بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحدثنا في الدرس الماضي عن شيء من صور تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع العصاة والمذنبين، ونكمل إن شاء الله في هذا الدرس ذكر شيء من ذلك.
المعصية مكروهة، والمعصية ممقوتة للنفس، ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]، أي محرماً. لكن التعامل مع العاصي يختلف، فكراهتنا للمعصية لا للعاصي، ولذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له طريقة معينة وله حكمة وله توازن في التعامل. فكان يبين لنا دائما بشاعة المعصية وعظم إثمها عند الله عز وجل، وكيف أنها تكون محاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. المعصية أمرها عظيم، فكان تبيين شناعة وفداحة وبشاعة هذه المعصية دافعاً عظيماً للمسلم في أن يبتعد عنها.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكل»، وفي رواية: «الذي يعود أو يرجع في هبته». هذا مثل يبين شناعة وفداحة الأمر، ويبين لك كيف الرسول صلى الله عليه وسلم ينفر المسلم عن الوقوع في مثل تلك المعصية. جاء في أصل هذا الحديث أن عمر رضي الله عنه أوقف فرساً في سبيل الله عز وجل، فلما ضيعه صاحبه وعرضه للبيع أراد أن يشتريه، فنهاه عن ذلك ولو أن يجده بدرهم؛ لأنه خرج من طيب نفسه لله عز وجل فلا يرجع فيه.
أيضاً الحديث الذي تقدم معنا عن أبي أمامة رضي الله عنه؛ شاب يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام تتنازعه قوى الشر والعصيان والإيمان والحب لله ولرسوله في قلب واحد، فجاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا. الصحابة ثاروا عليه فقالوا: مه مه، اسكت، ماذا تفعل؟ فأشار إليهم عليه الصلاة والسلام أن دعوه، أنا أتفاهم معه. فقال له: «أترضه لأمك؟» قال: لا يا رسول الله، فقال: «فكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضه لأختك؟ أترضه لابنتك؟ أترضه لعمتك؟ أترضه لخالتك؟». كلام منطقي، لكن يبين له فداحة هذا الأمر وبشاعة المعصية. هذا الشاب الذي يتسكع في الأسواق يبحث عن أي ساقطة أو لاقطة كي يلهو بها ثم يتركها كما يترك الكلب العظمة إذا فرغ من اللعب بها، ماذا يفعل؟ أنت لو تأخذ بالكاميرا بالفيديو صور لهؤلاء الذين يتسكعون، ترى علامات الغفلة والبشر والضحك والسهو واللهو على وجوههم وهم والله في غفلة؛ يفرح أحدهم بالمعصية، لكن كلمة: يا فلان أترضاها لأمك، لأختك، لابنتك؟ قال: لا والله لا أرضاها. كيف إذن ترضاها لبنات الناس؟ تبيين شناعة وقبح المعصية كي يتجنبها الناس. ثم قال عليه الصلاة والسلام بعد أن وضع يده على صدره: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه».
الدعاء من أجمل ما تفتح به القلوب، حتى قلوب العصاة. كم من مرة تمر على مدخن -نسأل الله أن يعافينا وإياكم، وهي معصية من المعاصي- فإذ بالناس ربما يغلظون القول ويتكلمون بكلام، وانظر إلى تأثير من مر فسلم وقال: اللهم اغفر لهم وتب عليهم من هذه المعصية، وهم لا يملكون إلا أن يقولوا: آمين، آمين جزاك الله خيراً يا شيخ. إذاً الدعاء له أثر عظيم. كذلك أمنا عائشة عندما أخذتها الغيرة فقالت: حسبك من صفية أنها كذا وكذا، أي أنها قصيرة، فبين لها شناعة هذه المعصية عليه الصلاة والسلام وقال: «لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته». فكيف بها عند الله عز وجل؟ إن مياه البحر رخص لها في أن تمتزج بها تلك الكلمة لمزجته ولوثتها، فكيف بها عند الله في كتاب السيئات؟ أمرها عظيم، الغيبة أمرها عظيم.
كذلك الرسول عليه الصلاة والسلام يبين لنا شناعة وعظم إثم ترك الصلاة مع الجماعة في المسجد. زمان كنا نطلب من الناس أن يقوموا الليل وأن يحافظوا على السنن وأن يصلوا في الصف الأول، مع تأخر مستويات الإيمان في القلوب الآن، أصبحنا نرضى بأن يصلي الإنسان في المسجد ولو جماعة ثانية أو ثالثة، وسيأتي زمان نطالب الناس فيه فقط بالصلاة في بيوتهم ولو فرداً أو فردين، وهذا والله نذير شؤم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم». الحديث أمر عظيم، ترك الصلاة معصية قبيحة وإثم عظيم. ترك الصلاة في المسجد يبين لنا عليه الصلاة والسلام عظم هذا الإثم بأنه كاد أن يحرق بيوتهم. جاء في رواية: «ولولا ما في البيوت من الذرية والنساء لفعلت»، يعني السبب الذي منعه وجود الذرية ووجود أصحاب الأعذار من الذين لا تجب عليهم صلاة الجماعة.
وفي هذا الحديث رد على أولئك الكتاب والصحفيين الجهلة الذين يلومون رجال هيئة الأمر بالمعروف أنهم يخرجون لدعوة الناس إلى الصلاة بسياراتهم وميكروفوناتهم وهم لا يصلون؛ شوف هذا الجاهل عدو نفسه، الحديث الرسول يقول: أنا هممت أني آمر الصلاة فتقام وأنا ما أصلي معهم، أذهب لكي أعاقب أولئك الذين لا يصلون، إذاً هذه شعيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرخص له في ترك الصلاة مع الجماعة لنفع أكبر وأعظم على الأمة ولدفع الضرر الأخطر عنها بإتيان بذلك المتخلف عن الصلاة وإجباره على الصلاة مع الجماعة.
من كان له شعر فليكرمه، توجيه نبوي بإكرام الشعر والاهتمام به؛ فالشعر زينة وجمال، جمل الله به النساء وزين به الرجال. وقد جاءت الشريعة بشموليتها فجعلت لشعر المسلم على اختلافه وتنوعه أحكاماً، منها ما يكون حلقه أو تقصيره طاعة وقربة إلى الله تعالى، ومن ذلك حلق رأس الصبي في السابع من ولادته، حلق الرأس أو تقصيره من نسك الحج والعمرة، حلق رأس الكافر إذا أسلم، نتف الإبط وقص الشارب، حلق العانة. عن أنس بن مالك قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من 40 ليلة.
ومنها ما يكون الحلق فيه محرماً، ومن ذلك: حلق شعر الرأس تديناً في غير المواضع المذكورة وهو بدعة، حلق الرأس عند المصيبة، حلق الشعر على سبيل التشبه بالفساق أو الكفار، حلق الشعر على سبيل تشبه النساء بالرجال، حلق شعر اللحية، النمص. ويحظر حلق الشعر أو تقصيره مؤقتاً في حالين: الإحرام بحج أو عمرة حتى التحلل، ودخول ذي الحجة للمضحي إلى أن يذبح. ومنها ما يكون الحلق فيه مكروهاً، ومن ذلك القزع وهو حلق بعض الشعر وترك بعضه، إلا أن يكون تشبهاً بأهل الفسق فيحرم. ومنها ما يكون الحلق فيه مباحاً، ومن ذلك حلق شعر الرأس من مرض أو أذى، حلق سائر شعر الجسد سوى ما جاء الشرع بإعفائه، قص المرأة شعرها للتجمل والزينة من غير تشبه ممنوع، لما ثبت أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة، ولا فرق في ذلك بين الشيخ والشاب أو الرجل والمرأة. ولا حرج في صبغ الشعر قبل وجود الشيب ما لم يكن على سبيل التشبه بالكفار أو الفسقة، فإنه يحرم. عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة.
هو الرحمة المهداة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ومع ذلك فالحكمة هي وضع الشيء في مكانه لا تضعه في مكان آخر، لذا كان عليه الصلاة والسلام يوازن بين المصالح والمفاسد. يأمرنا بالرفق، ويرفق هو مع المخالف ومع العاصي ومع الجاهل، لكن في بعض الأحيان تكون من الحكمة أن يستخدم أسلوباً فيه شيء من الشدة، ومن ذلك مبدأ الهجر في الإسلام.
فالهجر موجود في كتاب الله عز وجل، وهو كذلك موجود في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. الرسول عليه الصلاة والسلام عندما تخلف ثلاثة من أصحابه من أهل بدر تخلفوا عن غزوة تبوك بلا عذر، أمر أصحابه أن يهجروهم فلا يكلموهم ولا يخالطوهم 50 يوماً، ومنهم كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه شاعر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً الهجر هذا موجود في شرع الله عز وجل للعاصي للمذنب. الله سبحانه وتعالى أمر الرجال بهجر المرأة المتعالية التي ارتفعت ونشزت وعصت، فإما أن تكون عصت زوجها أو تكون آذت أهله بلسانها أو تكون قد ملأت بيته نكداً ومضايقة، فهذه خالفت أصل عقد الزواج والسكينة والرحمة والمودة.
الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]، ابدأ بالوعظ بالتذكير بالله وبالتخويف من عقابه وبتعليمها حق الزوج الذي أورده النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، فعظوهن. طيب ما نفع؟ ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، إذاً الهجر ما يكون إلا في البيت، يعني ما تخرج من البيت لا، أهجرها في المضجع، تعطيها ظهرك في الفراش لا تتودد ولا تتحبب إليها. قال أهل العلم: على ألا يزيد أكثر من شهر، فإن زاد أكثر من شهر فلا بد أن يذهب إلى الجزء الثالث، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. وهذا الضرب كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وكما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: ضرب لا يكسر عظماً، ولا يؤثر في لون الجلد باحمرار أو خضرة أو لون من نحوه، ولا يسيل دماً. طيب أيش الضرب هذا؟ ذكر ابن عباس أنه ضرب بالمسواك، المسواك ما يؤثر ما يؤذي، قال أهل العلم: ليس الغرض الإيذاء ولا العقوبة إنما الغرض التأديب، الإيلام النفسي، أنه بعد الوعظ هذا الذي وعظت إياه شهراً كاملاً ثم هجرتك شهراً كاملاً، الآن ما بقي إلا الفراق، وهذا الضرب لعل أن تستيقظ مشاعر الحنان والحب التي كانت بيننا وتجعلك تعودين إلى رشدك، فأنت التي نشزت وأنت التي خرجت عن الطاعة، ولذلك هذا الضرب إنما هو للإصلاح، وآخر العلاج الكي كما يقولون، فهجر هذا شيء شرعي.
كذلك هنالك هجران العاصي الذي تجاوز الحد. عبد الله بن الزبير بن العوام أول من ولد في الإسلام كما يقال، وهو ابن أسماء بنت أبي بكر وهي من هي الصديقة رضي الله عنها، وأبوه الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة، خالته أمنا عائشة أم المؤمنين، وكانت تكنى باسمه فيقال لها بأم عبد الله وهي ما عندها أطفال، وهي معروفة بشدة الكرم والبذل والجود. لما كان والياً على الحجاز كان يدفع إليها الصلة من بيت المال، أم المؤمنين فكانت تأتيها الأموال والهبات فلا تمر عليها ساعة إلا وقد فرقتها. فسمع بذلك ذات يوم، فلما سمع أنها صرفت 80 ألفاً في أقل من ساعة قال: والله لتنتهي عائشة أو لأحجرن عليها. فبلغت تلك المقولة عائشة خالته وأم المؤمنين، ويتكلم بهذا الأسلوب؟ قالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله علي نذر ألا أكلم ابن الزبير أبداً. شوف الهجر على أصوله، فأرسل الشفعاء واستشفع وطالت الهجرة عليه وهي تائب أبداً ما أكلمه، يقول هذا الكلام أنا أم المؤمنين وأنا خالته!
فاحتال بحيلة، طالت الهجرة وهذه خالته يحبها وهي كلمة خرجت منه حرصاً منه على مالها لا عن شيء. فلما طال عليه الزمن كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على أم عائشة؛ فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فجعلوه في أرديتهم، يعني كأنهم بجلباب كبير وهو بينهما، وقرع الباب وقال: يا أم المؤمنين أنا أدخل؟ قالت: ادخلوا. سمعت صوت المسور وسمعت صوت عبد الرحمن، فقالت: ادخلوا. فقالوا: كلنا. طبعاً هي فهمت أنه هو، قالت: كلكم. فدخلوا البيت، ولما دخلوا البيت طبعاً أمنا عائشة تكلمهم من وراء حجاب ما يرونها ولا تراهم. اخترق عبد الله بن الزبير الحجاب لأنها محرم له وهو محرم عليها وهي خالته، واعتنقها وهو يقول لها ويبكي: يعني اتقي الله يا خالة وأنا آسف وأنا كذا وأنا كذا، يناشد ويبكي، والمسور وعبد الرحمن يناشدان من خلف الحجاب ألا كلمته ويقولان لها: قد علمت ما قال عليه الصلاة والسلام من الهجرة؛ فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. فلما أكثروا من التذكير عليها والتحريش، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد. فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك 40 رقبة، وكلما تذكرت تبكي حتى تبل دموعها خمارها. إذاً الهجر له أصل في ديننا، لكنه ليس هجراً لأنه ما عزمني على عقيقة ابنته، وليس لأنه لم يدعني إلى فرح ولده أبداً، الهجر لأمور شرعية، غيرة للإسلام وللدين.
كذلك هجر عبد الله بن عمر ابنه، تخيل! يتحدث عبد الله بن عمر يقول: الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها»، فقام بلال بن عبد الله ولده من غيرته قال: والله لنمنعهن، يعني يا أبي أما ترى ما يفعلون من قلة حياء ومن اختلاط ومن تكشف ومن كذا؟ لكن مقولته هذه كانت خطأ، الرسول يقول: لا تمنعوا نساءكم، وأنت تقول: والله لنمنعهن؟ فأقبل عليه عبد الله بن عمر على ولده يسبه سباً شديداً سيئاً ما سمعت منه مثله قط أبداً.
ما سمعنا هذا السب من عبد الله رضي الله عنه على ابنه، يقول: أخبرك عن رسول الله وتقول: والله لنمنعهن؟ فضرب في صدره، وقال: لا أكلمك بعد اليوم. إلى أن جاء عبد الله الوفاة، وهو على مرض موته، وولده بلال يستسمح، مات عبد الله وهو لم يصفح عن ابنه؛ لأنه اعترض على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام.
انظر سبحان الله؛ لأنه اعترض على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام. كم اليوم من الكتاب والصحفيين وهؤلاء الذين يسمونهم المثقفين؟ كم منهم من يعترض على كتاب الله؟ كم منهم من يعترض على أحكام الله؟ كم منهم من يتحدث في أمور ليس له أن يتحدث فيها، وما هم إلا كأمثال الرويبضة، وهو الرجل التافه الذي يتحدث في أمور العامة؟
وصية الله لعباده قرن حقهما بحقه، وشكرهما بشكره، أمر ببرهما ونهى عن عقوقهما، إنهما الوالدان. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. والبر بالوالدين يعود نفعه على الولد البار بثمرات وفوائد، منها: تحصيل مرضاة الله تعالى، إطالة العمر، وزيادة الرزق، واكتساب بر الأبناء في المستقبل، فالجزاء من جنس العمل، وتكفير الذنوب والخطايا.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت ذنباً عظيماً فهل لي توبة؟ قال: «هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها».
وللبر صور وأشكال؛ منه ما يكون في حياتهما كأحسن القول إليهما، وخفض الصوت عندهما، وطاعتهما فيما يأمران به، وتعليمهما ما يحتاجان إليه، واستئذانهما عند السفر، وإظهار التقدير والاحترام لهما، وتقبيل أيديهما ورأسيهما، والسعي في إرضائهما وتحمل المشاق في سبيل ذلك. ومنه ما يكون بعد وفاتهما، كالدعاء لهما، والاستغفار لهما، وقضاء دينهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام أصدقائهما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي».
الهجر فيه حظ للنفس عظيم. كيف؟ فلان من الناس قريب صاحب فعل معصية، أسهل شيء عندي أنا أني أهجره؛ لماذا؟ لأن الترك أصعب من الفعل، وأنا ما لي خلق، ما لي مزاج وطولة بال أني أجلس أتحدث معه وأنصحه وأصبر على أذاه، أهجره والله لا يرد كما يقولون، وهذا خلل وخطأ؛ لأن الحكمة وضع الشيء في مكانه.
فالهجر لا يفعله المسلم إلا إن كانت من ورائه فائدة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ أخاه أو صاحبه بالسلام». ويقول: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» صححه الشيخ الألباني. أمر عظيم، كم من الإخوة الأشقاء من هجر أخاه فوق السنة على خلاف في ميراث، أو على خلاف في تزويج ولد أو بنت، أو على خلاف تافه لا يستحق هجر الأجنبي عنك، أخوك في الإسلام سنة كسفك دمه، فكيف بهجر من هو من قرابتك أو من دمك؟ فلا يجوز أن تهجر إلا إن كانت هناك مصلحة دينية. بمعنى إذا في رجل على معصية ونصحته فلم ينتصح، لو هجرته كان ذلك بليغ الأثر عليه؛ بمعنى أنه ربما شعر بالندم، وربما جعله ذلك يفكر في عمله وينتهي عن معصيته، إذا هجر في حال هذا الرجل مطلوب. لكن لو أني هجرته فالتف حوله رفاق السوء وزاد في غيه وطغيانه ومعصيته لعدم وجود من يذكره بالله عز وجل، آنذاك لا، الهجر هذا يصبح ممتنعاً.
من تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع العصاة أنه كان يغير المنكر، ولو كان التغيير هذا باليد: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، أول شيء، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذاً هذا التغيير باليد أيضاً من طرق وسبل التعامل مع العصاة، لكن لمن يكون؟ أمشي في الشارع أجد محل فيديو يبيع أفلاماً وقديمة، أنا معلش، محلات سيديز ودي في ديز وكذا أفلام وأغاني، أقوم أكسر هذا المحل أو أحرقه؟ أعوذ بالله، أنا آثم عاصي وأستحق العقوبة. طب هذا منكر؟ نعم، لكن أنت ليست لك سلطة على تغيير المنكر باليد.
فالتغيير باليد يكون لمن له ولاية، إيش يعني له ولاية؟ يعني يكون من الشرطة، يكون قاضياً شرعياً، يكون أميراً للمنطقة، يكون ولي أمر المسلمين، هذا المسؤول والمناط المسؤول برقبته، والذي سوف يحاسب يوم القيامة عند الله عز وجل. أما أنا وأنت ما لنا شغل باليد، وإن فعلنا أدخلونا السجن وتستاهل. لكن اللسان أقدر عليه، فإذاً اليد لا تكون إلا لمن له ولاية. أنا لي ولاية على ولدي، لي ولاية على بنتي، لي ولاية على زوجتي، لي ولاية على الموظفين الذين هم في شركتي أو تحت مسؤوليتي وإدارتي. فإذاً مسألة التغيير باليد هذه لا بد لها من فقه عظيم.
أبو هياج الأسدي رحمه الله يقول: قال لي علي رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؟ إذاً الرسول ولي أمر يبعث علياً، وهنا علي خليفة وأمير المؤمنين يبعث أبا هياج. إيش بعثك عليه؟ قال: «ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». إذاً أمر على صورة، على تمثال، على صنم يعبد، على وثن يعظم؛ أزله باليد، ولي الأمر لك. الحين أنا وأنت ما يجوز؛ لأننا من عامة الشعب.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة» الحديث المعروف. فالذين في أعلى السفينة إذا سمعوا بأن إخوانهم في أسفلها يريدون أن يخرقوا خرقاً ليستقي الماء، لو تركوهم غرقوا، غرقوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم، آه هنا غيروا المنكر باليد، هذول سيغرقوننا نحن جميعاً. وهذه سفينة المجتمع، العصاة أهل الذنوب والمنكرات، إن نحن تركناهم وقلنا حرية شخصية، البلد كلها تتدمر، رضي بذلك من رضي وسخط بذلك من سخط، لا بد أن يؤخذ على يد هذا العاصي المذنب الذي يريد نشر المنكرات، لكن بالحكمة وبمعرفة كيفية التعامل مع هؤلاء.
أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عن أمنا عائشة، لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه، وفي رواية إلا قضبه. أي شيء فيه تصاليب كان ينقضه، والنقض هو أن يزيل الصورة من الثوب بدون أن يتأثر الثوب، أما القضب فهو أن يمزق ويقطع الثوب القماش. كم من بيوتنا الآن فيها هذه الصلبان؟ بل للأسف كم من مساجدنا على السجاد ترى بعض الأحيان صليباً صريحاً. الرسول ولي الأمر في بيته، يا أخي أنت في بيتك في تماثيل، أنت في بيتك في منكرات، ماذا فعلت فيها؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بيده، وهذا ما يجب عليك أن تفعله.
دخل بيته ذات يوم فوجد فيه قراماً، وهذا القرام يعني زي الستارة فيه صور، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، غير بيده عليه الصلاة والسلام وقال: «من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور».
فضل بن العباس ابن عمه رضي الله عنهما خلفه على ناقته في الحج، تأتي امرأة خثعم كاشفة عن وجهها، وتسأل النبي عليه الصلاة والسلام سؤالاً، والفضل ينظر، والرسول يجعل يده على خده يشيح بوجهه إلى الاتجاه الآخر، ويرجع مرة ثانية، الفضل ينظر والرسول يفعل ذلك به مراراً. فقال عباس: يا رسول الله ما لك لويت عنق ابن عمك؟ قال: «رأيت شاباً وشابة فخفت الشيطان عليهما».
سبحان الله، كيف بما يحصل في بيوتنا؟ بيوت أولادنا، غرف أولادنا وبناتنا، التلفزيون موجود، والريسيفر موجود، والرجل والولد والبنت يخلون بهذه المعصية، من الذي سخرها لهم؟ من الذي أعطاها لهم؟ هذا ولي الأمر، ماذا يشاهدون؟ قنوات العري والفساد والإفساد، قنوات عربية بأموال محلية، تعلن فيها إعلانات والله يندى لها الجبين، امرأة شبه عارية تغسل جسدها بالصابون وترى عورات مغلظة، ما الذي يحصل؟ أفلام، مسلسلات تركية، مكسيكية، إسبانية، كورية، بكره نيجيرية، كل قاذورات العالم تلقى علينا ونحن ندخلها بيوتنا. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «رأيت شاباً وشابة فخفت الشيطان عليهما»، وهما فين؟ وهما في الحج ومع من؟ مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكيف بحال أبنائنا؟
المعصية أيها الأحبة أمرها شنيع فظيع عظيم، نسأل الله عز وجل أن يسترني وإياكم في الدنيا وفي الآخرة، وأن لا يفضحنا، وأن لا يعرضنا لهذه الفتن، وأن يجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم