تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - شفقته ﷺ على النساء

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم وتتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء شذاها طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

استكمالاً للدرس الماضي، ودراسة لكيفية تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع النساء عموماً؛ كان صلى الله عليه وآله وسلم يتفقد من الصحابيات من غابت عن مواسم الخير، كما يفعل مع أصحابه من الرجال. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من حجة الوداع، قال لأم سنان الأنصارية: «ما منعك أن تكوني حججت معنا؟» فقالت: ناضح كان لأبي فلان، وهو زوجها، حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي عليه غلام.

إذ تعللت هذه الصحابية بسبب تعذر وجود الراحلة التي تحج عليها؛ فكان لهما بعيران، أحدهما حج عليه زوجها وولده، والآخر يسقي العبد أو الغلام به الزرع، فلم يكن لديها راحلة تحج عليها، وكما نعلم أن من شروط الحج توفر الراحلة والزاد. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي». فشدها إلى فضل العمرة في رمضان، وأنها تعدل في الجزاء حجة مع النبي عليه الصلاة والسلام.

وهذه المسألة كثيراً ما يختلط على المسلم مسائل مشابهة؛ فمثلاً يأتي أحدهم فيقول: إن كان هذا الوضع بالنسبة للعمرة في رمضان، فهل يسقط عني أداء حج الفريضة؟ ومثله قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من صلى الفجر في جماعة، فمكث في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة». فالعلماء يقولون: هنالك فرق بين الجزاء والإجزاء.

فالجزاء هو ما يناله العبد على فعل ما، ولا يعني ذلك أنه يسقط عنه الفريضة، لا يجزئ ذلك عن الفريضة أو عن الواجب. مثاله: رجل نذر أن يعتق رقبة، أو آخر قتل رجلاً خطأ في حادث سيارة مثلاً، ونعلم أن كفارة ذلك عتق رقبة مؤمنة، فبحث ونظر فلم يجد؛ فقيل له: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، كان كعتق أربعة أنفس من ولد بني إسماعيل، أو كما جاء في الأثر. فقال: أنا أقول هذا القول ويجزئ عني الكفارة، نقول له: لا، لك جزاء العتق، لا الإجزاء عن العتق. ومثله من نذر مثلاً أن يختم القرآن، وكسل عن ذلك، فقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات وقال: هي تعدل ثلث القرآن فالحمد لله الآن قد ختمت القرآن كاملاً، نقول: هذا الجزاء وليس الإجزاء.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يشفق على النساء ويراعي أحوالهن وحزنهن، ويراعي إن كان للمرأة شيء من التأثر في حدود الشرع. فكان صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث يرويه أنس بن مالك، كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا أم سليم رضي الله عنها وأرضاها، فإنه كان يدخل عليها. فقيل له في ذلك، فقال: «إني أرحمها، قتل أخوها معي». وأخوها هو حرام بن ملحان، قتل مع أصحابه في غزوة بئر معونة، عندما كانوا يدعون قبائل نجد، فجاء أحدهم بإيعاز من رئيس القبيلة وطعنه بالرمح من خلف ظهره، فأنفذه من صدره. فجعل يمسح الدم ويضعه على وجهه ويقول: فزت وربي الكعبة. رجل يفارق الدنيا وهو يقسم على أنه من الفائزين، لم يتذكر الزوجة، لم يتذكر الأولاد، لم يتذكر الأموال، إنما فرح واستبشر بلقاء الله عز وجل شهيداً في سبيله. فكان صلى الله عليه وسلم يزور أم سليم، وهي أم أنس بن مالك وزوجة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين، يرحمها ويشفق عليها؛ لأنها إذا تذكرت أخاها ربما أصابها شيء من الوجد والحزن.

كذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي»، يعني أخفف وأقصر منها مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه. سبحان الله، قارن هذا بمسجدنا اليوم! الإمام صلى الله عليه وآله وسلم يخفف من الصلاة ويقصر مع الحفاظ على أركانها وواجباتها وسننها، ولا يطيل وهو يعلم أن المأمومين يحبون سماع قراءته والانتفاع بها؛ لماذا؟ لأن طفلاً بكى، فيخشى على قلب أمه وهي في الصلاة لا تستطيع أن تسكت ابنها ولا أن تعتني بحاله. قارن هذا مع مساجدنا اليوم، حيث تسمع الجهلة إذا سمعوا صبياً يبكي أو يلعب قالوا: النبي يقول عليه الصلاة والسلام "جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم"، وهذا حديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه الجهل.

كان عليه الصلاة والسلام يشفق على مشاعر النساء. أمنا عائشة رضي الله عنها تقول: لما جاء عليه الصلاة والسلام خبر زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة واستشهادهم في غزوة مؤتة، جلس عليه الصلاة والسلام والحزن على وجهه. أمنا عائشة تقول: فجاءه رجل ويقول: إن نساء جعفر يفعلن كذا وكذا، وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن، فذهب ثم أتاه ثانية وقال: لم يطعن أمري، فقال: «انههن»، يعني روح مرة ثانية، ففعل، فجاء فقال: يا رسول الله غلبنا. فقال صلى الله عليه وآله وسلم -الرجل جاء ثلاث مرات والرسول يقول انهاهن وهو حزين على ابن عمه جعفر وعلى صاحبيه وعلى حبه زيد بن حارثة- فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «فاحث في أفواههن التراب». نهيته فلم ينتهين، فاحث في وجوههن التراب. فقالت أمنا عائشة من وراء الحجاب: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك عليه الصلاة والسلام، ولم تتركه من العناء؛ يعني لا أنك أفلحت في أن تنهاهن ويقفن، ولا أنك أرحت الرسول عليه الصلاة والسلام من كثرة المجيء، حتى قال ما قال. هذا كله يشعرك بالعطف الذي كان في قلبه عليه الصلاة والسلام، أنه كان يقدر بكاء نساء جعفر بن أبي طالب على ما حصل، وعلى ما كان من استشهاد جعفر رضي الله عنه وأرضاه.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

الاستخارة هي طلب الاختيار من الله تعالى عند الإقدام على الأمور المهمة، والتي لا يدري الإنسان وجه الخير فيها. أما ما كان معروفاً خيره أو شره كالعبادات، فلا تشرع فيه الاستخارة. والحكمة من الاستخارة: التسليم لأمر الله، والالتجاء إليه سبحانه للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ولا شيء أنفع لذلك من الصلاة والدعاء؛ لما فيهما من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه.

أما كيفيتها، فقد ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني».

وعلى المستخير ألا يتعجل الإجابة، ويجوز له أن يكرر الاستخارة بالصلاة والدعاء. ومن علامات القبول في الاستخارة: انشراح الصدر وتيسير الأمر، ولا يشترط أن يرى رؤيا. وأما علامة عدم القبول، فأن يصرف الإنسان عن الشيء ولا ييسر له، فلا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلقاً به. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

السلام عليكم ورحمة الله. من الحديث السابق لا يفهم أبداً أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يشجع على النياحة وعلى رفع الصوت حزناً على الميت؛ فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من أفعال الجاهلية النياحة، وأن من الأصوات التي يبغضها الله عز وجل، وهي من وساوس الشيطان وتزيينه، ما يفعله النساء عند المصيبة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وأما حمزة فلا بواكي له»، لا يفهم منه أبداً أن النبي عليه الصلاة والسلام يشجع على ذلك، إنما كان صلى الله عليه وآله وسلم يوازن بين المصالح والمفاسد. بعض الأحيان قد تغلب المشاعر الإنسان فلا يستطيع أن يكبتها أو أن يمنعها، فكان عليه الصلاة والسلام ربما قدر ذلك، ينهى ولكن لا يشدد في النهي ولا يتجاوز الحد فيه، كما سيأتي معنا عندما مر على امرأة تبكي على ابن لها مات، فقال لها: «اتق الله واصبري».

فإذاً هذا الأمر ينبغي أن يقدر بقدره؛ الإنسان ملؤه المشاعر والأحاسيس، ولكن الضابط في هذه المشاعر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، القلب يحزن، والعين تدمع». إذاً هذه كلها ضمن ضوابط الشرع التي حفظت لنا حياتنا وضبطتها لنا. لكن ينبغي للمسلم أن يقدر، فبعض الأحيان قد يحصل من المرأة ما لا طاقة لها بكبته ومنعه من إظهار مشاعر الحزن، فهذا أمر إن لم يكن مقصوداً أو بإرادة ونية، فإنه من المعفو عنه بإذن الله عز وجل.

من رحمته عليه الصلاة والسلام أنه تجاوز البشر، حتى إنه كان يرحم الحيوانات والأعجم. جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقبرة فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخين، فأخذنا فرخها -رأوا طائراً ومعه فرخين فأخذوا الفرخ- فجاءت الحمرة تفرش، أي تشير بجناحيها حزناً وغضباً على فرخها. فجاء عليه الصلاة والسلام فرآها، فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها». سبحان الله! ذبح هذه الحمرة للطعام جائز، وكذا فرخها، ومع ذلك من رحمته عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يصبر على رؤية حزنها وفجعها بولديها، فأمر بردهم إليها. رحمة مهداة صلى الله عليه وسلم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

عناية النبي عليه الصلاة والسلام بالنساء لم تكن مقتصرة على ذوات الشأن، على زوجات أصحابه، على من لها مكانة ودور في الإسلام وبين المسلمين، بل كانت رحمته وشفقته وحسن تعامله مع النساء عامة. تأتيه الجارية فتقول له: لي عندك حاجة، فيواعدها، فتأتيه فتأخذ بيده فتقف في شوارع المدينة تحكي له عن مشكلتها، وفي بعض الروايات أن في عقلها شيء، يعني ليست سليمة العقل، تشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام والرسول يسمع ويعين ويحاول المساعدة. هذا في شأن من؟ في شأن امرأة عامة من عوام الناس. بعضنا ربما يبخل بوقته وجاهه وسمعته وماله إلا عن ذوي الشأن؛ إذا كان الإنسان ذو واسطة ذو مكانة أنا أخدمه وأعطيه من وقتي، أما إن جاءه عامة الناس فلا يفعل ذلك، وهذا خلل عظيم ما ينبغي أن يكون في أمة الإسلام.

الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنع عنها من يأتيها». الوليمة؛ عندك عزومة، عندك عقيقة، عندك فرح، من الذي تدعو؟ تدعو الوجهاء، القضاة، العلماء، الأثرياء، أصحاب النفوذ والسلطان، وتمنع عنها إمام المسجد، مؤذن، خادم المسجد، الفقير، القريب، المسكين؛ لأنه هذا ما استُوعِب، يأتي بسيارة خربة هلكة، بينما هؤلاء يأتون بأفضل السيارات والثياب! فكيف يجتمعون؟ هذا خلل يدل على أن في النفس مرضاً، وأن في المجتمع خللاً عظيماً ينبغي أن يعالج.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يهتم بالنساء حتى من لم تكن ذا شأن. أبو هريرة رضي الله عنه يخبرنا عن امرأة سوداء، حتى كتب الحديث والسنة لم تسجل لنا اسمها، امرأة هكذا سوداء كانت تقم المسجد وتنظفه، فافتقدها، وآيات كثيرة أنها مرضت وكان الرسول يعودها عليه الصلاة والسلام، وأمرهم أنها إذا ماتت أن يؤذنوه، كما في هذا الحديث. قال عليه الصلاة والسلام عندما قالوا له إنها ماتت: «أفلا كنتم آذنتموني؟» وفي رواية أنها ماتت بليل فغسلت وكفنت وصلي عليها ودفنت، فلما استيقظ عليه الصلاة والسلام وغضب من ذلك، أخبروه أنه كان نائماً، وقال لهم: «أفلا كنتم آذنتموني؟» فكأنهم صغروا أمرها، يعني يا رسول الله نوقظ على امرأة مثل هذه! فقال: «دلوني على قبرها»، فدلوه فصلى عليها صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا مشعر لكل مسلم بأهميته في أمة الإسلام وبمكانته عند الله رب العالمين؛ لا يجب أن تكون عالماً أو داعية أو إماماً كي يكون لك شأن، قد تكون مثل ما يسمى بالجندي المجهول. ومن هو الجندي المجهول؟ هذا إن شاء الله ما سوف نتحدث عنه بعد الفاصل، فابقوا معنا.

القدوة، الرموز، الشخصية، الأسوة، جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وهي ذات أهمية كبرى وتأثير قوي لدى الشباب. ولا شك أن العاقل هو من يلتمس لنفسه قدوة حسنة ذات خلق عظيم ونهج قويم، تمتلك مقومات النجاح وأسباب الفلاح، فيقتدي بها ويقتفي أثرها. ومهما التمس الشاب المسلم لنفسه قدوة، فلن يجد خيراً من النبي صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه الكرام رضي الله عنهم.

زيد بن ثابت رضي الله عنه كلفه النبي صلى الله عليه وسلم بتعلم لغة اليهود، فتعلمها وأصبح ماهراً بها في خمس عشرة ليلة. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما اجتهد حتى جمع علماً غزيراً تناقله كل من جاء بعده. مصعب بن عمير رضي الله عنه أرسله النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً إلى المدينة ففتحها بالقرآن. معاذ بن جبل رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم داعياً إلى اليمن. أسامة بن زيد رضي الله عنهما ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش المسلمين لغزو الروم ولم يبلغ العشرين من عمره.

وهكذا كانوا على صغر سنهم يتحملون الأخطار، ويحفظون الأسرار، ويعبدون الله بالليل والنهار، فكانوا خير قدوة وأروع مثال. قال تعالى: ﴿السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

الرسول عليه الصلاة والسلام بنفسه يذهب إلى المقبرة ليصلي على قبر امرأة سوداء مجهولة، كل ما يعرف عنها أنها كانت تكنس المسجد، والإسلام لم يذكر لنا اسمها ولا كتب المحدثين والفقهاء، وهذا يدلك على أن الإسلام يقدر دور الجندي المجهول. ولا أقصد بذلك أبداً نصب الجندي المجهول الذي يوجد في البلاد الكافرة، ويأتي إليه الرؤساء والزعماء ويضعون إكليل الزهور عليه ويقفون دقيقة صمت؛ هذا كله ما يوجد عندنا نحن معاشر المسلمين، هذا إن لم يكن من البدع المنكرة فلربما دخل في ضمن أبواب الشرك. الوقوف دقيقة صمت كلام فارغ لا يوجد في كتب الإسلام ولا مراجعها، ولم يقل به أحد من أهل العلم، ولكنه التقليد الأعمى. إن أطلقوا إحدى وعشرين طلقة عزاء أو تحية أو فرحاً لموت أحد أو حياته فعلنا ذلك، وقفوا عند الجندي المجهول فعلوا ذلك، زاروا سبحان الله! المسلم عزيز بإيمانه بقرآنه بإسلامه بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، أما هذه البدع المنكرة فلا أصل لها.

لكن مسألة الجندي المجهول بمعنى أن الرجل يعمل العمل ابتغاء مرضاة الله تعالى فهذا موجود في الإسلام. النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». هذا الرجل النبي عليه الصلاة والسلام يقول طوبى له؛ شجرة في الجنة يمشي في ظلها الراكب مسيرة خمسمائة عام. هذه له لماذا؟ لأنه لا يؤبه له، إن تكلم لا يستمع له، إن شفع لا يشفع، إن وضعوه في الحراسة قال طيب، ما يشترط أن يكون مع الرماة أو في مقدمة الجيش، محل ما يضعه الأمير سمعاً وطاعة. إن كان في الساقة في مؤخرة الجيش يجمع الضال من اللقطة ويرجع من خرج من الجيش وضل السبيل، ما عنده مشكلة، ما يعرف، لكنه عند الله عز وجل غير مجهول.

كان صلى الله عليه وآله وسلم يحفظ العهد لمن قدمت له معروفاً، فما كان ينسى صنيع المرأة التي تحسن إليه وإلى المسلمين. جاء في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان في غزوة وكان معه أربعون رجلاً فنفد منهم الماء، فبحثوا حتى وجدوا امرأة مشركة على ناضح لها ومعها قربتان فيها ماء، فساقوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام. طبعاً امرأة ما تستطيع أن تدافع عن نفسها، فشرب المسلمون مع النبي عليه الصلاة والسلام من هاتين القربتين، وتوضأ الصحابة وأحدهم كان على جنابة فاغتسل من الماء، ولم تنقص قطرة من القربتين. ثم قال عليه الصلاة والسلام وأمرهم أن يجمعوا ما عندهم من طعام زائد من تمر من دقيق من سويق حتى جمعوا لها طعاماً كثيراً، فجعلوا هذا الطعام في ثوب وحملوها على بعيرها ووضع الثوب بين يديها، فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهبي فأطعمي هذا عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك شيئاً».

يعني ما أنقص من مائك شيئاً، المرأة مدهوشة من هذه المعاملة، استخدموا الماء والماء لم ينقص ومع ذلك جمعوا لها من الطعام وأرسلوها. قال عليه الصلاة والسلام: «لكن الله هو الذي أسقانا». شوف الدعوة في كل شيء، حتى مع هذه المشركة يدعوها عليه الصلاة والسلام بطريقة غير مباشرة كي تفكر وتتأمل بكل إحسان. تقول الرواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها وقومها من البيوت ويتركون بيتها، فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوه فدخلوا في الإسلام. رواه البخاري ومسلم. عجيب، يعني المرأة تفطنت إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمين كانوا يغيرون على القبائل من المشركين المجاورة ولم يكونوا يقربون بيوتهم، فعلمت أن الرسول يفعل ذلك لحسن عهده بها، يعني امتناناً للمعروف وأنها أعطتهم من مائها الذي لم ينقص منه شيء. فالرسول كان يحفظ هذا المعروف، انظر إلى إحسانه ووفائه الذي تعدى المرأة ليصيب قومها، وكيف أن المعاملة والكلمة الحسنة لها من التأثير أبلغ من مئات الخطب. دخلت الإسلام بسبب معاملته عليه الصلاة والسلام، وكم من الناس نفروا وتركوا الإسلام بسبب غلظة وجفاء التعامل معهم. قال عز من قائل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

صلى الله عليه وآله وسلم كان ينكر المنكر إذا رآه، وهذا واجب على كل مسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، لكنه كان ينكر برفق ولين. عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر على صبي لها، فقال: «اتقي الله واصبري». فقالت المرأة: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي! ولم تعرفه، امرأة تبكي وتنوح وتندب نفسها فردت بهذا الرد، فتركها الرسول عليه الصلاة والسلام ومشى. وبعد أن مشى قيل لها: ألم تعرفينه؟ إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذتها مثل الموت، يعني جاءتها مصيبة أعظم من مصيبة فقدها للولد. فأتت الرسول عليه الصلاة والسلام فلم تجد عند بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، يعني أنا جئت أعتذر، أنا صبرت الآن، أنا خلاص هديت. فقال عليه الصلاة والسلام موضحاً لها الحكم الشرعي: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وإذا الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها في البداية بالصبر فعندما لم تصبر تركها، فلما جاءته وقد هدأت بين لها الحكم الشرعي لأنه ما يستطيع أن يقول لها خلاص مادام صبرت انتهى الموضوع؛ لا، لابد أن يبين لها الحكم الشرعي لأن هذا تشريع للأمة. ولذلك الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه، لابد من الصبر وعدم النياحة وعدم التسخط، ولذلك قيل إن العاقل لا يفعل عند المصيبة ما يفعله الأحمق بعد شهر.

كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية من الصحابيات، أم سليم بعد زواجه عليه الصلاة والسلام أرسلت له طعاماً من تمر وسمن وأقط فاتخذت حيساً وأرسلته فقبله عليه الصلاة والسلام. امرأة تأتي النبي عليه الصلاة والسلام ببردة منسوجة وتقول نسجتها بيدي، فيقبلها ويصنع له المنبر الذي يصلي عليه بعد ذلك عليه الصلاة والسلام وتقدمه إليه فيقبل ذلك. كان صلى الله عليه وآله وسلم يزور المرضى، كما جاء في حديث عن أم السائب وعن أم العلاء عندما كان يزوره عليه الصلاة والسلام وهن في الحمى ويدعو لهن، وربما سبت إحداهن الحمى فنهاها عن ذلك وأخبرها أنها حظ المؤمن من نار جهنم. ولذلك كان إذا مرض أحد قال له: «طهور إن شاء الله»، أي أن هذا يطهرك من الذنوب قبل أن تطهر بنار جهنم يوم القيامة. نسأل الله لنا ولكم العافية. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم بالجملة كان يحسن معاملة النساء وكما جاء: «رفقاً بالقوارير». هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.