تسجيل الدخول

المحاضرة 6 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - تعامله ﷺ مع أحفاده

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في الدرس الماضي تكلمنا عن تعامل النبي صلى الله عليه واله وسلم مع أبنائه وبناته، وكيف كان لا يخفي حبه ورحمته وشفقته بهن البنات؛ لأن هذا الغالب على سيرته عليه الصلاة والسلام، إذ إن الذكور من أبنائه قد توفاهم الله عز وجل في سن صغيرة.

ونتحدث في اليوم إن شاء الله عز وجل عن تعامله مع أحفاده، فالحفيد من ذكور وإناث التعامل معه يختلف عن التعامل مع الأولاد ذكور وإناث؛ لأن الأحفاد في الغالب يكونون أصغر سنا، فالتعامل معهم يختلف. عندما تتعامل مع الحفيد ذي الأعوام المعدودة طفل بريء ليست عنده أحقاد ولا ضغائن وغير مكلف، فمهما أمرت ونهيت فهو غير مكلف، لو أخطأ مقبول منه لأنه ما يفهم، غير راشد، ليس بممنزات الولد من أولادك الذي قد بلغ، وربما بلغ مبلغ الرجال، فإن قام بمعصية أو ترك واجب لا شك أن ذلك يحز في نفس الوالد.

فغالبا الأجداد يحبون أبناء الأبناء أكثر من حبهم للأبناء، كما يقال: ما أعز من الولد إلا ولد الولد، كما يقولون في الأمثال الشعبية. الرسول عليه الصلاة والسلام كان له من فاطمة -لأن كل أحفاده كانوا من بناته- فكان له من فاطمة خمسة من الأحفاد: كان له الحسن بن علي، الحسين بن علي، محسن بن علي، أم كلثوم.

وهذه أم كلثوم كانت صغيرة رضي الله عنها وأرضاها، ومع ذلك زوجها أبوها علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب وكان كهلا كبيرا في السن، وهذا أكبر رد على الرافضة الذين ينالون من أبي بكر ومن عمر، إذ إن عليا رضي الله عنه وأرضاه زوج ابنة بعمر الذين هم يدعون أنه عدو من أعداء الله، قاتلهم الله أنى يؤفكون!

كذلك بعد أن زوجها بعمر ولدت منه زيد بن عمر. وابنته زينب بنت علي هذه ابنة فاطمة وعلي، زينب تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر.

فإذا هؤلاء خمسة من أحفاد النبي عليه الصلاة والسلام من فاطمة. وأما عبد الله بن عثمان بن عفان فهو ابن رقية ومات وهو ابن ست سنوات. أما أمامة بنت أبي العاص وهذه أمها زينب فقد تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه بعد أن ماتت خالتها فاطمة، وتوفي علي رضي الله عنه وأرضاه واغتيل وهي معه.

والحفيد الأخير هو علي بن أبي العاص أيضا ابن زينب، وتوفي في حياته عليه الصلاة والسلام، وجاءت في بعض الروايات أنه قد ناهز الحلم يعني أوشك على البلوغ، فلعله بذلك يكون أكبر الذكور من هذه الناحية. فلم يبق من الذكور من نسله صلى الله عليه واله وسلم إلا الحسن والحسين من أولاد فاطمة.

كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يحب أحفاده حبا عظيما ويشفق عليهم، فكان بادئ ذي بدء إن بشر بولادة أحد أحفاده أو أحد من المسلمين عامة، كان يفعل سنة قد هجرت في أيامنا هذه وهي التحنيك. ما هي سنة التحنيك؟ التحنيك هو أن يأتي بقطعة صغيرة من التمر فيمضغها حتى تكاد أن تكون تفتت التمر تماما ويصلح للبلع، فيأخذ قطعة صغيرة منها ويضعها في حنك طفل في سقف الحلق هذا الطفل حديث الولادة، يعني عمره ساعات معدودات ليس بالأيام، قبل أن يرضع قبل أن يبدأ بأي شيء، يضع هذا التمر في أعلى سقف الحلق.

وهذا يعني العلم الحديث أثبت فائدة هامة لهذا الأمر في الحفاظ على حياة المولود. طبعا التمر هو الأفضل، لكن لو لم يقدر على التمر شيء من العسل، شيء حلو؛ لأن العلم الحديث ينسب وفاة الأطفال عند الولادة حديثي الولادة إلى أمور منها ومن أهمها نقص الجلوكوز في الدم، ونقص الجلوكوز قد يؤدي إلى توقف التنفس وإلى عدم الرضاعه وإلى زرقة الجلد والجسم وإلى ارتخاء العضلات، هذا النقص، فأفضل ما يعوض هذا النقص هو ذلك التحنيك الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو سنة، لكن كما تقدم قد هجرها كثير من الناس.

كذلك إذا ولد المولود كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يأمر بذبح العقيقة وهي التي تذبح للمولود بعد ولادته، والسنة أن يذبح عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة واحدة. وهذه واحدة من الأمور الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر؛ يعني في الشرع كما يقول بعض أهل العلم هنالك خمسة مواضع الأنثى فيها على النصف من الرجل.

وهذه المواضع ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد، ولعلها تكون مفيدة لأولئك الذين يشتغلون بالمسابقات الإسلامية والفكرية، فالموضوع الأول العقيقه للذكر شاتان وعن الأنثى شاة واحدة، باقي هذه الأمور الخمسة نذكرها إن شاء الله بعد الفاصل فانتظرونا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قبل الفاصل تحدثنا عن خمسة أمور الرجل فيها ضعف المرأة أو الذكر ضعف الأنثى في الإسلام، ذكرنا منها العقيقه: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، كذلك الشهادة كما جاء في سورة البقرة فالرجل شهادته بشهادة امراتين: رجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء.

كذلك في الارث، في بعض أمور الارث ليس في كلها، قال عز من قائل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. كذلك في الدية، فدية المرأة على النصف من دية الرجل؛ دية الرجل مئة من الإبل، دية المرأة خمسون من الإبل.

وأخيرا في مسائل العتق: فمن أعتق جاريتين أمتين كمن أعتق عبدا، كما جاء في الحديث: «يعتق الله بكل عضو من هذا العبد عضوا من المعتق»، بينما الجاريتين يعتق الله عز وجل بعضوين من الجاريتين عضوا من المعتق.

الرسول عليه الصلاة والسلام عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين كما جاء في السنة المطهرة. وهذه العقيقه السنة أن تكون في يوم السابع؛ فعن عائشة أمنا رضي الله عنها قالت: عق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن حسن وحسين يوم السابع وسماهما، وفيه دليل أنه لا يشترط أن يكون الذي يعق ويذبح هو الوالد، ولا يشترط أن يكون من ماله، فالنبي صلى الله عليه واله وسلم هو الذي عق عن الحسن والحسين وعق عنهما يوم السابع من ولادتهما.

وما هو اليوم السابع؟ إذا ولدت ولد المولود يوم السبت، فيوم سابعه اليوم الذي قبله يعني سابع يوم هو الجمعة، إن ولد يوم الاثنين سابع يوم هو الأحد، وهكذا اليوم الذي قبله اليوم الذي قبله هو يوم السابع.

واختلف أهل العلم: هل مثلا يجوز المسلم أن ينحر بدنة عن سبع من الشياه في العقيقة؟ منهم من أجاز ذلك، والأظهر والارجح والله أعلم أنه لا يصلح هذا إلا في الحج؛ البدنة من -يعني إبل أو من بقر- تجزئ الواحده عن سبع من الشياه في الحج، سواء كان مضحيا أو كان هاديا أو مهديا، أما في العقيقة فالذي يظهر أنه لا يصلح إلا أن تكون من الشياه كما فعل عليه الصلاة والسلام.

والسنة أن تكون يوم السابع، فإن لم يتيسر استحب أهل العلم أن تكون في يوم الرابع عشر، فإن لم يتيسر ففي يوم الحادي والعشرين، كما روى الإمام الترمذي في مسنده وهو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله، فإن لم يتيسر فأي يوم لا حرج فيه؛ يعني لو ذبح في نفس اليوم أو بعدها بيومين أو بعدها بتسعة أيام أو بعدها بشهر بسنة هذا أمر يعني واسع، لكن السنة أن تكون يوم السابع.

فلنفترض أنه ما وجد، يعق عنه أبوه ما عق عنه، فهل يشرع أن يعق الوالد عن نفسه؟ هذه مسألة أيضا فيها خلاف، ومن أهل العلم من قال: هي مسؤولية الوالد ولا ينتفع بها إلا الوالد فلا يصلح أن يعق عنه، ومنهم من قال: كلا لا حرج في أن يذبح عن نفسه إن لم يذبح عنه والده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع»، فقيل: إن مرتهنا يعني لا يشفع لوالديه إن مات وهو صغير، وقيل: لا يحفظ من الشيطان، فالذي يظهر أن الذي لم يعق عنه والده ينتفع هو أيضا بعقيقته كي يحفظ من الشيطان، فلا حرج إن شاء الله في أن يعق عن نفسه إن لم يفعل ذلك عنه مسبقا.

إنسان يعجز ما عنده مال، هل من حرج أن يذبح شاتا هذا الشهر وبعد ثلاث أو أربعة أشهر يذبح الشاة الثانية؟ لا حرج إن شاء الله لأن الأمر فيه سعة.

تقدم أن السنة أن يسمي يوم السابع كما أخبر عليه الصلاة والسلام، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا في حديث آخر صحيح أنه قال: «اليوم الليله ولد لي ولد فسميته باسم أبي إبراهيم»، فإذا الرسول عليه الصلاة والسلام سمى إبراهيم في نفس الليله التي ولد فيها، فإذا لا حرج أن الإنسان يسمي في نفس الليله، ولا حرج في أن ينتظر إلى سابع يوم من الولادة فيسمي ولده، ولا حرج أيضا في أنه الإنسان وامرأته حامل يختار الاسم، كثيرا ما نجد من الناس من امرأته تكون في الشهر الثاني أو الثالث من الحمل ويقول: والله إن كانت جاريه سميتها عائشة، وإن كان ولدا سميته عبد الرحمن، لا حرج في ذلك، لكن يشرع أن يسمي بعد الولادة أو في سابع يوم وهو الأفضل كما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام وكما تقدم.

التسمية الحسنة هذا من حقوق الابناء على أبائهم، فيجب على الوالد أن يحسن اختيار الاسم، ولا أن يطلق عليه أسماء الحيوانات كما يفعل البعض أو الأسماء التي فيها إهانة ومذلة أو الأسماء الغربية الأسماء الكافرة تجدها على مسلم، يعني قد يكون حافظا للقران وفي من بلاد عربية لكن اسمه غربي لأنه ابتلي باب فيه لوثة التغريب والرغبة في الأسماء التي يعني ممكن أنها تكون أجنبية وعربية في نفس الوقت، وهذا من الذل ومن الضعف الذي يعني يوجد عند بعض المسلمين.

حق من حقوق الوالد ليست من حقوق أحد آخر، ما ياتي انسان يقول: والله أبو الزوجه أصر على أنه الاسم يكون كذا، أو الزوجة أصرت على أن يكون الاسم كذا، أو أن الوالد نفسه والد الزوج أصر، لا، التسمية من حق الاب، ولا حرج عليه أن يستشير أو أن أحب أن يسترضي امرأته فسمى باسم هي تختاره، تختار إن كان اسما حسنا هذا لا شك من حسن العشرة.

أما ما يفعله البعض من الاستئثار التام والإعراض تماما عن رغبة الأم التي تعبت تسعة أشهر في هذا الحمل لا شك أنه يعني ليس من حسن العشرة، لكن في الأول والأخير لا شك أن الحق في التسمية هي للوالد لوالد هذا الطفل وهو المسؤول عنه.

كذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بحلق رأس الطفل يوم سابعه؛ قال صلى الله عليه واله وسلم لفاطمه يوم ولد الحسن: «احلقي شعر رأسه»، فإذا السنة أن يحلق شعر الرأس لا يخفف بالماكينة بل يحلق بالموسى. قال عليه الصلاة والسلام: «ثم تصدقي بوزنه من الورق» أي من الفضة «في سبيل الله».

إذا هاتان سنتان: الأولى حلق الراس، ولا شك طبيا أن حلق الراس للطفل في هذا السن مفيد جدا لفتح مسام الراس وإنبات الشعر وإزالة الأذى من يعني إفرازات قد لصقت بفروة الراس، ولذلك جاء في بعض الحديث: «أميطي عنه الأذى»، إيش يعني أميطي عنه الأذى؟ أي هذا الموجود على راسه بالحلق، وعليه فاستحبوا، على أن كثير من أهل العلم يرون أن الذي يحلق هو فقط للذكر لا للانثى؛ لأن الأنثى الأصل فيها أنها تكون يعني تزدان بشعرها وى آخرة.

ولا شك أن هذا قول يعني ضعيف؛ لأن العلة كما جاءت في الحديث: «أميطي عنه الأذى» موجودة عند الذكر وعند الأنثى، والاطباء يقولون: إن الحلق مفيد لفتح مسام الراس وإنبات الشعر، ولا شك أن هذا أو هذه الفائدة موجودة عند الذكر وعند الأنثى أيضا، فاذا لا شك أن

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر. فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجوده نفساً، أرحب صدراً، أشده حياءً. كان أشجع الناس، وأزهد في الدنيا، وأكثرهم تواضعاً؛ يعين أهله، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه. يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم، ويدعوهم إلى الخير.

كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفق بالضعفاء. أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج ناتشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكر محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.

ولننظر لنعرف قدره ومكانته، ولنقتصر إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته؛ يبلغ الخير لأمته ولم يكتف بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة. وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما السنة الأولى: الحلق، وتقدم أن حلق رأس الطفل حديث الولاده يوم سابعه، سواء كان ذكراً أم أنثى، هو الراجح.

السنة الثانية: التصدق بوزن هذا الشعر فضة. وهذا الشعر يعني ربما كان خمس جرامات، ست جرامات. فلو أن رجلاً أخرج مئة من الريالات من جيبه وجعلها صدقة لكفى ذلك وزاد، فلا حرج في أن يزيد ولكن لا ينقص عن ذلك.

ومسائل التفرقة بين الذكور والإناث تختلف باختلاف المذاهب. وهذا ليس من موضوعنا، لكن قد يكون فيه شيء من الفائدة؛ أن من أهل العلم من ذهب إلى أن الوالد إذا أراد أن ينفق على أولاده ذكوراً وإناثاً نفقة هدية، فالمشروع في حقه أن يعطي الولد مثل مثلي ما يعطي للفتاه، نزولاً عند قول الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. وهذا لا شك أنه خاص بالارث، قال عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] هذا في الإراث في سورة النساء.

لكن في الهدية؛ في حديث النعمان بن بشير بن سعد رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «أكل ولدك نحلته؟» قال: لا. قال: «فاشهد على هذا غيري فاني لا أشهد على جور». وقال عليه الصلاة والسلام: «أيسرُك أن يكونوا لك في البر سواء؟» قال: نعم. قال: «فكذلك في العطية». فما يصلح أنك تعطي للولد ألفاً من الريالات كهبة، والبنت أختَه تعطيها خمسمائة ثم تقول: اريدكم أن تكونوا في البر سواء. البنت تقول لك: لا، ما دام للذكر مثل حظ الأنثيين فأنا أعطيك نصف البر الذي يعطيك إياه أخي. والحديث واضح: «أتحب أن يكون لك في البر سواء؟ فكذلك في العطية». وهذه من الأمور التي فيها خلاف بين أهل العلم، والله أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب أحفاده، وكان كما جاء في الحديث الصحيح يعوذهما بالله عز وجل فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». ويخبر أن إراهيم عليه السلام كان يفعل ذلك مع أولاده، وكان يعلمهم الدعاء كما علم الحسن بن علي ماذا يقرأ في الوتر، والحسن كان ابن خمس أو ست سنوات، ومع ذلك كان يصلي الوتر، ويعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام الدعاء الذي ندعوه وهو المعروف: «اللهم اهدنا فيمن هديت» اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، إلى آخره. يعلمه الحسن وهو من خمس أو ست سنوات.

ونحن من رجالات من لا يحفظ هذا الدعاء ولا يعرف الوتر إلا في رمضان. فأي إسلام بقي عند الناس؟ ماذا بقي لنا من الدين؟ أبناؤنا وقد ناهزوا الاحتلام أو ربما بلغوا مبلغ الرجال ولا يعرفون الصلاة في المسجد، أحدهم لا يستيقظ لصلاة الفجر منذ أعوام وقد اتخذ الشيطان أذنه مرحاضاً، يبول في أذنه كل يوم يبول في أذنه كما جاء في الحديث. فأي تربية نفعلها نحن؟

أحفاد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يدخلون المسجد وهم أطفال صغار، لا كما يفعل البعض يقول: جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم. ما يوجد حديث مثل هذا، هذا حديث غير صحيح لا يصح، لكن الشيبان كبار السن يدندنون به إذا رأوا الأطفال. فكيف كان تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع الأطفال؟

كانوا يدخلون المسجد وربما يخطب يوم الجمعة فيقطع خطبته وينزل من على المنبر ويحمل أحدهم. عن أبي بردة رضي الله عنه قال: خطبنا النبي عليه الصلاة والسلام فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقوميان، يعني ما يحسنون المشي ابن سنتين وثلاث وأربع في هالدود، قال: فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: صدق الله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رايت هذين فلم أصبر من شدة وجدي وحبّي لأحفاده عليه الصلاة والسلام.

ولربما صلى عليه الصلاة والسلام وهو يحمل أمامة ابنة أبي العاص في الصلاة؛ إمام مسجد يصلي وهو يحمل حفيدته، فإذا ركع وسجد وضعها على الأرض، فإن قام حملها معه. هذا شيء عجيب، أين المسلمون من هذا الأمر؟

ربما ذهب يسجد في صلاة الجماعة فارتحل أحد أحفاده، يعني اتخذه راحلة ركب فوقه كما يركب الإنسان على دابته وهو ساجد، فيطيل السجود عليه الصلاة والسلام كي لا يعجله حتى يقضي حاجته هذا الطفل. جاء في بعض الروايات أنه من كثرة ما أطال السجود رفع الصحابه رؤوسهم خشية أن يكون قد مات، قد قُبِض، فوجدوا الحسن والحسين راكباً على رقبته وظهره. فلما قضيت الصلاة أخبرهم أنه ما أحببت أن أعجل على ولدي هذا حتى يقضي حاجته.

أين هذا التعامل وهذا الرقي وهذا الحب والحنان والشفقة من الصراخ والعويل وكثره المشاكل التي تحصل في مساجدنا لأن طفلاً فعل أمراً أو ذهب أو راح؟ هذا غير صحيح ولا يمت إلى السنة بصلة، مع التحذير إلى أن المساجد ليست ملاعب؛ ناتي بأبنائنا وأطفالنا الذين لا يحسنون التصرف ونتركهم يصرخون ويلعبون ويعيثون في الأرض فساداً. يجب على الوالد أن يبقي ولده بجانبه يربيه، أما إذا علم أنه دون السابعه ولا يحسن التصرف يبقيه في بيته. لكن بالمقابل إذا أتى أحدهم بولده ما تصرخ ولا تفعل منه يعني أمراً ما هو من السنة.

وكان عليه الصلاة والسلام شديد حب للحسن والحسين يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». ويقول وهو يحمل هذا وهذا على عاتقه، يقبل هذا عن يمينه وهذا عن شماله، يقول: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني».

ومع ذلك كان يربيهم على تجنب الحرام؛ لما أخذ الحسن تمرة من تمرات الصدقة وضع في فمه وهو صغير ابن سنتين ثلاث أربع سنوات، قال عليه الصلاة والسلام له: كخ كخ، ليطرحها. ثم قال له: «أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟». يعني سبحان الله، يربيهم حتى من نعومة أظافرهم على تجنب ما لا ينبغي من هذه الأمور المحرمة وأنها من أوساخ الناس وإلى آخره.

وقد جاء عن يعلى بن عامر رضي الله عنه أن الحسن والحسين جاء يسعيان إلى النبي عليه الصلاة والسلام فضمهما وقال محذراً الأمة: «إن الولد مجبنة مبخلة»، وفي رواية: «مجهلة محزنة». يعني هذا الولد إذا لم يتقي الإنسان ربه فيه ربما أدى به إلى أن يجبن عن القتال في سبيل الله خشية أن لا يربيه أحد، ربما يبخل عن النفقة في وجوه الخير خشية أن تقل النفقة على ولده، ربما يحزن إذا تأخر الولد إذا مرض إذا رسب في الاختبار، ربما أدى إلى أن يصاب الوالد بالجهل لتاخره عن حضور حلق العلم رغبة في أن يكون مع هذا الولد الذي يحبه؛ فهو فتنة من هذا الباب. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.