تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - تعامله ﷺ مع أبنائه وبناته

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

النبي صلى الله عليه واله وسلم هو الرحمة المهداة، وهو الأسوة والقدوة لنا كمسلمين وللبشر عامة أجمعين. كيف كان يتعامل مع فلذات كبده؟ كيف كان يتعامل مع أبنائه وبناته؟ لا شك أنه صلى الله عليه واله وسلم وهو سيد البشر، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، كان الكمال البشري في هذا الموضوع، كان يفيض حنانا وحبا ورحمة وشفقة، ولم يكن يجد غضاضة من أن يظهر تلك المشاعر على الملأ، لا كما يفعل الكثيرون منا من عدم إظهار المشاعر، من جفاف وبرود المشاعر تجاه أبنائهم وبناتهم.

لكن كم كان للنبي صلى الله عليه واله وسلم من الذرية؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان له من الذكور ثلاثة ومن البنات أربع. فاما الذكور فكان هنالك القاسم وبه يكنى عليه الصلاة والسلام، وقد مات وهو ابن سنتين وبضع أشهر، واما ابنه الثاني فهو عبد الله، ويعرفه باسم الطيب أو الطاهر، وولد بعد النبوة ومات أيضا وهو صغير بمكة. واما الثالث فهو إبراهيم، وأمه مارية القبطية، ومات بالمدينة سنة عشر وهو ابن سنة ونصف، واختلف المؤرخون في عمره ولكن هذا هو الأقرب إلى الصواب.

اما البنات فكانت أمهن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، كما كانت هي أم القاسم وعبد الله، وعليه فلم يكن للرسول عليه الصلاة والسلام من ذرية إلا من خديجة باستثناء إبراهيم الذي كانت أمه مارية القبطية. كبرى بناته عليه الصلاة والسلام هي زينب، تزوجها ابن خالتها هالة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، تزوجها أبو العاص بن الربيع. اما رقية فهي ابنته الثانية، تزوجها في الجاهليه عتبه بن أبي لهب وطلقها بناء على أمر والده، وقد أهلكه الله مشركا كافرا، فأبدلها بتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه. هاجرت معه إلى الحبشة ثم هاجرت معه إلى المدينة، ومرضت أثناء تجهز النبي عليه الصلاة والسلام لمعركة بدر، فأمره عليه الصلاة والسلام بالبقاء معها وماتت في رمضان أثناء معركة بدر.

اما ابنته الثالثة عليه الصلاة والسلام فهي أم كلثوم، تزوجها عثمان بن عفان بعد أن ماتت أختها رقية ومكثت عنده زمنا ثم ماتت عند عثمان بن عفان، فعثمان رضي الله عنه وأرضاه يلقب بذو النورين لأن الله أكرمه بالزواج من ابنتين من بنات النبي صلى الله عليه واله وسلم، وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام: «لو كانت عندنا ثالثة لأعطيناها لعثمان».

واما ابنة النبي صلى الله عليه واله وسلم الرابعة وهي الأصغر هي فاطمة، وهي أحب بناته إليه صلى الله عليه واله وسلم، وقد أخبر أنه قد كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، ومنهن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم ورضي الله عنها، وهي من سيدات الجنة كما جاء في الحديث. ولدت عندما كان النبي عليه الصلاة والسلام له من العمر إحدى عشرة سنة، وماتت بعده بستة أشهر، وقد تزوجها ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب، توفاها الله وهي ابنة اثنتين وعشرين سنة ونصف تقريبا.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع أبنائه وبناته بما ينبغي لكل على كل مسلم أن يفعل ذلك وأن يحذو حذوه صلى الله عليه واله وسلم، فكان يتخير الأسماء الحسنة. جاء في بعض الأحاديث وفيها ضعف أن عليا رضي الله عنه وأرضاه كان يريد أن يسمي أبناءه الثلاثة الحسن والحسين ومحسن بحرب، وكان عليه الصلاة والسلام يغير الاسم إلى الحسن والحسين ومحسن وهي اسماء حسنه جميلة، خلافا للحرب أو الضرار أو الأسماء هذه التي فيها شيء من الغلظة، لأن الرسول كان يتفاءل بالأسماء الحسنة عليه الصلاة والسلام. الإمام سفيان الثوري رحمه الله يقول: حق الوالد على ولده أن يحسن اسمه، وأن يزوجه إذا بلغ، وأن يحسن تأديبه، هذه من حقوق الابناء على آبائهم.

كذلك سمى النبي عليه الصلاة والسلام ابنه إبراهيم، عن أنس رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين أصبح وقال: «انه ولد لي الليلة ولد واني سميته باسم أبي إبراهيم». وانت إذا قارنت بين تسمية النبي عليه الصلاة والسلام لبناته وأبنائه تلك الأسماء الجميلة وبين ما يفعله البعض من المسلمين في هذه الأيام لترى بونا شاسعا عجيبا. بعض الناس يحرص على اختيار الأسماء الغريبة التي لم يسمي أحد منهم أحدا قبله، فتسمع أسماء ليست بالعربية، تسمع بأسماء ليس لها أي معنى تماما، وهذا من الشؤم على الطفل أو الولد الصغير. بعضهم ربما يسمي بأي اسم يجده في القرآن أو بأي كلمة يفتحها، فمن يسمي ابنه بالزقاق قال لأنه موجود في القرآن، وبعضهم سمى ولده نكتل وعندما سئل لماذا قال: هذا أخو يوسف ﴿وَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، وهذا من الجهل لا شك. لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتخير الأسماء الطيبة المباركة الحسنة لابنائه وبناته.

فاصل قصير وبعدها نواصل فانتظرونا.

الاستخارة هي طلب الاختيار من الله تعالى عند الإقدام على الأمور المهمة والتي لا يدري الانسان وجه الخير فيها. اما ما كان معروفا خيره أو شره كالعبادات والمهلكات فلا فيه الاستخارة. والحكمة من الاستخارة التسليم لامر الله والالتجاء اليه سبحانه للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ولا شيء أنفع لذلك من الصلاة والدعاء لما فيهما من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه.

اما كيفيتها فقد ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «اذا هم احدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم اني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك واسالك من فضلك العظيم فانك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وانت علام الغيوب. اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر -ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. وان كنت تعلم أن هذا الامر -ويسمي حاجته- شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرف عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني».

وعلى المستخير ألا يتعجل الإجابة، ويجوز له أن يكرر الاستخارة بالصلاة والدعاء. ومن علامات القبول في الاستخاره انشراح الصدر وتيسير الأمر ولا يشترط أن يرى رؤيا، وأما علامة عدم القبول فإن يصرف الانسان عن الشيء ولا ييسر له فلا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلقا به، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

النبي صلى الله عليه واله وسلم أكثر تعامله كان مع بناته؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحظى بالولد الذي يعيش معه فيربيه، ولذلك كانت قريش تعيره بأنه أبتَر لا عقب له عليه الصلاة والسلام، ورد الله ذلك على كل من انتقص من الرسول بقوله عليه الصلاة والسلام بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكواتر: 3]، مبغضك يا محمد هو المقطوع الذكر والنسل.

فالرسول عليه الصلاة والسلام كان تعامله مع إناث من البنات، ولذلك جاءت السنة المطهرة بالاحسان إليهن، قال صلى الله عليه واله وسلم: «من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار»، جاء في روايات ثلاث واثنين وواحدة. فإذا هذا فضل من الله عز وجل أن يكون كالتستر لمن ابتلي بالاناث، لا أن الاناث بمعنى انهن لعنة أو أنهن يعني نقص، أبدا وحاش وكلا، والا لما أوتي الرسول عليه الصلاة والسلام من الذرية البنات، لكن المشقة في تربيتهن والاحسان إليهن وعدم انتظار النفع مثل ما ينتظر من الذكر الولد، هذا لا شك أنه موجود.

والوالد من واجبه أن يححسن اختيار الكفء لبناته، وهذا ما فعله عليه الصلاة والسلام إذ زوج بناته الأربع من الاكفاء من الرجال: أبو العاص بن الربيع، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب. والرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يفعل ما يفعله البعض من المسلمين اليوم من اجبار بناتهم على التزوج بمن لا يرغبن فيه. الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستشير بناته وكان يأخذ رأيهما، كما جاء في الحديث أنه قال لفاطمة: «ان عليا ذكرك»، يعني يخبر فاطمة ترى علي تقدم لخطبتك، تقول فسكتت، والسكوت هو علامة الرضا كما يقال، فسكتت استحياء فزوجها النبي عليه الصلاة والسلام لعلي؛ لأنه كما أخبر في حديث أنه: «لا تنكح البكر حتى تستأمر وتستأذن، وأذنها صماتها» يعني أن تسكت هذا أذن منها لأنها جبلت على الحياء والخفر.

لا كما تفعل فتيات اليوم إلا من رحم الله عز وجل من يعني امور قد ما تكون محمودة، نعم ربما تسال ربما تستفهم، لكن أن تشترط الفتاة الآن ولا بد أن يكون راتبه كذا وعنده سيارة ويأتيني بشغالة وسائق ويفعل ويأخذ، وتشترط شروطا ما تصدر عادة من البكر التي جبلت على الحياء، هذا لأن الكثير من الفتيات والعياذ بالله والفتيان من باب أولى قد نزع الحياء من وجوههم، وهذا من أثر الإعلام الفاسد والتربية التي أوكلت مهامها إلى الشغالات والخادمات، لا يوجد الآن ذاك الحياء الذي تزدان به المرأة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت».

كان عليه الصلاة والسلام يتساهل في مهور بناته ولا يطلب الغالي والنفيس ولا يتشرط. زوج عليا بأيش المهر؟ درع حطمي، قيل حطمي لأنه تتحطم عليها السيوف من جودتها وقوتها، وقيل غير ذلك، علي ما كان عنده شيء سوى هذه الدرع فأعطاها مهرا وصداقا لفاطمة وقبل بذلك. النبي عليه الصلاة والسلام لماذا قبل بذلك؟ لانه هو القائل: «ان أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا»، وقال: «أيسرهن مؤنة». التخفيف في المهور، التخفيف في حفلات الزفاف، هذا مما يشجع الشباب على الزواج ويطرح البركة في هذا البيت بيت الزوجية، وما كان عليه الصلاة والسلام يثقل كاهل المتقدم للزواج بالطلبات المادية وبالشروط كما يفعل الكثيرون للأسف الشديد. الشقة لابد أن تكون كذا، والفرش لابد أن يكون من المكان الفلاني، وأقل عدد للغرف كذا، ولابد أن يكون الفرح في المكان الفلاني، ومصاريف وتكاليف قد يشقى هذا الزوج بدفع الديون سنوات عديدة ولا يترك ذلك أثرا من الحب في قلبه تجاه زوجته، بل ربما أدى إلى بغضها ومقتها كلما تذكر المال الذي دفعه في مقابل هذه الزيجة، إذا البركة تذهب وتنمحي.

الصلاة والسلام يعين ويساعد، كونه كوالد ما كان يقف كالمتفرج، زوجني النبي عليه الصلاة والسلام بفاطمة، بعث معها -شوف الرسول الذي بعث عليه الصلاة والسلام اللي سموه في بعض البلاد الجهاز- بعث معها بخميصة ووسادة أدم -يعني من جلد- حشوها ليف، ورحى -الرحى ما الذي يستخدمه في طحن الحب- وسقاء وجرتين. إذا هذا كله بعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى فاطمة أو مع فاطمة إلى بيت الزوجية، وهذا يعني لا شك أنه توجيه للآباء أن يعينوا أزواج بناتهن، خاصة إن كانوا فقراء يغنيهم الله من فضله أو كانوا حديثي تخرج من جامعة أو على رأس العمل يعني في بداية المشوار، لا شيء لا حرج في أن يساعد الوالد بغسالة، بثلاجة، بشيء من جهاز البيت من باب المعونة.

لا كما يفعل في بعض البلاد حيث يقومون بدفع المهر والجهاز إلى الرجل، والرجل لا يتكلف شيئا، وهذا موجود في بلاد الهند وكثير ما يعاني الناس المسلمون هناك من هذا الأمر، والد الزوجة هو الذي يدفع المهر وهو الذي يدفع أثاث البيت وربما اشترى شقة وألزم بإهدائها للزوج واشترى له سيارة والزوج يتشرط، لا شك أن هذا محرم وأن هذا أمر باطل لا يجوز فعله ولا الإقرار أن يقر عليه هذا الزوج.

الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب بناته وكان حبهم يشغل تفكيره صلى الله عليه واله وسلم. ففي معركة بدر كما تقدم عندما مرضت رقية أمر الرسول عليه الصلاة والسلام عثمان أن يتخلف عن المعركة، وليس ذلك فحسب بل أخبره وبشره بان له اجر من شهد بدرا وضرب له بسهم كمن قاتل في بدر، وهذا من حبه عليه الصلاة والسلام و يعني حرصه على مصلحة ابنته رضي الله عنها وأرضاها.

وكوالد للزوجة لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام بمعزل عن الخلافات الزوجية التي تحصل في كل بيت، لكنه لم يكن يتدخل في هذه الخلافات اليسيرة التي تحصل بين أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. صح أنه دخل على فاطمة ذات يوم فسألها عن علي فقالت له: كان بيني وبينه شيء -يعني مشاده- فخرج مغاضبا ولم يقل -يعني ما نام القيلولة- فذهب يبحث عنه عليه الصلاة والسلام فوجده في المسجد قد سقط رداؤه عنه والتصق التراب بجسده، فجعل عليه الصلاة والسلام يمسح عنه التراب ويقول له: «قم أبا تراب، قم أبا تراب». القصة هذه فيها فوائد عظيمة، ولعلنا نؤخرها إلى بعد الفاصل فابقوا معنا.

والحيوية وتبني الجسم وتقويه وتحصن من الإصابة بالأمرض، كما أنها علاج للاضطرابات النفسية والقلق والتوتر، وباب لملء الفراغ في النافع المفيد.

وعلى الجانب الأخلاقي، فهي تنمي روح التعاون والمنافسة الشريفة واحترام الآخرين. والأصل في الرياضة الإباحة، أما إذا كانت لأهداف وغايات محمودة؛ كتقويم وتنشيط النفس للقيام بالواجبات الشرعية أو مجاهدة العدو، فإنها ترتفع من مستوى الإباحة إلى مستوى الاستحباب.

ولأن الإسلام منهج حياة، فقد وضع للرياضة ضوابط تعصم من الانحراف عن مقاصدها الأصلية. من هذه الضوابط: مراعاة المقصد الحسن عند ممارستها؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». ووجوب ستر العورات والبعد عن مواطن إثارة الغرائز. وعدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو يغلب على الظن تحققه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».

وكذلك ألا تلهي عن واجب شرعي كالصلاة والصيام. والبعد بها عن المكاسب المحرمة كالقمار والمراهنات. وعدم الاختلاط بين الجنسين. وألا يغلب عليها التعصب بأن يبنى عليها ولاء أو براء. وعدم إيقاع الأذى المقصود بالمخلوقات، كاتخاذ الطيور أهدافاً للتدريب أو تعذيب الحيوانات أو التحريش بينها بقصد اللهو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».

السلام عليكم ورحمة الله. قبل الفاصل ذكرنا ما حصل بين فاطمة وعلي وذهاب علي إلى المسجد. الآن النبي عليه الصلاة والسلام عندما سأل عن علي وأخبرته عن المشادة، ما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن التفاصيل وما سأل عن سبب الخلاف. عادة الإنسان يحب أن يعلم من الظالم من المظلوم، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك. بل على العكس؛ كثير من البنات يقلن: أنت يا أبي لا تقف بجانبنا، لا تنصرنا، لا تفعل كذا، لا تفعل كذا. بعض الرجال، بل بعض الأمهات أيضاً -إن لم يكن كل الأمهات- يأخذن جانب البنت: هذه فلذة كبدي، هي على صواب حتى لو كانت ظالمة وحتى كانت مخطئة، ويحصل مشاكل.

الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، ذهب إلى المسجد يبحث عن علي وهذا عجيب. قد يقول الإنسان: أنا لي كرامة، أنا لا يمكن أن أنزل إلى هذا المستوى، هو الذي أخطأ هو الذي يعتذر. الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى علي ليسترضيه، مسح عن كتفه وظهره التراب، ناداه بكنية جديدة: أبا تراب أبا تراب. علي يقول: هذه أحب إلي من أبي الحسن، لأن الرسول أطلقها عليه. ومع ذلك لم يعاتبه صلى الله عليه واله وسلم على إغضابه لأحب بناته إلى قلبه فاطمة سيدة أهل الجنة، على الرغم من منزلتها عنده لم يعاتبه على فعله أو يستفسر من علي ولم يساله: لماذا وأنا آتيك بحقك وأنا أبدا وعلى مكانة الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى مكانة فاطمة، مع ذلك ما فعل أي شيء من هذا الأمر.

ويستفاد من هذا الحديث أن الزوج إذا غضب ووجد أنه إذا كثرت المشادة وحدة النقاش علت وزادت وأدت إلى مشاكل أكبر، فلا شك ولا ريب أن الأفضل في حقه أن يترك البيت. اخرج؛ حصلت مشادة أحسست أن الجو بدأ يغلي، لا تجلس في البيت، اخرج ساعتين ثلاث ساعات إلى أن تهدا وتفكر بشكل سليم وهي تهدا كذلك؛ لأن الذي حصل عليه هو الذي غضب.

ولم تغادر فاطمة أو تترك البيت كما يفعل كثير من النساء، أول ما تزعل تاخذ شنطتها وتذهب إلى بيت أبيها، ربما يصبر الزوج مرة مرتين المرة الثالثة يقول لها: اجلسي عند أبيك فأنت طالق، وهي التي أدت إلى هذا الأمر. ما ينبغي للمراه أن تترك بيتها حتى وإن طلقت، كما قال عز وجل في سورة الطلاق: ما تترك البيت. ولا شك أن هذا الحديث فيه دور الأهل في معالجة المشاكل التي تحصل بين الزوجين، كثيراً ما يؤدي تدخل الأهل إلى عواقب لا تحمد عقباها، تزداد المشاكل وتخرج كلمة من فم أم الزوج أو أم الزوجه أو تصرف من هنا أو من هناك وربما لا يمكن إصلاحها.

النبي عليه الصلاة والسلام بلا شك ولا ريب كان يحب فاطمة حباً جماً. أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه واله وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها ورحب بها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل هو عليها قامت إليه فأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسه، وكان يرحب بها يقول: مرحبا بابنتي، صلى الله عليه واله وسلم.

بالله عليكم أين نحن -وما أبرئ نفسي- أين نحن من تعامله صلى الله عليه واله وسلم وتعاملنا مع أبنائنا وبناتنا في هذه الأيام؟ انظر إلى احترامه عليه الصلاة والسلام، واحترامه لمن؟ لمن نراهم الآن أطفال؟ يعني مات عليه الصلاة والسلام عمره 63 سنة، 63 عاماً وهي ابنة 22، ومع ذلك كان يحترمها ويجلها ويبجلها ويظهر ذلك جلياً لعائشة وأمهات المؤمنين إذا دخلت عليه ابنتة بهذه الطريقة.

هذا الحب كان جلياً واضحاً لابنته، ومع هذا الحب فإنه كان لا يحابي في الدين أحداً، كان يحذرها يقول: يا فاطمة بنت محمد ساليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً. إذاً انتبهي المسألة مسألة دنيا وآخرة، المال سألي منه ما شئت لكن مسائل الحرام هذه لا يمكن التنازل أو التهاون فيها. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

كثير من الآباء يتهاون في الحرام مع بناته، قد تلبس البنت ملابساً تخدش الحياء، ملابس مخالفة للشرع سواء كانت في فرح أو في عدم التزام بالحجاب ويسكت على مضض، هذا ما يصلح، أنت ولي أمر ولا بد أن تتحدث وأن تأمر وأن تنهى. كثير من الآباء ربما يرى تفريطاً في الواجبات في الصلاة في الأمور الشرعية ومع ذلك ما يتكلم ويسكت، ما هذا فعله صلى الله عليه واله وسلم.

كان يحث بناته على أمور الآخرة والقرب من الله عز وجل، كما عندما أتت تشتكي رضي الله عنها من أن الرحى أثر في يديها تطلب خادماً ليساعدها، فأرشد إلى أن تكبر الله 34 وتحمد الله 33 وتسبح الله 33، فان ذلك خير لكما من خادم. هذا قبل النوم إذا أويتم إلى فراشكم، كما علمها قوله صلى الله عليه واله وسلم أن تقول: اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراه والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر. شوف أمر عجيب، دعاء جميل يربط قلب فاطمة بالله عز وجل لتنال منه التوحيد الخالص والتوكل على الله عز وجل.

وكان يحزن عليه الصلاة والسلام لوفاة بناته، وللفجائع أيضاً؛ كما بعثت إليه ابنة له بأن ولدها يحتضر، فأرسل عليه الصلاة والسلام فيقول: «قل لها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». كان عليه الصلاة والسلام ربما ما أراد أن يذهب شفقة وحزناً على هذا الحفيد الذي يحتضر، فلم يشأ أن يذهب ويرى ذلك المنظر.

وعندما توفي ابنه إبراهيم ماذا قال؟ بكى عليه الصلاة والسلام، سالت دموعه حتى أنكر عليه أصحابه قالوا: وانت تفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنما هي رحمة». ويقول: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون».

وعندما توفيت زينب ابنتته رضي الله عنها وأرضاها، قام علي على غسلها وتجهيزها وتكفينها وإعطاء أم عطية إزاره كي تلف به وتكفن مما يمس بشرتها، بركة هذا الثوب منها وعسى أن يرزقها الله عز وجل بركة ذلك الثوب الذي كان آخر عهده بجسد النبي عليه الصلاة والسلام، مما يدلنا على محبته وشفقته وحنانه ورحمته بابنائه وبناته صلى الله عليه واله وسلم. هذا والله أعلم ونسبه العلم إليه أسلام. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.