يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة العطرة، يفوح أريجها لأهل كل زمان. بشرى لنا، زادنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مما عُرف من صفات النبي ﷺ أنه كان رحيم القلب، إلا أن هذه الرحمة لا ينبغي أن يُنظر إليها على أنها نوع من أنواع الضعف، فلابد للمسلم من التوازن في دين الله عز وجل؛ فكما أنه ﷺ كان رحيماً رؤوفاً عطوفاً، فكذلك كان إذا احتاج الأمر يظهر ﷺ شيئاً من الشدة، خاصة إن كانت في حد من حدود الله عز وجل. كما تقول أمنا عائشة: «ما انتقم النبي ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة من حرمات الله». فالنبي ﷺ ربما أقام الحد إن كان في حد من حدود الله، وإن كان في ضوء ما دون ذلك ربما عزر.
والتعزير في اللغة اللوم، وهو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، فهذا التعزير منه أنواع مختلفة؛ قد يعزر النبي ﷺ بالضرب والتأديب، قد يعزر بالكلمة، قد يعزر بالحبس، قد يعزر بأخذ المال، قد يعزر ما دون ذلك من أمور. فلنتدارس بعض أنواع التعزير الذي ورد في سيرته ﷺ.
من ذلك تعذيره ﷺ باليد، ومنه إزالة المنكر بيده؛ فقد جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ خرج ذات يوم على أصحابه فنظر، فإذا في يد أحدهم خاتماً من ذهب، فجاء إلى الرجل فنزعه وطرحه، أي رماه في الأرض، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده». انظر إلى هذا الصنيع؛ منكر رآه النبي ﷺ فأزاله بيده، وهو القائل: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
تغيير المنكر باليد هذا مقتصر على من له سلطة، وليس لأي أحد في الشارع؛ ترى عليه منكراً فتنكر عليه بيدك، ربما كسر يدك! لكن الأب ينكر بيده على أبنائه وعلى زوجته، وكذلك المسؤول ينكر على من هو مسؤول عنهم يوم القيامة، ولي الأمر والشرطي ونحوه، هؤلاء لهم باليد وهم مسؤولون إن لم يفعلوا ذلك. فالرسول ﷺ فعل هذا الفعل وغير المنكر بيده، مع أنه كان يستطيع أن يقول: يا رجل لا تفعل كذا، افعل كذا. والصحابي، لطبيعة قوة اتباعه للنبي ﷺ، بعد ما ذهب قيل له: لو أنك أخذت خاتمك فانتفعت به، فهذا مال، خذه أعطه لزوجتك، بعه انتفع، قال: والله لا آخذه أبداً، وقد طرحه النبي ﷺ، انتهى الموضوع.
ومن هذا النوع أيضاً من التعزير ما كان يفعله النبي ﷺ بالتعزير بالمال. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، صحابي معروف ذو جهد وعلم، يأتي النبي ﷺ ذات يوم وعليه ثوبان معصفران، يعني مصبوغان بالعصفر، وهو نوع من النبات يعطي شيئاً من اللون كالحمرة أو الصفرة، وكان آنذاك هذا اللباس معروفاً بأنه للنساء، وأن رجال الكفار يلبسونه. فأتى إلى النبي ﷺ فقال له: «أأمك أمرتك بهذا؟». على طول عبد الله أول ما سمع سيرة أمه في الموضوع عرف أن النبي ﷺ يوبخه، ففوراً ما قال: لا والله يا رسول الله لكن عجبتني الموضة أو كذا، بل قال: «أغسلهما»، يعني هذا الذي أنا فعلته هو خطأ، أقر بذلك الآن.
انتقل إلى الخطوة الثانية: «أغسلهما يا رسول الله»، قال: «بل احرقهما». وهذا تعزير بإتلاف المال؛ لماذا؟ لأن رجلاً مثل عبد الله بن عمرو في علمه وتقواه وزهده وورعه، هذا الرجل زاره النبي ﷺ وهو حديث عهد بالزواج، إلا أنه كان يصوم النهار ويقوم الليل، ما قرب زوجته. سأله الرسول ﷺ عن قراءته للقرآن، في كم تقرأ القرآن؟ قال: أقرأه كل ليلة.
من المسلمين من لا يعرف القرآن من رمضان إلى رمضان، ولا يختمه في رمضان! من المسلمين من يقرأ الروايات ويشاهد المسلسلات ويفهم في الأفلام، لكن كتاب الله عز وجل إن سألته عن معنى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، والله ما أدري، إن أقرأها من أربعين سنة لكن ما أدري ما معناها! جهل، بعد عن الله عز وجل، غفلة، نسأل الله لنا ولكم العافية. هذا عبد الله بن عمرو لما يقرأ القرآن مرة في كل ليلة في الصلاة، أي إيمان، وأية زهد، وأية عبادة عند هذا الرجل. لذلك النبي ﷺ ما قبل منه المخالفة، ولم يأمره كما يأمر الجاهل بأن يغسلهما، بل قال له: «احرقهما»، وهذا تعزير بإتلاف المال، وقال له في رواية أخرى رواها الإمام مسلم أيضاً: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها».
الأمر بإحراقها إنما هو ردع له وتغليظ في العقوبة وتخويف لغيره، فالنبي ﷺ أراد أن يجعل منه عبرة للناس بحيث يتعظوا. وهل اتعظوا؟ انظر كم يخالف الناس في ثيابهم وهديهم ولباسهم هدي النبي ﷺ. ولا أتحدث عن البنطال والقميص فهذا أمر مباح، إنما أتحدث عن الملابس التي لا يلبسها إلا الكفار والفساق، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
فاصل قصير وبعدها نواصل فانتظرونا. لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قاموا بواجبهم، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً؛ مشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع.
مما أكسبها قيمة واعتبارًا واحترامًا لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
للمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. أحكام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله؛ أسرةً وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من التعزير أيضًا بالمال ما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ كان في بيت إحدى زوجاته وهي عائشة أمنا رضي الله عنها وأرضاها، فبعثت إليه إحدى زوجاته بطعام مع مرسول مع جارية، فلما رأت أمنا عائشة هذه الجارية ومعها قصعة -صحن فيه طعام- قامت فضربت الإناء بالجدار، فانكسر الإناء وتناثر الطعام.
فقام عليه الصلاة والسلام يجمع الطعام ويلمه كي لا يكون للشيطان فيه نصيب، مطمئنًا أصحابه الذين دهشوا مما رأوا: «غارت أمكم، غارت أمكم»، يعني لا تشيلوا هم، هذه أمكم عائشة. فقط هذه الغيرة، وهذا أمر عجيب؛ النبي ﷺ يفعل هذا مع أم المؤمنين مع زوجته، وربما أحد الجهلة يطلق إن رفعت صوتها على صوته أو إن زادت في كمية الملح في الطعام، انظروا إلى حلمه ﷺ، إلى رحمته، إلى شفقته.
يبين لأصحابه أمرًا معتادًا: «غارت أمكم»، هذه مسألة طبيعية في النساء؛ الغيرة مسألة طبيعية، المرأة التي لا تغار هذه فيها مشكلة، ولكن مقتضى العدل ومقتضى الإنصاف أن الغيرة هذه لا تخرج عن مساقها ومسارها الطبيعي، فإذا خرجت وجب أن يتم العقوبة أو أن يتم التعزير.
فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن جمع الأكل للقوم: «كلوا»، هذا أكل طيب ما به شيء. ثم حبس النبي ﷺ هذه الجارية أو ذاك الرسول الذي جاء بالطعام، قال له: «انتظر حتى جاءت الأخرى بقصعتها»، فدفع القصعة الصحيحة إلى التي كسرت قصعتها، وترك المكسورة للتي كسرت؛ عقابًا وتعزيرًا لأم المؤمنين عائشة، طعامًا بطعام وإناءً بإناء. عقوبتك أنك كسرتِ إناءً، نأخذ من أوانيك ونعطيها إياها إناءً صحيحًا، فهذا من التعزير بالمال أيضًا.
ومن أنواع التعزير بالمال ما جاء في معاقبة الذي يتأخر في دفع الزكاة. الزكاة ركن ركين من أركان الإسلام، ولو قام به المسلمون على وجهه وأعطوا المستحقين حقهم لما وجدنا هذا الفقر في أنحاء العالم، خاصة في أنحاء العالم الإسلامي. لذلك قال عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر نصاب سائمة الإبل، والحديث عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدر رضي الله عنه: «في كل سائمة إبل فريضة، ولا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مأتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها...»، هذا الذي يمنع الزكاة ماذا نفعل فيه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فأنا آخذها وشطر ماله»، عزمة من عزمات ربنا، ليس محمد منها شيء. إذا هذه عقوبة مالية للذي يتأخر ويمنع الزكاة؛ أننا نأخذ الزكاة منه قسرًا وشطر ماله نصف ماله عقوبة عليه، وهذه من الأمور التي تحفظ للإسلام بيضته، وتحفظ أن شرع الله عز وجل يطبق حقيقة.
