مرض إن سمع من ينتقص أحدا من أصحاب النبي ﷺ ومن الأنصار خاصة، فاعلم أنه من المنافقين. من ينتقص من الأنصار ويتحدث فيهم بفوقية ويرى أنهم دونه أو أنهم مثل البشر لا حرج في الحديث عنهم أو الانتقاص منهم، هذا فيه من خصال النفاق ما فيه.

واستمع إلى هذا الحديث الجميل؛ يوم حنين، النبي ﷺ قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم مائة من الإبل. توزع تلك الغنائم العظيمة والحلال والخير على مسلمة الفتح، أولئك الذين كان المسلمون يقاتلونهم قبل أشهر معدودة، فإذ بالرسول ﷺ يعطي أبا سفيان، ويعطي الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، ويعطي مسيلمة الفتح الذين أسلموا حديثا يتألف قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا قط.

قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه، طبعا هذه عبارة كبيرة تملأ الفم، فمشى سعد بن عبادة سيد الخزرج فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم. قال: فيما قال؟ فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء؟

الآن سعد بن عبادة ينقل الكلام، فاستمع إلى سؤال الرسول ﷺ له: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟». قال: «على ما أنا إلا امرؤ من قومي»، مثلي مثلهم. أنا أتساءل أيضا: كيف نحن الذين خرجنا معك وفتحنا مكة وقاتلنا في حنين لا نصيب لنا من الغنيمة؟

وقال ﷺ: «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإن اجتمعوا فاعلمني»، وجاء في رواية: «ولا يكن معهم من غيرهم أحد». فقط، هذا اجتماع خاص بالأنصار. وخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في الحظيرة حتى إذا لم يبق أحد أتاه فقال: يا رسول الله، اجتمع هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم.

فخرج النبي ﷺ، طبعا النفوس فيها شيء من الحسرة على دنيا، لكن القلوب مملوءة بالإيمان مفعمة باليقين، لكن النفس البشرية موجودة والمشاعر الإنسانية ما ينفك عنها أحد، لكنهم مؤمنون مسلمون. الرسول ﷺ الآن أتى كي يستفصل عن هذه الأمور، فماذا قال لهم؟ هذا ما سوف نعرفه بعد الفاصل فانتظرونا.

يقتل كل عام ستة ملايين شخص تقريبا، منهم أكثر من خمسة ملايين ممن يتعاطون، وأكثر من ستمائة ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر؛ إنه التدخين، مدمر الصحة وقاتل الملايين. ووفقا لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن شخصا واحدا يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوان تقريبا، مما يمثل عشر وفيات البالغين. ونظرا للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين. ففي مقابل مائة مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة.

هذا وقد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة، حيث يصاب المدخن بأمراض خطيرة منها سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب وموت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، سرطان المثانة والكلى. وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].

السلام عليكم ورحمة الله. الأنصار جمعهم النبي ﷺ في...

تلك الحظيرة، لم يكن معهم أحد غير الأنصار. وليكن معلومًا أيضًا أن المهاجرين ممن خرج مع النبي عليه الصلاة والسلام لم يعطهم كذلك صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما أعطى المؤلفة قلوبهم.

وخرج والنفوس متوجلة والأعين مترقبة، فحمد الله وأثنى عليه وقام فيهم خطيبًا ثم قال: «يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟». هذا الكلام الجميل، حتى ممكن الإنسان يقول إن خير وسيلة للدفاع عن هجوم، لكن ليس هذا من خلق الرسول عليه الصلاة والسلام وإن كان الأسلوب جيدًا والاستراتيجية نافعة.

فلما بدأهم بهذا التساؤل قالوا: «بلى». وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟». أما ترد على هذا الهجوم الذي هاجمتكم به؟ قالوا: «وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله». المن لله ولرسوله؛ إيمان تسليم، ما يمكن أن يتكلموا بكلام ينقص من أجرهم عند الله عز وجل أو يسيء الأدب عند النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. ما يتقدم أبدًا، لذلك كانوا هم من خير القرون.

قالوا: «المن لله ولرسوله». فقال عليه الصلاة والسلام: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فأغنيناك، وخائفًا فأمّناك، ومخذولًا فنصرناك». لو أنكم قد خلا الإيمان من قلوبكم لرددتم على مقولة ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، لقلتم هذه المقولة ولقلتم أيضًا: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فأغنيناك، وخائفًا فأمّناك، ومخذولًا فنصرناك.

فقالت الأنصار: «المن لله ولرسوله». ثم خاطب إيمانهم وقلوبهم ووجدانهم وقال: «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رِحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رِحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».

فبكى القوم حتى بللوا لحاهم وقالوا: «رضينا بالله ربًا، وبرسوله قسمًا». ثم انصرف وتفرقوا. هذا الرضا والتسليم والإيمان، وقد قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام مقولته: «الناس شعار والأنصار دثار». فالناس هم اللباس الخارجي، بينما الأنصار هم ممس الأرض؛ هذا القرب من النبي عليه الصلاة والسلام، ففرضوا وسلموا. وهذا يدل على حب النبي عليه الصلاة والسلام العظيم للأنصار؛ لو أن الأنصار سلكوا شعبًا والناس سلكوا شعبًا لسلك شعب الأنصار؛ الحياة حياتهم والموت موتهم.

ولذلك توفي الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام في المدينة، على الرغم أنه كان يستطيع أن يرجع إلى مكة، لكن الحب الذي شغف قلبه حب تلك الديار، حب الأنصار، حب أولئك الذين آووه ونصروا، فإذًا هذه هي مكانة الأنصار في قلبه عليه الصلاة والسلام.

فما هي مكانتهم في قلوبنا؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان أيضًا محبًا للضعفاء، محبًا للمساكين، كان يسأل الله عز وجل حبهم. ولذلك جاء في الدعاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين». نسأل الله عز وجل أن يحب المساكين. سل الله تعالى حب الأثرياء، حب الرؤساء، حب الملوك، حب الوجهاء، حب الذين لديهم النفوذ والجاه والسلطان.

أبدًا، النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أمته أن حب المساكين يقرب إلى الله عز وجل رب العالمين، وحب غيرهم يورث القلب بلادة وقسوة، وربما أمات القلب بالكلية. قال ابن رجب: «وهذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يطلب من الله حب المساكين». ولم يزل السلف الصالح يوصون بحب المساكين؛ سفيان الثوري كتب إلى بعض إخوانه: «عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسأل ربه حب المساكين».

إذًا هذا أمر شرعي. أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ قال الصحابي: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: «امسح على رأس اليتيم». حب المساكين، هذا اليتيم الذي لا أبلة له، لما تراه فيه كسرة، امسح على رأسه يلين قلبك وتدرك حاجتك. توجيه من النبي عليه الصلاة والسلام؛ أحدنا ربما ما رأى يتيمًا في حياته، وقد يكون من قرابته لكنه يعرض عنه.

حب المساكين يلين القلب ويقرب من الرب. الصحابة رضوان الله عليهم لهم في ذلك فصل واضح؛ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه كان يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان يكنى بأبي المساكين. وزينب بنت خزيمة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت تعرف بأم المساكين لكثرة إحسانها وصدقتها. وابن عمر رضي الله عنهما نادراً ما كان يتناول طعامه إلا ويأمر أهل بيته أن يفتحوا الباب وينظروا إلى المساكين فيدخلوهم ليتناولوا الطعام معه، ويقول: «لعل بعض هؤلاء أن يكون ملكًا يوم القيامة».

وكم سمعنا عن سماحة الوالد عبد العزيز بن باز رحمه الله عز وجل، وأنه كان لا يتناول الطعام بمفرده أبدًا، لا غداء ولا عشاء، ويصر على إحضار المساكين وطلبة العلم والفقراء كي يتناولوا الطعام معهم، وهو من سيرته العطرة رحمه الله. إذًا هذا دأب الصالحين؛ عندما تصاحب المساكين يلين قلبك وتقترب من ربك، وعندما تصاحب الأثرياء والأغنياء تزداد همًا وغمًا. لماذا؟ يقول بعض السلف الصالح: «صحبت الأثرياء فتكدرت نفسي، أرى دابة خيرًا من دابتي، وثوبًا خيرًا من ثوبي، ثم صحبت الفقراء والمساكين فارتحت».

أنت عندك سيارة، فإذا رأيت من هو أثرى منك عنده طيارة أو طيارتين يتقطع نفسك حسرات؛ لأن القلب لم يُملأ بالإيمان. ترى رجلًا عنده من الأبناء أكثر من أبنائك، ومن الزوجات أكثر من زوجاتك، والثوب الذي اشتريته بمبلغ وقدره، تجد عنده مثله أضعافًا مضاعفة، فيذهب نفسك حسرات. لكن عندما تنظر إلى من هو دونك من المساكين والضعفاء ترتاح، وتشعر أن الله قد أنعم عليك حقيقة، فتقدر نعمة الله عوضًا عن أن تزدريها أو أن تجحدها.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله. العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، وضياء يمحو ظلمات الجهل. الحرص على طلب العلم والازدياد منه طريق الأنبياء ودرب الأصفياء، وقد رغب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الازدياد من طلبه فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. فهو مما يحبه الله تعالى ويرضاه ويفتح لك به طريقًا إلى الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». فدراسة العلم تفيدك معرفة وأدبًا.

ومهارة ووعيًا تخدم به دينك، وتؤهلك إلى مناصب ومواقع يعلو بها شأنك، وتنفع بها أمتك لله، وتكون بذلك من خير الناس؛ ففي الحديث: «خير الناس أنفعهم للناس». ولتحرص دومًا على أسباب التفوق، ومنها حفظ الوقت وحسن اغتنامه، فالوقت هو الحياة، واستذكار دروسك واسترجاعها بصفة مستمرة دون تسويف أو ملل، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى فبيده مقادير كل الأمور.

من ثمرات العلم النافع أنه يورث الخشية من الله تعالى، فالعلماء حقًا من يخشون الله تعالى حق خشيته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

السلام عليكم ورحمة الله. مسألة الفقر والمسكنة هذه مسألة مفروغ منها من ناحية أن الإسلام يحبذ ويشجع على الحنو عليهم والعطف عليهم ومصاحبتهم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها ويمنعها». من يأتيها؟ الفقراء يأتون، وعامة الوليمة لو دعوتهم لأنهم في حاجة إلى الطعام، في حاجة إلى هذه الأماكن، لكنك أنت للكبر الذي في قلبك تمتنع عن دعوتهم. هذا إمام مسجد، هذا مؤذن، هذا فراش، كيف وعليّة القوم؟ قال: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها». الأغنياء والأثرياء والوجهاء تدعوهم لا يأتون، بينما الفقير الذي يأتي لو دعوته أنت لا تدعوه، فإذًا هذه مسألة مفروغ منها، محبتهم لأن الرسول كان يدعو عليهم الصلاة والسلام.

لكن مما انتشر على السنة العوام يروون حديثًا: «اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة». هذا الحديث جماهير العلماء على تضعيفه، فقد ضعفه الترمذي وابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، والحافظ ابن حجر، والنووي، والذهبي، وابن رجب الحنبلي. ومنهم من صحح الحديث الشيخ الألباني رحمه الله، فمن صحح هذا الحديث حمل المسكنة: «اللهم احشرني في زمرة المساكين، أحييني مسكينًا وأمتني مسكينًا»؛ حمل هذه المسكنة، كيف الرسول يدعو على نفسه بالمسكنة وهو يعوذ بالله من الفقر ومن ذل الدين؟ وكان يدعو: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا»، وفي رواية: «اجعل قوت آل محمد كفافًا».

فقال من صحح الحديث: إن المسكن المقصود بها هنا هو التواضع والخشوع إلى الله عز وجل، لا بمعنى الفقر والذل والحاجة. ولذلك قال ابن عبد البر: المسكين ها هنا هو المتواضع الذي لا جبروت فيه ولا كبر، هو الهين اللين السهل القريب. ولكن الصحيح أن الحديث ضعيف لتضعيف أولئك الأئمة الأعلام. والشيخ الألباني رحمه الله عز وجل إمام عالم مجتهد، ولكن إذا تقدم من كلام الأولين على كثرتهم وجلال قدرهم، فلا بد أن يقدم الإنسان كلامهم على كلامه، وهذا نادر، ليس شيئًا منتشرًا، هو إمام له مكانته رحمه الله وهو من المجددين في علم الحديث وله الأجر العظيم من وراء ذلك.

إذًا المعنى في هذا الحديث -إن صححه البعض- محمول على التواضع والإخبات، أما الفقر والحاجة والعوز فمعاذ الله أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ذلك؛ لأنه كان يعوذ بالله من الفقر، وكان صلى الله عليه وسلم يطلب من الله عز وجل أن يكون رزق آل محمد كفافًا أو قوتا، يعني ما يقتات عليه، والكفاف هو أن لا يضطر إلى السؤال والحاجة والتعلق بما في أيدي الناس، لكن لا يزيد. النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يريد أن يكون الرزق واسعًا بحيث يزيد؛ لأن الإنسان إن كان في يده شيء زيادة عن حاجته طغى وتجبر في الأرض، فكان عليه الصلاة والسلام يعوذ بالله من ذلك. وهذا موجود، هذا ملاحظ؛ كلا إن الإنسان يطغى إن رآه استغنى، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]، وكانوا قبل ذلك مترفين. أهل المال إن زاد المال في أيديهم، هل ينفقونه في مرضاة ربهم وجهادًا في سبيله وإطعامًا للأفواه الجائعة، أم أنهم ينفقونه على ملذاتهم وشهواتهم وما يبعدهم عن الله عز وجل؟

كان عليه الصلاة والسلام يحب المساكين، وكان أيضًا يحب من تحلى بحسن الخلق؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا»، وقال أحاديث كثيرة: «أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»، وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». وقد وصفه الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فحسن الخلق في الإسلام من الإيمان، وقد سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن البر فقال: «حسن الخلق»، وعن الإثم فقال: «ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». إذاً البر والإيمان معلق بحسن الخلق.

وللأسف قد تجد طالبًا للعلم أو حتى عالمًا وليس لديه من حسن الخلق شيء، بل سوء الخلق علامة بارزة، وهذا قليل ولله الحمد. لكن اعلم أن حسن الخلق والعلم متلازمان، فحقيقة العلم لابد أن تؤثر على أخلاقك. تريد أن تعرف العالم حقيقة أو طالب العلم؟ اذهب إلى بيته وتفقد أهله ومعاملته مع أبنائه، معاملته مع أرحامه وقرابته، معاملته مع جيرانه، انظر إليه في بيعه وشرائه؛ فحسن الخلق هذا لابد أن يبرهن على حقيقة العلم التي عندك.

لا شك أن سوء الخلق يحبط الأعمال؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264]. من أسوأ أنواع سوء الخلق المن: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، والأذية: «ألم أعطك؟ ألم أفعل لك؟ كم مرة تطلب مني هذا؟»؛ هذا من سوء الخلق. ومن سوء الخلق الغيبة والنميمة والكلام الفاحش وأذية الناس. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، وقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وهذا موجود عندنا، أي والله الشتم هذا منتشر، والفحش في القول، وقذف هذا، والقذف أيضًا موجود، وأكل مال هذا -أكل الأموال بين المسلمين هذا مثل أكل الحلوى- وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»؛ هذا المفلس.

إذًا سوء الخلق مفسد للأعمال، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يحث الناس على أن يحسنوا أخلاقهم، ويخبرهم أن أقربهم منه مجلسًا يوم القيامة أحاسنهم أخلاقًا. أسأل الله عز وجل أن يحسن أخلاقنا، وأن يجمعنا بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم في مستقر رحمة ربنا عز وجل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.