السيرة النبوية | 9. أمور غريبة تحصل للنبي قبيل بعثته!

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحبا بكم أيها الإخوة والأحباب.

قبل أن نبدأ، كان سبحان الله يعني اليوم نحن في صلاة الجمعة، كان أحد أصحابنا من أعمدة المسجد، ممن يصلي معنا دائماً في المسجد، وممن يبكر إلى الصلاة، سبحان الله كنا في آخر الخطبة، في آخر الخطبة، فإذا به يسقط ميتاً، وهو من أحبابنا أهل الشام من دمشق، وقد جاء إلى هذه البلاد يعني مع الظروف التي تعرفونها جميعاً. كان قد اعتقل في، حدثني أنه اعتقل في بداية الثورة السورية، ثم يعني استطاع أن يرشو هؤلاء السفاحين الظلمة، فخرج واستقر هنا، ولكن أنا في خلال هذه السنوات التي سكنت فيها إلى جوار المسجد كان نموذجاً للذين يحافظون على الصلاة، ويبكرون إلى الصلاة، ولا يمنعهم عن الصلاة حر ولا برد. وهذه من حسن الخاتمة؛ فهو قد مات في آخر خطبة الجمعة يعني بعد نهاية الإمام من الدعاء، فانتهزها فرصة لكم ولمن سيشاهدون على اليوتيوب فيما بعد، نسأل الله تبارك وتعالى أن يغفر له ويرحمه، وأن يكرم نزله، ويوسع مدخله، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجعل هجرته في ميزان حسناته، وأن يربط على قلب زوجته وأولاده. ونسأله تبارك وتعالى كما اجتمعنا وإياه في الدنيا في حلق الذكر وفي المساجد، أن يجمعنا في الآخرة في مستقر رحمته ودار كرامته، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يحسن ختامنا وختام المسلمين.

وهذه الدنيا قال الله تبارك وتعالى فيها: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ. وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. ونحن طبعاً نعيش مذابح يومية تحدث لأهلنا في غزة، وأهلنا في الشام، وكذلك في السودان، وأمور وبلاد أخرى، فمن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد. وهذه الدنيا دار ممر لا دار مقر، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يزهدنا وإياكم في الدنيا، وأن يرغبنا وإياكم فيما عنده.

وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من أكيس الناس؟ قال: أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً لما بعد الموت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات. وقال صلى الله عليه وسلم: فإنه ما ذكر في قليل إلا كثره، وما ذكر في كثير إلا قلله. يعني الموت، حين الإنسان إذا كان غنياً وفي سعة وذكر الموت، فإذا الكثير الذي هو فيه يكون قليلاً، وإذا كان في قلة وذكر الموت، فإذا القليل الذي هو فيه يراه كثيراً. فهذه الدنيا أيام، وقد مات رسول الله، وقال الله له: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. فهذه تذكرة لنفسي ولكم، ويعني نتواصى بالدعاء أن يرحم الله أمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، وأن يختم لنا بالباقيات الصالحات. يعني هذا أقل الواجب علي بالنسبة لرجل عاشرته سنوات، فكان لم يجمعنا إلا المسجد.

نعود إلى ما كنا فيه من حديث السيرة النبوية، فنقول هذا هو المجلس التاسع في السيرة النبوية، ونحن كنا توقفنا في المرة الماضية عند الأحداث البارزة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة. وكنت ذكرت في المرة الماضية أني كنت أنوي الكلام عن زيجات النبي صلى الله عليه وسلم مع تعرضنا لزواجه من خديجة رضي الله عنها، ثم بدا لي أن نجمع الكلام في زيجات النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد، يعني في أواخر السيرة إن قدر الله لنا البقاء واللقاء.

فاتنا أن نذكر من أحداث النبي صلى الله عليه وسلم فيما قبل البعثة حادثة تبنيه لزيد بن حارثة، وهذه من الحوادث المؤثرة، والتي تظهر أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم وتظهر وفاءه كذلك. وزيد بن حارثة هو مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والمولى بمعنى العبد، وكما تعرفون كانت العبيد كانت الحروب ليس فقط عند العرب، وإنما عند العرب وغيرهم من الأمم من الفرس والروم وغيرهم، فكان القوم إذا غلبوا الآخرين استعبدوا أولادهم، وكذلك اتخذوا نساءهم جواري. ففي غارة من غارات العرب على بني كلب أسر زيد بن حارثة وقد كان غلاماً، ثم بيع في الأسواق عبداً حتى وصل إلى خديجة، فأهدته خديجة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان مولاه. ولأن مكة كما ذكرنا كانت مركز تجارة عالمي وكان يحج الناس إليها، فبعض من عرف زيد بن حارثة في مكانه رآه في مكة وعرف أنه مولى عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أهله بذلك، يعني أخبر أهل زيد بأن ولدهم قد صار في جوار واحد من قريش، فهرع أهله إليه يريدون أن يستنقذوه، أبوه وعمه، حتى وصلوا إلى مكة، ووصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك قبل بعثته.

فقالوا له: يا ابن عم، قد عرفنا أنك من خير الناس ومن أحسن الناس أخلاقاً، وأن لنا عندك ولداً. قال: وأي ولد هو؟ قالوا: زيد، فنحن نعظم لك فيه، يعني المال الذي دفعته في شرائه نعظم لك فيه ورده علينا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلا أدلكم على خير من ذلك؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أدعوه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فما كنت أوثر بالذي يختار علي أحداً، يعني لا أختار من يختارني. فقالوا: والله هذا من الكرم، لأنه أفضل مما تصوروا. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم: يا زيد، أتعرف هذين؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي. قال: فإنهم يريدونك أن ترجع معهم. فقال: ما كنت بالذي أختار عليك أحداً، فانت ترى في جواب زيد رضي الله عنه مدى ما كان يتمتع به النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق، أنه يفضله الناس في الجاهلية على آبائهم، ويفضلون العبودية في ظله على الحرية في أقوامهم.

فطبعاً استغرب أبوه وعمه أمراً ما لم يكن متوقعاً أبداً، فقالوا: ويلك تختار الرق وما أنت فيه من العبودية على أن تعيش في قومك وأهلك؟ قال: لقد رأيت من هذا الرجل ما لم أره من أحد قط. فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بطحاء مكة يعني الساحة الكبيرة في مكة -يعني بمصطلح هنا الآن مش ميدان التحرير أو ميدان تقسيم لا بمصطلح هنا الآن على التليفزيون- وقال: يا أهل مكة، اشهدوا أن زيداً ولدي وأنا والده، يرثني وأرثه. وبذلك لم يعتقه فقط وإنما اتخذه ولداً، وهذا أيضاً فوق الكرامة، ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم كان يجزي فوق ما يتوقع من أكرمه ومن أحسن إليه. فهذا موقف يدلنا على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى حضوره في مجتمعه، وظل يقال زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تبارك وتعالى بإبطال التبني، وذلك في العام الخامس للهجرة حين نزلت سورة الأحزاب، وفيها قول الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ.

الآن نحن لو أردنا أن نتوقف عند حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، يعني نحن الآن اقتربنا من عمر الأربعين، وأردنا أن ننظر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأربعين سنة، فسنرى أن هذه الأربعين سنة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي حياة رجل عادي، يعني لا أقول عادي بمعنى أنه مثله مثل الناس، بل هو مميز على هذا المستوى، ولكن حياة رجل لم يكن يطمح إلى الزعامة، لم يكن يطمح إلى السيادة، لم تبد عليه أخلاق أنه ينافس على السلطة، يعني الطبيعي في الزعماء والقادة والسياسيين وأصحاب المواهب أنه تنشأ لديهم هذه المواهب منذ عصر المراهقة وعصر الشباب، يعني أنت إذا تأملت في سير الذين تولوا زعامة قومهم تكاد تجده منذ البداية وهو رئيس على الأولاد في فترة صباه، رئيس على الشباب في فترة الشباب. أما أن يكون الرجل عادياً هادئاً ساكناً، يتجنب ما كان عليه قومه من الباطل حتى يعني لا يشبههم به، هو يتجنبه لا يقاومهم فيه، لا يحاول تغييرهم عما كانوا عليه، ثم يأتي بعد هذه الأربعين سنة فينادي بأنه نبي، وأنه قد أرسل إليه، فهذه من حكم الله تبارك وتعالى في أن الأنبياء يبعثون عند الأربعين، لأنه يندر جداً أن يتغير أو ينقلب ميزان الإنسان بعد الأربعين سنة، هذا نادر جداً.

الأمر الثاني، وهذا الأمر الحقيقة لفت النظر إليه الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل فك الله أسره، وهو الشيخ حازم يقول: وأنا الذي لفت نظري إليه أحد الأوروبيين حين كنت أكلمه في الإسلام، يقول الرجل اندهش وانتبه إلى أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم 63 سنة، حياته في الرسالة 23 سنة فقط، بينما 40 سنة من حياته هو نفسه لم يكن يعرف أنه نبي، ولا تكلم في دعوة النبوة. فيقول هذا الرجل الأوروبي المسيحي -لأنه طبعاً الأوروبي المسيحي هذا يقيس على الاستثناء الوحيد في حياة الأنبياء تقريباً وهو سيدنا عيسى- أن سيدنا عيسى قال إنه نبي متى؟ في لحظة ولادته، قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وسيدنا عيسى مات وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، يعني رفع وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، وهنا أيضاً يجب التنبيه على أنه يمكن القول في حق سيدنا عيسى أنه توفي، لأن الله تبارك وتعالى قال فيه: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. فيعني إذا عبر أحدهم عن رفع المسيح بالوفاة أو حتى بالموت، فإن هذا يصح وهو ليس بمستنكر لأنه جاء في لفظ الآية. فإذاً نحن نتكلم الآن عن نبي عاش 40 سنة، ولذلك لم تظهر عليه علامات، علامات أنه يريد أن يسود قومه، ويريد أن يتزعمهم، ويريد أن يحطم ما هم عليه من الباطل، وهذه الأربعين سنة هي 40 سنة من الصدق والأمانة وحسن الأخلاق، ولم تكن مجرد 40 سنة يحياها كما يحيا الناس، فهم كانوا يعرفونه في هذه الأربعين بما يجعلهم يصدقونه إذا دعا فيهم بدعوة النبوة.

ولذلك نحن ذكرنا هذه الآية أكثر من مرة، ولكن يزيد في معناها الآية التي قبلها، الآية في سورة يونس يقول الله تبارك وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا، وهذا أمر مهم، لأنه الذي يهرب من الآخرة هو الذي يتعلق بالدنيا، أسوأ شيء، قال تبارك وتعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ. ولما أراد الله تبارك وتعالى أن يظهر ما عليه اليهود من البطلان فقال: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، ثم قال تعالى: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا، وفي آية أخرى: وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. فهؤلاء يخبر الله تبارك وتعالى عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ. يعني هذه الرسالة، شوف الله تبارك وتعالى يقول: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، وهذا في كلام الأنبياء لأقوامهم، أنه والله أنت كويس، لكن اللي أنت الرسالة اللي أنت جاي بيها دي رسالة صعبة، ورسالة يعني ضد مصالحنا، وضد منافعنا، وتثير علينا القوى الدولية والقوى الإقليمية، وتثير علينا عبيدنا. وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۞ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. فاستدل النبي بصدقه على دعواهم، ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي.

طيب لو أن النبي يملك تبديل الرسالة من تلقاء نفسه، أكان يكون نبياً؟ الداعية، الداعية يا جماعة الخير، الداعية الذي يحمل الفكرة، الذي يوصل الرسالة، الذي يبلغ الدين، وظيفته البلاغ. يعني من جلس مجلسي هذا أو جلس مجلساً يرشد فيه الناس، أنا ليس من وظيفتي أن أطوع الدين ليوافق هواك، أو يوافق مصلحتك، أو لكي أقنعك به. وظيفة المرسل هي البلاغ، أن يعرض الدين كما جاءه من الله تبارك وتعالى، واجب عليه أن يحسن هذا العرض ما استطاع، وأن يخلص في هذا العرض ما استطاع، لكن ما يكون له أن يتلاعب بهذا الدين، أو أن يغيره، أو أن يبدله. ولكي نفهم خطورة هذا الموقف، يجب أن نعرف أن الذين حرفوا الكتب لم يكونوا أعداء المرسلين بل كانوا أتباع المرسلين. يعني الذي حرف التوراة أعداء موسى أم بنو إسرائيل الأحبار والرهبان؟ نعم، هذا أمر يجب أن ننتبه له جيداً، الذين حرفوا الكتب هم أتباع المرسلين حينما تداخلت.

مصالحهم، ويحصل هذا أيضاً للمسلمين مع الأسف الشديد، ولعلنا نأتي في آخر هذه الحلقة إلى شيء من ذلك. تجد المسلم في العصر الحاضر مع ضغط الثقافة الغالبة عليه، مع قوة أفكار التغريب، مع شدة البطش والاستبداد، فإنه يذكر من الدين أشياء ويخفي أشياء، أو يتداخل ليتلاعب بالدين وبالذات في الأمور التي فيها ضغط الثقافة الغالبة؛ يعني مثلاً نحن الآن نعيش في عصر الحضارة الغربية، فمسألة تعدد الزوجات مسألة، حقوق المرأة في الميراث مسألة، حرية الحجاب، حرية الارتداد، فكرة جهاد الطلب وجهاد الدفع، المناطق التي فيها تناقض بين الإسلام وبين الحضارة الغربية والفكرة الغالبة، هذه المناطق كثيراً ما ينكسر فيها الداعية إلى الإسلام، فيريد أن يطوع الدين لكي يوافق الثقافة الغالبة.

فهذه الآية هي من الآيات التي ترد عليهم: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي يعني بتعديل أو بتبديل هذه الرسالة عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. وبعدين أنا كنبي يعني النبي صلى الله عليه وسلم منطق الآية يقول: لو أني سآتيكم بما تحبون أنا أصلاً ما كنت تلوته عليكم ولا أدراكم به؛ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. تمام، فالآن نحن أمام أربعين سنة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم تشهد له بهذا الصدق. الآن لو تأملنا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فسنجد أمراً آخر، وهو أنه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيماً، وكلما تعلق في صغره بأحد فقده؛ فنحن ذكرنا أنه كان أبوه مات وهو في بطن أمه، ثم نشأ في البادية، وفجأة حصل له حادث في البادية فعاد إلى أمه، ما لبث سنتين عند أمه حتى فقدها، ثم ما لبث سنتين عند جده حتى فقده.

وهنا وأيضاً هذه من لفتات الشيخ حازم أبو إسماعيل فك الله أسره كان يقول: إنه لو تأملنا لوجدنا أنه الأنبياء الثلاثة أصحاب الدعوات الكبرى كانوا أيتاماً؛ يعني نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولد يتيماً، سيدنا عيسى ولد بلا أب، سيدنا موسى أيضاً كان أبوه قد مات، وإنما ربته أمه في قصر فرعون، وبعض العلماء الذين يفسرون قول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ بعض العلماء يقولون بأن آزر كان عمه، وخصوصاً أن علماء الأنساب يقولون بأن أبا إبراهيم كان اسمه تارح أو تارخ على حسب الخلاف؛ فحتى يعني لو أننا أضفنا إلى هذا أربعة من الأنبياء أولي العزم من الرسل؛ يعني أربعة من طبعاً نحن لا نعرف عن سيدنا نوح هذه المعلومة وعلى الأقل أنا لم أقع عليها يعني لم أرها، لكن الآن نحن نتكلم أنه صفوة الصفوة من الخلق، أفضل البشر على الإطلاق كانوا أيتاماً، على الأقل ثلاثة منهم كانوا أيتاماً بلا أب. ولا شك أن هذا يعني فضل يشبه فيه من اليتيم الذي ينشأ في أي وقت في أي زمان ومكان يتشابه في هذا الفضل مع النبي ومع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.

ذكرت في حلقة سابقة بأنه أحد علماء النفس أو الاجتماع كان تتبع الملحدين، أشهر الملحدين وذكر أن هؤلاء الملحدين في كتابه "الإيمان فاقد الأب" لبول فيتز هو ألماني كان يقول بأن الملحد كبار الملحدين إما أنهم نشأوا في بيوت ليس فيها أب أو كانت علاقتهم بآبائهم علاقة سيئة، فلذلك الإلحاد هو نوع من التمرد على سلطة الأب أو سلطة الأسرة وتطورت إلى التمرد على سلطة الدين، وهذا يعني يصدقه حتى بعض الأحداث التاريخية؛ يعني شخصيات كثيرة اشتهرت بالدموية والقتال كانوا أيضاً نشأوا على هذا النحو، فهنا يجب أن يتصحح الموقف بأننا نذكر بأن أفضل البشر على الإطلاق إنما كانوا أيضاً أيتاماً، وأن الله تبارك وتعالى يعني كان من حكمته أن يخرج هؤلاء في اليتم لكي نبصر فيه أنهم كانوا أكثر الناس شعوراً بأحوال الفقراء والأيتام والمساكين.

واليتم غير الفقر، هذا أمر أيضاً يجب أن ننتبه إليه، اليتم غير الفقر، وقد يكون اليتيم غنياً، قد يكون اليتيم غنياً ورث أموالاً طائلة، ولكن الله تبارك وتعالى قرن هذا اليتم بالضعف، فالله تبارك وتعالى قال عن عباده المؤمنين: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ما الذي يجمع بين هؤلاء؟ الضعف والانكسار. وفي آيات كثيرة: لَّكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ. والله تبارك وتعالى يقول: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ اللي هي الجوع يعني * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ المسكين ذا متربة؛ يعني المسكين الذي من كثرة فقره التصق بالتراب. وآيات كثيرة وحتى في الميراث قال: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا. وفي آية أخرى قال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة. وقال صلى الله عليه وسلم: أبادر إلى الجنة فسبقني امرأة، فأقول: من هذه؟ فتقول: كفلت أيتاماً. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، سأله رجل يشكو إليه قسوة قلبه فقال: امسح على رأس يتيم. فالمجتمع الإسلامي يحف هذه الفئة، فئة الأيتام، بالرعاية التامة الوافرة، حتى بعض مشايخنا يقول إنه أنت حين تقرأ عن حقوق اليتامى في الإسلام تشعر وكأن الإسلام يريد أن يبث الناس في الشوارع لكي يبحثوا عن الأيتام؛ فتماسك المجتمعات لا بد له من رعاية هذه الطوائف الضعيفة والفقيرة؛ يعني الطوائف التي تشعر بانكسار، حتى لو لم يكن هذا الانكسار انكساراً مادياً. والله تبارك وتعالى ذكر في آية مزلزلة قال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا. وعلى قول القائلين بأنه الأصل في الزواج الإفراد، طبعاً بين الفقهاء خلاف، هل الأصل في الزواج الإفراد ولا التعدد؟ فخلافهم حول الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يعني هنا حضور اليتامى، وهو خلاف الفقهاء فيه حول هذا الحضور.

القصد يا جماعة الخير أنه مثلما أخرج اليتم أشد الناس الذين عادوا الإله وتمردوا على الدين وكانوا دعاة إلى الإلحاد، فإن أفضل الأنبياء كانوا أيتاماً، فالمعقول هنا على ما يلقاه هذا اليتيم من رعاية وعناية في المجتمع الذي هو فيه، فمن أراد مجتمعاً متضافراً متكافئاً ومن أراد مستقبلاً رحيماً طيباً، فلا بد أن تكون مسألة رعاية الأيتام هذه يعني في صدارة هذا الأمر. وطبعاً يعني ليس هذا المقام لكي نحكي عن مسألة اليتيم فالمسألة أوسع من هذا، حتى حتى زواج المرأة، يعني طبعاً مما يستحب للمرأة أنها إذا ترملت أن تتزوج، ومن الجاهلية التي تنتشر في عصرنا هذا هو حمل المرأة على ألا تتزوج بعد وفاة زوجها أو بعد طلاقها من زوجها، هذا من الجاهلية، الأصل أن المرأة تتزوج ويكون لها من يكفلها ويرغب في زواجها، وكان في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كان من حسن وفاء الرجل لصديقه أن يتزوج أهله من بعده، هذا من حسن وفاء الرجل لصديقه، من الأمثلة المشهورة طبعاً في هذا السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها، كانت زوجة جعفر بن أبي طالب ولما قتل عنها تزوجها أبو بكر رضي الله عنه، ولما مات عنها أبو بكر تزوجها علي رضي الله عنه، حتى كانوا يقولون: من أراد الشهادة فليتزوج أسماء بنت عميس. من الجاهلية حمل المرأة على ألا تتزوج بعد أن تترمل أو بعد أن تطلق، هذه من حقوق المرأة التي جاء بها الإسلام وأخذتها منه أو نزعتها منها الجاهلية الشعبية المعاصرة.

طيب، عارفين بالمناسبة بمناسبة الثقافة الغالبة، في الهند قديماً، ويوجد حتى الآن ولكنه قل، أنه من وفاء المرأة لزوجها أن تحرق نفسها معه حين يموت؛ يعني الرجل مات وستحرق نفسها، فمن وفاء المرأة أن تحرق نفسها معه. تعرفون لو أن الثقافة الهندية هي الثقافة الغالبة؛ يعني الهند الآن مكان الغرب والناس ما بتتفرج على هوليود، بتتفرج على بوليود، تمام؟ ساعتها كانت المسائل التي ستثار في الفكر الإسلامي: لماذا الإسلام لا يقدر الوفاء؟ ولماذا الإسلام يشجع الإنسان على.. الإسلام يشجع المرأة على خيانة زوجها؟ ولماذا الإسلام يرفض أن تحرق المرأة نفسها مع زوجها بعد موته؟ ونفضل إحنا نقول إيه: هذا من حقوق المرأة. لذلك سآتي لكم بعد قليل في مسألة الثقافة الغالبة لأنها أمر مهم.

الخلاصة، الخلاصة: مسألة اليتم هذه من المسائل التي ينبغي أن تنتبه إليها المجتمعات، وطبعاً هناك كثير من الدراسات التي لا يتسع الوقت لها الآن للحديث عن زيادة أطفال الشوارع وزيادة الأطفال التي لا يربيهم آباؤهم على معدلات الجريمة وعلى التفكك الأسري، وهذا أمر شائع ومنتشر في الغرب. لو حاولنا الآن أن نتكلم عن خبرة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأربعين سنة، فسنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش خبرات متنوعة؛ منها خبرة العيش في البادية والعيش في المدينة، العيشة في البادية حيث لا أحد، السكون والصفاء والجو العليل والفصاحة، وعاش في المدينة حيث تختلط اللهجات ويأتي التجار والعمليات التجارية العنيفة، فهاتان خبرتان جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم؛ عاش في عمل براعي الغنم وهي ما يعني أشغال الفقراء، وكذلك تاجر وهذه أشغال الأغنياء. النبي صلى الله عليه وسلم عاشر قبائل متعددة لأنه كان في مدينة كبرى، وكانت قابلته حبشية سوداء وهي السيدة أم أيمن بركة الحبشية، وكذلك كان عبده زيد بن حارثة أيضاً.

النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في مكة فقط وإنما سافر إلى الشام مرتين على الأقل فيما نعرف، فهو بالتالي جمع خبرة الحضر وخبرة السفر، جمع خبرة الحرب في حرب الفجار كما ذكرنا في المرة الماضية، وجمع خبرة السلم والسياسة كما في حلف الفضول الذي كان في دار عبد الله بن جدعان؛ فنحن الآن نتحدث عن رجل تكونت له عدد من الخبرات التي يتهيأ بها أن يكون نبياً لألطف الناس، لألطف الناس؛ ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم: الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير، المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. من إرهاصات النبوة؛ يعني حين اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من سن الأربعين الآن نتحدث عن سن السابعة والثلاثين، هنا نحن ذكرنا أن النبي تجنب ما كان عليه قومه من شأن الجاهلية، فلا بد مع طول الوقت أن يتسع ما بينه وبين قومه من الأفكار ومن الحالات النفسية، فحبب إليه الخلاء؛ حبب إليه أن يخلو بنفسه وأن يعتزل في الغار، فصار يخرج إلى غار حراء يتعبد فيه ليالي ذوات العدد، أن يتعبد فيه كثيراً، ينزل إلى بيته فيأخذ يتزود من الطعام ثم يصعد إلى غار حراء مرة أخرى، وكان هذا في السنين الثلاثة الأخيرة، في هذه السنة الأخيرة اعتكف فيه شهر رمضان كله، هو كان يعني يتحين شهر رمضان لكي يعتكف فيه أو يخلو فيه في هذا الغار.

طيب سأرجع الآن إلى مسألة الخلوة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهور، بدأ النبي يقول لخديجة رضي الله عنها الحديث صحيح عند أحمد: يا خديجة، إني أسمع صوتاً وأرى ضوءاً. بدأ يحصل نوع من التغيرات الروحية للنبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي، كنت إذا مررت يقول: السلام عليك يا رسول الله، وإني لأعرفه حتى الآن. فإذا كانت هذه من إرهاصات النبوة، قبل ستة أشهر من بعثته بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يرى الرؤى الصالحة فتحدث كفلق الصبح؛ يعني إذا رأى الرؤيا تحققت كفلق الصبح. طبعاً كل هذا هو نوع من التهيئة والإعداد للنبي صلى الله عليه وسلم، أنتم تعرفون طبعاً نحن الآن في عالم مليء بالدورات التدريبية والشهادات التي يجب أن تحوزها لكي تذهب إلى منصب أو تذهب إلى مهمة، فهذا النوع من التهيئة الروحية هو نوع من الضروري لأن الله تبارك وتعالى وصف كلامه بأنه القول الثقيل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. ومن كان منكم له خبرة بالصوفية أو خبرة بهذه الأمور، فإنه يرى في برامج الطرق الصوفية السنية المعتدلة طبعاً وإلا ففيها شطحات في بعض الطرق شطحات، يرى فيها هذه الوسائل التدريبية لمحاولة تهذيب النفس وتجريد النفس والتخلص مما يسميه الشهيد سيد قطب رحمه الله ثقل اللحم والدم، الإنسان طالما يطيع شهواته في الأكل والشرب والنوم فإنه تثقله المادة، لا يتحرر الإنسان من هذا إلا أن يتخفف من مطالب الجسد، وطبعاً نحن عندنا في الإسلام ما يتخفف به من مطالب الجسد هو الصيام والقيام، وأفضل الصيام صيام نبي الله داوود، يصوم يوماً ويفطر يوماً. والخلاصة أنه كان هذا نوع من إعداد من إعداد الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لكي يستقبل الوحي، لكن أرجع إلى الأمر المهم وهو مسألة العزلة والخلاء، طبعاً الأجانب على وجه التحديد والمستشرقين يتوقفون طويلاً عند هذه الفترة التي خلا فيها النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، طبعاً هم يريدون أن...

يفسروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا ماديا، يعني المستشرق الذي لا يؤمن أن النبي نبي أوحى الله له، الطريق الذي يسلكه في تفسير ما حصل هو طريق نفسي واجتماعي؛ يعني لابد أن يجد أسبابا مادية تفسر كيف فكان هذا الرجل الذي ظل 40 سنة هادئا لم يفكر فيها أن يصادم قومه، فجأة خرج على قومه ليقول لا إله إلا الله، وهذه الأصنام باطلة لا تضر ولا تنفع، وإني رسول الله إليكم، ومن أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار. هذا الانقلاب لم تفسره بالوحي فلا بد أن تلتمس له تفسيرا ماديا، فبعضهم مثلا ذهب إلى القول بأنه يعني ما كان محمد إلا رجلا من بني هاشم وأراد أن يعلو ببني هاشم على بقية الناس، هذا نوع من التفسيرات الاجتماعية، وبعضهم كان يعني أراد أن يوسع نظره فقال إنه محمد أراد أن يعلو بالعرب على بقية الأعراق والأجناس، الذين فسروه تفسيرا نفسيا توقفوا طويلا عند هذه الفترة، فترة العزلة، لأنه الشيء الذي طرأ على حياة النبي صلى الله عليه وسلم فخرج من الغار يقول إنه رسول قد أوحى الله له.

الآن يا جماعة الخير العزلة أمر مهم للإنسان، العزلة أمر في غاية الأهمية للإنسان، بل إن الله تبارك وتعالى وجه المشركين إلى هذا المعنى في سورة سبأ، سورة سبأ هذه كنت قد كتبت فيها مقالا عن ما في هذه السورة من علوم النفس والاجتماع، سورة سبأ تناقش فكرة المتغلبين، المتغلبين الذين يؤثرون في الناس تأثيرا نفسيا وليس تأثيرا ماديا، يعني حتى الحوار الذي جرى بين أهل الجنة وأهل النار في سورة سبأ حوار فيه هذا المعنى النفسي الروحي، يعني فيه التأثير المعنوي، فيه تأثير الثقافة الغالبة، ما يسميه ابن خلدون المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب، يعني حتى لو لم أجبرك على تقليدي، لكن لأنني غلبت فالمغلوب ينبهر بهذا الغالب، ولذلك ورد في هذه السورة الحوار الذي جرى بين أهل الجنة وأهل النار: قَالُوا أَأَنتُمْ صَدَدتُمُونَا عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم، إحنا قلنا لكم ما تسلموا؟ قلنا لكم لا تهتدوا؟ ما قلناش! فرد عليهم هؤلاء بقولهم: بَل مَّكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. يبقى الإجبار ما كانش إجبار مادي، ولكن كان إيه؟ مكر الليل والنهار، كان رسائل معنوية ورسائل إعلامية وهيمنة ثقافية، زي دلوقتي ما الغربي لما بيجي يقول لك أنا يعني أنا علماني، ما بقول لكش ادخل في العلمانية وما بقول لكش ادخل في المسيحية، لكن هذه العلمانية هي نظام مهيمن فتجد أنه ينشر العلمانية بمجرد هيمنته، ويتأثر به الناس لأنه الغالب الذي انبهروا به.

الله تبارك وتعالى ضرب الله على ذلك أمثلة أنه هؤلاء المترفين الأغنياء بشكل عام هم أعداء الرسل، لا يحملوا الناس دائما على التكذيب بالأنبياء بشكل مادي بالإجبار، ولكن كونهم أغنياء وكونهم مترفين وكونهم أهل سطوة فإن الناس تتبعهم، تمام؟ ولذلك الله تبارك وتعالى في هذه السورة سورة سبأ قص علينا قصتين، قصة قوم مترفين بلغوا من الترف أن قالوا: رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا؛ يعني ناس الأرزاق التي هم أهل سبأ، الأرزاق كانت تأتيهم صبحا وعشيا، بينهم وبين الشام قرى لا يتعبون في السفر، لا يتعبون، لكن هم لما رأوا أن هذا قد اتفقوا ورأوا أن هذا ملكا لهم قالوا إيه؟ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا؛ فعاقبهم الله تبارك وتعالى وقال: فَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ. المثال الثاني كان مثالا لنبي الله سليمان داود وسليمان، هؤلاء أعطاهم الله ما لم يعطه أحدا من العالمين لكن ظلوا على عبوديتهم لله تبارك وتعالى.

الخلاصة السورة لا مجال الآن لاستعراضها، لكن القصد الله تبارك وتعالى جاء في آخرها وقال: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. الله تبارك وتعالى قال يعني الذين يتشككون في محمد أنا أعظكم بشيء، بطريقة، بوسيلة، سيبك من كل التشوش ومن كل الإشاعات ومن كل ما يقال عن محمد، واخل بنفسك أو اخل بأقرب الناس إليك ثم تفكروا، هذه هي الوسيلة للنجاة من الثقافة الغالبة. طبعا نحن الآن في عصر صارت الهواتف في أيدينا فلا ليس هناك دقيقة ولا ثانية يمكن أن تخلو فيها إلى نفسك، وهذا تفسير ليه الأفكار العظيمة والمهمة بتجيلك في الحمام مثلا، المكان الوحيد الذي تخلو فيه بنفسك، طبعا الآن صارت الناس تصطحب معها هذه الهواتف، الخلوة بالنفس أمر مهم، مهم لصلاح النفس، والعلماء الذين تكلموا عن المحاسبة أخذوا ذلك من قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ.

العزلة الخلوة أمر مهم للنجاة من الواقع المشوش، من التفاصيل الكثيرة، من المطالب الكثيرة، من المهمات والتكاليف الكثيرة التي تملأ عليك حياتك، وهذه العزلة التي تثير التأمل، التأمل أصلا أيضا مطلوب شرعي، والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تطلب من الناس أن يتأملوا ويفكروا، قال تبارك وتعالى: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ. الإنسان لو تأمل في نفسه، الإنسان لو تأمل في التاريخ، الإنسان لو تأمل في الشجر وفي النبات وفي السماء وفي الطبيعة وفي الطيور، الإنسان لو تأمل في حركة الحياة فإنه يكون قاب قوسين أو أدنى من الهداية. نحن تكلمنا عن الحنفاء، أولئك الذين لما خلوا بأنفسهم عرفوا أن ما عليه هؤلاء القوم من الجاهلية هو أمر لا يرضاه الله، وذكرنا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وهو يقول: والله يا ربي لو أعلم دينا هو أقرب لعبادتك لعبدتك به.

وقبل ذلك كانوا يرون عن المتأمل، المتأمل حتى في الجاهلية أنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من الهداية، ومن أشهر هؤلاء رجل في الجاهلية كان يسمى قس بن ساعدة، هذا كان من حكماء العرب، وجاء في شعره وهو يقول: "لما رأيت موارد للموت ليس لها مصادر"، يعني لما رأيت الناس تذهب إلى الموت ولا ترجع، "ورأيت قومي نحوها يسعى الأكابر والأصاغر، حيث سار القوم مصائر". ويقول: سماء ذات نجوم، له خطبة مشهورة في كتب الأدب وهو يقول إنه هذه السماء هذه الأرض هذه الجبال لا بد تدل على خالق، لو أن واحد فينا رأى هذا الموبايل مرمي على الأرض لا بد أن هذا له صانع وله صاحب لم يكن ليخلق نفسه أو يوجد نفسه. الشيخ الغزالي رحمه الله كان يقول: إني لأعرف ربي وأعرف وجود ربي بالأسباب المادية، فقيل له كيف؟ يعني كيف عرفت ربك بسبب مادي؟ قال: إن اللقيط يعرف أن له أبا فكيف بالذي ولد في أسرة؟ يعني مجرد أدنى أدنى مشاهد التأمل لا بد تهديك إلى الطريق، التأمل في النفس، التأمل في التاريخ، التأمل في الواقع، التأمل في ونحن سمعنا الشيخ يتلو في صلاة المغرب: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ.

والله تبارك وتعالى ذكر أشياء كثيرة تدل على خلقه، وأشياء كثيرة تدل على قدرته: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ. وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ. والله تبارك وتعالى يقول عما صنع في هذه الدواب والأنعام ويذكر سبحانه، شوف انظر إلى هذا المشهد والله تبارك وتعالى يقول لهم إنه استخرج لهم اللبن من الضرع، مِّن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ. وقال في النبات: يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ. والله تبارك وتعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. ذلّلناها لهم، فمنها ركوبهم، شوف الذبابة غير المذللة لك ماذا تفعل بك، لكن الجمل المذلل لك كيف تستخدمه وتستفيد منه، تصور كده لو أنه هذا الجمل غير مذلل، هذه البقرة غير مذللة، هذا الحمار غير مذلل، الذبابة لما كانت غير مذللة انظر ماذا تفعل بك.

والله تبارك وتعالى ضرب مثلا بهذه الذبابة قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ. وهذه يعني معجزة، الله تبارك وتعالى يقول أنت لو اجتمعت لن تخلق ذبابا، أشد من هذا أن الذباب إذا سلبك شيئا لا تستطيع أن تستنقذه منه، الطالب والمطلوب ما قدر الله حق قدره. وقرأت عند بعض الإخوة الذين يبحثون في الإعجاز العلمي في هذه الآية في مسألة أن الذباب من أكثر الحشرات التي يلتقطها أو يختطف سرعان ما يتحول في لعابه إلى مادة أخرى، فكان هذا مراد قول الله لا يستنقذوه منه لأنه سرعان ما يتحول إلى شكل آخر وشيء آخر، لكن حتى لو أننا جرينا على الآية على المعنى المعروف المعتاد من الآية ففعلا من الذي يستطيع أن يستنقذه شيئا؟

فعلى كل حال يا أحباب كل إنسان لا سيما لا سيما خاصة صاحب الدعوة، صاحب الفكرة، صاحب الرسالة، طالب الهداية، من يريد أن ينجو من الحيرة، لا بد لهؤلاء من لحظات يختلون فيها بأنفسهم وينعزل فيها عن واقعهم ويتخلصون فيها من مشوشات الدنيا لكي يعرف أين يسير ولكي يعرف ماذا يمكن أن يفعل ولكي يوقف هذا الانهيار الذي تدفعه إليه الدنيا، التكاليف المستمرة. فلذلك كان عزلة النبي صلى الله عليه وسلم لمدة، يعني حبب إليه الخلاء، ويعني بدأ الخلاء من أول ثلاث سنوات قبل بعثته هو نوع من التهيئة له، مما من الذين صاغوا هذا الموقف صياغة جميلة مستشرق بريطاني اسمه توماس كارلايل، وهذا المستشرق كتب كتابا اسمه الأبطال، الكتاب اللي اسمه الأبطال ده فكرته خرافية ليست فكرة صحيحة، هو يقول يعني أنه الأبطال البشرية في أولها كانت ترى أن البطل في صورة الإله، وبعد كده بدأت تشوف البطل في صورة النبي، وبعدين صارت ترى البطل في صورة قائد، فاختار من كل فصل من هذه الفصول نموذجا، فعندما تكلم عن البطل النبي اختار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. هذه المحاضرة التي ألقاها توماس كارلايل يقول عنها منتجم ريوات وهو أيضا أحد أهم المستشرقين البريطانيين يقول إنه هذه المحاضرة تعتبر حجر زاوية في تعديل أفهام الأوروبيين نحو الإسلام، يعني النخبة المثقفة في الغرب بعد هذه المحاضرة بدأت تفكر في الإسلام تفكيرا مختلفا، كتاب مهم وطبع ونشر وترجم وترجمه رجل أديب اسمه محمد السباعي فلغته جميلة. توماس كارلايل توقف مع هذه اللحظة يقول إن محمد لما خلا بنفسه في الغار ماذا كان يرى؟ كان يرى النجوم في السماء الصافية، كان في ظل هذا الهدوء يسمع الأصوات المختلفة، يتأمل في هذا الكون، ينظر إلى الكعبة، ينظر من عل إلى قومه وهم يعبدون الأوثان والأصنام وينشغلون بتجارتهم، حاول أن يضع نفسه في هذا الغار لكي يرى المشهد الذي كان يمكن أن يراه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول ومن المؤكد أنه من يرى هذه المشاهد ويتأمل ويتفكر فيها سيخرج من الغار وهو ينكر عبادة الأصنام، أنت إذا سحبت نفسك إلى أعلى الجبل ونظرت إلى المدينة مكة ونظرت إلى الكون فلا يمكن أن يبقى في ذهنك تصور لأن هذه الأصنام تضر وتنفع، تسمع وتبصر، فيعني مقتطف جميل إذا أحببتم أن تقرؤوه.

ثم حتى إذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يتهيأ للوحي، بينما طبعا الوحي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الأربعين من عمره، وبالضبط 40 سنة وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما، شمسية قمرية، وهي توازي بالشهور الشمسية 39 سنة وأشهرا وأياما لا أذكرها الآن، بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء إذ جاءه الوحي، جاءه سيدنا جبريل في القصة التي تعرفونها جميعا، ولكم أن تتخيلوا، وبالمناسبة هنا من الأمور الطريفة بحسبة هذه الليلة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم فهي الليلة التي توافق يوم الاثنين 21 رمضان، ولذلك هذه من أدلة القائلين بأن ليلة القدر هي ليلة 21 رمضان، تمام عند من يقول بأن النزول المقصود في الآية هو نزول هو ابتداء نزوله إلى الدنيا ليلة القدر. إنا أنزلناه في ليلة مباركة، تعرفون المفسرون اختلفوا في معنى النزول هنا، هل هو النزول من السماء من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا أم هو النزول من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء النزول؟ فالذين يقولون ابتداء النزول ويتلمس ليلة القدر من بين النصوص والأحاديث هذه من دلائل من يقول بأنها ليلة واحد وعشرين من رمضان.

إذا جاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في القصة التي تعرفونها جميعا والتي رواها النبي صلى الله عليه وسلم وروتها عنه عائشة رضي الله عنها، فقالت: إذ جاءني الملك، الملك فأخذني وغطاني حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، ما أنا بقارئ. هذه لها معنيان: المعنى الأول ما النافية التي تقول لست بقارئ، يعني لا أستطيع القراءة لا أعرف القراءة، والمعنى الثاني ما الموصولة التي معناها ماذا أقرأ؟ فقلت ما أنا بقارئ، ما أنا بقارئ مرة واثنتين وثلاثة حتى قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ.

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. طبعا إذا حاولنا أن نتصور هذا المشهد وأن نتأمل في هذه الأجواء، ليلة من ليالي شهر رمضان، غار في جبل ويظهر لك شخص لا تعرفه فيضم ويقول: اقرأ، ثم يلقي عليك هذه الآيات القصيرة، آيات قصيرة معدودة. ويعني بحس البلاغة والفصاحة الذي كان لدى العربي وهو يرى هذه الآيات كأنها طلقات أو كأنها طرقات. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وبوادره ترجف وهو يقول: زملوني زملوني.

السيدة خديجة رضي الله عنها التي تضرب المثل للمرأة الصالحة، المرأة التي تفهم زوجها والمرأة تعينه وتساعده. طبعا أولًا نحن عندنا مساعدتها له أثناء خلوته وعزلته، المرأة التي تفهم الرجل من نعم الله على الرجل. ولكم أن تتخيلوا هؤلاء الذين يحبون العزلة، كم بالمئة من النساء من يمكن أن يتفهم هذا الموقف؟ الأكثر يثرون على أنه هذا الرجل سيمس قدر من الجنون، لكنها كانت خديجة رضي الله عنها تعد له الطعام وربما صحبته، لكنها لم تكن تمكث عنده كثيرا لأنها كانت تعرف أنه يحب هذه العزلة ويحب هذه الخلوة.

ولما عاد إليها يعني الآن لو أنت تنظر إلى الموقف من وجهة نظر السيدة خديجة، فماذا ترى؟ ترى رجلا في السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تحصل عليه اضطرابات نفسية، بدأ يخلو بنفسه، يصعد إلى الجبل، طبعا غار حراء هذا تصعد إليه في الجبل حوالي ساعة ونصف يعني ليس مسافة قصيرة، ويبقى فيه الليالي ذوات العدد ثم يقول: إني أرى ضوءا وأسمع صوتا وحجر يقول له: السلام عليك يا رسول الله. يعني المشهد لو لم يكن عند امرأة خديجة رضي الله عنها فهو مثير لكل أنواع المخاوف.

رضي الله عنها، وهنا ترى أيضا يعني عمق العلاقة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين خديجة في أنه هرع إليها ولم يخجل أو لم يستحيي أو لم يكتم عنها ما نزل به. وأكثر الناس أكثر الرجال في زماننا هذا يكتمون عن زوجاتهم الأمور التي قد تشعر بأن فيهم ضعفا، يعني الكثير من النساء لا يرى زوجها فيها من القرب له ما يجعله يطمئن إليها في أن يصف أوقات ضعفه أو لحظات ضعفه أو اضطرابه لها. فأنت ترى أيضا في أن يهرع النبي إليها ويقول: زملوني زملوني، ثم يحكي لها ويقول: يا خديجة والله لقد خشيت على نفسي.

له يعني حتى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظة قد تكون هذه تهيؤات، هو يرى في نفسه أن هذه قد تكون تهيؤات وأنه شيئا ما قد أصابه مع طول العزلة. وهذا مما رأى فيه كثير من العلماء والباحثين دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ الكاذب في دعوة النبوة والكاذب في دعوة الزعامة والكاذب في دعوة السيادة والرئاسة لا يصف هذه، يعني هو يعد نفسه لهذه اللحظة فهي لا تحدث له رغما عنه ولا يصفها وصف الخائف منها. فمن دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف هذه اللحظة هذا الوصف. فقالت له خديجة الكلمة التي ذكرناها في الحلقة الماضية وهي: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.

ثم لجأت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. ورقة بن نوفل ذكرنا أنه كان أيضا أحد الحنفاء الذين عرفوا أن ما عليه قومه إنما هو من الجاهلية ومما لا يرضاه الله تبارك وتعالى، فلذلك تنصر، هذا هو أقرب الأديان التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وتعلم العبرانية وقرأ في الكتاب، قرأ كتب أهل الكتاب فصار من علماء النصارى إذا صح التعبير، لكنه كان في بيئة وثنية. فلما قصت عليه خديجة ما حصل، أراد ورقة أن يستمع بنفسه إلى هذا الذي حصل، وكان شيخا كبيرا قد ضعف وعمي ذهب بصره، فجاءت خديجة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه وقالت: هذا ابن عمك. هو طبعا ابن عم السيدة خديجة هو ورقة، إحنا قلنا السيدة خديجة هي مين؟ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.

أذن العشاء! طيب إذا نتوقف هنا إن شاء الله ونستكمل مع ورقة بن نوفل وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في المرة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.