النبي ﷺ ربما هجر تعزيرًا، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إن النبي ﷺ حلف ألا يدخل على بعض أهله شهرًا (رواه البخاري ومسلم). إذا هذه عقوبة فعلها النبي ﷺ، وفيه جواز التعزير للمرأة بالهجر إذا وقعت منها مخالفة تقتضي ذلك، والتي تخافون نشوزهن كما جاء في القرآن: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34]. إذا هذه أنواع من أنواع التعزير، ومنها الهجر في المضاجع، وإن احتاج الأمر الهجر في البيت أيضًا، كما هجر النبي ﷺ نساءه شهرًا كما جاء في بعض الروايات.
كذلك أمر النبي ﷺ بهجر كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه، وهم الثلاثة الذين تخلفوا يوم تبوك، وقد أمر المسلمين بعدم الحديث معهم ولا حتى برد السلام، وفي الفترة الأخيرة أمر النساء بهجرهم أيضًا. فإذا الهجر هذا له أصل في الإسلام، إلا أنه ينبغي التفطن إلى أن الهجر لا يصلح مع كل أحد.
الذي يعصي الله عز وجل ويكون مظهرًا لمعصيته، فإنه ينظر؛ فإن كان مظهرًا لمعصيته فإنه يهجر ولو طالت المدة، إن كان الهجر يردعه عن معصيته أو يحمله على التقليل منها. وهذا موجود أن ترى من يجاهر بالمعصية لكن ترى المسلمين يعاملونه معاملة عادية؛ يخالطونه ويدعونه إلى مناسباتهم ويجيبون مناسبته، وهو من أكبر المجاهرين في معصية الله. ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 78-79]. أنت تراه يفعل منكرًا نهارًا جهارًا ولا تنكر عليه ولا تهجره.
إن كان هذا العاصي مستترًا، أي أنك رأيته وهو يعصي لكنه مستتر بمعصيته، فلا بد عليك أن تنصحه وأن تذكره بالله عز وجل وأن تستر عليه، إياك والفضيحة. قال عليه الصلاة والسلام: «من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (متفق على صحته). وهذا دأب السلف، محمد بن المنكدر رحمه الله رأى رجلًا يتحدث مع امرأة وليست من محارمه، فأتى وقال: «إن الله يراكما، سترنا وإياكما». أما أن تفعل الفضائح وتنشر وتدعو الناس على أمر وهو السر، فلا يجوز ذلك، وهذا من هتك الستر.
هذا الذي استتر بمعصيته لا بد أن تقارن وتوازن بين المصالح والمفاسد؛ فإن كان في هجرانه تقليل لمعصيته أو ردع له عنها فلا بد أن تهجره، أما إن كان في هجرانه أنه أصبح ما يستحي منك ويعلن ويجاهر بمعصيته لأنه من الأول كان يستحي منك ويمتنع عن ذلك، فهذا منكر أعظم، لا تهجره.
استمع إلى ما يقوله العلماء؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار وأن يهجر وأن يذم على ذلك، وهذا معنى قولهم من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، بخلاف من كان مستترًا بذنبه فإن هذا يستر عليه ولكن ينصح سرًا ويهجره من عرف حاله حتى يتوب ويذكر أمره على وجه النصيحة». والبخاري أيضًا بوب على حديث كعب بن مالك وقصة تخلفه عن تبوك بقوله: باب ما يجوز من الهجران لمن عصى.
قال ابن حجر: أراد بهذه الترجمة بيان الهجران الجائز؛ لأن عموم النهي مخصوص بمن لم يكن له هجره سبب مشروع. إذاً الحديث: لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث، هذا إذا ما كان فيه سبب مشروع؛ فلان ما عزمني، أو فلان قال كلمة آذتني، أو فلان ما قام لي حق، اهجره ثلاثة أيام ثم يجب عليك أن ترجع.
أما من كان له سبب مسوغ في الهجران، وهو لمن صدرت منه معصية، فيصوغ لمن اطلع عليها منه هجره لكي يكف عنها.
فانظروا كيف كان عاقبة التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول، وأسباب التمكين وزوال الدول؛ من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم؛ فلا شيء يهدي الإنسان كالمثولات والوقائع.
ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه؛ فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، إنما هو من جراء أعمال العباد؛ قال الله تعالى: ﴿لَّا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة، والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وفهم الحاضر؛ لأن الحاضر جزء من الماضي، فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، وإدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحدا؛ قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفاطر: 43].
السلام عليكم ورحمة الله، إذا مسألة الهجران ليست على إطلاقها. نجد في كثير من الصالحين أنهم يهجرون لأتفه الأسباب؛ يا أخي لماذا لا تلقي السلام على فلان؟ قال: هذا مبتدع. ومنهج أهل السنة والجماعة أنهم يهجرون أهل البدعة؛ ما بدعته؟ قال: هذا يستخدم السبح بعد الصلاة. سبحان الله، البدع أقسام، منها مكفر هذا يهجر صاحبه، ومنها ما ليس بمكفر، وينظر في هذه البدعة وحجمها وكميتها. إذا أنت هجرت الناس على معاصيهم وعلى أمورهم ما يبقى لك أحد، فليس الهجران هو الأصل، إنما هو الحالة المستثناة في التعزير إن كان يرجى من وراء ذلك مصلحة أعظم.
فلننظر إلى هجران الصحابة، عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، صحابي جليل ومن شهد أن النبي ﷺ أثنى عليه بالإيمان، نعم العبد عبد الله، لو كان يقوم الليل فما ترك قيام الليل بعدها قط. هذا الصحابي يروي حديثًا عن النبي ﷺ: «لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها». واضح الحديث، ممنوع أن تمنع نساء الله بيوت الله.
وقام له ابن اسمه بلال، فقال: والله لنمنعهن. الآن هو يخالف حديث الرسول ﷺ ويقول: والله ليمنعهن. يقول راوي الحديث: فأقبل عليه عبد الله، أي أبوه، أقبل عليه فسبه سبًا سيئًا ما سمعته مثله قط. عبد الله بن عمر الصحابي المعروف العفيف الكريم الزاهد ما استطاع أن يملك نفسه عندما سمع اعتراض ابنه على حديث النبي ﷺ، وإن كانت نية الابن طيبة لكن لا عذر لك. يقال قال النبي ﷺ: «لا تمنعوا»، وأن تقول: والله لنمنعهن! سبحان الله، لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. سبه سبًا شنيعًا، وقال: أخبرك عن رسول الله وتقول والله لنمنعهن؟ فضرب على صدره وقال: أحدثك عن رسول الله؟ في رواية أخرى للبخاري ومسلم: أحدثك عن رسول الله وتقول لا؟ فما كلمه عبد الله حتى مات. هجر ابن عمر ولده بلالاً إلى أن مات؛ لماذا؟ لأنه رد حديث النبي ﷺ. الصحابة كان عندهم نوع من أنواع التعظيم لسنة الرسول ﷺ.
عبد الله بن المغفل أحد الصحابة العظام، رأى قريبًا له -ولد عمه أو ولد خاله- يخذف، فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: «إنها لا تصيد صيدًا ولا تنكأ عدوًا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين». ما الخذف؟ أنك تضع حجرًا ما بين السبابة والإبهام هكذا وترمي بها، تضع حصاة ترمي بها، طبعًا يكون فيها اندفاع، لكنها لا تقتل صيدًا ولا تؤذي عدوًا، ترمي حجرًا لكنها ممكن أن تفقأ عينًا أو تكسر سنًا، يعني تؤذي الناس، فالرسول نهى عنها عليه الصلاة والسلام. فعبد الله بن المغفل نقل الحديث إلى قريبه الذي كان يقذف، ثم عاد مرة أخرى القريب هذا ما انتهى وعاد إلى الخذف، فقال له عبد الله: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه؟ ثم تخذف؟ لا أكلمك أبدًا. خلاص انتهى، هذا هجران، هذا فراق بيني وبينك. إذاً الصحابة كانوا يعظمون مسألة حديث الرسول ﷺ.
وهذا نظير ما كان يحصل وما زال يحصل في جميع الأزمنة. سعيد بن المسيب رحمه الله في مسجد المدينة، مسجد النبي ﷺ، رأى رجلًا يأتي يصلي ما بين الفجر والأذان والإقامة، ونحن نعرف أنه في عندك ركعتين تصلي السنة، هذا الأفندي قام يصلي ركعتين ويسلم، ركعتين ويسلم، ركعتين ويسلم. فنهاه سعيد وقال له: لا تفعل، فقد نهى النبي ﷺ عن الصلاة بين الأذان والإقامة من الفجر إلا ركعتي السنة رغيبة الفجر. فالمتفلسف هذا الرجل يتفلسف، وكل الجهلة فيهم هذه النعرة الفلسفية، قال له: يا أبا محمد، أتراني أصلي ويعذبني؟ سبحان الله، أمر عجيب، نهي عن الرسول ﷺ! فقال: يا ابن أخي، إن الله لا يعذبك على الصلاة، ولكن يعذبك على مخالفة السنة. وكم من يدعي الإسلام اليوم يخرج ويرد الأحاديث ويرد النبي ﷺ ويرد شرع الله عز وجل اتباعًا للهوى، لا شك أن هذا على خطر عظيم.
قال الإمام النووي رحمه الله: فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذ السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائمًا، والنهي عن الهجران فوق ثلاث إنما هو في منهج هجر لغرض نفسه ومعايش الدنيا. وقال شيخ الإسلام: هذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر مهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف. وقد كان صلى الله عليه وسلم يتألف قوما ويَهجر آخرين.
الرسول صلى الله عليه وسلم كان أيضًا يعزر عدم رد السلام؛ فعمار بن ياسر رضي الله عنهما يخبر أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام وقد جعل له أهله في يديه زعفران، والزعفران هذا للنساء لكن يده تشققت. يقول: "فأتيت على النبي عليه الصلاة والسلام فسلمت عليه فلم يرد علي السلام". أبو عمار مقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، ما رد عليه السلام بل قال له: "اذهب فاغسل هذا عنك".
لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتزعفر الرجل، وكما رواه البخاري ومسلم في الصحيح. إذاً هذا أتى بمحرم يسلم، ما نرد عليه السلام لأنهم مجاهر بمعصية، ربما كان جاهلاً والأصل فيه أنه عالم لأنه يعلم نهي الرسول عليه الصلاة والسلام، فلذلك غلظ عليه الرسول عليه الصلاة والسلام في التعزير وأمره أن يذهب. فلما غسل يده وأزال عنه خالد الزعفران وأتى وسلم، رحب به النبي عليه الصلاة والسلام ورد عليه السلام.
كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام ربما عزر أصحاب المخالفات بالدعاء عليهم، يعني أنك تدعو على المخالف العاصي هذا من التعزير. النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يأكل بشماله فيقول له: «كل بيمينك»، أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. فقال الرجل: "لا أستطيع"، ما منعه إلا الكبر، يعني يقدر لكن تكبر أن يأكل باليمين، قال: "لا أستطيع". فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: «لا استطعت»، فشلت يده فلم يستطع أن يرفعها إلى فيه، وهذا لأنه خالف الحكم الشرعي.
ابن عباس يخبرنا رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، أعرابي مريض فدخل عليه يزوره عليه الصلاة والسلام، فقال له كما يقول لكل المرضى الذين يزورهم: «لا بأس طهور إن شاء الله»، يعني ما عليك بأس إن شاء الله، هذه الحمى التي فيك هي من الأمور التي تكفر عن سيئاتك. فماذا قال هذا الأعرابي؟ قال: "قلت طهور كلا، بل هي حمى تفور".
على شيخ كبير تزيره القبور، يعني هذا رد دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام بالتشكي مما أصابه، فقال له عليه الصلاة والسلام: «فنعم»، إذاً جاء في بعض الروايات أن الرجل أصبح ميتاً، فاستشكل على أهل العلم كيف يدعو عليه عليه الصلاة والسلام؟ قيل إن الله أعلمه أن هذا الرجل ميت، وقال في رواية أخرى: «ما قضى الله فهو كائن». فإما أن يكون معناها دعاء عليه، وإما أن يكون هو كما قلت وكما تمنيت وحسن ظنك، أو ظنك بالله سيفضي إلى ما نبأت به، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا راغباً في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سيرة، يفوح لأهل كل زمان للعلم كالآزهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم