بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحدثنا في الدرس الماضي عن كيفية تعامل النبي صلى الله عليه واله وسلم مع أحفاده ومع أبنائه وبناته، وكيف كان تعامله معهم منذ بداية الولادة، بل وربما قبل ذلك. يروى أن المفكر مالك بن نبي رحمه الله آتاه رجل فقال له: أرشدني كيف أحسين تربية ولدي كي يكون إماماً من أئمة الإسلام؟ قال له: كم عمره؟ قال: ثلاثة أشهر. قال: قد تأخرت. يعني أنت تأخرت في التربية، ومرد ذلك إلى أن تربية الطفل تحتاج إلى استعانة بالله وتوكل عليه في الدرجة الأولى، وإلى اختيار الزوجة التي ستكون أمّاً صالحة، وهذا قطعا يكون قبل الولادة، فليست هي بالمسالك السهلة أو الهينة.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع أبنائه وأحفاده بطريقة ملؤها الحنان والحب والتربية. ومما فاتني أن أذكره في الدرس الماضي مسألة التأذين؛ مسألة الأزان في أذن الطفل عند ولادته، وهذه مسألة خلافية؛ مرد الخلاف إلى الحديث الوارد فيها، والصحيح الراجح أن الحديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لذا هي من الأمور التي لا ينبغي على المسلم أن يفعلها؛ أن يأتي إلى الطفل بعد ولادته فيؤذن في أذنه اليمنى، هذا الحديث لا يصح، وأقوى ضعفاً منه أنه يقيم في الأذن اليسرى، وهذه من الأمور التي يعني ليس لها أصل صحيح يعتمد عليه في السنة المطهرة.
وبعض العوام يعني كما يقولون يسوقون فيها، وكيف ذلك؟ بأن يقولوا: أتعلم لماذا يؤذن في أذن الطفل؟ قالوا: لأن صلاة الجنازة عندما يموت بعد أن يبلغ ويكبر في السن ليست لها أذان، فحياته كلها كأنها لحظات ما بين الإقامة والصلاة! وهذا أيضا لا أصل له، ولا يحتاج المسلم أن يتكلف في استنباط الحكم. بعض الناس عندما يسمع مثل هذه الأمور يقول: الله أكبر! ما بين الإقامة في أذن الطفل وما بين صلاة الجنازة، هذه هي حياة الإنسان! يا لها من فتره قصيرة! ويا كذا ويا كذا! ما في داعي لهذه الأمور، يكفيك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما مثلي ومثلكم كمثل راكب استظل في ظل شجرة ثم قام فتركها» أو قال: «في ظل شجرة» يعني نام نومة خفيفة وقام فتركها، هذه حياة الحياة الدنيا.
النبي عليه الصلاة والسلام تعامله مع الأطفال بلا شك هو التعامل الأمثل والأكمل، وكل من يريد أن يطهر نفسه وأن يرتقي بها إلى مصاف أولياء الله الصالحين، لا مفر ولا مناص له من أن يتبع سنته صلى الله عليه واله وسلم. الله عز وجل يقول في محكم التنزيل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. إذاً، هذا الطفل حال خروجه من بطن أمه لا علم عنده البتة، كما جاء في الحديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فابواه يهودانه أو يمجرسانه أو ينصرانه» أو كما جاء عنه صلى الله عليه واله وسلم.
إذاً الطفل هو صنيعة التربية التي يلقاها في البيت، فبحسب ما ينشا عليه ويهديه ويربيه عليه أهله، فهذا هو الذي يؤثر فيه كطفل. ونحن كبالغين لا يمكن أن نستوعب جميع الحقوق والواجبات والقيم والأصول ونحن بالغون، فكيف بمن كان طفلا أصلا؟ نخطئ عندما نتعامل مع الطفل كأنه كبير وكأنه مسؤول، وفي معظم العبادات يشترط التمييز، وفي معظم التعاملات يشترط الرشد، وهذا الطفل في الغالب أنه يخلو منهما في الغالب، فكيف يعني تتطلب في هذا الطفل وتتوقع منه ما ليس فيه أصلاً؟
كثير منا يطالب الطفل أن يكون رزيناً، مسؤولاً، هادئاً، وقوراً، ولا شك إن كان الطفل كذلك فهذا فيه مرض! يعني إذا الطفل يجلس وأنت تتوقع أنه لا يتحرك ولا يتكلم ويكون ما شاء الله آية في الأدب والأخلاق، لا شك أن هذا الطفل مريض، اذهب به إلى الطبيب واكشف عليه؛ لأن الأصل في الطفل اللعب، اللهو، الحركة، كثرة الحركة والانتقال من مكان إلى مكان. ولأسف، كم نرى من المظاهر السيئة التي لا تمت إلى الدين بصلاة ولا تمت إلى الإنسانية أصلاً ممن يعنف ابنه أو ابنتته وهم ليسوا في مرحلة التعلم أو الفهم أو الإدراك.
أذكر أن أحد الإخوة -غفر الله لنا وله- عندما رزق بولد وكان أول أولاده؛ هذا الولد كانت له عاده أن يعبث في سرته، وهو ابن سنة، سنة ونصف (يعني هذه لعبة ما هي شي آخر)، فكان يضرب ابنه على يده إن فعل ذلك! ابن سنة ونصف يضربه! وفي مرة من المرات يعني شاط غضباً من عدم امتناع الطفل الذي لا يعقل عن هذا الفعل، فأتى بلمبة وهي يعني مضاءة على ما فيها من حرارة، ولسع يد ابنه بهذه الحرارة، والطفل يبكي ويصرخ ولا يفهم! فأي عقلية هذه تؤدي بالناس إلى التعامل مع الأطفال بهذه الطريقة؟
النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يتحمل ويتقبل من الأطفال ما لا يتقبله من الآخرين قطعاً، وهذا يدلك على رجاحة عقله عليه الصلاة والسلام وسعة رحمته، أنه كان بالأطفال يعني رحيما، شفيقا، حليما. ومن أحفاده خاصة (يعني هذا مع الأطفال عامة، لكن مع الأحفاد كان في ذلك يعني جانب مميز)، وكان يتحمل من الأطفال ما لا يحتمله الكثيرون منا، فقد روي لنا أن النبي صلى الله عليه واله وسلم بال عليه عدد من الأطفال من ذكور وإناث، فكان يأمر بغسل بول الأنثى ونضح، أي الرش، من بول الذكر، أن يتبع عليه ماء فقط بدون أن يعصر ويغسل مرة أخرى. وهذا حصل مع الحسن والحسين، فعن أبي ليلى رضي الله عنه قال: كنت عند النبي عليه الصلاة والسلام وكان على صدره الحسن أو الحسين فبال، فرايت بوله يسيل، أي طرائق يمشي، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعوا ابني لا تفزعوه» حتى يقضي بوله، ثم اتبعه ماء.
سبحان الله، يبول على صدر النبي عليه الصلاة والسلام! وتقول أم كرز الخزاعية رضي الله عنها: أتي النبي عليه الصلاة والسلام بغلام فبال عليه فامر به فنضح، وأتي بجاريه. والأحاديث كثيرة، وطبعا الأطفال ما يلبسون حفائض كما هو الحال اليوم، لكن انظر إلى تعامل النبي عليه الصلاة والسلام! ما صرخ، ما تقزز، ما عنف الطفل على اتفه الأمور، كما يحصل وكما نرى الآن؛ بول طفل يبول عليه! أين هذا ممن يحمل الطفل فيشتم رائحة الغائط والطفل محفظ ولابس ويعني نظيف من الخارج، واذ به يصرخ ويرمي الطفل ويقول: شيلوا عني هذا القرف! ويتكلم بالفاظ عجيبة. الرسول عليه الصلاة والسلام يبول عليه الغلام وامر عادي، تبول عليه الجاريه، الطفل هذا ما ما يتحمل؟ صلى الله عليه واله وسلم يحتمل ذلك ولا يوجد أي مشكلة.
كم نرى ممن يعنف أبنائهم في الأسواق بل وفي الحرم! طفل أو طفلة أربع خمس سنوات يعني يضربها على وجهها أو يعنفها أو يشتمها، هل هذا في قلبه ذرة رحمة؟ كان عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الأطفال بحب وحنان، هذا هو الأصل الذي لا يمكن أن تجد سواه. أم خالد صحابيه صغيرة تحكي لنا عن مشهد في طفولتها ما فتئت تذكره؛ لأن المشاهد التي في الطفولة هذه لا تنسى. تقول: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي وكان علي قميص اصفر، فقال عليه الصلاة والسلام: «سَنَهْ سَنَهْ» (يعني جميل بالحبشية)، تقول: فذهبت ألعاب بخاتم النبوة، يعني ذهبت من خلف الرسول عليه الصلاة والسلام وهي طفلة وكشفت عن خاتم النبوة بين كتفيه عليه الصلاة والسلام وأخذت تلعب به، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعوها»، ثم قال عليه الصلاة والسلام بعد أن أعطاها ثوباً: «أبلي واخلقي، ثم أبلي واخلقي، ثم أبلي واخلقي» (يعني البسي، ويعني هذا الذي تلبسينه إن شاء الله يطول بك العمر حتى يبلى).
فانظر إلى هذا الحديث؛ يأتي الرجل معه ابنته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يعلم حبه للأطفال وأنه لا يتبرم ولا يتافف من لقائهم، بل يبش لهم ويسعد بهم، وتجرؤ البنت وتتعلق على ظهره وتلعب وهو يضحك ولا يتافف، بل يدعو لها ويكرر دعائه ثلاثاً وهي تقرب له طفلة صغيرة. يا إخوان، أين نحن من تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الرحمة والشفقة مع الأطفال؟ هذا مع الطفلة الغريبة، فكيف مع التي هي من يعني دمك ولحمك؟
النبي عليه الصلاة والسلام كان يداعب الأطفال أينما وجدهم، حتى لو في الطريق يداعبهم، في بيته، في مسجده، يلعب معهم، ينزل إلى مستواهم؛ لأن هذا الطفل سيكون لبنة من لبنات المجتمع، سيكون أساساً يبنى عليه هذا المجتمع وتبنى عليه حضارة الإسلام، فلا بد من الاعتناء بالأساس. يقول يعلي بن مرة رضي الله عنه: خرجت مع النبي عليه الصلاة والسلام على طعام، فاذا بالحسين بن علي يلعب في الطريق، فاسرع النبي أمام القوم (يعني خارجين ناكل مدعوون إلى طعام)، فلما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام الحسين بن علي رضي الله عنهما اسرع أمام القوم (يعني ما هو ماشي كما كان)، لا، تقدم القوم وأسرع، ثم بسط يديه إلى الغلام فطفق الغلام يفر هنا ويفر هنا، يعني كان الرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يحبسه يعمل له كذا، ياتيه الغلام من هنا ياتيه من هنا، ورسول الله يلاحقه ويضاحكه صلى الله عليه واله وسلم.
بل كان النبي عليه الصلاة والسلام ياخذ أسامة بن زيد والحسن بن علي فيقعمان على فخذه كل على ناحية ثم يضمهما ويقول: «اللهم ارحمهما فاني أرحمهما». عجب هذا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقود المعارك، هذا الذي ياتيه الناس بمشاكلهم وقضاياهم، هذا الذي يحكم بين الدول وبين الأمم، هذا الذي عنده تسع من الزوجات يثقلن عليه بالطلبات يعدل مع الجميع، هذا الذي يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، هذا الذي ما شئنا ان نراه صائماً إلا كان صائماً، ومع ذلك يرحم الأطفال ويبش لهم ويلاعبهم!
الرسول عليه الصلاة والسلام كان رقيق القلب خاصة مع الأطفال؛ إذا سمع بكاء طفل أثناء الصلاة خفف في الصلاة كي تنتهي أم الطفل من الصلاة وتحمل ابنها أو تسكت بكاءه أو تلبي حاجته، فقد قال في الحديث: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه». سبحان الله! اهتمام بممشاعر الأم، اهتمام بمشاعر الطفل! أين نحن من هذه الصور الجميلة؟
صليت ذات يوم في مسجدي، وأثناء الصلاة صاح طفل بالبكاء المرير، فاتبعت سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وخففت الصلاة تخفيفاً اتباعاً للسنة لا لشيء أو لآخر. لما انقضت الصلاة قام أحد هؤلاء الشيبان كبار السن بالصياح في وسط المسجد: اتق الله! لا تؤتي لا تاتي بالاطفال إلى المسجد! النبي يقول: جنبوا مساجدكم الصبيان والمجانين! واخذ يعنف هذا الرجل! فخرج الرجل سريعا بدون أن يتكلم بكلمة ومعه طفلته. انا استغللت الوقت وخرجت من مخرج الإمام كي يعني أهدئ على ذلك الرجل المسكين، فقابلته خارج المسجد وقلت له: يا أخي دع عنك فلان، فانه يعني من كبار السن وتحمل منه ما تتحمله من والدك، هذا رجل متقاعد يعني بلغ من الكبر عتيا ما يفهم.
وللاسف هذه مصيبة أخرى أن كثير من الذين يكبرون في السن عوضاً عن أن تزداد يعني رحمتهم ويزداد حلمهم وحكمتهم، فانه يرد إلى أرذل العمر فيكون عصبياً، متجه الوجه، شرس الأخلاق! والنبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: «خيركم من طال عمره وحسن عمله»، هذا الحديث يحفظه كل أحد، وينسى أن هنالك رواية أخرى صحيحة تزيد أمراً ثالثاً وهو أهم أو من المهمات: «خيركم من طال عمره وحسن عمله وحسن خلقه». فبدون حسن الخلق الإنسان على خطر عظيم. فماذا فعل هذا الرجل ومعه ابنتاه؟ هذا ما إن شاء الله سوف نتحدث عنه بعد الفاصل، فابقوا معنا.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
السلام عليكم ورحمة الله. عند خروجي من المسجد التقيت برجل، وكانت معه طفلتان واحدة في الست سنوات والثانية في أربع سنوات تقريبا. فاعتذرت منه عن هذا الرجل الذي يعني صاح في وجهه وفضحه أمام المصلين، وهذا يعني يحصل في مساجدنا للأسف الشديد بصفة مستمرة؛ إذا انسان جواله بالخطا انطلق في الصلاة قام من يعني تلك الحالة يصيح ويرفع صوته في المسجد بالتأنيب واللوم، وربما مد يده. أحد أئمة المساجد رايت هذا بنفسه بعد ما فرغ من الصلاة ذهب إلى الرجل يعنفه ويدف في كتفه: يعني ما تستحي أنت، الجوال هذا ما تطفيه وأنت كذا! وقام الرجل يصيح عليه، وكاد أن يشتبك في عراك وشجار. هل هذا تصرف إمام مسجد، وهل هذا تصرف مصلي على خطأ؟
الشاهد أن الرجل انخرط بالبكاء، رجل من هذه البلاد قال: يا شيخ، والله ما أدري ماذا أصنع بنفسي، أمها تركت البيت من ستة أشهر أو أربعة أشهر، وأنا أبحث عن من يؤويها، ما أبحث عمن تتزوجني، لا أدري ماذا أفعله! عندما أذهب إلى العمل على وشك أن أطرد من العمل بسبب عدم وجود من يعتني بهما. حتى فرض الله عز وجل، فرض ربي إذا يعني نزلت إلى المسجد أقابل بمثل هذه المقابلة! والله ما أدري ماذا أفعله. حقيقة كلامه قطع قلبي. عندما نحكم على الناس، وعندما نتخذ القرار والحكم القضائي بالتنفيذ ولا ندري عن ظروفهم وعن أحوالهم، هذا ظلم.
الشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحتمل من الأطفال ما قد يصدر عنهم، حتى أثناء الصلاة. عبد الله بن شداد رحمه الله يروي لنا عن أبيه أنه في إحدى صلاتي العشاء، المغرب أو العشاء، والرسول حامل للحسن أو الحسين، وضعه ثم كبر فسجد فأطال السجدة. يقول: حتى رفع أبي رأسه، وإذا الصبي على ظهر رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي. فلما انتهت الصلاة قلت: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلت حتى ظننا أنه قد حدث أمر يعني أنك مت، أو أنه يوحى إليك! قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني» -يعني اتخذني راحلة ركب فوقي- «فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته». يعني أنظر إلى رحمته عليه الصلاة والسلام.
أبو بردة يقول: خطبنا النبي عليه الصلاة والسلام وأثناء الخطبة أقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان. يعني ابن ثلاثة سنوات أو سنتين أو ثلاث سنوات يمشوا ويطيحوا، يمشوا ويطيحوا ويتعثر. فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر، ثم قال: «صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُفْتِنَةٌ﴾ [التغابن: 15]، رايت هذين فلم أصبر». وهذا فيه دليل على أن الأطفال من الممكن أن يلبسوا الثياب الحمراء اللون. والمساله فيها خلاف بالنسبة لبس الأحمر: إن كان معه ألوان أخرى جاز، وإن كان أحمرا مصمتا لا يوجد فيه لون آخر لا يجوز للرجال، أما الإناث فلا حرج في ذلك لهن، وأما الأطفال فمن استدل بهذا الحديث يرى بجواز ذلك، وهذا الظاهر والله أعلم.
كان عليه الصلاة والسلام يحمل حفيدته أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، فاذا ركع أو سجد وضعها على الأرض. وكان صلى الله عليه وسلم يحب أحفاده حبا عظيما. أبو هريرة يخبرنا عن خروجه مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى سوق بني قينقاع، ثم اتيانه إلى بيت فاطمة، فيسأل: «أثم لكع؟ أثم لكع؟» لكع في اللغة لها معاني؛ من معانيها الئيم، ولكن أيضا من معانيها المتعارف عليها الصغير أو قليل العلم أو صغير العلم، فهو هذا المقصود قطعا هنا؛ أثم الصغير موجود؟ حبست أمه عن النبي عليه الصلاة والسلام حتى تغسله وتلبسه الحلي والأشياء، السخاب كما جاء في الحديث. فلم يلبث أن جاء يمشي حتى اعتنق كل منهما صاحبه، والرسول يقول: «اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه» رضي الله عنه وأرضاه.
وهذا الحب ما كان يدخره عليه الصلاة والسلام، بل كان يشارك الأمة به ويظهره ويعلنه، لأنه القدوة عليه الصلاة والسلام. الحسن بن علي كان في حضن النبي عليه الصلاة والسلام وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقبل الحسن بن علي. ماذا يفعل الرجل بالطفل إن كان في حضنه؟ يشمه ويقبله ويعتنق من حبه لأولاده. فنظر الأقرع وقال: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدا! فقال عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم لا يرحم». هذه مصيبة إذا أنعم الله عليك بالأولاد ولم تظهر عواطفك ولم تقبلهم، ولم يعني تعاملهم معاملة حسنة! بعض الناس يفعل ذلك من باب التربية؛ يظن أني أنا لا أقبل ولدي لكي يعني يكبر كرجل فيه الشدة وفيه الرجولة، وهذا خطأ.
انظر ماذا صار هذا الحسن بن علي! عندما كبر أصبح إماما من أئمة المسلمين، الخليفة الخامس، الخليفة الراشد الخامس، حكم ستة أشهر، ثم لما خشي أن تكون هنالك فتنه تنازل عن الخلافة وتنازل عن الإمارة إلى معاويه، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». والرسول عليه الصلاة والسلام كان أيضا يهدي لأحفاده ويصلهم، كما جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن هدية حل من الحلى -يعني حليه وجواهر- جاءت من النجاشي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فيها خاتم من ذهب به فص، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام ياخذه بعود معرضا عنه أو ببعض أصابعه، يعني لأنه فيه ذهب، ثم دعا أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب رضي الله عنها فقال: «تحلي بهذه يا بنية، تحلي بهذه يا بنية» فأعطاها لحفيدته. ولعل هذا الحديث فيه دليل على عدم وجوب العدل بين الأحفاد، وأن العدل مقصود ومطلوب بين الأولاد والبنات.
وتقدم أنه كان يعلمهم الدعاء عليه الصلاة والسلام، كما في حديث الحسن في دعاء الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت». طفل عمره ست سنوات لا يتجاوز السابعة، يعلمه دعاء الوتر، القنوت في الوتر، ونحن رجالنا ربما لا يعرفون الوتر إلا في رمضان، فضلا عن أن يحفظوا هذا الدعاء! وكان يمنعهم من الحرام حتى في سن صغيره؛ فيخرج التمره من فم الحسن ويقول له: «كخ كخ! أما شعرت أن لا نأكل الصدقة؟» وقارن هذا بما نفعل نحن مع أبنائنا وبناتنا من تسهيل أمور الحرام والترخيص لهم فيها بحجه أنهم صغار. وربما وجدت هذه الأجهزه المتخلفه التي يسمونها الذكية عند الطفل، يدخل فيه على الانترنت، على اليوتيوب، على وسائل التواصل الاجتماعي، يرى فيها الطوام، ويعلمون منها الموت الزؤام نسأل الله العافيه! ونحن نيسر لهم ذلك ونسمح لهم بذلك، ولا نأمر بالمعروف، لا نأمر بصلاة ولا بذكر ولا بقراءه قران ولا بحفظ ولا ننهى عن منكر! فأي خير يرتجى في جيل من هذا الطراز؟ وقارن بينه وبين جيل أحفاد الرسول عليه الصلاة والسلام الذين رباهم على يده وعلى عينه.
هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلام، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان وتريده سهلا النوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآني. والسيرة العلياء عِطرة الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم