السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. هذا المجلس الخامس عشر من مجالس السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بها، وأن يحشرنا جميعاً في ظل عرشه ومع نبيه وصفيه صلى الله عليه وسلم.
ما زلنا في اللحظة الأخطر في السيرة النبوية، والتوقف عند هذه اللحظة الأخطر في السيرة النبوية هو توقف ضروري لفهم هذه السيرة النبوية. وكنت قد ذكرت وأكرر بأنه من لم يفهم هذه اللحظة حق الفهم فإنه لا يفهم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم مجاهداً، وكيف لقي صعوبات شديدة، قد لا يفهم السيرة نفسها. يعني الآن نحن في مجتمع يمكن أن تظهر فيه آراء أخرى، أحزاب أخرى، حركات أخرى، أفكار أخرى؛ فإذا لم تكن إذا لم يكن لديك الفهم لماذا كانت هذه الفكرة على وجه التحديد فكرة صادمة جداً لكفار قريش، فأنت لن تستوعب؛ يعني ستشعر أن قريشاً، ستشعر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى أمر يمكن قبوله ويمكن رفضه، يعني يمكن التسامح معه، فتشعر أن قريشاً يعني ناس متشددة أو ناس متطرفة أو يعني مش هتبقى فاهم هو ليه المشكلة دي كلها.
يعني ما الفارق بين التوحيد والشرك؟ حقيقة الفارق بين التوحيد والشرك أمر لا يفهمه أبناء المجتمعات العلمانية، لأنه إذا كنت مسلماً أو كنت كافراً أو كنت ملحداً أو كنت مسيحياً أو يهودياً، هذه مسألة لا يستوعب أبناء المجتمعات العلمانية لماذا تكون أصلاً مشكلة، طالما أن الكل موجود في الدولة وعنده حق المواطنة وملتزم بالدستور والقانون تمام، وبالتالي فحقيقة هذه اللحظة، لحظة الدعوة الجهرية، هي لحظة أسميها اللحظة الأخطر في السيرة النبوية.
تكلمنا في المرة الماضية وذكرنا أنه لكي نقبض على هذه اللحظة ونحاول فهمها، فذكرنا أنها أخذناها من جانبين؛ جانب النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا إن النبي في ذلك الوقت كان يملك أربعة أشياء: يملك النسب العريق، ويملك التاريخ المشرف، ويملك الدعوة الأخلاقية، ويملك عدداً من الأتباع اتبعوه في خلال السنوات الثلاث التي كانت في الدعوة الخاصة. وذكرنا أن النبي كان لديه نظرياً بعض بدائل، مثل أن يطلقها دعوة قومية، أو يطلقها دعوة أخلاقية، أو يطلقها دعوة طبقية، ولكن كل هذه المبادئ كانت في النهاية تستبدل شراً بشر وفساداً بفساد، والبداية من الدين هي بداية جوهرية لكي يصلح الناس، فلا نستبدل طاغوت فارسي أو رومي بطاغوت عربي، لا نستبدل طبقة غنية بطبقة فقيرة فإذا اغتنت صارت مثلها أو أشد منها في الشر، والدعوة الأخلاقية ذكرنا أنه بطبيعتها لا يستجيب لها إلا أقل الناس وهي عملياً غير مؤثرة في الحياة. وأكبر دليل على ذلك واقعنا الذي نحن فيه مليء بمنظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الحيوان وحقوق البيئة، ومع ذلك كل هؤلاء عملياً هم مجرد آلات عد وإحصاء للقتلى والمنتهب والجرحى والمضطهدين.
ثم ذكرنا أنه كيف رأت قريش هذه اللحظة، وكيف سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كلمة لا إله إلا الله، وأنها فهمت من اللحظة الأولى أن هذه الكلمة ليست مجرد دين جديد أو فكرة جديدة أو معبود جديد يضاف إلى المعبودات الكثيرة الموجودة في مكة، وإنما كانت دعوة لتبديل وتغيير النظام الذي يقوم عليه مجتمع قريش. طيب، وبالتالي فالفارق بين كل هذه الأديان وكل هذه الأفكار التي قبلتها قريش وبين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو المساس بالنظام، هو المساس بالنظام؛ هذا الأمر يجب أن يكون مفهوماً. فهذه الكلمة، كلمة لا إله إلا الله، لم تكن مجرد فكرة جديدة، وإنما كانت -لو إحنا بنحاول نقربها بمصطلح هنا المعاصر- كانت خروجاً على الدستور، خروجاً على القانون، خروجاً على التقاليد، خروجاً على الأعراف، خروجاً على الأمور المستقرة، فلذلك واجهتهم، لذلك قريش واجهت هذه الدعوة بأشد مما واجهت به أي دعوة أخرى، واضح؟ طيب.
هنا يأتي سؤال مهم: النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لقريش: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، واتركوا عبادة الأوثان، الأوثان دي لا تسمع ولا تضر ولا تبصر ولا تنفع، صح ولا لا؟ حد عنده شك في كده يا إخوانا؟ الأصنام صح، الأصنام لا تسمع ولا تبصر صح، لا تنفع ولا تضر، حد عنده شك في كده؟ مش القصة دي واضحة جلية بالنسبة لنا؟ واضح، يعني تبدو المسألة مسألة بديهية، كيف كيف الإنسان يعبد شيئاً هو صنعه بيده؟ هو نفسه إذا جاع غلبته ضرورة الحياة فأكل إلهه الذي كان يعبده قبل قليل. ذكرنا ذلك حين تحدثنا عن شأن الجاهلية. إذاً تبدو الفكرة واضحة بسيطة، يعني الإنسان يجب أن يندهش حين يجد أن الأصنام وجدت من يدافع عنها بل وجدت من يقاتل في سبيلها، أليس هذا شيئاً مدهشاً؟ الأصنام، الحجارة، الأخشاب المصنوعة وجدت من يدافع عنها ووجدت من يقاتل في سبيلها ويقتل من أجلها، هو كل حروب النبي صلى الله عليه وسلم دي كانت حروب مع مين؟ مع المؤمنين بالأصنام والأوثان.
طيب، لذلك يا جماعة الخير يجب أن نكون أكثر عمقاً، هل كان العرب أو هل كان الناس على هذا القدر من الحمق والسفاهة؟ لا، هنا يجب أن نتأمل في هذا؛ أي مجتمع ينقسم بشكل عام بين قلة كبيرة غنية متنفذة وبين عدد كبير من عموم الناس. لو إحنا حاولنا نشوف هؤلاء القلة الكبيرة، القلة ذات المال والثروة والجاه، هذه القلة كانت تدافع عن الأصنام، لماذا؟ مستفيدة من إيه؟ مستفيدة من الأصنام. آه، يبقى الأصنام دي لم تكن مجرد أحجار لا تنفع ولا تضر، الأصنام دي كانت رمز النظام القائم. الأصنام كانت رمز النظام القائم، طبيعة النظام القائم، شكل النظام القائم. الأصنام صحيح لا تسمع ولا تبصر، صحيح لا تنفع ولا تضر، لكن هي بالنسبة للكبار هي أيضاً لا تأمر ولا تنهى، لا تكلف ولا تعاقب، صح ولا لا؟ وبالتالي فمن الذي سيتكلم باسم الأصنام؟ يعني من الذي سيتكلم عن إرادة الآلهة؟ من التي ستسير شأن المجتمع على اعتبار أن هذه هي إرادة الآلهة ورغبة الآلهة ومشيئة الآلهة؟ هؤلاء الكبار المتنفذون. يبقى هنا الأصنام لم تكن مجرد حجارة، الأصنام كانت نظاماً.
تمام، ولذلك يرى الكبار المتنفذون أهل الثروة والسلطة أن إزاحة هذه الأصنام ليست مجرد إزاحة لحجر أو شجر أو أخشاب، وإنما هي إزاحة لنفوذهم هم. تمام، وهنا يعني خلينا يجب أن نتأمل في هذا. الآن ذكرته في المرة الماضية أن طبيعة المجتمعات كما يقول نيتشه القانون هو التعبير عن رغبة الأقوياء، التعبير عن رغبة الأقوياء، يعني الأقوياء في لحظة انتصارهم جعلوا انتصارهم هذا قانوناً، فصارت مصالحهم مغطاة بالقانون، بالدستور، بالشرعية. فبالتالي أي حد هيجي يمس القانون هو في الحقيقة مش بيمس مادة من المواد أو مش بيمس ورقة من الأوراق مكتوبة، هو بيمس المصالح، المصالح الموجودة خلف هذه. ولذلك في كل مدارس القانون حتى الغربية يجب على المواطن إطاعة القانون حتى لو أنه كان يرى أن هذا القانون غير عادل، وبالفعل ممكن نكتشف بعد شوية أن القانون غير عادل ونغيره، بس لن نعفو عن الذي خرق القانون أيام كان سارياً.
وهناك مقال جميل للشيخ إبراهيم السكران فك الله أسره اسمه طاعة ولي الأمر في النظم الغربية، طاعة القانون غير العادل في النظم الغربية، جميل جداً، يمكنكم أن ترجعوا إليه وتقرؤوه. فالإنسان المواطن الحديث، المواطن في الدولة مكلف بطاعة القانون حتى لو كان يراه غير عادل وحتى لو اكتشفت الدولة نفسها أن القانون غير عادل فهي تغير القانون، لكنها لا تعفو عن خرق القانون. تمام طيب، إذاً المصالح التي كونت قانوناً والمصالح التي كونت عقائد صارت مهددة، حين تهدد هذه العقائد يبقى حقيقة الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المسلمين ما كانتش على مجرد أخشاب أو حجارة، بين المشركين والكافرين ما كانتش مجرد خناقة على إيه، أو ما كانتش مجرد صراع على معنى الخشب ومعنى الحجارة، إنما كانت صراعاً على لمن المرجعية؟ لمن السيادة؟ الأصنام دي ليس لها مرجعية، ليس لها رؤية، ما بتقولش ده صح وده غلط، لا تقول ده حلال وده حرام، وبالتالي فأصحاب القوة والنفوذ هم الذين يحكمون على الحقيقة ولكن بغطاء هذا النظام. تمام، ده كده رقم واحد، وهذه هي الجزء الأهم.
رقم اثنين، وهذا أمر مهم جداً لا يقل عن الأول، أنه يا جماعة الخير حتى هؤلاء الكبار منهم مع طول الأمد من يؤمن بهذه الأصنام إيماناً حقيقياً، وهنا يجب أن نتوقف وقفة كبيرة عند عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب. ذكرت في المرة الماضية أن النبي صلى الله عليه وسلم حين جمع أهله فيما يرويه أهل السير وقال له لو غررت الناس، قال: إن الرائد لا يكذب أهله، ولو غررت الناس كلهم ما غررتكم، ولو كذبت الناس كلهم ما كذبتكم، فوالله إني لرسول الله، ولتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالإساءة سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو نار أبداً. فرد عليه أبو لهب الرد المعروف، ولكن قال أبو طالب: بل امضِ لما ترى، فوالله ما أزال أحوط وأمنع، غير أن نفسي لا توافقني على ترك دين عبد المطلب.
طيب، من خلال ما قرأناه وما عرفناه عن أبي طالب يا جماعة الخير، أبو طالب ضحى بنفوذه، وضحى بمكانته، وتعرض للصدام مع قومه من أجل ابن أخيه، ودافع عنه عشر سنوات، مات سنة عشر من البعثة. أبو طالب إذاً، أبو طالب هنا ليس الرجل الذي كان يؤيد مصالحه ونفوذه من خلال وجود الأصنام، ولكن لما طال عليه العهد، لما طال عليه الأمد، الجماعة الكبار لا يتصورون في العادة أنهم كانوا مخطئين، يصعب عليهم جداً أن يستوعبوا أنه عاش حياته كلها على باطل، صعب جداً جداً. وحتى إلى آخر حياته، النبي صلى الله عليه وسلم كان على فراش موته يقول له: يا عم، قل كلمة أشهد لك بها أمام الله، قل لا إله إلا الله. وحوله ملأ قريش يقولون له: أتفارق دين عبد المطلب؟ أتفارق دين عبد المطلب؟ حتى مات وهو يقول: بل على دين عبد المطلب. لا يوجد أحد في كل التاريخ نفع الإسلام كما نفعه أبو طالب، يعني ما فيش إنسان غير مسلم ولا مسلم حتى نفع الإسلام في هذه الفترة كما نفعه أبو طالب. لو حسبنا يا جماعة الخير كل التضحيات لن تبلغ التضحية التي ضحى بها أبو طالب أيام كان الإسلام في أول أمره ضعيفاً، يعني النبي صلى الله عليه وسلم عاش عشر سنوات في حماية من، في منعة من؟ لماذا لم يجترئ عليه أهل قريش؟ لماذا؟ لوجود أبي طالب فقط، فلا يوجد أحد يستطيع أن يخدم الإسلام كما خدمه أبو طالب، ولكن لم تستطع نفس أبي طالب أن تفارق دين آبائه وأجداده.
يبقى بداية المصالح عملت عقائد، العقائد مع طول الزمن تصير عقائد حتى لو ما فيش مصالح. تمام، المصالح في البداية أنتجت عقائد، لكن العقائد إذا استقرت مع طول الزمن تصير عقائد حتى لو انتفت المصالح. ولذلك حتى تأمل في قوله: بل على دين عبد المطلب، هو مش متصور أن هذا السيد الكبير الأجل الذي انفرد بالسيادة في مكة كان على باطل. وعتبة بن ربيعة لما هيكلم النبي صلى الله عليه وسلم كما سنأتي إليه إن شاء الله في وقته، يقول له: يا محمد، أنت خير أم عبد المطلب؟ سؤال محرج، وذكرنا قبل ذلك في الحلقات السابقة أن عبد المطلب هذا كان بمثابة الشخصيات ذات التاريخ الكبير، الشخصيات الأبطال التاريخيين التي يتهيب الناس أن يخالفوه. ذكرنا كده مثلاً أنه هو إذا أحببنا نقرب الصورة، هتبقى زي مثلاً عبد العزيز في السعودية، زي الخميني في إيران، زي أتاتورك في تركيا، الشخص الذي مخالفته تعد جريمة. فلذلك يقول عتبة: يا محمد، أنت خير أم عبد المطلب؟ فإن كانوا خيراً منك فقد عبدوا الآلهة التي عبدت، وإن كنت خيراً منهم فتكلم نسمعك، يعني كما نقول باللهجة المصرية: وريني نفسك، تقدر تقول أنا خير منهم؟ فرسوخ الباطل يحوله إلى عقيدة ولو انتفت المصلحة.
طيب، إذا كان هذا حدث في الكبار فيظهر هذا بشكل أشد وأقوى وأرسخ وأظهر في عموم الناس. شوفوا يا جماعة الخير قاعدة ذهبية في الاجتماع البشري: ما تكرر تقرر. ما تكرر تقرر، يعني ببساطة شديدة، أي فكرة مهما كانت خرافية إذا سمعتها كتير ستؤمن بها مهما كنت، ما حدش يستثني نفسه من هذا الموضوع. وأنا أحكي لك حتى بأمثلة بسيطة جداً، أنا أتذكر مثلاً أيام كنا في المراهقة وما قبلها كان ممكن مثلاً تسمع الأغنية لأول مرة فتنفر منها، ما تعجبكش، لكن إذا تكررت عليك، سامعها في المواصلات، سامعها في البيت، سامعها في الشارع، سامعها في الدرس، بيحصل إيه؟ بتحفظها غصباً عنك، وقد تتعلق بها رغم أنك أولاً كنت نافراً منها. كم مرة قابلت في حياتك واحداً فنفرت منه، فلما جالسته وأكلت معه وشربت،
تعودت عليه وألفته، بل ربما أحببته وتعلقت به. كل فكرة طالما تكررت تمكنت، ولذلك يقولون في المثل المصري: الزن على الودان أمر من السحر، وهذه وهذا حق. وطبعاً الآن في عالمنا المعاصر بعدما صار لدينا وسائل إعلام، فوسائل الإعلام هذه أثبتت هذه القاعدة إثباتاً لا مزيد عليه. أتذكر أيام كانت انتخابات أوباما، فحصل استفتاء في المجتمع الأمريكي، الاستفتاء كان بيقول: هل الإنسان يتأثر أكثر بالأقوال ولا بالأفعال؟ فأنتم عارفين زمان كان أسلافنا يقولون: فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل. الكلام ده ينفع يبقى زمان، الآن هذه الإحصائية تقول إنه في الآخر الناس بتأثر بالأقوال أكثر من الأفعال، ولذلك يستطيع أشد الناس قسوة ووحشية وإجراماً بحملة إعلامية وحملة تلميع وتقديم بعض التبريرات وشوية من الموسيقى التصويرية والكاميرات والأغاني أن يمسح تاريخه السيئ. حقيقة هذا واقع، فأنا بقول لك حتى هذه إحصائية أجنبية، إن الناس بتأثر بالأقوال أكثر من الأفعال، وبعضهم يقول إنه حتى كتاب خطابات الرؤساء الأمريكان يحسبون السكتات والوقفات واللحظات التي ينبغي أن يبكي فيها المرشح وهو بيقول خطبته. نعم، وبعد كده طبعاً إيه مع مشاهد التصفيق والتصوير البطيء والموسيقى المصاحبة. بلاش، أنا أقول لكم على حاجة؛ الناس كلها دلوقتي بتسمع الكورة، أنا مش عارف البطولة اللي شغالة خلصت ولا لسه، كأس الأمم الآسيوية دي، أنا عايزك تجرب إنك تتفرج على ماتش الكورة من غير صوت، يعني اقفل الصوت اتفرج عليه من غير صوت، أزعم إنك مش هتستحمل تقعد ساعة ونصف قدام الماتش وهو من غير صوت. طيب ما الذي يحدث لما بتفتح الصوت؟ إيه اللي بيخلي الماتش ده غير المحتمل بقى معركة، والمعلقون يتبارون في إسباغ الألقاب وألقاب المعارك: خطير وما حصلش، وأنت تكتب التاريخ، وأنت تصنع الجغرافيا، ويتفننون فيها؛ إيه ده؟ إيه يا إخواننا يا جماعة الخير؟ كل فكرة مهما كانت هراء وخرافية إذا تكررت تمكنت وترسخت واستقرت.
ولذلك وجدت الأصنام من يدافع عنها، لأن هؤلاء نشأوا في بيئة آباؤهم وأمهاتهم، مشايخهم وأساتذتهم، حكامهم وفرسانهم ومقاتليهم كلهم عبدوا هذه الأصنام وقدموا لها النذور وذبحوا عندها القرابين. فأنت تأتي لكي تقول هذه الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر دعوها وكسروها، أنت كأنك تكسر في داخل الإنسان هدماً كبيراً، شيء بُنيت عليه نفسه، واضح؟ فبالتالي الكبار يدافعون عن الأصنام لأن الأصنام رمز نظام يحافظ على مصالحهم، ومن الكبار من طال به العهد وطال به الزمن حتى دافع عن الأصنام ولو فاتت المصلحة، وعموم الناس تبع للكبار منهم، وما تكرر عليهم تقرر وثبت في أنفسهم تماماً. فمن هنا يمكنك أن تفهم كيف كانت المعركة معركة شديدة جداً في مكة دفاعاً عن الأصنام التي قد لا يتصور أحد أن الأصنام قد تجد من يدافع عنها.
الآن لو إحنا تأملنا أو حاولنا ننظر من وجهة نظر قريش، ما المصالح التي كانت عند قريش تجعلها تدافع عن عبادة الأصنام؟ أول شيء يعني واضح جداً وهو النفوذ والرئاسة والزعامة، أنتم عارفين آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرئاسة تماماً، الرئاسة دي منتهى اللذائذ والغرائز، يعني من الناس من شهوته في النساء الرئاسة عندها نساء، ومن الناس من شهوته في المال الرئاسة عندها مال، ومن الناس من شهوته في الشهرة الرئاسة عندها شهرة، الرئاسة دي منتهى اللذائذ والغرائز، ولذلك تجد المرء يزهد في المأكل ويزهد في المشرب ويزهد في الملبس، لكن إذا نوزع على مقامه انتفض واقفاً. أنتم عارفين هند بنت النعمان بنت ملك الحيرة لها بيت شعر صار مضرباً للمثل كانت تقول: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف، يعني إيه؟ بتقول الدنيا دي غدارة ويعني تتقلب بأهلها، فشوف نقلتنا من إيه نقلتنا من بينما نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة؛ ده إحنا بقينا زيهم نتنفس له ويقبل منه ويؤخذ منا الحق، هذا أمر لا يطيقه الرؤساء ولا يطيقه الملوك. سيدنا معاوية كانت له كلمة عظيمة جداً تعبر عن نفسية السلطان، سيدنا معاوية طبعاً مشهور بالحلم، والحلم في السلاطين والملوك نادر نادر جداً أن تجد القادر على البطش حليماً، هذا شيء نادر جداً، فسيدنا معاوية يعني تجرأ عليه أحدهم فلما زاد في تجرؤ قال: يا فلان إن السلطان يغضب غضبة الصبي ويبطش بطشة الأسد. السلطان ده استفزازه سهل زي الصبي، لكنه إذا بطش بطش بطشة الأسد، فأمر لا تطيقه الملوك أن تنزل عن مكاسبها، ولذلك ابن خلدون يقول: الملك قل أن يسلمه أحد بلا قتال، وإذا كان الناس الموظفون بيتخانقوا على مواقعهم في الشركة مواقعهم في المصنع، فكيف بالذي يملك أن يأمر وينهى؟ فأول مصلحة يهددها زوال الأصنام هي مصلحة الرئاسة والزعامة، وهذا أمر مهم إنك تقول لواحد يعني زي دلوقتي واحد عنده مليون جنيه أو عنده عقار ضخم هو يملكه ثم جاءه من يثبت له أن هذه الأرض أرضه وهذا العقار عقاره، أي الناس تسمح نفسه بأن يخضع للحق وينزل عن هذا؟ طيب إذا كان ده في مليون جنيه ولا إذا كان في عقار كيف بالبلد؟ عمركم شفتم حد بينزل عن عقار ولا شقة ولا تمام؟ نعم.
المصلحة الثانية مصلحة التجارة، أنت دلوقتي عندك 360 صنماً حول الكعبة، وكانت العرب يعني أحد أشكال زعامة قريش بين العرب هو أنه لكل قبيلة من قبائل العرب صنم معبود موجود في الكعبة، فإحنا كأننا هنا في إيه مجمع الآلهة أو المعبد الأكبر تماماً، طيب وبعدين؟ إحنا عمالين نصنع أصنام، ده إحنا عندنا الكعبة لوحدها فيها 360 صنماً، لكن العربي كان لكل قبيلة صنم، ولكل بيت صنم، وإذا خرج إلى السفر، فإحنا دلوقتي عندنا صناعة هائلة وهي صناعة الأصنام، وعندنا جماعة من الفنانين والنحاتين المتقنين، ما هي أي صناعة مطلوبة لازم إيه تنشئ مهارتها، زي دلوقتي أي مرشح إسلامي يترشح في أي بلد، أول سؤال هتعمل إيه في الخمر؟ هعمل إيه في السياحة؟ الحاجات دي قائم عليها الاقتصاد، ولا أنت هتدمر الاقتصاد المصري أو غير المصري؟ يعني أياً ما كان، لكن القصد هنا إنه أيضاً المصلحة التجارية تجعل حتى من كان يرى ويعتقد أن ما جاء به محمد هو الحق، فالحق ده والله مضر دلوقتي، مضر ومكلف، وقد ذكر الله ذلك في كتابه فقال: وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، فأقروا أنه هدى، ولذلك وهذا كلام تكرر حتى يعني لدى المعاصرين من يقرأ منكم بعض المذكرات أو له اختلاط ببعض المشايخ الذين قابلوا رؤساء وملوك ويقول له هذه الكلمة يقوله: يعني أنت دلوقتي عايزني أطبق الشريعة وأمريكا هتسيبني في حالي؟ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، وبالتالي ففي كمان مصلحة تجارية؛ كيف نوقف هذه الصناعة الكبيرة صناعة الأصنام التي يدور عليها الاقتصاد القرشي؟ كيف نوقف صناعة الخمر؟ كيف نوقف صناعة الميسر؟ أنت دلوقتي لو حابب تقفل الأماكن اللي بتعمل مقامرة أو اللي بتعمل زنا، هتلاقي إيه؟ هتلاقي كثيراً من الناس يخرج لك بالدافع الاقتصادي، فهذه أيضاً أحد المصالح التي يهددها قريش.
طيب الأمر الثالث المكانة السياسية المهددة، الآن ضع نفسك مكان قادة قريش وجاءت رسالة دعوة، فهموا منها من اللحظة الأولى أنها دعوة سياسية وليست دعوة دينية، وأنها دين ودولة. طيب أنا الآن موجود في الزعامة فعلاً وموجود في القيادة فعلاً، والعرب يحجون البيت ويعظمون قريش ولا يجرؤون عليها بالمنطق المادي الدنيوي، لماذا أقبلوا رسالة تثير عليَّ عداء العرب؟ أنت عارف لما لو حين يتم إنشاء دولة في محيط غير قابل بها إيه اللي بيحصل؟ حروب ونزاعات، يعني مثلاً لما حصلت الثورة الفرنسية في أوروبا ونادت بالجمهورية تعاون عليها كل ملوك أوروبا لأنهم هم ملوك، ماذا يعني؟ حتى لو في ملكين أعداء لكن يتعاونوا معاً ضد الفكرة التي تودي إزالة الملكية بالجملة وتريد جمهورية، لما حصلت ثورات الربيع العربي كل من له مصلحة حتى لو كانت الثورات لا تهدده تواطأ عليها لكي يخمدها، فقريش الآن هي زعيمة العرب، فلماذا تتكفل وتحمل رسالة تثير عليها كل هذه العرب؟ فالمكانة السياسية مهددة بالزوال، وأن تنتقل زعامة العرب إلى غيرهم ممن سيدافع عن الأصنام، وكذلك تدخل هي في حروب، ولذلك ذكرت وأكرر كلمة عتبة بن ربيعة وهو يقول: يا معشر الناس دعوا هذا الرجل، فإن تصبه العرب فقد كفيتم بغيركم، وإن ظهر على العرب فعزه عزكم وملكه ملككم وكنتم أسعد الناس به، فالعربي فهم من اللحظة الأولى من كلمة لا إله إلا الله أنها دعوة دين ودولة. ولذلك أبو الهيثم بن التيهان كما في الإنصاف عند بيعة العقبة الثانية وهو يقول: يا معشر الناس انظروا على ما تبايعون هذا الرجل، إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس، والنبي حين كان يدعو ويعرض نفسه على القبائل كان يقول: من يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا في الدعوة الجهرية كان يقول: قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، فدعوة الإسلام ليست دعوة مستكينة ومستسلمة وراضية بالحياة في ظل سيادة أخرى، وإنما هي سيادة الله تبارك وتعالى على هذه الأرض، ولذلك يا جماعة الخير إذا فهمنا هذا فهمنا كيف كانت المعركة شديدة ومشتعلة، لأنها كانت معركة حول نظام وليست مجرد معركة حول فكرة من الأفكار.
طيب، الآن السؤال المهم، هل في حياتنا الآن أصنام؟ هذا هو، لو أنك ترى أن الأصنام دي مجرد شيء كان زمان ومشي فقد لا ترى أن عالمنا الآن محتاج إلى الإسلام، مش كلنا، نعم، إيه نعم بس هنا يعني إذا كان تصورنا عن الإسلام أنه الإسلام ضد الأصنام التي هي الحجارة والأخشاب فكده الإسلام إيه مرحلة وانتهت، وإحنا كلنا الحمد لله بنقول لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وبنصلي وبنصوم، تمام؟ حقيقة لم تكن هذه هي المعركة، ولذلك أقول لكم هذه اللحظة هي اللحظة الأخطر في السيرة النبوية، اللحظة الأخطر في فهم الإسلام وفي فهم هذا الصراع المحيط به الآن، ما كيف تعرف الصنم؟ الصنم هو الذي لا يقبل المساس به تماماً، كل شيء تشعر أنه لا يقبل المساس به أو وأنت رايح تتكلم عنه بتتحسس كلامك، هذا صنم في حياتنا الواقعية، هذا في حياتنا الواقعية، طالما تتحسس من الكلام عنه فهنا في معركة سيادة بين هذا الصنم وبين الإسلام. الخط الأحمر كويس هذا يعني كلام تعبير مهذب ولطيف، الخط الأحمر وإحنا الحمد لله عندنا خطوط حمر كثيرة، إحنا عندنا مثلاً إيه القضاء الشامخ، والقضاء، حد يجرؤ أن يعلق على أحكام القضاء يا جماعة القضاء الآية الشامخ؟ جيش مصر العظيم، بلاش مش عايز أقول مصر يعني عايز أقول أي جيش عظيم لا يقبل المساس به، أي حاجة يتحط وراها عظيم، شامخ، شريف، نزيه، يعني تمام؟ أي شيء تتحسس من الكلامي عنه فهو بمثابة الصنم، مش للدرجة دي، تمام؟ وأشد هناك بقى الأشياء التي نرى نحن الآن كيف يذبح الناس من أجلها، الحدود الوطنية، الأمن القومي، التراب الوطني، العلم، علم الدولة، هذه أشياء يذبح الناس من أجلها ويموت الناس تحت عناوينها، تمام؟ التراب المقدس. فمن لا يكتشف أنه الإسلام الذي يجعله السيادة لله ويجعل الخط الأحمر فقط هو الله ورسوله، من لا يكتشف أن الإسلام في معركة مع هذه الأوثان والأصنام المعاصرة، هو في حقيقة الأمر مش لا ينتبه إلى معنى يسود حياتنا الواقعية. وأذكر لكم أن المستشرقين والغربيين يفهمون هذا أكثر بكثير من المسلمين، وهذا أمر مضطرد، يعني من قرأ منكم مثلاً كتاب النظام العالمي لهنري كيسنجر، هنري كيسنجر مات قبل شهرين تقريباً، كتاب النظام العالمي لهنري كيسنجر صريح أنه هذا العالم، هو طبعاً بيتكلم عن التهديدات، لكن حقيقة بيتكلم عن التهديد الإسلامي باعتباره تهديداً لا حل له، لأن الشريعة مختلطة بالعقيدة، فالأمم الأخرى ممكن أنت تعبد شمساً تعبد قمراً وتعيش حياتك بقوانين الغرب أو القوانين التي يفرضها الغرب، لكن الإسلام تختلط فيه الشريعة بالعقيدة اختلاطاً لا يمكنه الفكاك منه. طيب هذا الكلام ذكره هنري كيسنجر مثلاً في كتاب النظام العالمي، أنا الآن سأذكر لكم شيء، مونتسكيو في الفيلسوف الفرنسي المشهور في كتابه روح الشرائع أشهر كتبه، يقول بأن التغلغل الإسلام في حياة المسلمين لا شبيه له في أي دين آخر. ذكرت صمويل هنتنجتون في كتابه صدام الحضارات: الإسلام هو الدين الوحيد الذي جعل بقاء الغرب محل شك وقد فعل هذا لمرتين على الأقل، ارتباط العقيدة بالشريعة أحد المزايا العظمى في الإسلام وهي بالنسبة لغير المسلمين أحد المعضلات العظمى في الإسلام، أنه لا يعني حتى الآن محاولاتهم لصناعة إسلام معتدل، إسلام يوافق الحداثة، إسلام مدني ديمقراطي حديث، كل هذه عناوين مكتوبة ككتب ومنشور فيها هذه أحد المعضلات الشديدة غير المحلولة، لأن الإسلام تختلط فيه العقيدة بالشريعة. من يقرأ منكم مثلاً سورة الشورى، سورة الشورى يا جماعة الخير موضوعها هو النظام السياسي الإسلامي حقيقة، وأهمها هو هذه السيادة، ولذلك بدأت: كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، ثم جاءت وذكرت اختلاف الناس فيما أوحي إليهم: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ شَرَعَ لَكُم مِّنَ...
الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك. أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، وأمرهم شورى بينهم. لكن أنت لما تقرأ سورة الشورى تشعر أنك في نظام يرتبط فيه الحياة والكون والتوحيد والملائكة والرزق بالنظام السياسي.
فهذه وقفة مهمة لاستيعاب أنه الإسلام في حقيقته حركة تغيير ورسالة إصلاحية. المهم، فلذلك نقول إن الخلاف الأساسي بين الإسلام وبين أي نظام آخر هو خلاف السيادة وخلاف المرجعية. هذا الخلاف يا جماعة الخير ليس له إلا احتمال من اثنين: إما أن يكون الإنسان خاضعاً لله، أو يكون خاضعاً لغيره من البشر. البشر ده مستخبي وراء نظام وعقائد، مستخبي وراء أصنام، مستخبي وراء قوانين، مستخبي وراء دساتير، مستخبي وراء آلهة أياً ما كان، لكن بالنهاية البشر في أي نظام آخر مستعبد للبشر. وهذه هي كلمة ربعي بن عامر رضي الله عنه حين كلم رستم فقال: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد. هذه كانت مهمة واضحة جداً في أذهان الصحابة. وأستغرب عدي بن حاتم لما سمع قول الله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. فقال يا رسول الله ما عبدناهم، ما اتخذناهم أرباباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أليسوا يحلون الحرام ويحرمون الحلال؟ قال: نعم. قال: فتلك عبادتكم إياهم. يبقى حقيقة الرب، حقيقة الإله، هو الذي يملك إيه؟ يملك التشريع، يملك أن يقول هذا صواب وهذا خطأ، هذا حق وهذا باطل، هذا حلال وهذا حرام، هذا قانوني وهذا غير قانوني، هذا دستوري وهذا غير دستوري، هذه حقيقة صاحب السيادة.
طيب، الإنسان يا جماعة الخير لو خرج من عبادة الله فهو بالتأكيد داخل في عبادة البشر، ما فيش احتمال ثالث. مثلاً الإنسان الآن إذا قرر أن يعلن إلحاده، هو حين قرر أن يعلن إلحاده ما الذي سيفعله في حياته؟ سيتحول من الحلال والحرام الإسلامي -صح حلال وحرام بمعنى الشرع- لكن هل سيتحول من عادات وتقاليد وقوانين المجتمع الذي يعيش فيه؟ مش هيتحول، فبالتالي هو عمل إيه؟ هو انتقل من عبودية الله إلى عبودية المجتمع والدولة والبيئة التي هو فيها. البنت إذا أعلنت إلحادها، خلعت الحجاب، لبست القصير، الثياب التي سترتديها بعد إلحادها ثياب مين عملها؟ الغرب الغالب الحالي، ولا هتروح تلبس ثياب هندية مثلاً ولا ثياب أفريقية؟ لو في الهند أو في أفريقيا هتلبس ثياب هندية، لكن لذلك ابن القيم يقول: الفرق أمر ضروري، فمن لم يكن فرقه ربانياً -يعني التفريق بين الأشياء، المعيار الصح والغلط، الحلال والحرام- أمر ضروري في كل بشر وفي كل مجتمع وعند كل إنسان، لكن من لم يكن فرقه ربانياً كان فرقه وضعياً، إما بسياسة سائس من فوقه، دي قوانين المجتمع أو الدولة، أو بذوق من عنده أو من عند غيره، شهوة، يعني شيء يستحسنه هو من نفسه أو يستحسن له بالضغط الإعلامي والضغط الثقافي الموجود حوله وهكذا. فبالنهاية لا، كل إنسان له مرجعية، كل إنسان له من يخضع له، عرف هذا أو لم يعرفه، شعر بهذا أو لم يشعر به، كل الفارق بين الإسلام وبين غيره هو أن هذا مصروف لله تبارك وتعالى.
طبعاً، فلذلك ستجد أن كفار قريش كانوا أفهم للإسلام حقيقة من كثير من المسلمين المعاصرين، ولذلك هاجموه هذه المهاجمة. كثير من المسلمين لا يستوعب مثل هذه المعاني ولا يشعر بها، وهذه منقبة تضاف للسابقين الأولين، لأن السابقين الأولين أدركوا أن هذه الدعوة، دعوة لا إله إلا الله، تنطوي على كل هذه المعاني التي يفارقون بها قومهم ويدخلون بها في صدام مع قومهم ومع آبائهم ومع أمهاتهم ومع تاريخهم. وهذا يا جماعة أمر صعب وأمر شاق جداً على النفوس، يعني لك أن تتصور أن واحداً زي سيدنا خالد بن الوليد رجل كان يقرأ في كتاب الله أن أباه في النار: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. عكرمة بن أبي جهل كان يدرك أن يؤمن بأن أباه في النار، وذكرت لكم في مرة سابقة أن سيدنا أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة رأى أمامه في غزوة بدر مقتل أبيه وأخيه وعمه. فهذه منقبة عظمى تضاف إلى السابقين الأولين أنهم فهموا هذه الدعوة وآمنوا بها والتحقوا بها من البداية رغم ما فيها من التكاليف.
طيب المهم، الآن لو نحن تأملنا القرآن الكريم سنرى أن كفار قريش لم يكونوا معترضين على وجود الله، القرآن الكريم حافل بالآيات التي تقول: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم. وإن سألتهم من خلقهم ليقولن الله. تمام، فكفار قريش ما كانوش معترضين على إيه؟ على أن الله موجود وعلى أن الله خلق، معترضين على إيه؟ على أمرين، على أن الله أمر ونهى وعلى أن الله يحاسب يوم القيامة، فما كانوش عايزين يؤمنوا بيوم القيامة، ولذلك ستجد الحوار الطويل في القرآن الكريم معهم على مسألة البعث واليوم الآخر، ولذلك جاء الإسلام بالإيمان بالله وباليوم الآخر، هذا أمر مهم للغاية. كفار قريش لم يكونوا يعترضون على أن أحداً من الناس يؤمن، وهم أنفسهم كانوا يؤمنون بأن الله موجود وأن الله خلق السماوات والأرض، أيوه بس، بس هذا كان في إطار مساومة. لكن الآن قبل أن ندخل في المساومة أصلاً لم يكن ما صدمهم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الله موجود أو الله خالق، الذي كان صدمهم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم: لا إله إلا الله، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً. وهنا ستجد بقى إيه، يعني استخرج كفار قريش كل مواهبهم لمحاولة إنكار اليوم الآخر، يعني لم يكونوا يحاولون إنكار وجود الله قدر ما حاولوا إنكار وجود اليوم الآخر.
وفي الرواية إما أنه عقبة بن أبي معيط وإما أنه العاص بن وائل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظام قد بليت ففركها في حجره وقال: أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد أن صارت رميماً؟ ده المنهج العلمي، النزعة العلموية، المنهج العلمي بمثابة قريش، كيف فُتات هذا يصير بشراً مرة أخرى؟ فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا. في حياتكم العادية الشجر أخضر والنبات أخضر لكن هذا الشجر الأخضر حال إلى حطب واشتعل ناراً، فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وفي آية سورة مريم يقول ربنا تبارك وتعالى: وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا. الإيمان باليوم الآخر كان هو التحدي الأكبر. لأنه الذي، أنتم عارفين في الفلسفة اليونانية يقولون في مقولة مشهورة تسمى إله أرسطو أو إله أفلاطون، سبحان الله وقع الوهم مني ولكن أظنه أرسطو، مين إله أرسطو ده؟ أرسطو كان لديه وجهة نظر تقول بأن الله عظيم جداً جداً جداً لدرجة أنه أعظم من أن يفكر في خلقه أو أن يدبر أمره، فهذا الكون هو بالنسبة لله كالساعة بالنسبة لصانع الساعة، صانع الساعة أتقنها ووضع فيها قوانينها التي تسيرها، ثم تركها، ما عندوش علاقة بها دلوقتي. الإله ده إله حلو عند كل الناس على فكرة، ليه؟ ليس له حضور، لا أمر ولا نهي، وبالتالي لا حساب. لكن الإيمان باليوم الآخر يجعل الله تبارك وتعالى صاحب أمر ونهي وصاحب تكليف وحساب تمام.
ولهذا يا جماعة الخير يجب أن نفهم أنه، طب إيه معنى الكلام ده؟ يعني لو احنا بنحاول نقربها الآن بمصطلحاتنا المعاصرة، معنى الكلام ده أن كفار قريش كانوا علمانيين، لأن هو ما عندوش اعتراض، ما عندوش اعتراض أن أنت تبقى مؤمن بالله، أو حتى هو ممكن يبقى مؤمن بالله. إحنا الآن في عالمنا المعاصر كثير من العلمانيين يرى أنه غير منافٍ للإسلام، وبعضهم يسمي نفسه ليبرالي على سنة الله ورسوله، تمام؟ هو شايف أن العلمانية دي طريقة لإدارة الحياة والدين ده بين الإنسان وبين ربه. يعني لو أنا دلوقتي هتمثل أن جماعة قريش دول كانوا بيتكلموا بلسان اليوم، هيقولوا إيه؟ تصوروا معايا كده، يعني لو فيه متحدث رسمي بلسان قريش هيقف ويقول إيه؟ يقول: والله نحن في دولة مكة، دولة تتسع لكل الأديان والمذاهب والطوائف، وما عندناش أي مشكلة أن محمد يبقى عنده الدين بتاعه، لكن إحنا بنحارب محمداً علشان إيه؟ لأنه يريد إجبار الناس على عبادة إله واحد لا شريك له، وهذا مخالف للحقوق والحريات ومخالف للدستور الذي وضعه المؤسسون العظام لقريش الذين يشهد الجميع لهم بالحكمة وبالعقل، وبعدين يبدو أنها والله نزعة طائفية أو نزعة قبلية تريد بني هاشم أن تنقلب على السلطة وتأخذ الحكم لنفسها بدل ما إحنا في حكومة ائتلاف وطني والناس كلها موجودة وبتحكم مع بعض، وزي ما قلت لك ده إيه؟ تعكير للسلم الاجتماعي وضرب للوحدة الوطنية. صح ولا لا؟ كل هذا.
طيب، نستكمل المرة القادمة إن شاء الله، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله.
محمد إلهامي