يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء شذاها طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع زوجاته ومع بناته قمة في الرحمة والعطف والشفقة والحنان والحب الذي تحدثنا عنه في السابق، ولا تنقضي الأوقات بالحديث فيه. لكن نريد أن ننظر نظرة من زاوية أخرى: كيف كان تعامله عليه الصلاة والسلام مع النساء عموماً؟ هل كان فيه غلظة؟ هل كان فيه شدة؟ أو كان بخلاف ذلك كله؟
بادئ ذي بدء، الإسلام أوصى بالمرأة خيراً. العالم إما رجال وإما نساء، فإذا أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجال بالنساء خيراً فهذا يدلك على أن هناك أصلاً خللاً عند الرجال تجاه معاملتهم للنساء، فاحتيج إلى الوصاية. قال عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيراً». هذا أمر. وقال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». هذا أمر بالاقتداء والائتناس.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام بين لنا طبيعة المرأة، فقال: «استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً». الضلع الأعوج إن ذهبت تقيمه انكسر، وإذا تركته أعوج استمتعت به، لكن فيه عوج. إذاً من الضروري معرفة طبيعة المرأة، وهذا لا يعني أبداً الانتقاص من المرأة؛ لأن البعض يأتي إلى أحاديث ويضعها في غير موضعها، كقوله: «النساء ناقصات عقل ودين». ونقصان العقل بينه الرسول عليه الصلاة والسلام في أنه شهادة الرجل بشهادة امرأتين، بس مسألة الشهادات، وقد تكون المرأة دكتورة في فيزياء نووية، قد تكون حكيمة مثل عائشة أم المؤمنين، لكن مسألة الشهادات أمر مختلف. ونقصان الدين هل هي عاصية؟ أبداً، إنه يمر عليها شطر الدهر وهي لا تصلي، فهذا ينقص من الحسنات وينقص من الإيمان في بعض الأحيان، إلا أن تجتهد المرأة في وقت دورتها بالذكر والمدارسة وقراءة القرآن ومراجعته ونحو من ذلك. إذاً لا يضع الإنسان هذا الحديث في غير موضعه.
واعوجاجها هذا أمر فطري جبلي؛ الغيرة الموجودة عند المرأة، المشاعر الفياضة التي ربما الإنسان يشعر بنوع من الذهول. رجل يأتي يقول: امرأتي تزن عليّ على خصومة أن أطلقها شهراً كاملاً، ست ساعات أو ثماني ساعات في اليوم دوام رسمي، طلقني طلقني، ما أنت رجال طلقني. قال في آخر الأمر: استخرت الله عز وجل، وهي في قمة غضبها وثورتها قلت لها: خلاص مادام أنت يا أم فلان تريدين الطلاق فأنت طالق. جلست تبكي شهراً كاملاً: يا اللي ما تخاف الله، هانت عليك العشرة، تطلقني؟ سبحان الله! يأتيني الرجل يقول: يا شيخ والله تجننت، أطلق ولا ما أطلق؟ ماذا أفعل؟ فإذاً هذا النوع من التصرف هو أمر جبلي في المرأة. الرجال كما يقال من المريخ والنساء من الزهرة، نفسيات مختلفة، يجب على الرجل أن يعرف كيف يتعامل مع نفسية المرأة ويعرف طبيعتها.
قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان»؛ أي أسيرات عندكم. المرأة أسيرة في بيتك، مسكينة ضعيفة، ما تستطيع تخرج إلا بإذنك، ولا تدخل بيتك أحداً إلا بإذنك، ولا تشتغل إلا بإذنك، محبوسة بين أربعة جدران، فهي أسيرة. فيجب عليك كرجل أن تراعي مشاعرها، وأن تقوم بحقها، وأن تعطف وتحنو عليها لأنها أسيرة أخذتموهن بأمانة الله، كما قال عليه الصلاة والسلام. وقال أيضاً في الحديث الآخر: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة». أحرج؛ يعني أضيقه وأحرم حق المرأة الضعيفة.
