بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تكملة للدرس الماضي في تعامله صلى الله عليه وآله وسلم مع الأثرياء والأغنياء. ولا شك أن الإنسان إذا كثر ماله ربما مال قليلاً ولم يعدل، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم بالعدل مع الأولاد.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فتقلت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكانت امرأة عاقلة حصيفة، فانطلق أبي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهده على صدقتي، فقال عليه الصلاة والسلام: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله واعدلوا في أولادكم». فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وفي لفظ للإمام مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «يا بشير ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهَد على جور». لا شك أن الدلالة من هذا الحديث واضحة، والحديث يفهمه كل أحد في أنه يجب أن يعدل المسلم في العطية وفي الهبة بين أولاده. وهذا الأمر بالعدل من النبي عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب ليس على الاستحباب، وأن تفضيل أحد الأولاد أو تخصيص أحدهم دون الباقين ظلم وجور، ولا أدل من أن النبي عليه الصلاة والسلام امتنع عن الشهادة في مثل هذا الموضوع الخطير ليدل على تحريم التفضيل بين الأولاد في العطية.
ومن المعروف والملاحظ أن مثل هذا التفضيل يؤدي غالباً إلى القطيعة؛ قطيعة الأرحام، يؤدي إلى عقوق الأولاد لآبائهم. وكلنا يعلم ما أدى إليه الحسد وما فعله إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام عندما لمسوا محبة أبيهم ليوسف، وهو نبي من أنبيائها يعقوب عليه الصلاة والسلام ما كان ليجور أو ليظلم لكن فقط لوجود الحب القلبي حسدوا أخاهم وفعلوا فيه ما فعل.
ويؤيد ذلك ما جاء في صحيح الإامم مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فاشهد على هذا غيري». ثم قال له: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى. قال: «فلا إذاً». شوف النبي عليه الصلاة والسلام يربط بين الأمور كي تكون مفهومة عقليا ومنطقيا للإنسان، فالآن أنت عندك خمسة أولاد أتحب أن يكونوا في البر متساوين، هل تريد منهم أن يبروك بنفس الدرجة والجودة والكمية؟ فقال البشير بن سعد: نعم. فقال عليه الصلاة والسلام: «فلا إذاً»، إذن ما يصلح أنك تفضل أحداً على الآخر، إن أردت أن يكونوا متساوين في البر فساوي أيضاً في العطية والهبة.
واختلف أهل العلم في المساواة بين الذكور والإناث، فمنهم من قال في الهبة والعطية لابد أن تقسم بينهم كقسمة الإرث، وأن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ بناء على أن الله عز وجل قسم ذلك بين الأولاد في قسمة الميراث، فأثناء الحياة في ظنهم وفي اعتقادهم قالوا إن هذا هو الأولى، بل ذهبوا إلى وجوب ذلك.
ومن أهل العلم من قال إن العطية تختلف عن الميراث، فالعيطية يجوز فيها التساوي بين الذكور والإناث لعموم الأدلة الواردة، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام وضع لنا الحجة العقلية التي نقيس بها، فقال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ذكوراً وإناثاً صغاراً وكباراً؟» فإذن كنت تحب أن يكونوا لك في البر سواء، فكذلك لابد أن تكون لهم في العطية سواء.
وهنالك فرق بين النفقه والعطية والهبة، فلا يجب العدل في النفقة؛ لأن النفقة مرهونة ومرتبطة بالحاجة، بينما الهبة والعطية مرهونة بالمحبه، فلذا كان واجباً أن يساوي بين أولاده في الهبة والعطية، أما بالنسبة للنفقة فأمرها مختلف.
فمثلاً الفتاة نفقتها أقل من نفقة الولد في الغالب؛ لأن الولد يخرج من البيت يحتاج إلى مال للسيارة، إلى وقود، إلى إصلاح، يحتاج إلى مال كرجل، بينما الفتاة في الغالب في البيت لا تحتاج إلى مثل هذه النفقة. ولكن إن أتينا إلى الثياب والحلي والأمور التي تحتاجها الفتاة والمرأة فهي تنفق أضعاف ما ننفقه على الولد، الولد لا يحتاج إلا إلى ثوب، لا يحتاج إلا إلى مثلاً فلينَة وبنطال رياضة يلبسه طيلة العام، ولذلك عرف عن بعضهم أنه ما يلبس إلا السروال والفليْنة، بينما المرأة تحتاج هذه نشأت في الحلي ونشأت في الجمال والدلال فلا بد لها من فساتين، لا بد لها من ثياب، لابد لها من حلي تختلف عن أخيها.
كذلك الولد الصغير الذي يذهب إلى الابتدائية نفقته تختلف عن الولد الذي يذهب إلى الجامعة وحاجته تختلف. كما أن الصحيح من الأولاد لا ننفق عليه ما ننفقه على السقيم والمريض، ربما احتاج أحدهم إلى عملية ودفعنا عليه المبالغ نسال الله العافيه لنا ولكم، أما الصحيح فليس له حق أن يطالب فيقول: دفعت عشرة آلاف ريال لهذا اخي والآن أنا اريد مثلها. لا، هذه نفقة، والنفقة تختلف عن الهبة وعن العطية.
روي أن مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خَيْثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. إنه الإيثار، أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب البذل والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمه ويدل على الصفاء والنقاء.
امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَان بهم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة؛ منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبة بين الناس، البعد عن صفات الشح والأثرة، من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار. فهنيئا لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مشارب الناس تختلف، وإن أنت ذهبت تسال الناس عن السعادة لقَالوا لك: السعادة هي في الغنى، وإن سمعوا من يذم المال ويذم الدنيا قالوا: هذه حجة الفقير. كم نسمع من يقول: المال وسخ الدنيا! ويقول: هذا لا يقوله إلا الفقراء، والغنى وكثرة المال طيبة وحسنة إن كانت في يد من ينفق بها يمنة ويسرة في ارضاء الله عز وجل، فخير المال الصالح في يد الرجل الصالح.
ولكن أيضاً نجد في كتاب الله عز وجل ذم الترف والغنى، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45]، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. فغالباً ما قد يؤدي الغنى بالإنسان إلى ما لا تحمد عاقبته.
وحقيقة، ليس كل غني سعيداً، فالسعادة ليست بالضرورة مرتبطة بالمال؛ لأن أسعد الناس صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن كثير ذات اليد، بل كان غني النفس عليه الصلاة والسلام. فالغنى ليس بالضرورة محظوظاً كما يظن أكثرنا. قال قوم قارون كما ذكر لنا ربنا عز وجل: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79].
لو سمعت بثري أو غني أاما يداخلك شيء في نفسك: يا ليت لنا مثل ما أوتي هذا الثري هذا الغني؟ أاما تشعر بشيء من الحسد؟ هذه مصيبة أن تحسد ذا غنى وتترك ذا مروءة وعلم وتقوى. النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستعيذ بالله من شر فتنة الغنى ومن فتنة الفقر، فكان هذا في دعائه أن يستعيذ بالله عز وجل من طرفي الأمور؛ الغنى وشر فتنته، ومن فتنة الفقر؛ لأن كلاهما حالتان تخشى الفتنة فيهما.
فالغنى والمال غالباً ما يؤدي إلى الأشر والبطر والبخل بحقوق المال أو إنفاقه في إسراف أو باطل أو مفاخرة. عقبة بن عامر رضي الله عنه وأرضاه أخبرنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم وصلى على أهل أحد، ثم انصرف إلى المنبر، وهذه الصلاة على شهداء أحد ليست بصلاة الجنازة المعروفة، إنما كما قال أهل العلم هي دعاء المودع، وهذا في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، وإلا فالرسول لو كانت صلاة الجنازة مشروعة على الشهداء لفعلها في السنة الثالثة عندما ماتوا لا بعد موتهم بسبع أو ثمان سنوات، فكان هذا هو دعاء لهم؛ دعاء المودع.
ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها». إذن الرسول عليه الصلاة والسلام يخشى على أمته التنافس في الدنيا.
وفي رواية قال: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكوها كما أهلكتهم». أين المسلمون من هذا الحديث اليوم؟ لا شك أنهم قد وقعوا فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ صراعات، شحناء، أحقاد، ضغائن، أكل أموال الناس بالباطل، التعامل في الحرام، كل ذلك نتيجة ماذا؟ نتيجة دخول الناس في هذه الدنيا وتنافسهم فيها من أجل الوصول إلى هدف ليس الجنة كلا، الرفعة والسؤدد والعزه كلا، الوصول إلى هدف المال الذي يظن الكثيرون أنه يورث السعادة وأنه يشتري ما لا يمكن الحصول عليه إلا به.
كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من شر فتنة الغنى، أما الفقر فأيضاً كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من فتنة الفقر وقله ذات اليد؛ لأنه يخشى على من تلي بالفقر أن يتسخط وألا يصبر وأن يقع في الحرام أو أن يقع في شبهة للحاجة. كثير من الناس ربما يتاول، وهذا التأول ليس بالتأول المحمود بل هو بالتأول المذموم؛ لأنه يتاول ويبرر لنفسه أن هذا المال ممكن أن يكون حلالاً، أي نعم هو فيه شبهة، أي نعم هو حرام صريح، ولكن أنا أتأول فأقول لي حق فيه، ربما أكل مالي أحد وأنا الآن آكل ماله، ويستحل الحرام لحاجته ولفقره.
كم من الناس من تنازلوا ومن باعوا دينهم بأرخص الأثمان؟ تسمع وترى من الناس من لا حرج عندهم مطلقاً في أن يفتي فتوى تورده نار جهنم من أجل دريهمات، باع آخرته بدنيا غيره، نسأل الله الثبات حتى الممات، ونسأل الله عز وجل أن يعافينا وإياكم.
إذن السعادة ليست في المال، هذا ما بينه لنا وجلاه لنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ الغنى غنى النفس القناعة الرضا بما عندك، هذا أعلى مراتب الغنى، وكم من ثري غني عنده من المليارات ولكن ليست عنده القناعة ولا تجد في قلبه الرضا، وهو أتعس الناس، نسأل الله العافية.
تقدم معنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينصح بعض أصحابه بأن يمسك عليه بعض ماله، لما أراد أن ينخلع من ماله توبة لله عز وجل، وهذا ما حصل لكعب بن مالك رضي الله عنه عندما نزلت توبته في سورة التوبة بعد أن تخلف عن معركة أو عن غزوة تبوك ولم يذهب مع النبي عليه الصلاة والسلام، فالرسول أمره عليه الصلاة والسلام أن يمسك عليه بعض ماله.
أما مع أبي بكر فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل منه الخروج من ماله كله، وفي بعض الروايات أنه خرج من ماله ثلاث مرات؛ أأتخذ هذه العمارة التي أملكها وهذه الفيلا التي أقطن فيها وهذه السيارات وهذه الأموال في البنوك والحسابات كلها لله ولا أبقي معي إلا ثيابي؟ هل يفعل ذلك أحد؟ أبو بكر فعل ذلك ثلاث مرات.
قال أهل العلم: إن تقبل النبي عليه الصلاة والسلام لمال والانخلاع من مال أبي بكر محمول على من هو في صحته مثل أبي بكر وأنه يصبر على ضيق العيش هو وأولاده، أما كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت أو يعيل؟ فكان يعلم أبو بكر أنه يستطيع الصبر وأن أولاده أيضاً يصبرون، وأنه يستطيع أن يكسب غير هذا المال كما حصل مع أبي بكر، فكان تاجراً فيخرج من ماله ثم ينميه الله عز وجل له مرة أخرى.
وكذلك علم النبي عليه الصلاة والسلام بحسن نية هذا المنخلع وقوة نفسه وأنه لن يتكفف الناس ويسألهم ويحتاج إلى ما في أيديهم، لذلك فرق صلى الله عليه وآله وسلم في قبول صدقة أبي بكر بالكامل، ونصيحته لكعب بن مالك بأن يمسك عليه بعض ماله.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. ومن رحمة الله تعالى بعباده الرخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجاً أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معاً أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر فالأمر في ذلك واسع بشرط.
أن يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء.
فلو توضأ لصلاة الفجر مثلاً ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحاً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل.
ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يأمر أصحابه بأن لا تظهر عليهم مظاهر الفقر والحاجة والعوز وهم من الأثرياء أو عندهم ما يدفعون به نظرات الشفقة على أنفسهم من الناس. مالك بن نضلة رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه واله وسلم في أطمار فقال: «ألك مال؟» قلت: نعم. قال: «من أي المال؟» قلت: من كل المال؛ أعطاني الله من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق. قال: «فإذا آتاك الله مالاً فليرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته».
إذاً، ما نراه من بعض الأثرياء من مظاهر المسكنة والضعف والثياب البالية والرائحة المنتنة وهو يحتفظ بالملايين، هذا لا شك أنه مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام وكفران للنعمة، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. هذا بخل، هذا تقتير، قد تجد الإنسان عنده ملايين وأولاده محتاجون يتكففون الناس ما ينفق إلا بالقطارة كما يقال، ولا يدري أنه إن مات ورث أولاده المال وربما بغوا وطغوا فيه وأصبح مثواه الميت باللعن على ما حرمهم منه، ما ينبغي للمسلم أن تكون تلك حاله.
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: أتانا النبي صلى الله عليه واله وسلم فرأى رجلاً ثائر الرأس فقال: «أما يجد هذا ما يسكن به شعره؟» سبحان الله، حتى على عهد النبي عليه الصلاة والسلام الرجل يكون شعره منكوش غير مرتب ثائراً، هذا أمر مقزز، هذا أمر تمجه النفوس السليمة. الآن نجد من شبابنا نسأل الله لهم العافيه والهداية من عنده هذا ما يسمونه الكدش، يعني شعره يربيه وينميه حتى يصبح كالشجرة، والشعر مقزز جاف مليء بالبق والقمل والحشرات إن لم يكن من الحيوانات الأليفة مصيبة، تجد في هذا الشعر من الكائنات ربما لو أتوا من الغابات الاستوائية لوجدوا فيها أشياء نادرة الوجود، وهذا الشاب يفعل ذلك تقليداً للغرب لفتاً للانتباه، عندهم عقد مساكين نفسية يريدون لفت الانتباه يريدون شيئاً من الاهتمام، وليس هذا من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ليس هذا من دين الإسلام، «من تشبه بقوم فهو منهم» كما يقول ابن عمر رضي الله عنهما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام. أتحب أن تحشر مع اليهود والنصارى؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أما يجد هذا ما يسكن به شعره؟»
إذاً، إظهار نعمة الله تعالى عليك هذا من السنة ومن شرع الله بشرط ألا يكون هنالك فخر أو كبر أو خيلاء، إذاً هذه أمور محرمة تجنب الكبر، تجنب الخيلاء والفخر. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء» متفق على صحته. وفي رواية البخاري: «من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة». قال النووي: الخيلاء والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد وهو حرام، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والأصل في ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]، وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]، وقال عز من قائل: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: 47]. كل هذه أمور مذمومة الخيلاء والبطر والمرح، كلها من الأمور التي ذمها الله عز وجل يقول ابن تيمية: وإسبال الثوب تزييناً موجب لهذه الأمور إذاً الأمر خطير.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». وفي رواية في صحيح الإمام مسلم: «بينما رجل يمشي قد أعرجته جمته وبرداه إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة». قال ابن فارس: التجلجل أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع من شق إلى شق. هل يمكن أن ترى فقيراً يختال وهو يجر ثوبه؟ الغالب أن الفقير ليس عنده ما يجر ثوبه به، وإن فعل فانه لا يصحب ذلك خيلاء، الخيلاء في من عنده مال، الخيلاء من يذهب إلى الخياط فيقول له انزل بالثوب زد في نزوله حتى يمس الأرض، وتراه يلبس بشته أو المشلح وهو يجر في الأرض هذا هو الخيلاء، إن قيل له يا أخي السنة، إن قيل له فعل الرسول عليه الصلاة والسلام إن ذكرت له أحاديث ترهيب من مثل هذه الكبيرة تكبر ولم يرَ أن فعله ذلك فيه أي بأس، وهذا هو الكبر الذي يخشى على صاحبه، لا كبر ولا بطر ولا مخيلة ولا يزهو الإنسان بمثل هذه الأمور، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبي مثقال ذرة من كبر. مصيبة، إذاً هذا الذي أوتي المال ينبغي أن يتقي الله عز وجل في ماله.
ولذلك عندما نرى من يدفع الأموال العظيمه والكثيره لشراء أمور ليست من حاجته فهذا هو الإسراف وهذا هو التبذير، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: 141] ويقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 27]. إنسان يشتري سيارة بخمس أو ست ملايين ريال، يشتري فيراري يشتري سيارات كالبنتلي وكذا أشياء ثمينة للغاية، فياتي إنسان فيقول يا اخي ما دام الإنسان يؤدي زكاة ماله وعنده ملايين لا حرج أن يشتري مثل هذه السيارات بالملايين أيضاً، فنقول هذا غير صحيح هذا هو عين الإسراف والتبذير والمخيلة.
ولذلك النبي صلى الله عليه واله وسلم عندما يقول: «ما ملا ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسِه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. إذا كان هذا في الطعام المباح فكيف بمن يدفع الملايين في سيارة، بل والأسف منه والذي يجب أن يحجر على ماله، الذي يدفع الملايين من أجل لوحة؛ لوحة سيارة، وانظر إلى الذين يسرفون ويبذرون والله عز وجل يملي لهم ويزيدهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، أين عقول أولئك؟
فنسأل الله عز وجل أن يجيرنا وإياكم وأن يعيذنا من شر فتنة الغنى ومن فتنة الفقر، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه وبوجهه عن سؤال غيره إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم