تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً والسيرة العلياء عطرة الشذى، يفوح لأهل كل زمان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تحدثنا عن تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم، وأن هذا التواضع جزء بسيط من منظومة أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم. ومما يبرز من أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفة خاصة ما جاء في وصف أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، إذ تقول عندما قدم إليها مرعوباً خائفاً مما حصل معه في غار حراء، فقالت له كي تطمئنه؛ بحيث لا يشعر أن هنالك أمراً سيئاً سيحصل له، ثقة منها وتوكلاً على الله عز وجل، فقالت: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». بينت رضي الله عنها وأرضاها خصلة كريمة من خصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألا وهي خصلة السخاء والكرم.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في وصف عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان أسخى من الريح المرسلة، كان كريماً وكان يعطي بلا حساب، لا يبيت عنده درهم ولا دينار بخلاف أحوال الناس اليوم الذين يدخرون ويجمعون ويكدسون. الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يدخر أبداً درهماً ولا ديناراً توكلاً وثقة فيما عند الله عز وجل، لأنه يعلم مقتضى اسم الرزاق واسم الكريم، ونحن لدينا تقصير عظيم في معرفة أسماء الله وصفاته الحسنى والعمل بها والإيمان بمقتضاها. النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كان ليدخر، فكان يدخر فقط قوت عامه له ولأهله من أيسر ما يجد من التمر أو الشعير، ويضع سائر نصيبه وحظه من الخمس في سبيل الله ويعيده إليه؛ لا يسأل شيئاً إلا أعطاه، فإن لم يجد أخذ من قوت أهله الذي ادخره فيؤثر منه غيره. ولذلك ما كان يظل في بيته عليه الصلاة والسلام شيء من القوت يدخر لمدة سنة، لكن في غضون أسبوعين أو ثلاثة أسابيع يأتي من يسأله وهو لا يملك شيئاً فيعطيهم من قوت أهله حتى ما يبقى في بيته شيء.

بعد غزوة حنين وقد جمعت الغنائم في وادٍ؛ قطيع من الغنم عظيم قدر بأربعين ألفاً، هذا مما جمع من الغنم وقيل أكثر من ذلك، وكان بجواره عليه الصلاة والسلام أعرابي ينظر إلى الغنم وقد فغر فاه دهشة مما يرى، فنظر إليه عليه الصلاة والسلام قال: «أيعجبك؟» قال: إيه والله. قال: «فهو لك». فرجع الرجل إلى قومه آمراً إياهم بالإسلام، معللاً ذلك بأن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. أي كرم هذا؟ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبر عن نفسه قال: «لو كان لي مثل أحد ذهباً ما يسرني ألا يمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيئاً أرصده لدين».

جبل أحد ذهب! مكثت ذات يوم مع أحد الإخوة فقال: لو أن عندي مليون ريال لاشتريت بها كذا ولفعلت كذا ولعملت كذا، ومليون ريال الآن ما تسوى شيئاً، قل له عندك مئة مليون ربما أشتري فيها منزلاً، أشتري فيها سيارة، أشتري فيها ثياباً، أسافر، أعمل. هذا الأخ من الصالحين تذكر في آخر قوائم مهامه أن يتصدق في سبيل الله. النبي عليه الصلاة والسلام على العكس من ذلك، لو كان له مثل جبل أحد ذهباً لأنفقه في سبيل الله كله. كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يتأخر في الصدقة بل يبادر ولا يسوف. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً وتخطى الرقاب وذهب إلى بيوت أهله، فجفل الناس؛ يعني الناس أحسوا بالفزع من سرعته أنه في شيء فيه مصيبة، فلما رجع ورأى أنهم عجبوا من سرعته علل لهم ذلك، قال: «ذكرت شيئاً من تبر عندنا -أي من ذهب- ذكرت أنه جاءني شيء من الذهب شيء قليل، وأنه في البيت فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته». كيف يجلس عندي هذا الوقت كله؟ فخرج من الصلاة مسرعاً كي يأمرهم أن يوزعوه على الفقراء.

النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يعتذر عن العطاء إلا عند فقدانه لما يعطى، ولذلك جاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان معطاءً. وجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما سئل عن شيء فيرد بـ لا، بل كان يبادر ويعطي، طبعاً هذا لما يكون عنده. عندما يكون لديه ما يعطي، أما إن لم يكن واجداً لما يعطيه قال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92]، في أولئك الذين طلبوا الخروج للجهاد، ولكن أرادوا شيئاً من النفقة، شيئاً من المركوب كي يجاهدوا عليه. أما فيما يجد فكان عليه الصلاة والسلام يعطي بلا سؤال ولا تردد، ومعنا حديث يبين هذا أشد البيان ولكن نتناوله بإذن الله عز وجل بعد الفاصل فابقوا معنا.

«لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». توجيه نبوي لعلاج أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر وهي البطالة، وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجة عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، وضعف نظم التعليم والتدريب. وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها والتي منها: الإصابة بالإحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئاباً وقلقاً وشعوراً بالفشل، التوجه للجريمة والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.

ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل بإيجابية، تقديم القدوات الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركة في سوق العمل، الإقراض الحسن للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية، وإنظار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من صور كرمه عليه الصلاة والسلام أنه لا يرد السائلين ولو كان في حاجة إلى ما سئل أو ما طلب، وهذا يدلك على أن كرم النبي عليه الصلاة والسلام ليس كرماً مصطنعاً؛ فمن الناس من يكون كريماً لنيل الثناء والحمد، ومنهم من يكون كريماً حياءً، ومنهم من يكون كريماً سجيةً. وطبعاً الرسول عليه الصلاة والسلام كان بطبعه كريم النفس سخي اليد. أهديت له ذات مرة شملة -ثوب منسوج- أهدته امرأة للرسول عليه الصلاة والسلام لما رأت حاجته إلى الثياب؛ يعني هل كنت تعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لديه دولاب مليء بالثياب؟ أبداً، صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يملك شيئاً، فأهدته هذه المرأة تلك الشملة المنسوجة، الآن هو محتاج لها ويلبس الجديد وهدية، قالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فقبلها عليه الصلاة والسلام وقبله لأنه محتاج لها، فلبسها فرآه رجل من الصحابة وقال: يا رسول الله ما أحسن هذا فاكسنيها -يعني أعطني إياها ألبسها- قال: «نعم».

فلما قام عليه الصلاة والسلام لامه أصحابه، الرسول ما تردد قال نعم تفضل، هذه الشملة هدية. الصحابة لاموا ذاك الصحابي، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إياها، أنت قد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه؛ يعني هذا الفعل الذي أتيت به فعل ليس بالصواب. وقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي أكفن فيها. الشاهد أن سخاء نفسه عليه الصلاة والسلام إنما كان طبيعياً وسجيةً، لأن الله أدبه فأحسن تأديبه وكان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام. الأصل أن العطاء والبذل والكرم يأتي ذاتياً من النفس، يعني يأتي في الأحوال الاعتيادية عندما يكون الإنسان في مزاج حسن في وضع حسن، له اليد العليا، النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن كذلك فحسب بل كان أعظم من ذلك.

أنس رضي الله عنه يحدثنا أن الرسول كان عليه بردة نجرانية غليظة الحاشية، فجاءه رجل يتسلل من خلفه من الأعراب فجبذه جبذة أثرت على عاتقه؛ يعني كأنها جرحته أو آذته، كشطت الجلد. هذا أتاه متسللاً يعني أنه أرعب النبي عليه الصلاة والسلام في الأصل أو أخافه، وأضاف إلى ذلك سوء الأدب فقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. والله ما أعلم أحداً من البشر يستطيع في مثل ذلك الموضع أن يتمالك وأن يكظم غيظه وأن لا ينال الرجل بسوء، النبي ما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام فحسب، بل تبسم في وجهه وأمر له بعطاء. مع هذا كله يأمر له بعطاء، أي كرم هذا؟

يأتيه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، صحابي أبوه هو كبير المنافقين، نعلم ما نزل فيه من وعيد ولعن وتهديد بالنار ونهي للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقوم على قبره وأن يستغفر له، ولو استغفر سبعين مرة فلن يغفر الله له، ومع ذلك عندما أشعره عبد الله بموت أبيه كبير المنافقين وطلب منه قميصه ليكفن به، الرسول عليه الصلاة والسلام قبل وجاء وكفن عبد الله بن أبي بقميصه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو كبير المنافقين أعظم من آذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، لكنها الأخلاق، كرم الطباع، سخاوة النفس التي لا يمكن أن توجد إلا عند العظماء. وهذا التعامل هنالك أدلة كثيرة قد لا تنحصر في هذا الموضوع.

جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أبوه استشهد وخلف بنات وخلف ديناً عظيماً، وفي غزوة من الغزوات بعيره استعصى عليه بعيره، هل كان بطيئاً وهو في آخر القوم؟ وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عادته أن يتفقد آخر الركب ليساعد الضعيف ليتفقد الضائع أو الذي عنده شيء ينشده يعينهم على ذلك، فرأى جابراً ورأى بعيره الذي استعصى عليه، فقال: «بعنيه». فقال: يا رسول الله هو لك، هو نافع ما منه فائدة هو لك هدية ما وراءها جزئية، قال: «لا بعنيه». سماه ثمناً، فقبل جابر واشترط أن يستخدم هذا البعير حتى يرجع إلى المدينة، فقبل عليه الصلاة والسلام الشرط وضرب البعير فإذا بالبعير من أسرع وأقوى الدواب تغير بفضل الله ثم ببركة النبي عليه الصلاة والسلام.

يقول: لما عاد إلى المدينة أتيته بالبعير فدفعته إليه، وأمر لي بالثمن ثم انصرفت، قبضت الثمن سلمت البعير، فإذا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يلحقني، جاء ورائي، فقلت: لعله بدا له أمر، يمكن غير رأيه، يمكن يريد أن يرجع البعير، فلما أتيته دفع إلي البعير وقال: «هو لك». النبي عليه الصلاة والسلام دفع له الثمن وأرجع إليه البعير، فكأن الثمن هذا هدية لجابر بن عبد الله. يقول: فمررت برجل من اليهود فأخبرته، هذا اليهود كانوا يقرضون الناس وكانوا يتعاملون كما هو الحال اليوم، لكن هذا اليهودي عندما سمع بالخبر تعجب قال: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن ووهبه لك؟ كيف هذا؟ ما يريد الدنيا؟ ما يريد الفائدة؟ قال: قلت: نعم. كرم عجيب، حتى وهو في أمس الحاجة كان صلى الله عليه وآله وسلم كريماً.

حتى وهو محتاج، صعب أن الإنسان يكون محتاجاً ويعطي. المقداد رضي الله عنه يقول: أقبلت أنا وصاحبان لي في وقت مجاعة في وقت حاجة، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، وجعلنا نعرض أنفسنا على الصحابة فليس أحد منهم يقبلنا، الناس في كرب في حاجة، فأتينا النبي عليه الصلاة والسلام فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، وقال عليه الصلاة والسلام: «احتلبوا هذا اللبن بيننا». إذاً ناس في مجاعة في حاجة، أخذهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيوته واراهم ثلاثة من الأعنز، أمرهم أن يشربوا من لبنها وأن يتركوا للنبي عليه الصلاة والسلام وأهله شيئاً منها، وعلى هذا تم الاتفاق. ماذا حصل بعد ذلك؟ هذا ما سوف نعرفه بعد الفاصل فابقوا معنا.

خلق الله الإنسان وجبله على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين، فهو لا يستطيع العيش وحيداً مهما توفرت له سبل الراحة والرفاهية، لذا كانت الصحبة أمراً ضرورياً للغاية. وقد جاء القرآن والسنة ببيان أهمية الصحبة ومدى خطورتها على الإنسان، في الحديث: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فالصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك، فإما أن يؤثر فيه خيراً فيذكره بالله ويأمره بالصالحات ويحثه على الطاعات فيكون من أسباب يوم القيامة، وإما أن يؤثر فيه شراً فيأمره بالخبائث ويحثه على المفاسد ويصده عن ذكر الله تعالى، فيكون سبباً في ضياعه وهلاكه يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29].

ومن أوضح الأمثلة المبينة لأثر الصحبة ما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لتأثير الجليس على جليسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير...».

أما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة، فالعاقل يتخير الصالحين والأخيار لمجالستهم والقرب منهم، ويبتعد كل البعد عن صحبة الذين يوردونه المهالك ويورثونه الندامة في الدنيا والآخرة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صاحباه لديهما ما يأكلان طيلة اليوم والنهار، تكفيهم تلك الشربة من اللبن، يقول: فكنا نقتسم في شرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي عليه الصلاة والسلام نصيبه، فيأتي من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، لكنه يُسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، هذه وجبته عليه الصلاة والسلام. فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد عليه الصلاة والسلام يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم.

النبي عليه الصلاة والسلام يوسوس له الشيطان، يروح عند الصحابة يطعمونه يضيفونه يأكل ويشرب، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. الآن هو وصاحباه شربوا نصيبهم، وبقي نصيب من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: الرسول ما يحتاج هذه، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل، قال: ندمّني الشيطان. هذي حال الشيطان؛ يوسوس ثم يدخل الاكتئاب والندم، فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك. الشيطان ينصح الآن!

قال: وعليّ شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحبيّ فناما ولم يصنعا ما صنعت. طبعاً اللي على رأسه بطحة يحسس عليها، هذا قد فعل فعلاً عظيماً، تعدى على حق الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: فجاء عليه الصلاة والسلام فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء. فقلت -قتادة يقول الآن- يدعو عليّ فأهلك، خلاص انتهى الموضوع، ذهب إلى شرابه ما وجده، أنت إذا خرجت من منزلك ولم تجد حذاءك ماذا تفعل؟ اللهم عليك به، اللهم العنه، أعوذ بالله! دعاء ما يُقال على فرعون، يدعو على من أخذ حذاءه أو أكل لقمة منه أو فتح الدرج واختفت الحلوى التي كان اشتراها، يدعو دعاءً عجيباً، فقال قتادة: الآن يدعو عليّ فأهلك.

فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم أطعم من أطعمنا، واسقِ من سقانا». قال: فعمدت إلى الشملة، يعني قام لبس، شددتها عليّ وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها للنبي عليه الصلاة والسلام. دعوة عظيمة عظيمة: «اللهم أطعم من أطعمنا، واسقِ من سقانا». أخذت السكين وأريد أن أذبح إحدى العنزات، وهذه الأعنز ليست لك لتذبحها، لكن خطأ بخطأ. يقول: فإذا هي حافلة، وإذا هن حُفل كلهن، لما جئت أبا أذبح وإذا بالضرع قد امتلأ، كل الثلاث عنزات! يقول: فعمدت إلى إناء لآل محمد عليه الصلاة والسلام، الصحن ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، يعني موجود، يعني لا ربما ولا عسى ما يحلم، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت النبي عليه الصلاة والسلام.

تقدمت إليه الأصول أنك تأخذ وتشرب، لكن الكريم ما يفعل ذلك، قال: «أشربتم شرابكم أنتم وصاحباك أخذتم نصيبكم؟» قال: قلت يا رسول الله اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت يا رسول الله اشرب، مرة ثانية ثم ناولني، فلما عرفت أن الرسول قد روي صلى الله عليه وسلم، يعني أنه قد ارتوى من هذا اللبن وأصبت دعوته التي دعا «اللهم أطعم من أطعمنا، واسقِ من سقانا»، يقول: ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض من قوة الضحك. قال عليه الصلاة والسلام: «إحدى سوءاتك يا مقداد»، يعني هذه واحدة من مقالبك؟ هذه واحدة من عثراتك يا مقداد؟ فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وكذا، وأخبره عن حاله وكيف أنه تعدى على نصيبه، فقال عليه الصلاة والسلام الرحيم الكريم السخي: «ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها؟». حتى الكرم بعد ما فرغ، طب ليه ما آذنتني حتى الرجلان الآخران نوقظهما فيصيبا من الخير معنا؟

النبي عليه الصلاة والسلام بالاضافة إلى هذا الكرم الذي في الأصل أن الإنسان الكريم المعطاء تجده فيه شيء من، أقول قلة الحياء لكن فيه شيء من المواجهة لأنه عنده عين له يد على الناس يستطيع أن يطلب ولا يستحي، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مع كرمه كان شديد الحياء، وقد جاء عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: كان صلى الله عليه وآله وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها. وحياؤه هذا مبثوثة أمثلة عليه كثيرة في السنة، فمن ذلك أن الله عز وجل في المعراج عندما عرج به إلى السماء السابعة، وفرضت عليه خمسون صلاة، راجعه في ذلك موسى عليه الصلاة والسلام وأمره أن يعود فيراجع ربه ويسأله التخفيف، فخففت من خمسين إلى خمس صلوات. فعلى نبينا موسى أفضل الصلاة وأتم السلام، الذي يده البيضاء على أمة محمد علينا نحن، تخيل لو كنا نصلي خمسين صلاة، نحن خمس والناس ربما لا يصلون صلاة أو صلاتين كل يوم. عندما وصل العدد إلى خمس قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال عليه الصلاة والسلام: «استحييت من ربي».

حياؤه عليه الصلاة والسلام من ربه، حياؤه من ملائكته، حياؤه من المسلمين. امرأة تأتيه تطلب منه عليه الصلاة والسلام أن يرشدها إلى كيفية التطهر من الحيض، فيخبرها أن تتبع أثر الدم، ما فهمت، تسأله ثانية وثالثة، فأعرض عنها. يستطيع أن يخبرها بالكلام الفصيح لكنه يستحي، كيف أتكلم مع امرأة في مثل هذه الأمور؟ وكان إذا رأى شيئاً من الأمور التي ما تنبغي كان يحمد الله ويثني عليه على المنبر، ويقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ويفعلون كذا وكذا»، ما يصرح بأسمائهم، لماذا؟ من حيائه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يريد أن يجرح مشاعرهم أو أن يشهر بهم أمام الناس. وقارن هذا بحال كثير من الدعاة والحريصين على الدعوة وإنكار المنكر عندما يخرجون عن منهج النبي عليه الصلاة والسلام، فيصرحون وربما يقذفون الناس بلا بينة، مما يعود على دينهم ويعود على الإسلام بشر.

أم سليم يأتي النبي عليه الصلاة والسلام وتسأله، لكن السؤال ليس فيه ما يمنع الإنسان من إجابة، وحياؤه عليه الصلاة والسلام لم يكن ليمنعه من تعليم الناس الدين. المرأة التي سألته عن كيفية التطهر قال لأم سلمة أن يرشدها وأن يعلمها. أم سليم تسأل تقول: يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إن رأت الجنابة في منامها أنها تباشر؟ قال: «نعم إذا رأت الماء». فما كان عليه الصلاة والسلام يمتنع عن الإجابة، بل وقد ذكر ربنا عز وجل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حيياً كريماً، فقال عز وجل في محكم التنزيل عن أولئك الذين يطعمون في بيته عليه الصلاة والسلام ثم يمكثون ولا يقومون ويغادرون بعد الفراغ: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53].

الرسول يستحي عليه الصلاة والسلام، ما يستطيع بعد الفراغ من الطعام أن يقول لأولئك الذين هم جالسون ويتسامرون ومستأنسين بالمكث في بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا يؤذيه، ما يستطيع مثلنا أن نقول: طيب يا إخوان والله فرصة سعيدة نراكم إن شاء الله في عزائم أخرى، أبداً، يخرج من البيت عليه السلام ويتركهم، والله عز وجل يعاتب المؤمنين بمثل ذلك. هذا ما تيسر له الوقت، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم أن نكون من الكرماء، وأن نكون من السخية نفوسهم، وأن نكون من الذين يستحيون من الله عز وجل حق الحياء. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.