كم من الذين لا يخافون الله، وممن أعد الله لهم مقعداً في نار جهنم، وسياتي عذاب أليم في قبورهم ويوم يلقون الله عز وجل، ممن يأكلون حقوق النساء؟ رجل أبوه مات، حرم أخته من الميراث، حرمها نصيبها من الأرض، أجبرها على فعل ما لا تريده، لماذا؟ قال: ما يذهب حق أبي إلى رجل أجنبي عن عائلتنا، إلى زوجها مثلاً. طب هو لن يذهب إليها، هو يذهب إلى أختك، حقها تفعل به ما تشاء. قال: لا. هذا والله يعذب الله عذابه أليماً، ياكل أموال الحق. الرسول يحرم ويضيق ويحرج حق المرأة واليتيم، وإن تأكله هكذا والله ما تأكل في بطنك إلا ناراً.
من تعامله عليه الصلاة والسلام مع النساء أنه كان يقدرهن ويرفع من شأنهن، ويعتبرهن مثل الرجال في الحقوق وفي الأجر وفي الثواب عند الله عز وجل، كما جاء في آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تبين أن من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى، وأن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وكذا كل ذلك يبين أن الذكورة والأنوثة عند الله عز وجل الأجر واحد. من صلى، من صام، من تصدق، من أحسن، من أمر بالمعروف، الأجور والأعمال هذه واحدة. أمور الدنيا مختلف الأمر فيها لأن القوامة للرجل. تخيل أن طائرة فيها قبطانان، لو فيها اثنان من الكباتن ممن يقودون الطائرة، هذا يقول نطلع، وهذا يقول لا ننزل، هذا يقول طب نذهب إلى اليمين، والثاني يقول لا نذهب إلى الشمال، ضاعت الطاسة كما يقولون. الطبخة إذا كان فيها طباخان خربت. ما يصلح إلا أن يكون قبطاناً واحداً وقائداً واحداً للسفينة، فلذلك في الدنيا هنالك مسؤول وتابع، وهو ما جعل في أمر الرجال والنساء في الدنيا، أما في الآخرة هنالك التقدير وهنالك الأجر وهنالك المثوبة للذكور وللإناث كما هو معروف.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرنا.
تعمل النعال على حماية القدمين من الرمضاء والبرد والأذى، وتضمن سلامة الرجل مما يعرض في الطريق من خشونه وشوك ونجاسة ونحوها. ويستحب لمن لبس نعالاً جديدة أن يدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لك الحمد أنت كسوتني، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». والسنة في لبسها البدء باليمين، فإذا نزعها بدأ بالشمال وأخر اليمين. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل في نعل واحدة إلا من عذر، أو أن ينتعل واقفاً، وهو نهي مخصوص بما في لبسه كلفة وتعب كالخوف. وأما ما لا مشقة في لبسه بحيث تدخل فيه القدم وتخرج بسهولة، فإنه لا يدخل في هذا.
ولا بأس بالصلاة في النعال، فقد صلى عليه الصلاة والسلام في نعليه وأمر بذلك أصحابه رضي الله عنهم فقال: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». وإذا صلى المرء في نعليه ثم تذكر أن فيهما نجاسة لزمه خلعهما فوراً. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: «ما حملكم على إلقاء نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال: أذى». وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما».
والصلاة في النعال إنما تكون في الخلاء أو في مسجد مفروش بالتراب والحصباء، فإذا كان المسجد مفروشاً بالسجاد ونحوه فلا بد حينئذ من خلع النعال حفاظاً عليه من التلوث أو الإتلاف، ومنعاً من إيذاء المصلين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فالإسلام يبرز لنا عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام مكانة المرأة، وأنها لا تختلف عن الرجال كما يظن البعض أن المرأة مخلوق من الدرجة الثانية. هذا أمر ليس صحيحاً، المرأة معززة مكرمة في الإسلام. إلى وقت قريب، إلى عقود مضت، وهم مختلفون هل للمرأة في الغرب، في اليونان وفي فرنسا، هل المرأة روح ولا لا؟ وهل تعد من البشر أم أنها ليست من البشر؟ الإسلام أعطى المرأة حقوقها من خمسة عشر قرناً. والآن هم يطالبون بالحرية، يقولون يوم الحرية، حرية إيه؟ وفتت إيه؟ هذا دين وشرع. تقول المرأة: أنا أريد حريتي، أنا أريد التمكين. تمكين في ماذا؟ قرآن وسنة، تريدين الحرية من القرآن والسنة؟ هذا أمر آخر. إحنا عندنا عبودية، رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاً، عندنا عبودية ومصدر عبوديتنا لله عز وجل نتلقاه القرآن والسنة. أما مسألة والله المرأة تريد الحرية، حرية من هذه العبودية، هذا أمر آخر مصيره مآله إلى نار جهنم، نسأل الله العافية.
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: قالت النساء للنبي عليه الصلاة والسلام: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك. فوعدهن الرسول عليه الصلاة والسلام يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: «ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار». فقالت امرأة: واثنتين؟ واثنين؟ فقال: «واثنين».
الحديث الشاهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام مع أشغاله وأعماله، النساء يطلبن يوماً يتفقهن ويسألن دين الله عز وجل، الرسول عليه الصلاة والسلام ما قال لهن: عندي شغل والله، ما عندي وقت، والله عندي حروب ومعارك وتعليم وإفتاء وقيام ليل وصيام نهار وزوجات. أبداً، عين وحدد لهن يوماً، مظهراً للصحابة ما كانت المرأة، وأنه يجب أن تتعلم، وأن تطلب العلم مثلها مثل الرجل. بل على العكس، طالبة العلم في بيتها أفضل من الجاهلة. تلك المرأة الحكيمة، تلك المرأة العاقلة التي تستخدم ما تتعلمه للتقرب إلى الله عز وجل وتربية أولادها. لا أتكلم عن طالبة العلم التي هي في الدروس وفي المساجد وكذا وبيتها ضائع وأهلها لا تدري عنهم شيئاً، لأن هذه كالجاهل التي تمكث في بيتها وتسيء أكثر مما تصلح وتنفع، لا، المرأة طالبة العلم، المرأة العاقلة التي تنتفع بما تتعلم لمصلحة أولادها.
النبي عليه الصلاة والسلام أخبر، قال: «إنما النساء شقائق الرجال». إذاً لا تنظر إلى المرأة نظرة دونية، فهي مكلفة من الله عز وجل، ولها مثل الذي لك وعليها مثل الذي عليك، وللرجال عليهن درجة كما هو معروف، درجة القوامة: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، لكنهن شقائق الرجال.
حتى في مسائل الحرب، في فتح مكة أم هانئ رضي الله عنها بنت أبي طالب أتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي، تقول: يا رسول الله، إني أجرت فلاناً، هذا من المشركين. لما فتحنا مكة جاء إلى أم هانئ يطلب الجوار، فقالت: أعطيك الجوار، أنا أحميك، خلاص هذا في جواري. يا رسول الله، علي بن أبي طالب جاء، قال: لا والله ما له جوار. وأنت مين؟ أنت أخوها، قال: أنت مين عشان تجيري هذا المشرك؟ فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي، فقال لها معلماً أمته: «يا أم هانئ، لقد أجرنا من أجرت، وأمّنا من أمّنت». خلاص، إذاً مسألة الجوار الذي لا يخفر، المسلم رجلاً كان أم امرأة له الحق أن يجير، وأن يتبع، وأن يحترم المسلمون هذا الجوار.
أضف إلى ذلك أن من تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يقبل البيعة من النساء. فالبيعة الأصل فيها أنها لولي الأمر، من أولي الحل والعقد. لكن إذا أسلم الإنسان فإنه يشهر إسلامه ويبايع. وكانت النساء إذا أسلمن يبايعن النبي عليه الصلاة والسلام، يبايعهن على السمع والطاعة، وعدم الشرك، وعدم الزنا، وعدم قتل الأولاد، وعدم السرقة، وعدم الإتيان ببهتان، إلى آخره. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بايع النساء ذات يوم، فقلنا: يا رسول الله، أخرج لنا يدك نبايعك؛ لأنه المبايعة تكون باليد، ما هي من بعيد بايعتك لا، لابد من المصافحة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لا أصافح النساء». وهذه مسألة عظيمة، أمنا عائشة تقول: لا والله، ما مست يد رسول الله عليه الصلاة والسلام يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام.
مسألة المصافحة واللمس هذه تهاون بها الناس تهاوناً عظيماً، ما يخلو مشهد من مشاهد الأخبار، للأسف الشديد، إلا وترى مسؤولاً من المسلمين يصافح امرأة مسلمة أو كافرة، مؤمنة أو عالمة، عادي ولا شيء. يا جماعة الخير، في مشكلة عندنا. ايش حكم المصافحة هذه؟ قالوا: عادي، أنا أصافح أخت زوجتي وأصافح زوجة عمي، وعادي ما فيها مشكلة. طب هذه محارم، يعني يجوز؟ قال: الإيمان في القلب. معقل بن يسار رضي الله عنه يقول: قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له». يا مسلم، ما يجوز لك تصافح امرأة. قال: هذه عادات البلد يا شيخ، أنا عندي مقابلة شخصية ومديرتي في العمل، إذا دخلت وما سلمت عليها يعني تزعل، ربما لا أحصل على الوظيفة. سبحان الله! في إسبانيا عادات البلد أن يقبلوا الرجل المرأة على خدها، عادي يعني؟ وين مخك؟ مسلم أنت، عندك قرآن وسنة. الرسول يحرم هذا الأمر عليه الصلاة والسلام، وهو نفسه لم يصافح النساء، أبى وهو أملك الناس لربه عليه الصلاة والسلام، وهو أملك الناس لنفسه، ومع ذلك ما فعل ذلك، فكيف تتجرأ أنت؟
من تعامله عليه الصلاة والسلام مع النساء أنه كان يأمر...
بالرفق. فجاء في الصحيح قوله: يا أنجشة، رويداً. من هذا أنجشة؟ أنجشة هذا حادٍ. ما معنى حادٍ؟ الحادي هو الذي ينشد بالحداء، وهو مثل الأشعار والأناشيد، وهذه التي يسمونها الإسلامية، ويستخدمها من يقود البعير في سيره، بحيث إن البعير لما يسمع هذه الأناشيد الحماسية والإيقاع، تسرع في السير.
فالرسول صلى الله عليه وسلم اطلع ذات يوم والبعير يسرع في سيره وعليه الهودج وفيه النساء، فقال: «يا أنجشة، رويداً سوقاً بالقوارير». يعني هؤلاء النساء كالقوارير، إذا الجمال تسرع بهن بهذه الطريقة قد يتأذين، قد يسقطن، قد يتضايقن، فلا.. شوية شوية، لا تسرع.
وقال صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، عليك بتقوى الله عز وجل والرفق، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولم ينزع من شيء قط إلا شانه». إذاً الرفق مع النساء مطلوب في شرع الله عز وجل، وهو من سنته صلى الله عليه وسلم، والرفق من النساء أيضاً مطلوب، وهو مطلوب من كل مسلم؛ لأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله.
الزواج هو الصلة التي ارتضاها الإسلام لإعفاف النساء والرجال، واستمرار النسل لمواصلة إعمار الأرض وإصلاحها، وهو عقد مودة فيه سكن للنفس وارتياح للقلب. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
والمراة المسلمة حين تقبل على الزواج فهي تقدم على مرحلة جديدة في حياتها، تعد مرحلة مهمة وجليلة الشأن، فلا بد أن تعرف متطلبات نجاحها، فإن جزءاً كبيراً من سعادة بيتها واستقراره بيديها، إن هي أحسنت التهيؤ والاستعداد لهذا الأمر.
ومن حسن الاستعداد: الاهتمام بحسن الاختيار على أسس صحيحة وأهمها الدين والخلق، الاستخارة والاستشارة للوصول إلى القرار الأقرب إلى الصواب، الاستفادة من فترة الخطبة في التأكد من مصداقية الخاطب وسلوكه، الاستعداد نفسياً وبدنياً لمسؤوليات وشؤون بيت الزوجية، إثراء فهمها ووعيها بمرحلة الزواج ومتطلبات نجاحها سواء بالقراءة أو بتجارب الناجحات ووصاياهم أو بالالتحاق بدورات تثقيفية في هذا الأمر.
معرفة حقوقها وما يجب عليها تجاه زوجها، وأن حسن تبعلها لزوجها ليس لنجاح زواجها فقط، بل هو قربة وعبادة لله تعالى. ولتعلم المرأة أن بيت الزوجية هو مملكتها الجميلة ومستقر سعادتها ومحضن أطفالها، وبحسن تصرفها في تدبيره ورعايته تتضاعف سعادتها وتنال رضا الله وجميل ثوابه.
السلام عليكم ورحمة الله. نبينا عليه الصلاة والسلام كان يقول للمحسن: أحسنت. فكان يثني على النساء خيراً إن كانت تستحق الثناء. قال عليه الصلاة والسلام: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش». ما قال نساء قريش بس، قال: «صالح نساء قريش». ليش؟ «أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده». إذاً الصفات التي تقتضي المدح أنهن صالحات، مو لأنهن قريشيات أو لأنهن من البلد الفلاني، أبداً، صلاحهن هو الذي عليه المعول.
وسبب ذلك أنهن أحناه على ولد في صغره؛ إذاً عطف المرأة على الصغير وحنوها عليه، هذه من الصفات التي تستحق الثناء، وإشفاقها ورعايتها لزوجها وحفاظها على ماله أيضاً هذه من الأشياء التي تستحق الثناء. كان صلى الله عليه وسلم يحث النساء على الإكثار من ذكر الله عز وجل.
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: خرج الرسول عليه الصلاة والسلام في أحد العيدين فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار». وفي رواية: «تصدقن وأكثرن الاستغفار». إذاً يحثهن عليه الصلاة والسلام على ذكر الله، على أفعال البر، على الاستغفار. فقلن: وبما يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن وتكفرن العشير».
إذاً هذه في النساء عامة، أنهن يكثرن اللعن، يكثرن التذمر؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم أسأت قالت: ما رأيت منك خيراً قط. حال النساء هكذا في الغالب، ولكن يوجد بالمقابل من لا تفعل ذلك، بل يوجد في الرجال من يكفر العشير ويكثر اللعن، لكن الغالب أن هذا في النساء أكثر منه في الرجال.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يحثهن على شهود مواسم الخير والأجر والبر. أم عطية رضي الله عنها تقول: أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نخرج الحيض يوم العيدين، والعواتق وذوات الخدور، فيشهدن الخير وجماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاه. إذاً حتى المرأة الحائض التي لا تجب عليها الصلاة تخرج إلى مصلى العيد، ومن هذا الحديث استدل بعض أهل العلم على وجوب صلاة العيد على المرأة.
المرأة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانت تشهد صلاة الفريضة معه في المسجد. أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. سبحان الله، المرأة الصالحة تشهد إن أرادت الصلاة في المسجد، لكن ما يعرفها أحد من شدة حجابها ونقابها وسترها.
لا كما تفعل النساء اليوم؛ نساء لا رجال لديهن، تخرج متهتكة، سافرة، متبرجة، تتحدث مع الرجال، تدور في الأسواق. ما في رجال في البلد؟ لكن للأسف إن لم تكن هنالك غيرة في قلوب الرجال يحصل هذا الأمر. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تمنعوا إماء الله بيوت الله». المرأة إن أرادت أن تصلي في المسجد يا رجل لا تمنعها من الصلاة، اسمح لها وأرضَ لها، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكر المرأة فقال: «وبيوتهن خير لهن». مع ذلك إن أرادت أن تذهب إلى المسجد أيها الرجل فدعها تذهب.
لكن هذا الذهاب ليس إذناً مطلقاً ومفتوحاً، لا، هنالك شروط بينها عليه الصلاة والسلام، إذ يقول: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها». بمعنى أن الفصل بين الجنسين حتى في بيوت الله عز وجل، كلما ابتعد الرجال عن النساء كلما دل ذلك على الخيرية ودل ذلك على الإيمان، وكلما اقترب صف الرجال من صفوف النساء دل ذلك على الشر وعلى وجود خلل في المجتمع.
يا رسول الله، كيف ترى مكاتبنا وشركاتنا والدوائر التي فيها الرجال والنساء في البنوك، في المستشفيات، في الطيران؟ أمور عجيبة. هل تغير شرع الله عز وجل؟ أبداً. دين الله تغير؟ أبداً، القرآن والسنة كما هي إلى يوم الدين لن يتغير منها شيء، أحكام ثابتة قطعية لا خلاف فيها. إذاً ما الذي تغير؟ تغيرت القلوب، وجاء من يغير شرع الله، اتخذوا رؤساء جهالاً فضلوا وأضلوا، أفتوا الناس بغير علم فضلوا وأضلوا.
النبي عليه الصلاة والسلام كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنه في مرة خرج الرسول من المسجد فقال: «لو تركنا هذا الباب للنساء». يعني يريد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجعل باباً خاصاً لدخول النساء إلى المسجد لا يخالطه فيه رجال. يقول نافع مولى ابن عمر: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. إذاً نعم، ادخلوا إلى المساجد، اخرجوا إلى بيوت الله عز وجل، لكن بضوابط.
من الضوابط أنك يا أمة الله ما تخرجي وأنت تظهري نفسك للناس. الرسول عليه الصلاة والسلام قال وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، قال للنساء: «استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق». يعني لا تمشي في وسط الشارع، امشي في الأطراف، ابتعدي عن أماكن الرجال، أما أن تمشي المرأة هكذا متبخترة كالطاووس في وسط السوق، وسط الشارع، وسط الطريق، والرجل هو الذي يبتعد عنها ويغض بصره، مسكين يمشي "الحيط الحيط" يا رب أوصل البيت. هذا خلل، هذا بعد عن شرع الله عز وجل.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي أحوال النساء حتى في مسجده، فكان إذا فرغ من الصلاة مكث وهو في اتجاه القبلة قليلاً، يقول: «أستغفر الله» ثلاثاً، ويقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». ثم ينفتل. يقول الصحابة: فكنا نرى تأخره صلى الله عليه واله وسلم ومكثه يسيراً قبل أن يقوم حتى تقوم النساء ويخرجن. بمعنى أنه لو انفتل عليه الصلاة والسلام واستقبل المصلين، قد يقوم الرجال والنساء في مؤخرة المسجد ما قاموا، فينظر إلى هذه كاشفة أو إلى هذه وهي قائمة ويسبب شيئاً من الإحراج.
ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن صلاة المرأة في بيتها أفضل وأكثر أجراً، ونهى المرأة أن تخرج إلى المسجد متعطرة، وقال: «من أصابت شيئاً من هذا البخور فلا تشهدن معنا العشاء». أيما امرأة خرجت من بيتها وهي متعطرة فمرت على رجال وجدوا ريحها فهي كذا وكذا، يعني زانية. إذاً أمر خطير، لكن حق المرأة محفوظ، أنتِ صلي في المسجد، صلي ما عندك مشكلة، لكن باتباع الضوابط المذكورة.
نسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم