الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحدثنا على مدى درسين ماضيين عن تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم، والأمر يحتاج إلى مدارسة أكثر من ذلك، ولكن هذه الدروس إنما هي فقط لإعطاء نبذة مبدئية عن شيء من شمائله عليه الصلاة والسلام.
التواضع هو جزء من منظومة كاملة من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم، وهي نزر يسير، ولو ذهبنا نتحدث عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام لما وسعنا المقام. وقد سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم فسألت السائل: أولا تقرأ القرآن؟ فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان القرآن. وقد تقدم معنا قول الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. وهذا الأمر إنما هو من رحمة الله عز وجل بنبيه عليه الصلاة والسلام وبأمته.
بأبي هو وأمي، كل رسول أعطاه الله عز وجل معجزة خالدة، لكن هذه المعجزة ما يستطيع أحد أن يظهرها ولم يرها منا أحد. فاتباع موسى يقولون: إن الله شق البحر لموسى، وإن الله أحال العصا إلى حية عظيمة تأكل الأشياء وكذا وكذا؛ نقول: نعم نؤمن بذلك، ولكن أروني أين البحر الذي انشق؟ وأين العصا؟ عيسى عليه الصلاة والسلام كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والأعمى؛ أقول: أؤمن بذلك، لكن أروني؟ ناقة صالح صار كذا، مع الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام فعل كذا؛ أنبياء الله ورسله معجزاتهم كثيرة، لكن لا يوجد شيء منها باقٍ إلى يومنا هذا أبداً.
لكن إسلامنا هو الذي يأمرنا بأن نؤمن بها لأنها مذكورة في ديننا وشرعنا، لكنهم ما يستطيعون أن يثبتوها أبداً، بينما الإسلام معجزة النبي عليه الصلاة والسلام قائمة خالدة. نعم القمر انشق، نعم كان يسبح الحصى في يده عليه الصلاة والسلام، وينبثق الماء من البئر الجافة، ويحن له جذع النخل، وتتكلم معه الإبل، ويشتكي من حاله؛ كل هذا ثابت، لكن الكافر يأتيك يقول: أنا ما رأيت شيئاً. نقول: نحن ما رأينا المائدة تنزل من السماء على عيسى عليه الصلاة والسلام لكن نؤمن بها، إلا أن الله عز وجل أبقى معنا معجزة خالدة إلى قيام الساعة ألا وهي القرآن. هذا القرآن هو معجزة المسلمين الذي به يستطيعون أن يقهروا العالم، وأن يبرهنوا ويثبتوا لهم أن الإسلام هو دين الله، وأن القرآن هو كتاب الله الخاتم، والذي تحدى الله عز وجل العالمين بأن يأتوا بمثله أو بشيء منه.
هذا القرآن أثر في أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام تأثيراً عظيماً. قال النووي شارحاً معنى التخلق بالقرآن: هو العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته. هذا هو القرآن، هذا هو أن تعمل به وأن تتخلق به. لو ذهبنا ننظر إلى أخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام لما استطعنا أن ننهي الموضوع في دروس عديدة كثيرة، ولكن كنظرة شمولية؛ النبي عليه الصلاة والسلام هو أحلم الناس وأشجعهم.
كان أشجع الصحابة، إذا حمي الوطيس يتترسون خلف النبي عليه الصلاة والسلام. علي يقول: كنا نتترس إذا حمي الوطيس واشتد القتال كنا نختبئ وراء هذا الشجاع صلى الله عليه وآله وسلم. فكان أحلم الناس، وكان أشجعهم، وأعدلهم، وأعفهم عن الحرام صلى الله عليه وآله وسلم. من عفته أنه لم يمس يد امرأة قط إلا أن يملك رقها أو عصمة نكاحها؛ تكون زوجة له أو تكون ذات محرم منه. هند بنت عتبة رضي الله عنها تقول: يا رسول الله، أخرج لنا يدك نبايعك؛ قال: «إني لا أصافح النساء». وهو رجل ولكنه لا يصافح النساء؛ لأنه يعلم أن ذلك أمراً محرماً.
قارن هذا بحال المسؤولين في العالم الإسلامي اليوم وصورهم تسود صفحات وسائل الإعلام؛ يضع يده في يد امرأة أجنبية عنه غير محرم له، كافرة أو مسلمة، ويتصور معها! أما يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لأن يطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»؟ قالوا: هذا سياسة! سبحان الله، أين هم من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم؟
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أشد الناس حياءً، وجاء في الأحاديث لكنها ليست بصحيحة الإسناد: كان لا يثبت بصره في وجه أحد؛ يعني إذا كان يخاطب أحداً ما كان ينظر إليه نظراً يحرجه أو يرهبه، بل كان ينظر هنا وهناك كي يشعر الرجل بشيء من الراحة. من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام أنه كان يجيب دعوة الداعي سواء كان عبداً أو حراً، يقبل الهدية ولو كانت جرعة من لبن، لكنه كان يكافئ عليها صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يأكل الصدقة إنما يقبل الهدية. ولا يستكبر عليه الصلاة والسلام عن إجابة الأمة أو إجابة المسكين أو إجابة العبد، فإذا دعي أجاب صلى الله عليه وآله وسلم.
إن من تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحسن خلقه أنه كان لا يغضب لنفسه قط، إنما كان يغضب لله عز وجل، وهذا أمر صعب؛ أن يصل بالإنسان حسن خلقه إلى هذه المرحلة أمر صعب. تذكرون حديث أنس رضي الله عنه عندما جاء أعرابي وعلى الرسول عليه الصلاة والسلام برد نجرانية غليظة الحاشية، فجبذه جبذة أثرت في عاتقه حمرت جلده وآذته، وروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام من خلفه قال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك. أن يكون خلق الإنسان أن يصل إلى درجة أن لا يغضب لنفسه بل يبتسم ويأمر له بعطاء؛ هذه مرحلة ما يلقاها إلا الأنبياء أو من كان على شاكلتهم.
كان صلى الله عليه وآله ينفذ الحق لأن الحق أحق أن يتبع ولو كان ذلك فيه جلب للضرر عليه وعلى أصحابه، الحق لابد أن يقال. ما ضرب بيده عليه الصلاة والسلام امرأة ولا طفلاً ولا عبداً. كان يعصب على بطنه الحجر من شدة الجوع وهو رسول الله، يعني لو أراد لطلب من أصحابه أن يطعموه ولا ما تأخر أحد منهم، لكن حسن الخلق وعفة النفس كانت تلزمه أن يربط على بطنه الحجر صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك بعض الإخوة أشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة في صاع من شعير عند يهودي؛ قال: كيف يرهن درعه عند يهودي وأصحابه متوافرون منتشرون كثيرون، بل ومنهم الأثرياء؟ فمن الإجابات أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين لأمته جواز التعامل مع أهل الكتاب، مع الكافر بالرهن وبالقرض وبالبيع ونحو ذلك. ومنه أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يطلب، فإن عرضوا عليه هدية قبل، وإن لم يعرضوا عليه لا يطلب من أحد، إنما يرهن درعه بأبي وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.
كان لا يتورع عن مطعم حلال ما ربما يرفضه بعضنا؛ لأن الأكل ليس من مقامه أو نحو من ذلك، الرسول ما كان يتورع عليه الصلاة والسلام ما دام الطعام حلالاً. فإن كان دعي إلى كراع أجاب، لو دعي إلى خبز شعير وإهالة سنخة أجاب بأبي وأمي؛ أي وليمة يدعى إليها يجيب صلى الله عليه وسلم.
إذاً علاقاته الاجتماعية، استجابته للدعوة؛ هذا من حسن الخلق. لا يعني أنك عالم أو طالب علم أو مسؤول أنك تعتزل الناس، بل على العكس من ذلك، من هو أشرف وأعظم وأكرم منك وأكثر شغلاً وانشغالاً كان يجيب دعوة من دعاه إلى وليمة أو إلى طعام، وكان يعود المرضى عليه الصلاة والسلام، كان يشهد الجنائز. وعندما يمشي كان يمشي بلا حارس وحده ولو كان بين أعدائه عليه الصلاة والسلام لأن الله يعصمه من الناس؛ هذا من حسن الخلق. لا مواكب، لا حراس، لا أبهة؛ لأن العزة والشرف وعلو المكانة تنبع منه صلى الله عليه وآله وسلم.
كان أشد الناس تواضعاً، وتقدم معنى ذلك، أسكنهم في غير كبر، كان ساكناً عليه السكينة، ولكن ليست سكينة المتكبر إنما سكينة متواضع. كان أبلغهم أي في المقولة من غير تطويل، فكان يوصل الرسالة بكلمتين أو ثلاث صلى الله عليه وسلم وقد أوتي جوامع الكلم. يهمه شيء من أمر الدنيا يلبس ما وجد، أي شيء موجود يستر العورة مقبول يلبسه عليه الصلاة والسلام. يمشي منتعلاً ويمشي حافياً، وهذه من السنة المهجورة التي قل أن تجد من يطبقها، كان يمشي حافياً صلى الله عليه وآله وسلم. هل يوجد من أئمتنا، من أمرائنا، من مسؤولينا من يتواضع لله ويمشي حافياً يوماً من الأيام كي يكسر جبروت نفسه وكبرياءه؟ يروى أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كان ربما خرج من بيته إلى المسجد حافياً متبعاً للسنة النبوية وهو علم من أعلام هذه الدنيا رحمه الله رحمة واسعة.
وربما صلى الله عليه وسلم خرج يمشي بلا رداء يعني البشت، ولا عمامة ولا قلنسوة، حتى الطاقية ما يلبسها ربما خرج هكذا وخرج هكذا. يركب ما تيسر له من تواضعه عليه الصلاة والسلام؛ البعض منا يشترط أن يكون مركوبه كذا وكذا من موديل كذا وكذا ويشعر بالنقص إن كان السيارة أقل من هذا الموديل أو أقل من ذلك السعر؛ لأن عزة نفسه لا تأتي إلا من هذه الأشياء المادية، فهو بحسب ما يملك من المال. أما عزيز النفس حقيقة، أما الذي عنده كرامة فلا تهمه تلك المظاهر؛ كان الرسول عليه الصلاة والسلام يركب ما تيسر له من غير كبر ولا فخر ولا خيلاء. إن وجد ناقة ركبها، وإن وجد حصاناً ركبه، فرساً، وإن وجد بغلة ركبها، وإن وجد حماراً ركبه، ولا يستنكف عليه الصلاة والسلام أن يردف خلفه عبده؛ ممكن تجد وراء الرسول عليه السلام خادمه أو عبده أو من كان محتاجاً للركوب فلا يجد في ذلك أي غضاضة؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام حسن الخلق.
من حسن خلقه أنه كان يحب الطيب؛ أما قال: «حبب إلي من دنياكم» وجعلت عيني في الصلاة. كان يحب الرائحة الطيبة الذكية، وكان يكره الرائحة الرديئة، وهذا طبع بشري؛ ما من أحد يحب الرائحة السيئة أو الرديئة. بل إن من حبه صلى الله عليه وسلم للرائحة الطيبة، وأن لا يشم أحد منه رائحة كريهة من قوة هذا الخلق؛ أنه حرم على نفسه ذات يوم العسل عندما قيل له: إنا نجد منك ريح المغافير؛ فحرم على نفسه ذلك، حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] فكفر عن يمينه عليه الصلاة والسلام وعاد الأمر كما كان.
لا يأكل البصل ولا الثوم ولا الكراث لسوء رائحته، ونهى من أكل من هذه الأشجار أن يحضر صلاة الجماعة في المسجد؛ قال: «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». إذاً دين الإسلام دين نظافة، دين يشجع ويحث على الرائحة الطيبة؛ أما أن يأتي المصلي إلى المسجد وقد علته رائحة الدخان والمعسل والجراك -نسأل الله العافية- أو ربما كان عاملاً ورائحة العرق ورائحة العمل التي تؤذي المسلمين تعلوه؛ فهذا لا يجوز ولا ينبغي.
كان عليه الصلاة والسلام يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، معروف أنه ذو كرم، ذو حلم، ذو أناة، يكرمه لأنه من ذوي الفضل. يتألف أهل الشرف بالبر لهم، الكبار في أقوامهم أهل الشرف والمكانة، ما كان يعاملهم مثل الباقين إنما كان يتفضل عليهم ويبرهم، وكان يصل ذوي رحمه عليه الصلاة والسلام، لكن من غير أن يؤثرهم.
على من هو أفضل منه. قد يفهم الإنسان صلة الرحم فهماً خاطئاً، بأن يعين قرابته في وظائف لأنه مسؤول، أو يعطيهم قبل غيرهم لأنه بيده الورقة والقلم كما يقال؛ وهذا كله محرم. الواسطة وتقريب الأقارب وتفضيلهم على غيرهم أمر محرم، لكنه عليه الصلاة والسلام كان يصل رحمه ويحسن إليهم بدون تفضيلهم عمن سواهم.
نواصل. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: السنة تفسر كتاب الله وتبينه، والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده.
السلام عليكم ورحمة الله. النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسن خلقه أنه لم يكن متزمتاً متشدداً، كان سهلاً هيناً ليناً طيب الأخلاق. إذا اعتذر إليه أحد يقبل اعتذاره، كان صلى الله عليه وآله وسلم يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً، يضحك ولكن من غير قهقهة، يرى الناس يلعبون اللعب المباح فلا ينكره كما نفعل ربما في بعض الأحيان ونضيق على الناس ما وسعه الله عز وجل عليهم؛ إن كان مباحاً بحق ما كان ينكره عليه الصلاة والسلام، أما إن كان فيه شيء من الحرام فكان يمنع عنه منعاً باتاً. يسابق أهله ويلاعبهم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمضي له وقت في غير عمل لله عز وجل أو فيما لا بد له من صلاح نفسه؛ ما كان فارغاً صلى الله عليه وسلم لا يقوم بشيء كما يفعله الكثيرون منا، الرسول عليه الصلاة والسلام كل وقته كان مشغولاً إما بما فيه عبادة لله عز وجل أو بما فيه صلاح نفسه.
كان عليه الصلاة والسلام لا يحتقر مسكيناً لفقره، ولا مريضاً لزمنته ومرضه، ولا يهاب ملكاً لملكه أو عظيماً لجبروته، كان صلى الله عليه وآله وسلم يعامل الناس معاملة واحدة. وعُرف خُلق العفو عنده من أبرز ما يعرف به عليه الصلاة والسلام؛ عفا عمن قتل عمه، وعفا عن وحشي بن حرب، وعفا عمن أجبره على ترك بيته وبلده التي يحب ويهاجر إلى المدينة، وقتل أصحابه، وحاربه، وسعى في أذيته وقتله عليه الصلاة والسلام، عفا عنهم كلهم وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، بل وكان يحض أصحابه على ذلك.
تخيل رجل يقذف امرأتك بالزنا، أتعفو عنه؟ أتكلمه؟ أتحدثه؟ هذا ما فعل أبو بكر مع مسطح عندما قذف ابنته، وهو ابن خالته، وكان أبو بكر ينفق على مسطح إذ كان من فقراء المهاجرين وكان ابن خالته من أهل الصفة، فكان يدفع له مبلغاً يقتات منه، فلما وقع في الفتنة واستزله الشيطان رضي الله عنه وأرضاه فقذف أمنا عائشة التي هي ابنة ابن خالته وزوجة نبيه عليه الصلاة والسلام، حلف وآلى على نفسه أبو بكر أن لا ينفق عليه أبداً. فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فدعا رسولنا عليه الصلاة والسلام أبا بكر وأخبره بما أنزل الله وحضه على العفو، فقال: والله يا رسول الله إني أحب أن يغفر الله لي وأن يصفح عني، أشهدك أني لا أقطع عنه نفقة بعد اليوم. سبحان الله، يا رسول الله أتتوسط لرجل قذف زوجتك؟ نعم، أقيم عليه الحد فطهر من كبيرته ومن ذنبه وتاب إلى الله فتاب الله عليه، فالرسول عفا صلى الله عليه وسلم وأمر أبا بكر بالعفو فعفا أيضاً أبو بكر.
أخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام عجيبة، يأتي رجل من الأعراب والرسول عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في المسجد في الحرم النبوي يتحدثون، فيأتي هذا الأعرابي يرفع ثوبه فيبول في المسجد، قام أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ليمنعوه ويضربوه فقال: «دعوه ولا تزرموه». انظر إلى هذه الأخلاق العظيمة؛ نحن ربما نقوم بأشد من ذلك على أمور أتفه من ذلك بكثير، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بحسن خلقه وبطيب أصله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزرموه». لما انقضى من حاجته أمرهم بأن يهرقوا عليها ذنوباً من ماء، ودعا الرجل فكلمه ونصحه وعلمه.
كان عليه الصلاة والسلام من حسن أخلاقه أنه يصبر على غيره النساء، ولا يصبر على غيره النساء إلا رجل عظيم الأخلاق، وقد عانى عليه الصلاة والسلام من زوجاته وغيرتهن الشيء الكثير ولكنه كان يصبر وكان يقدر. ترسل له إحدى زوجاته جاريتها ومعها إناء فيه طعام في يوم عائشة وفي بيتها، امرأة تهديكم طعاماً، عندما رأت عائشة ذلك ضربت الإناء فأسقطته وتكسر وتناثر الطعام، وهذا كان قبل أن يفرض الحجاب وأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في بيته. بالله عليكم، لو أن امرأة أحدكم فعلت ذلك، لا أقول بمحضر من أصحابكم، بمحضر من أمك أو أبيك أو إخوانك أو أخواتك أو حتى بمفردكما، أسرع وأخف ما يوجد على اللسان: أنت طالق، ربما كان متعدد الطلقات مثل الكلاشنيكوف، طالق طالق طالق طالق طالق، ستمائة طلقة في الثانية، وبعد ذلك يشعر أنه أصبح رجلاً، لا والله ما أنت برجل. ماذا فعل سيد الرجال عليه الصلاة والسلام؟ انظر إلى حسن الخلق، قال: «غارت أمكم، غارت أمكم»؛ لأن أمكم عائشة هذه أصابتها الغيرة، لا تخافوا كما أنتم. قام بنفسه فلم الطعام وجمعه؛ ﴿إِذَا سَقَطَتِ اللُّقْمَةُ مِن يَدِ أَحَدِكُمْ فَلْيَلْتَقِطْهَا وَلْيُمِطْ مَا بِهَا مِن أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ﴾، انظر إلى حسن الخلق والجمال، لم الطعام وقال لعائشة: «إناء بإناء»؛ يعني أنا الآن سوف آخذ من صحونك من آنيتك وأعطيها بدلاً لهذا الصحن الذي أتلفتيه عقوبة لك، إناء بإناء وطعام بطعام. حسن خلق عجيب، ما في ضرب، ما في فرش، ما في إهانة، ما في سب، ما في شتم، ما في تعليق بالطلاق، أبداً بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.
كان عفيف اللسان، طيب المعشر، ليناً سهلاً هيناً، ما كان فظاً ولا غليظ القلب. كان عفيف اللسان ولا يستخدم البذيء من الأمور التي نسمعها ليل نهار من بعض الصالحين، لا أقول من المسلمين، من بعض الصالحين في تعاملهم مع أبنائهم؛ تسمع والله من بعض المنتسب إلى الدين وإلى العلم وإلى الدعوة ألفاظاً مقيتة بغيضة ما تصدر من إنسان عامي في الشارع، لكن هؤلاء ما تخلقوا بأخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام وما أدبهم العلم الذي تعلموه لوجود خلل فيهم. الكلام عن أخلاقه عليه الصلاة والسلام كثير ولكن الوقت قليل، ولعل ما ذكرنا يكون فيه الكفاية، هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم