تسجيل الدخول

لقد عاش النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياة حافلة بالإنجازات، لم يعرف في تاريخ البشرية أحد بورك له في عمره مثل النبي عليه الصلاة والسلام. وبركة عمره تظهر جلية في أتباعه الذين يفوقون المليار و700 مليون. حياة مليئة بالإنجازات العظيمة على الرغم من قصر حياته صلى الله عليه وآله وسلم مقارنة بالأنبياء الذين سبقوه عليهم صلوات الله وسلامه.

اختلف أهل العلم في سن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاته؛ فمنهم من قال إنه مات وهو ابن ستين عاماً، ومنهم من قال ثلاث وستون سنة، ومنهم من قال خمس وستون عاماً. أمنا عائشة تقول: توفي عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثلاث وستين، وكذا قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه. وفي رواية أخرى صحيحة قال ابن عباس إنه توفي وهو ابن خمس وستين، وصح عن أنس بن مالك أنه قال توفي وهو ابن ستين. والنووي رحمه الله قال: الصحيح أنه توفي عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكيف الجمع؟ العلماء قالوا: من قال إنه توفي لستين عاماً فهذا طرح الكسور وقرب 63 إلى أقرب عدد صحيح، ومن قال 65 فهذا نظر إلى سنة ميلاده وسنة وفاته فحسبها، والصحيح الذي عليه جماهير العلماء أنه مات وهو ابن 63 سنة.

لا شك أن المصائب كثيرة على ابن آدم، تختلف بأنواعها وتوقيتها ومكانها، وبقدر إيمان العبد تهون عليه هذه المصائب. ولا شك ولا ريب أن أعظم مصيبة أتت على الإسلام هي وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يزورها. أم أيمن امرأة كبيرة في السن، هي حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام التي كانت مربيته، وهي التي زوجها الرسول عليه الصلاة والسلام لزيد بن حارثة. فانطلقا، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ فما عند الله خير لرسوله. قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكني أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء. قال: فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. قلوب حية تفتقد النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أعظم ما يفتقد فيه عليه الصلاة والسلام أن وحي السماء كان ينزل عليه، فلما قبض عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي.

لا شك أن المصائب تهون إذا قورنت بما هو أعظم منها. ولذلك في غزوة أحد عندما انهزم المسلمون في بداية المعركة وقتل منهم سبعون، ومن جملة من قتل مصعب بن عمير وحمزة أسد الله وعم النبي عليه الصلاة والسلام وجمع من الصحابة، أصاب المسلمين غم وهم، لكن الله عز وجل أثابهم غماً بغم ليخفف عنهم الغم الأول؛ فنودي في المسلمين أن محمداً قد مات. الهزيمة ومن قتل من الصحابة واستشهد أصبح ليس بشيء مع المصيبة العظمى وهي أن محمداً قد مات عليه الصلاة والسلام. فلما تبين الحق وأنه على قيد الحياة سري وخفف عنهم فهانت عليهم مصيبتهم الأولى. ولذا يقول عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعظ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي». فإذا الإنسان فقد ولداً أو زوجة أو والداً لا بد أن يصاب بشيء من الحزن لهذه المصيبة، مصيبة الموت كما ذكرها الله تعالى، لكنه إن تذكر أنه ما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام وما صاحبه وأن النبي قد مات تهون عليه المصيبة فمن هو؟ بمقارنة بالنبي عليه الصلاة والسلام.

شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نهاية حياته بأن أجله قد اقترب من عدد من آيات كتاب الله عز وجل، كقول الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وكقول الله عز وجل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]. جاء في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر كان يدخله مع أشياخ بدر، ومجلس عمر يزدان بالعلماء وأشياخ بدر صحابة. فكانهم اشتكوا إلى عمر قدوم هذا الشاب الصغير ويقولون: لم تدخل هذا معنا؟ لنا أبناء مثله من أبنائنا صحابة، فلماذا تصر على إدخاله؟ فيقول عمر: إنه من قد علمتم. هذا ابن عباس، فدعاه ذات يوم فادخله معهم، وسألهم عن قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]. ماذا تعتقدون أن تفسيرها؟ فقال بعضهم: أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، هذا ظاهر الآية في ظنهم. وبعض الصحابة سكت ولم يعلق لأنهم ما يريدون أن يتكلموا بلا علم. فقال: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ أيش رأيك أنت؟ قال: لا، إنما هو أجل رسول الله عليه الصلاة والسلام أعلمه له، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أن ذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. يعني هذه أتت للنبي عليه الصلاة والسلام لتخبره باقتراب أجله.

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعطي إشارات لأصحابه ولأهل بيته بدنو واقتراب أجله. فاطمة رضي الله عنها وأرضاها دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مرضه فسر فبكت، فسألتها عائشة فأخبرتها بعد أن قبض النبي عليه الصلاة والسلام قائلة: إن الرسول أسر لي عليه الصلاة والسلام أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي. بل في حجة الوداع قالها صريحة: «لعلي لا أراكم بعد عامي هذا». فإذاً هذا إنذار للصحابة أن ترقبوا، فما أرى إلا أن قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] ما بعد الكمال إلا الزوال، ما بعد الكمال إلا النقصان، فكان عليه الصلاة والسلام يقول لعلي لا أراكم بعد عامي هذا لأن الدين قد كمل. كما يقول بعض أهل العلم في تفسير الآية أن هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أيضاً من الأدلة الدالة على دنو وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام هو أشد الناس بلاء، والابتلاء من الله عز وجل ليس تعذيباً ولا عقوبة فحسب، بل قد يكون وهذا الحال قطعاً مع النبي عليه الصلاة والسلام رفعاً للدرجات وتعظيماً لحاله صلى الله عليه وآله وسلم وإظهاراً للناس عن صبره وشدة احتماله في جنب الله عز وجل. بداية مرضه كانت تعاوده الآلام التي كان يجدها من الشاة المسمومة التي تناولها يوم خيبر، عندما حاولت امرأة أن تقتله بهذه الشاة المسمومة، فكانت تأتيه مثل النوبات كل بضعة أشهر من أثر ذاك السم. هذا على الرغم من أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما أكل منها إنما مضغ مضغة ولفظها، لأن الله أنطق تلك الذراع المسمومة من الشاة وأخبرته أنها ملئت بالسم. جاء أن أم مبشر رضي الله عنها دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام في وجعه الذي قبض فيه فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما تتهم بنفسك؟ فإني لا أتهم إلا الطعام الذي أكل معك بخيبر. يعني أكل معها معه ابنها بخيبر، وكان ابنها بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه أكل لقمة قبل أن يأتيه النذير فمات منها. فقالت: أنا ما أتهم إلا هذه اللقمة التي أكلتها مع ابني ومات منها في يوم خيبر. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وأنا لا أتهم غيره، هذا أوان قطع أبهري»، يعني أنا أشعر أنه هذا هو الوقت الذي أموت فيه. وقال في وجعه الذي مات فيه: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري». قال العلماء: الأبهر عرق في الظهر وهو الأبهر، وقيل هو الأكحل اللذان في الذراعين، وقيل هو عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسائر الأنبياء لا تقبض روحه إلا بعد أن يستأذن، وهذا موجود مع كل أنبياء الله عز وجل، ملك الموت يستأذن: هل تريدون الحياة أم تقبضوا أرواحكم؟ كما جاء في حديث موسى عليه الصلاة والسلام عندما جاءه ملك الموت فلطمه لأنه لم يعرفه، ثم عاد إليه مرة أخرى وقال بعد أن عرف نفسه: إني أنا ملك الموت، وأن الله عز وجل يقول: ضع يدك على جلد ثور ولك بكل شعرة سنة، يعني تقع على 5000 شعرة على 10000 تعيش هذه المدة. فقال موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن، إذا ما كان من بد من الموت فالآن لماذا نطيل هذه الحياة أكثر مما هو مقدر لنا؟ نأخذ قدرنا ونحمد الله على ما فيه. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة»، الرسول يخير عليه الصلاة والسلام تريد أن تمكث في هذه الدنيا أم تريد أن تموت وينقضي أجلك؟

أمنا عائشة أخبرتنا والسير مليئة بمعاناته صلى الله عليه وآله وسلم في آخر حياته، تقول أمنا عائشة: ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى أنها قالت بعد ما رأيت من معاناته: ما أكره شدة المعاناة عند الوفاة لأحد من المسلمين. الأصل أنك أنت تحزن عندما ترى من يتأذى أو يتألم أو يعاني عند الموت، لكن بعدما رأت ما حصل للرسول عليه الصلاة والسلام تيقنت أن هذا من علامات حسن الخاتمة وأن هذا من الأمور التي ترفع الدرجات، وإلا لما حصلت للرسول عليه الصلاة والسلام. هذا يشكل في بعض الأحيان على الناس عندما يقولون طيب حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في أن روح المؤمن تخرج كأنما تسيل كقطرة الماء من في السقاء، هذا كيف مقارنة بما يحصل أو من المعاناة التي نراها؟ النبي عليه الصلاة والسلام جاء في حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، أنا لما أمرض أمرض بقوة، ذلك أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه قوة زيد أو صلابة زيد له في البلاء، وإن كان في إيمانه رقة خفف عنه البلاء. فالنبي عليه الصلاة والسلام عانى عند الموت، ولكن هذا يختلف عن عند خروج الروح، كما أنك ترى عند الكفار مثلاً أنهم يموتون على فراشهم بسلام وطمأنينة وفجأة انطفأ النور وراح مات، تقول سبحان الله هذا ما تعذب، كيف يعني السفود من العهن المبلول والسيخ الذي له أشواك يخرج من ينزع نزعاً من الصوف؟ هذا ما حصل معه أي شيء، لا، هو حصل إيماناً بحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، لكن المعاناة قبل خروج الروح لا تعني شيئاً، المشكلة هي عند خروج الروح، فهذا الكافر الذي مات عندما أخرجت روحه عانى من ذلك شد المعاناة، أما المؤمن عندما أخرجت روحه كانت من أسهل وأهون ما يكون.

لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة، وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمة.

من هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة به وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

السلام عليكم ورحمة الله. النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرض قبل موته، واختلف في مدة هذا المرض، فمنهم من قال ثلاثة عشر يوماً، ومنهم من قال عشرة أيام، وهذا هو الراجح والصحيح. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد يوم الاثنين وتوفاه الله يوم الاثنين بلا خلاف، وتوفاه الله في شهر ربيع الأول كما أنه ولد في شهر ربيع الأول، واتفق العلماء على أنه توفاه الله يوم الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة النبوية المباركة.

أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجعه صلى الله عليه وآله وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم في صفوف الصلاة، كشف عليه الصلاة والسلام ستر الحجرة ينظر إلينا ووجهه كأنه ورقة مصحف، وجهه جميل يتلألأ، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتن وهم يصلون والرسول يبتسم ويضحك لأنه مسرور بأن كلمتهم مجتمعة على أبي بكر وأنهم ما تركوا الصلاة وما فرطوا فيها. فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل إلى الصف لما رأى ذلك أبو بكر وهو في الصلاة، تقهقر لكي يتقدم الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي ظناً منه أنه يخرج إلى الصلاة، فأشار عليه الصلاة والسلام أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر فتوفي من يومه.

عليه اختلف أهل العلم: هل النبي عليه الصلاة والسلام توفاه الله عز وجل بعد صلاة الظهر التي كان يصليها المسلمون آنذاك، أم توفاه الله ضحى؟ وهذه الصلاة كانت صلاة الفجر، والأظهر والعلم عند الله أنها كانت صلاة الفجر، وأن الرسول توفي ضحى ذلك اليوم، وهذا ما ذهب إليه النووي وابن رجب، أما ابن كثير فذهب إلى أنه توفي بعد الزوال صلى الله عليه وآله وسلم.

في حادثة وفاته صلى الله عليه وآله وسلم يظهر لنا جلياً مكانة أم المؤمنين عائشة ومكانة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما؛ لأن من الرافضة أعداء الله عز وجل من يطعن فيهما. وبالإجماع أن من قذف أمنا عائشة رضي الله عنها بالزنا فهذا كافر حلال الدم، لماذا؟ لأنه مكذب بالقرآن، سورة النور هذه ما يقرأها ذاك الجاهل الأفاك الأثيم، فإذا برأها الله من فوق سبع سماوات وهو يكذب ذلك ويقذفها فهذا ملعون كافر.

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في مرضه يسأل عندما يذهب إلى نسائه: «أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟» إلى أن وصل إلى بيت عائشة، فلما كان يومها سكن وارتاح، ولذلك استأذن عليه الصلاة والسلام بعد أن وصل عندها استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتها، فأذنوا له صلى الله عليه وآله وسلم. وكانت أمنا عائشة تفتخر وتقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وتقول: وإن الله جمع بين ريقي وريقه.

عند موته دخل علي عبد الرحمن أخوها وبيده مسواك، فنظر عليه الصلاة والسلام فظنت أنه يعجبه، فأخذته من عبد الرحمن وأعطته للرسول عليه الصلاة والسلام، فكأنه كان قاسياً عليه وهو منهك متعب عليه الصلاة والسلام، فأخذته ولينته بأسنانها وريقها حتى لان، ثم أعطته الرسول عليه الصلاة والسلام فتسوك به تسوكاً شديداً. وفي جانبه عليه الصلاة والسلام ركوة أو إناء صغير يضع فيه يده عليه الصلاة والسلام فيه ماء، ويمسح بذلك الماء وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات». تقول: ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى»، حتى قبض ومالت يده صلى الله عليه وآله وسلم.

في الرفيق الأعلى، ما معنى هذه الجملة؟ اختلف العلماء، فمنهم من قال الرفيق هو الله ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق»، ومنهم من قال هم الملائكة، ومنهم من قال هي الجنة. والذي يظهر أن الرفيق الأعلى هم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].

ابن عباس رضي الله عنهما يبين لنا شيئاً من مناقب وفضائل أبي بكر؛ يقول: خرج عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، طبعاً يربط رأسه بخرقة لقوة الصداع، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً».

وعائشة أيضاً تخبر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فجعلت تراجعه عائشة، يعني أبو بكر رجل شديد الحزن يبكي أسيف، ما يستطيع الناس أن يفهموا من قراءته، فقال في الثالثة بعد أن راجعته مرتان: «إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس». وهذا من أكبر الأدلة على أن الخليفة خليفة النبي عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر. بل إن عائشة رضي الله عنها تقول: قال لي رسول الله عليه الصلاة والسلام في مرضه: «ادع لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى»، يعني أخشى أنه بعد أن أموت يأتي من يقوم ويقول: أنا أولى من أبي بكر، يقول عليه الصلاة والسلام: «ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

ما يصلح أحد. الرسول عندما توفاه الله أين دفن؟ دفن في حجرته، ولم يدفن في المسجد، ولم يخرج به إلى البقيع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه». أبو بكر هذا هو الذي يروي الحديث، وأمر بدفنه في مكانه تحت السرير الذي توفي عليه في موضع الفراش.

أما مسألة الميراث فكثيراً ما يقوم الرافضة بإثارتها، وخلاف فاطمة رضوان الله عليها سيدة أهل الجنة مع أبي بكر، ذلك أن الرسول لما توفاه الله عز وجل، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي عليه الصلاة والسلام مما أفاء الله على رسوله، تطلب صدقته التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. فرفض أبو بكر ذلك رضي الله عنه وأرضاه، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، يعني مال الله الذي ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، «وإني والله لا أغير شيئاً من صدقات الرسول عليه الصلاة والسلام التي كانت على عهده، ولا أعملن فيها بما عمل فيها الرسول عليه الصلاة والسلام». فتشهد علي رضي الله عنه وقال: أنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وذكر قرابتهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام وحقهم. فتكلم أبو بكر فقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أحب إلي أن أصل من قرابتي.

فإذاً المسألة كانت خلافاً بين فاطمة وأبي بكر، ولا شك عند أحد من المسلمين أن أبا بكر أعظم من فاطمة رضي الله عنهما على مكانتها، ولا شك أنه أفقه وأنه أعلم، ولذلك كان سؤالها في غير محله، وبين لها أبو بكر ذلك واقتنعت كما هو الصحيح الراجح من أقوال أهل العلم. وإن كان في نفسها شيء من ذلك فإنه لم يكن ليظهر، بل ودعت لأبي بكر وقابلته وصفحت عنه. وكيف بالله عليكم يعقل أن أبا بكر يبخل على فاطمة بنت حبيبه وخليله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء من لعاعة الأموال وهو الذي أفنى ثروته وماله في شراء العبيد وعتقهم وفي نفع الرسول؟ كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مال كما نفعني مال أبي بكر». هل يعقل هذا؟ ما يقوله إلا جاهل، أبو بكر يدفع حياته من أجل آل البيت. وخذ مثالاً آخر: لو افترضنا أن أبا بكر وعمر وعثمان خانوا الأمانة ومنعوا فاطمة حقها في فدك وفي خيبر وفي غيره من الأموال التي يزعمون زوراً وبهتاناً أنهم خانوا الأمانة فيها، عندما تولى علي رضي الله عنه وأرضاه الخلافة هل قام إلى فدك وإلى خمس خيبر فوزع لنفسه؟ لأنه هذا نصيب زوجته له هو الربع ولأولاده الحسن والحسين منها، أبداً والله ما فعل ذلك. إذاً هل تتهمون علياً بالخيانة أيضاً؟ النبي عليه الصلاة والسلام توفاه الله عز وجل ودرعه مرهونة عند يهودي، فما كان يملك بأبي وأمي شيء من هذه الدنيا التافهة الزائلة.

بهذا ننتهي من مقررات هذا الدرس الذي اشتمل على ذكر أوصافه وشمائله صلى الله عليه وآله وسلم. أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يقربنا من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة يوم نلقاه، وأن يحشرنا تحت ظل لوائه عليه الصلاة والسلام، وأن يجعلنا من المتبعين وألا يجعلنا من المبتدعين. هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.