السيرة النبوية | 20. أمور منسية في المرحلة المكية: نهج النبي في مواجهة التعذيب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

هذا هو المجلس العشرون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند العذاب الذي نزل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أنه لدينا ثلاث أسئلة يمكن أن نسألها في هذا الموقف. حد فاكر؟ مش فاكر حاجة؟ ذكرنا السؤال الأول وهو: لماذا يلجأ الباطل للتعذيب؟ لماذا لا يذهب إلى القتل مباشرة؟ وذكرنا أنه الباطل من صفاته الكبر، واللجوء إلى التعذيب هو محاولة استخلاص اعتراف من هذا الذي خرج عن الباطل بأنه كان مذنباً وكان مخطئاً، وأنه أحد أهم العلامات في هذا في عصرنا الحديث هو مسألة السجن وعقوبة السجن، والسجن الطويل؛ حتى إن أكثر البلدان تفضله على القتل، لأنه السجن فعلاً هو مما يكسر النفوس خصوصاً كلما طال.

وحقيقة كان ينبغي -مما فاتني أن أذكره في هذا الزمن أو في هذا المجلس- هو أنه حين نقرأ في كتب الفقه أن السجن بمعناه الحالي كما نعرفه في هذا العصر ليس عقوبة شرعية، ليس موجوداً في الإسلام. السجن بالمعنى الذي نعرفه الآن في عصرنا هذا ليس من العقوبات الشرعية، ليس موجوداً في الإسلام. الموجود في الإسلام هو الحبس، والحبس والسجن هو كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى هو تعويق المرء عن التصرف، تعويق المرء عن التصرف الذي نسميه مثلاً في أيامنا هذه إقامة جبرية، أن يكون ذلك في بيته أو في المسجد، أو أن يكون رهينة أو رهناً عند أحد من الناس موكل به، تمام، فهو ليس السجن المعروف. ومثل هذا أيضاً قاله الكاساني في بدائع الصنائع، وهو أن السجن أو الحبس هو منع الرجل عن الخروج إلى أشغاله، منع الرجل من الخروج إلى أشغاله، فهو ليس السجن الذي نعرفه الآن الذي هو مبنى معد مجهز لكي يكون سجناً.

فضلاً عن أنه هذه السجون المعاصرة حقيقة صار بناؤها علماً، بناء السجون صار بناءً علماً، وفيها نظريات وفلسفات، وكيف يمكن أن تبني سجناً فيه مسألة المراقبة النفسية والتحطيم المعنوي للسجين، وهذا باب كبير، وبعض الذين يقرؤون في فلسفة العمارة أو يقرؤون في فلسفة العقوبة يعرفون هذا. وكان هناك فيلسوف اسمه بنثام، هذا عاش قبل 200 سنة تقريباً، اخترع سجناً يسمى بنوبتكون، وهذا قائم على فكرة أن يراقب السجين بنفسه، يعني يراقب السجين من خلال خياله ومعنوياته هو، مما يسهل المراقبة على السلطة. فالقصد أنه السجن كما نعرفه في واقعنا المعاصر ليس عقوبة شرعية، فضلاً عن أنه الحبس الذي هو العقوبة الشرعية الذي جاء في تقرونه في كتب الفقه هو عقوبة من 15 عقوبة تعزير، هو أصلاً ليس عقوبة أصلية أو أساسية كما هو الحال في عصرنا، وإنما هو واحد من 15 عقوبة احتياطية بالمصطلح المعاصر. وطبعاً في مسألة السجن هذه حقيقة كلام كثير مما يخالفه الواقع الموجود في عصرنا هذا، وكان الشيخ الطريفي فك الله أسره له تلخيص جميل وسريع عن هذا الأمر عندما فسر قول الله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا، في المجلد الأول من كتابه التفسير والبيان لأحكام القرآن، وشيخنا رحمه الله الشيخ الفقيه الدكتور حسن أبو غدة له كتاب كبير وكان هو رسالته للدكتوراه اسمه أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام، حوالي 700 صفحة، ممن شرفت بالتلمذة عليه.

وطبعاً من حقوق السجين في الشرع أن ينفق عليه وعلى أهله من بعده، طبعاً هذا خيال بالنسبة للواقع الذي نتكلم نحن فيه الآن، وأن لا يتضرر أهله بسجنه، وهذا مما لا محل الآن للتفصيل فيه. طيب، ذكرنا أن السؤال الأول هو لماذا يلجأ الباطل إلى التعذيب؟ لماذا لا يلجأ إلى القتل؟ ومسألة كسر للنفوس واستخلاص اعتراف من من خرج عن الباطل بأنه كان مذنباً. السؤال الثاني وهو: لماذا يبتلي الله المؤمنين؟ ولماذا يترك الله عباده يعذبون؟ وإلى متى يكون هذا؟ طبعاً نحن الآن إذا نعيش مع السيرة النبوية، فالصحابة الذين بدأ التعذيب ينصب عليهم، هؤلاء لم يكونوا يعرفون متى سيرفع عنهم، يعني لا يعرفون هل هذا العذاب سيرفع عنهم بعد شهر، شهرين، سنة، سنتين، عشر، لا يعرفون. فلذلك السؤال عن حكمة الله تبارك وتعالى في ابتلاء المؤمنين سؤال لا بد أنه يقفز إلى الأذهان في هذه اللحظة.

فأولاً طبعاً الابتلاء سنة من سنن الله تبارك وتعالى في كونه. وأول ما ذكره القرآن الكريم من الحكمة في ابتلاء المؤمنين هو التمحيص، تنقية الصفوف. تخيلوا يا جماعة الخير لو أنه الانضمام إلى أي فكرة أو الانضمام إلى أي حزب أو الانضمام إلى أي تيار لم يكن فيه خسائر، لم يكن له أثمان، لم يكن فيه تكاليف، ما الذي يحصل؟ يهاجر الناس إليه أسراباً، صح؟ فبالتالي لو أنه الإسلام لم يكن فكرة غالية ويدفع فيها ثمن وينزل بالذي آمن به تعذيب، ما الذي كان سيحصل؟ أهل الأغراض وأهل المصالح وأهل الأهواء والباحثون عن الدنيا والباحثون عن المكاسب يندرجون فيه مباشرة. فالابتلاء كما ذكر في القرآن الكريم أنه لتمحيص الصفوف، لتنقية الصفوف، لتخليص المؤمنين ممن ينضم إليهم أو ممن يكون في صفوفهم وهو ليس منهم، وهذا كثير كما ذكرنا. ومن ذلك قول الله تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، يفتنون هنا بمعنى يختبرون، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. ومن الناس من يقول آمنا بالله، أيضاً في سورة العنكبوت: فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، في ناس يقولون نحن مؤمنون، لكن حين يبدأ دفع الثمن، حين يبدأ الابتلاء، يجعل عذاب الله كعذاب الناس أو ربما جعل عذاب الناس أكثر من عذاب الله، فترك سبيل الله وذهب إلى السلامة والأمن والبحث عن طريق لا تكاليف فيه. الله تبارك وتعالى يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ. تمام؟ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ، يعني شوف حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، فهذا يجب أن يخبرك بأن الأمر شديد، عنيف، قوي، تتزلزل له النفوس، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، هذه في سورة آل عمران. في سورة الأنفال قوله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ. فأول حكمة من حكم الابتلاء، من حكم الشدة، هو أن تتميز الصفوف، أن يخلص المؤمنون من غيرهم ممن هم من أهل الأغراض والأهواء.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء. الأمر الثاني، وهذه من سنن الله تبارك وتعالى في كونه: لا تنتشر فكرة إلا على يد من يضحي في سبيلها. أي فكرة تنتشر في هذه الدنيا لا بد أن خلفها أناساً ضحوا في سبيلها، حتى الأفكار الفاسدة، حتى الأفكار الضالة، حتى الأفكار المنحرفة. كل فكرة انتشرت، كل قوم غلبوا وفازوا وسادوا وانتصروا، كان وراءهم قوم ضحوا في سبيل تحقيق هذا الفوز وهذه السيادة. يعني الآن نحن نعيش في عصر تفوق غربي كما ترون، هل تتخيلون يا جماعة أن هؤلاء الغربيين غلبونا بسهولة، انتصروا علينا بسهولة؟ تتخيلوا أنهم لم يضحوا في سبيل ذلك؟ لا، أبداً. إحنا الآن نعيش عصر الثمرة، لكن إذا رجعت 100 سنة إلى الوراء، 200 سنة إلى الوراء ورأيت هؤلاء الغربيين كيف ضحوا تضحيات هائلة في سبيل أن يحققوا هذا التفوق وهذه السيادة، لرأيت وشهدت بعينيك أنه لا يوجد نصر، لا توجد غلبة، لا توجد سيادة إلا بهذه التضحيات.

يعني الغربيون هؤلاء تركوا بلادهم الباردة فرنسا وبريطانيا، وجاؤوا إلى بلادنا الحارة، دخلوا إلى أدغال أفريقيا مليئة بالأمراض والمستنقعات، دخلوها غزاة، ودخلوها مستكشفين، ودخلوها مستشرقين، ودخلوها منصرين ومبشرين. حقيقة بذلوا مجهوداً هائلاً في سبيل أن يعرفوا هذه المجتمعات، وأن يفحصها، وأن يدرسوها. وهؤلاء المستشرقون كانوا هم طليعة القوم، طليعة الحركة الاستعمارية، طليعة الجيوش. يعني أنت تخيل رجل ترك الأمن والأمان الموجود في بلده وذهب إلى البلاد التي فيها بدو وفيها قطاع طرق وفيها قبائل وثنية أفريقية، وربما قبائل بدوية، لا أريد أن أقولها، لا أريد أن أستخدم عباراتهم هم، لكن هم فعلاً تعرضوا للمخاطر، ومنهم من مات، منهم من قتل على يد قطاع الطرق، منهم من قتل بسبب أنه لم يفهم اللغة، أو بسبب أنه رؤي معتدياً. هم في النهاية لم يصلوا إلى هذا، يعني حين فحصوا بلادنا ودرسوها ورسموا هذه الخرائط، بذلوا مجهوداً كبيراً وضحوا فعلاً. أنتم هل تتخيلوا أن بعضهم كان يتنكر لكي يصل إلى البيت الحرام ويحج مع المسلمين لكي يحاول أن يفهم ما هذا الموجود في مكة؟ ماذا يفعل المسلمون هناك؟ وبعضهم تنكر في أكثر من شكل وأكثر من صورة.

يعني مثلاً أحد رحالات المشاهير ريتشارد بيرتون، هذا رجل كان يتقن 25 لغة و40 لهجة، ويتنكر في هيئة الإيراني وفي هيئة الهندي وفي هيئة الأفغاني، ويخاطب الناس، وله رحلات منشورة في 40 مجلد، أنا أحكي لك عن تضحيات وهمم، ويصطنع أنه طبيب ويحاول يعالج، ويصطنع أنه معالج، ويصطنع أنه مشعوذ، ويصطنع أنه كاهن أو ساحر، أمور كثيرة استطاع أن يتعايش بها مع هذه الشعوب الإسلامية، وفعلاً كتب رحلته عن الحج منشورة في ثلاث مجلدات. واحد زي لورنس العرب، تسمعوا عنه لورنس العرب، هذا رجل مخابرات بريطاني، أراد أن يهيج هذه القبائل العربية على الدولة العثمانية وكتب مذكراته، تخيل أن رجلاً غربياً يأتي ليخترق قوماً فيتعلم لغتهم ويتعلم طباعهم، ويستطيع أن يخادع ويؤثر عليهم ويستثمر ويستعمل في خدمة أهداف الإمبراطورية البريطانية، تصور هذا المجهود الذي بذله، مجهود ضخم.

هناك من أراد أن يطلع على بعض هذا المجهود، هناك سلسلة كان يصدرها المركز الثقافي في أبو ظبي، سلسلة الرحلات في الجزيرة العربية، رحلات المستشرقين في الجزيرة العربية، وترى أناساً جابوا هذه البلاد الصحراء القاحلة شرقها وغربها، وعايشوا البدو وتبدوا معهم، وباتوا معهم في خيامهم، وتحملوا الحر من أجل أن يفهموا طباع هؤلاء الناس. طيب هناك كثير، حتى على المستوى العلمي، حتى على المستوى الكتابة والبحث، هناك كثير من الناس حرصوا على أن يحصلوا على المخطوطات والكتب العربية والإسلامية، فإما حصلوا عليها بالشراء، أو حصلوا عليها بالتحايل والمخادعة، نقلوها إلى بلادهم وهناك فهرسوها وصنفوها وقرؤوها وفحصوها ودرسوها، والآن أغلب المخطوطات العربية المسروقة من بلادنا موجودة في المكتبات الأوروبية، الإسكوريال وأكسفورد وغيرها من مظان المخطوطات الكثيرة.

وإلى وقت قريب، وحتى إلى عصرنا هذا، قبل سنتين تقريباً صدر كتاب مثلاً، أنا أضرب لكم مثالاً واحداً، صدر كتاب عن الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، الشيخ عبد الله عزام، أصدر باحث متخصص في الحركات الإسلامية اسمه توماس هيج هامر كتاباً فيه حوالي 900 صفحة، قضى فيه 10 سنين في التأليف، سافر فيه إلى كل المناطق التي كان فيها الشيخ عبد الله عزام، قابل فيه كل من بقي حياً ممن قابل الشيخ عبد الله عزام. فأنا أحكي لك عن مجهود ضخم جداً ومعاناة كثيرة جداً. بل الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود -الذي كان شيخ الأزهر- يروي عنه طالبه الشيخ يوسف القرضاوي رحمهما الله في كتابه رسالة الأزهر، أنه كان الشيخ عبد الحليم محمود يزور فرنسا، فمن ضمن زيارته زار كلية للطلبة المعدين للتنصير، يقول فهو دخل عليهم فوجدهم قد حلقوا رؤوسهم جميعاً إلا من خط يحيط برؤوسهم، ألقى عليهم السلام، فلم يردوا عليه السلام، فقيل له إن هؤلاء الآن في برنامج يمتنعون معه من الكلام ستة أشهر لاختبار قوة نفوسهم وشدة أعصابهم وتحملهم، يعني اختبار قدرتهم على التحكم في نفوسهم، هؤلاء هم الذين أعدهم الغرب لكي ينصروا أقوامنا وشعوبنا.

والشيخ القرضاوي كان ذكرها في مسألة أنه من المعيب أن الأزهر يأخذ المجاميع القليلة ويأخذ الشخصيات الضعيفة، وأن هؤلاء هم الذين سيتحولون إلى دعاة الإسلام، فكان يضرب المثل بأنه الغرب يجند لنا أهم وأشد عناصره، وهذا أمر لا أحب أن أطيل فيه، الكلام فيه كثير، لكن القصد أنه لم يفز قوم، لم يغلب قوم، لم ينتصر قوم إلا على أشلاء من الضحايا، والذين بذلوا مجهودهم، والذين تركوا الأمان والسلام في بلادهم ونزلوا إلى بلادنا وبذلوا في ذلك مجهوداً عظيماً، هذا بخلاف المحاربين والمقاتلين الذين جاؤوا وماتوا في سبيل ذلك.

أقوامهم، فإذا كان وعلى فكرة طيب، أشد من ذلك حتى أفكار يعني حتى الأفكار السيئة التي هي زي الإباحية وزي الإلحاد وزي النسوية وغيرها من الأفكار الضالة، هل تتخيلون أنها تسود وتنتشر بدون تضحيات؟ أبداً.

يعني رواد تحرير المرأة بين قوسين، ورواد الإلحاد، ورواد الإباحية، كل الرواد هؤلاء إنما تعرضوا للمخاطرة وتجرأوا على مخالفة التيار العام وعلى مصادمة الوضع الاجتماعي، فلم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لهذه الفئات المنحرفة. الذي ينادي بالعلمانية والذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، هؤلاء الآن أي نعم الآن يعيشون نوعاً من الانتعاش والهيمنة، لكن روادهم الذين بدأوا في بيئة إسلامية خالصة، هذا كان يخاطر بنفسه. يعني علي عبد الرازق لما كتب الإسلام وأصول الحكم وهو يريد أن يجعل لا حكم في الإسلام، تعرض لأن فصل من الأزهر الشريف، العلماء فصلوه من الأزهر الشريف، يعني تعرض للمخاطرة. نفس الكلام قاسم أمين حين كتب المرأة الجديدة، هدى شعراوي حين يعني خلعت الحجاب.

الخلاصة: حتى الأفكار الدنيئة والفاسدة والضالة لا تنتشر إلا على يد من يضحي في سبيلها، فكيف بالفكرة الشريفة؟ كيف بالدين؟ كيف برسالة الله تبارك وتعالى؟ لو لم يكن الصحابة ضحوا هذه التضحية ما كان الإسلام سيصل إلينا. وهكذا، فمن سنة الله تبارك وتعالى في خلقه أنه لا يسود أحد ولا تنتشر فكرة إلا على أكتاف هؤلاء الذين ضحوا في سبيلها. أنا حدثني أحد مشايخنا يعني كان في الخليج عن أحد المستشرقين، يقول هذا الرجل المستشرقين الذين عاشوا بينهم، يقول هذا الرجل كان ينزل من الطائرة لابس اللبس الإنجليزي البدلة والكرافته، وقال: فإذا جاء إلى مضاربنا خلع كل هذا ولبس لبس البدوي، وصار يركب الإبل كأحسن ما يكون الراكب، ويركب الخيل كأحسن ما يكون الفارس، ويتعامل يعني ينزل نفسه كده عشان يعني يوقد النار بالنفخ ويعرف النباتات السامة من غير السامة ويستطيع أن يرعى الغنم ويعرف متى تموت المعزة ومتى يمكن أن ينقذ، فالقصد أنه إيه هؤلاء تركوا كل هذا لكي ينتصروا فانتصر، هذا يعني ما فيش واحد، لم يغلب أحد بالصدفة، كل قصة نصر وراءها قصة تضحية.

طيب، على كل حال، ولذلك الإمام الشافعي كانت له كلمة جميلة جداً لما سئل الشافعي، قيل له: يمكن المؤمن أن يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله تبارك وتعالى ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، طيب أكرم الناس على الله وضعهم الله في البلاء، بل في أشد البلاء، فكيف يمكن أن يبحث أحد من الناس عن التمكين دون أن يبتلى؟ طيب، الأمر الثالث، إحنا ذكرنا حكمتين الآن، الحكمة الأولى هو تمحيص الصفوف، حكمة الله في البلاء هو تمحيص الصفوف: لِّيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. الحكمة الثانية ذكرنا أنه كل فكرة من سنة الله في خلقه أن كل فكرة لا تنتشر إلا على يد المضحين.

الأمر الثالث هو الإخلاص يا جماعة الخير، وهذا يعني الإخلاص يعني إيه؟ الشهيد سيد قطب رحمه الله كان له كلام جميل في هذا المعنى يقول: ولعل من حكمة الله تبارك وتعالى في العذاب الذي نزل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هو تخليص نفوسهم من حظ نفوسها، فإن العربي كان رجلاً ذا عزة ونخوة لا يقترب منه، وربما كان العربي يهيجه أدنى مهيج ويثيره أدنى مثير، وإحنا عارفين العرب كانوا إيه، حرب البسوس وحرب داحس والغبراء، ناقة واحدة تشعل الحرب بين قبيلتين وتمتد لعقود، فيقول الشيخ سيد قطب لعل ذلك كان لأن الله أراد أن يستخلص من نفوسهم حظ نفوسها. فالإنسان حين يؤمر بالكف عن رد الأذى، هو الآن في اختبار تربوي، اختبار تربوي يعني أي شيء أغلب عليه حظ نفسه في رد الأذى أم أمر الله له في الكف عن الرد كف اليد؟ لأنه الإنسان إذا رد أنت يعني الآن أنت لا تدري هل رد انتقاماً لنفسه أم رد انتقاماً لدينه؟ فمن حكمة الله تبارك وتعالى أن يخلص هذه النفوس من حظ نفوسها، وهذا مقام رفيع لابد منه للسابقين الأولين أولئك الذين سيحملون الدين على أكتافهم، يعني لولا أن خلصت نفوس السابقين الأولين من حظ النفوس ما الذي كان سيحصل؟ كثير من الناس يا جماعة الخير عبر المحنة بنجاح ثم وقع في فتنة الرخاء، يعني المسلمين فتحت عليهم الدنيا بعد ذلك وجاءتهم كنوز كسرى وقيصر ومع ذلك لم تغير في نفوس هذا الصدر الأول، هؤلاء المؤسسين، هؤلاء الكبار، فالاخلاص والتجرد هو واحد من الحكم التي لأجلها نزل الابتلاء بالمسلمين.

ومن الحكم أيضاً رفع الدرجات، وهذه عند عباد الله المؤمنين، الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ، والله تبارك وتعالى يقول: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، والله تبارك وتعالى يقول: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. لذلك الإمام ابن القيم كان يقول بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين اعتماداً على هذه الآية: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. والله تبارك وتعالى يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.

فالإنسان المسلم المؤمن من إذا ابتلي فصبر رفع الله درجته، وهذه من ضرورات أو من نعم الله تبارك وتعالى على المؤمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما يزال الابتلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، ويقول صلى الله عليه وسلم: ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كان له به أجر، وبعض العلماء يقول إن من الذنوب ما لا يكفره إلا المصائب، تمام فكذلك رفع الدرجات عند الله تبارك وتعالى. ويعني من هذه الحكم فإن الله تبارك وتعالى يصطفي لهذا الدين أخلص عباده.

طيب، الملاحظة المهمة يا جماعة في موضوع الابتلاء ده، وهذا أمر أرجو أن تركزوا معي فيه، أنه الابتلاء من طبيعة الدنيا، طيب أنا أقول لكم على شيء، الذين لم يبتلوا في سبيل الله، أراقت لهم الحياة؟ خلصت لهم الحياة؟ سلمت لهم الحياة؟ الله تبارك وتعالى خلق الدنيا هكذا، قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، لكن حتى جنة الكافر هذه لا تخلص له، لأن الله تبارك وتعالى قال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا، فطبيعي النقص. ولذلك يقول الشاعر:

طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

فأنت الآن يعني ترى كل الناس كل الناس في بلاء، لا تسلم الدنيا لأحد، لا تسل. فإن يكون الابتلاء في سبيل الله وأن يكون الابتلاء من أجل دين الله هذه مرتبة عليا، درجة رفيعة، ثواب يدخره الله لك في الآخرة، وإلا فحتى إذا يعني أخذت منهج السلامة ونقصت عن هذا السبيل خوفاً من تكاليفه لا تسلم لك الدنيا. والذين كانوا يعني من الأقوال المشهورة التي يرددها الخطباء على المنابر أن الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، وكم من ملك رفعت له علامات، فلما علا مات، لا لا تكتمل لأحد. لا، والله تبارك وتعالى سبحان الله لما ضرب مثلاً قال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً.

فهذه الخمسة على كل حال، على كل حال مسألة الابتلاء هذه من حكم الله تبارك وتعالى، أولاً في تمييز الصفوف، في أنه لا تنتشر الأفكار ولا الأديان إلا على التضحية، في تحقيق التجرد والإخلاص في نفوس هؤلاء المؤمنين، في أن الابتلاء يرفع الدرجات عند الله تبارك وتعالى، وكذلك في أن الدنيا من طبيعتها الابتلاء لا تصفو لأحد.

طيب، نأتي إلى السؤال الثالث وهو: ماذا كانت ردة فعل النبي صلى الله عليه وسلم وردة فعل أصحابه على مرحلة التعذيب التي نزلت بهم؟ هذا أمر يعني نحتاج إلى التنبه له، أول ما يرد به على التعذيب مما نراه في سيرة النبي وسيرة صحابته الثبات على الدين، ذكرنا في المجلس الماضي قول النبي صلى الله عليه وسلم: هل ترون هذه الشمس؟ فما أنا بقادر على أن أدع هذا منكم على أن تستشعلوا منها بشعلة، وهي الرواية التي لها نظير أشهر وأيسر ولكنها يعني ضعيفة السند، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته. ومن الثبات أيضاً سيدنا بلال وهو أحد هانت عليه نفسه في سبيل الله، وحتى الصحابة الذين نطقوا بكلمة الكفر كان الكفار يعرفون أنهم إنما نطقوها وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، فأول ما يرد به على التعذيب هو الثبات على الدين، تمام. طبعاً هذا الثبات له أثر بالغ في النفوس، يعني كلما رأيت ثابتاً صابراً صلباً صامداً، كلما داخلك شيء من الإعجاب به أو الإعجاب بالإيمان الذي هو عليه.

يعني الآن نحن في مرحلة ترون فيها ما يحدث في غزة الآن، حين يتكلم الرجل أو المرأة في غزة الثابت من أهل غزة، الإيمان الذي يبثه في النفوس ويثيره في القلوب وينتشر عبر الأرض، ما يمكن له يعني ما يمكن لأحد غيره أن يفعل مثل هذا، أنت حين ترى المرأة التي ظلت 15 سنة أو 25 سنة وهي تنتظر مولوداً، فلما رزقت بمولود قصف ومات وهي تقول: يا رب خذ من دمائنا حتى ترضى، اللهم إنا راضون عنك فهل أنت راض عنا؟ هذه مرتبة عليا، مرتبة عليا، كلما جاءت أخبار هدنة تجد الناس هتفوا: إحنا رجال الضيف وإحنا رجال السنوار، وهذا من أي شيء صنعت يا جماعة؟ والله يعني الثبات له أثره الكبير في نشر الإيمان، في نشر الفكرة، في نشر العقيدة. فأول رد أو أول ردة فعل على التعذيب هو الثبات على الدين.

طيب، الرد الثاني هو السعي الشديد والدؤوب في رفع العذاب عن المعذبين، ما هو لا ينبغي أيضاً أن يوكل الناس إلى قلوبهم أو إلى إيمانهم فقط، هذا هو دور القيادة، دور المشايخ، دور العلماء، دور الأئمة، يعني دور الأمراء، هذا دور القيادة، أنه لابد من السعي في رفع الأذى عمن وقع بهم الأذى، وهذا ما نراه في سيرة من يا جماعة؟ ذكرناها في المجلس الماضي، سيرة من؟ أبو بكر رضي الله عنه، سيدنا أبو بكر ما كان يستطيع أن يعتق أحداً إلا اشتراه وأعتقه، حتى لامه أبوه قال: إني يا بني أراك تعتق رقاباً ضعافاً؟ فقال: يا أبتِ إنما أريد الآخرة لا أريد الدنيا. وهنا يا جماعة يجب أن نقول، طبعاً نحن تكلمنا عن شخصية سيدنا أبي بكر في مجلس لعلكم تراجعونه، لكن الذين رزقهم الله المال، الذين رزقهم الله النفوذ، الذين رزقهم الله العلاقات، الذين رزقهم الله القدرة القانونية، هؤلاء واجبهم في عصر استضعاف المسلمين من أعظم الواجبات، من أعظم الواجبات، لأنه يتعلق بهم إنقاذ نفوس يمكن أن تفتن عن دينها، فهذه حقيقة من الواجبات المسكوت عنها في عصرنا هذا، من الواجبات المسكوت عنها في عصرنا هذا دور هؤلاء الذين رزقهم الله الأموال أو رزقهم الله العلاقات أو رزقهم الله النفوذ أو رزقهم الله القدرة القانونية، هذا أمر لا ينبغي أن يغيب ولا أن يخفت وينبغي أن يذكر به هؤلاء، كل من قدر أو استطاع أن ينقذ مسلماً معذباً مستضعفاً فهذا في حقه من الواجبات.

فلذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم ونرى أبا بكر رضي الله عنه، نرى من استطاع أن ينقذ أحداً من المسلمين ذهب فأنقذه. طيب إذا لم نتمكن من هذا، إذا عجزنا عن هذا فلا أقل من الصبر والمواساة والتطمين والتذكير، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكما فعل أبو بكر مع من لم يستطع إنقاذهم مثل عمار وزوجته وابنهما، أقصد يعني ياسر وزوجته وابنهما عمار، فكان أبو بكر رضي الله عنه يقول لهما: لو أستطيع أن أفتديكما بمالي لفعلت، لكن هم كما ذكرنا في المجلس الماضي كانوا موالي، لم يكونوا عبيداً، لم يكونوا يباعون، والنبي صلى الله عليه وسلم حين كان يمر عليهم فكان يقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمن المهم والضروري لمن رزقه الله قدرة على إنقاذ المسلمين والمستضعفين أن يفهم أن هذا من واجباته.

طبعاً بالمناسبة، أحياناً مما يشبه المسألة التي نتكلم فيها الآن مما يكون في عصرنا هو مسألة منح الإقامة ومنح الجنسية وما شابه، ومسألة القدرة على التسفير والقدرة على الإخراج، لأنه طبعاً هذه الأمور صارت أموراً معقدة في حياتنا المعاصرة، لم تعد كما كانت قديماً، يعني كما كان قديماً إذا أراد الرجل أن يركب ويمشي ويهاجر فلا تقابله مطارات ولا تقابله معابر ولا تقابله كمائن ونقاط تفتيش، هذا صار من عالمنا المعاصر، فهذا مما ينبغي أن يشار إليه، يعني الذين رزقهم الله القدرة على إنقاذ هؤلاء المستضعفين، وكما ذكرت إما بمنح الجنسية، منح الإقامة، الإخراج من الأرض التي فيها ظلم التي يتهدد فيها، استخدام ثغرات قانونية وما شابه، هذه أمور ينبغي أن يلتفت إليها وينبغي أن ينبه عليها، الذين الله تبارك وتعالى يحاسب كل امرئ على قدر ما أعطاه من النعم، على قدر ما أعطاه من النعم، يعني لا شك أن حساب الفقير في يوم القيامة لن يكون.

كحساب الغني، حساب ذي الجاه والمنصب لن يكون كحساب المغمور؛ حساب الوزير ليس كحساب الخفير. فاحسب أن هذه الأمور من الأمور الغائبة التي لا تكاد تقال في دروس، ولا تكاد تقال على المنابر، وهي من أوجب الواجبات، ونحن الآن في عصور استضعاف.

وأنا أعرف كثيراً من الناس، يعني في عالمنا العربي وفي العالم غير العربي، يعني أسمع عن بعض الإخوة في البلاد، بلاد وسط آسيا؛ أوزبكستان وطاجكستان وتركستان وبورما وكشمير والهند، يعني أسمع مآسي مآسي، وأناساً ضاعت أعمارهم، وأناساً قتلوا لأنه لا يمتلك ورقة، أو لأنه عجز عن أخذ تصريح، أو لأنه لم يستطع أحد أن يوقع له، وأمور هينة في غاية يعني في غاية البساطة لكثير من الناس. فينبغي أن يقتدي هؤلاء بأبي بكر رضي الله عنه. ومع ذلك يجب أن نقول أيضاً بأنه حتى أبو بكر رضي الله عنه، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستطيعوا أن ينقذوا كل المسلمين. فيعني الانتماء للحق، الانضمام للحق، السير في ركاب الحق، لا شرط عليه لا شرط عليه، يعني كما يكلف المؤمن بالصبر والثبات، يكلف من استطاع إنقاذه بالسعي في إنقاذه، تمام.

فدلوقتي إذا بنتكلم عن ردة فعل النبي، أو سياسة النبي والمسلمين في رد هذا الأذى أو في مواجهة العذاب، قلنا: أولاً الثبات على الدين، وثانياً السعي في رفع العذاب عن المسلمين. طبعاً هذا يدخلنا إلى مسألة حقيقة تستحق وقفة، بل تستحق يعني وقفتين، مسألة مهمة وتدخلنا في شؤون الحاضر قليلاً. مما يقال هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وقع العذاب على من أسلم، طبعاً هم المسلمون كانوا يستخفون بإسلامهم، ومن عرف إسلامه، لأنه طبعاً برضه كان فيه حركات مراقبة وفي تتبع، وذكرنا مثل ذلك في قصة سيدنا أبي ذر لما أسلم، ومن قرأ منكم قصة إسلام سيدنا خالد بن سعيد بن العاص، هذا رجل أسلم وكان يخاف من أبيه فلم يخبره بإسلامه، لكن أباه لاحظ تغيبه فأرسل إخوته خلفه حتى عرفوا أنه أسلم، فأخذه وضربه وعذبه. القصد هنا أنه كان هناك تتبع ومراقبة.

فمما يذكره أهل السير هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صار يلتقي بالمسلمين في دار الأرقم، صار يلتقي بالمسلمين في دار الأرقم. طبعاً دار الأرقم نحن الآن عرفنا أو بعدما انجلت الكربة عرفنا أنها دار الأرقم بن أبي الأرقم، لكن المشركين لم يكونوا يعرفونها، وغاية المعلومات التي وردت في الرواية أن محمداً يجالس أصحابه في دار عند الصفا، دار عند جبل الصفا؛ فهي الدار جرى الحفاظ على سريتها، لم تكن معروفة.

ومن الملاحظات العجيبة: الأرقم بن أبي الأرقم كان عمره كم سنة في ذلك الوقت؟ حد عارف؟ أقل شوية، كان 13 سنة. فطبعاً أنت حين ترى، يعني لا يقع في الذهن ولا في الخاطر أن هذا الفتى ذي الـ13 سنة يستضيف في بيته اجتماعات خطيرة ضد نظام الحكم، وتساهم في قلب السلم الاجتماعي، ويعني التهم المعروفة دي، فلم يتصور أحد أن دار هذا الفتى هي التي تجمع هذا الاجتماع المهم. وفوق ذلك، فالأرقم بن أبي الأرقم هذا من بني مخزوم، بني مخزوم اللي هي منها أكبر قائدين يصادان الإسلام ويشاقانه وهما أبو جهل والوليد بن المغيرة. يعني أيضاً انظر إلى قدرة النبي على اختراق هذا المجتمع النخبوي، يعني بنو مخزوم وفيهم أشد رجلين على النبي صلى الله عليه وسلم، كان فيهم فتى 13 سنة يستقبل اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في بيته عند الصفا، تمام.

فلكن هنا يدخل في دور القيادة في حماية أفرادها؛ لأن النبي اتخذ هذه الدار استخفاءً، ولكي يحمي أصحابه من أن يعرف إسلامهم. ولكنه يشير أيضاً إلى أمر مهم، وهو أنه حتى في الشدة، حتى في المحنة، حتى في الأزمة، حتى في الكربة، يجب أن لا ينقطع اتصال المؤمنين بعضهم ببعض، ولا ينقطع اتصال النبي أو اتصال الشيخ أو الإمام أو القائد بأتباعه؛ لأن فترة المحنة وفترة الكربة هي من أشد الفترات على النفس، الإنسان يكون أقرب إلى الضعف، أقرب إلى الانهيار، أقرب إلى الهشاشة. في لحظة الفتنة ولحظة المحنة يحتاج من يثبتهم، من يشد أزره، من يأخذ بيده، من يذكره بالله، فمسألة التواصل والالتحام والانسجام والتكافل بين أهل الإيمان مسألة ضرورية حتى في أشد الظروف. ومن عرف هذا عرف أنه من الجريمة يا جماعة أن يكون المسلمون في لحظات استضعاف وليس بينهم نوع من الالتحام والانسجام والتلاقي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

يعني النبي في لحظة المحنة كان يلتقي بأصحابه في دار، وطبعاً أكيد بترتيبات أمنية وترتيبات سرية، هذا أمر مهم. طبعاً حيث أننا نتكلم الآن ونحن في مجتمع غربة فهذا أمر لا بد منه، المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وكثير من المشكلات ما يحتاج المرء فيها إلى حل عملي بقدر ما يحتاج إلى المواساة، وأن يشعر أنه بين قوم يمكنهم أن يستمعوا إليه ويمكنهم أن يصبروه ويذكروه، وهكذا هي النفوس، تمام. طيب هذه الوقفة الأولى في مسألة دار الأرقم بن أبي الأرقم، ناتي إلى وقفة أخرى، وهنا هذه وقفة حركية، صلوا على النبي.

دار الأرقم بن أبي الأرقم، أنا الآن أحاول أن أستخدم القدر الأكبر من التهذيب ومن التخفف والتلطف لأن هذا الأمر مهم ولا أحب من أحد أن يسيء فهمه. الآن يا جماعة الخير؛ الإسلام ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم كما نرى تتوازن فيه سائر الوجوه: التربية والتعليم والسياسة والاقتصاد واستعمال الوسائل القانونية، يعني كل هذا كان حاصلاً. حقيقة يعني بعض الحركات الإسلامية، بعض الجماعات، بعض المشايخ في زمن الضعف الذي مر بنا والذي استمر في حياتنا هذه، أخذ طريقاً لا يحب أن يصادم فيه الواقع الحالي أو الواقع المعاصر أو السلطة أو النظام، أخذ هذا الطريق ماشي، لكنه برر هذا السبيل بأنه يعمل على التربية والتكوين والتعليم، وكان سار في مساره وكأنه لا يعرف من الإسلام إلا التربية والتعليم والتكوين. التربية والتعليم والتكوين حتى صار أحسن الناس فيهم هو نتائج التربية المغلقة داخل المساجد أو داخل الحلقات أو داخل البيوت، هذا لم يستطع أن يواجه الحياة حين جاءته الحياة أو حين جاءته الفرصة.

طيب لكي يبرروا لأنفسهم تضخيم فكرة التربية والتكوين، التصقوا جداً بدار الأرقم بن أبي الأرقم، فجعلوها كأن دار الأرقم بن أبي الأرقم هي من أركان الإسلام مثلاً، أو من أركان الدعوة، أو من أركان المنهج، وهذا خطأ. هذا خطأ، طيب التربية ضرورة، التعليم ضرورة، التكوين ضرورة، لكن أن يمر كل فرد عبر هذه المرحلة هذا ليس بضرورة، لأن نحن حتى الآن لا نعرف الكثير عن دار الأرقم بن أبي الأرقم بل لا نعرفه إلا القليل. لو كان دار الأرقم بن أبي الأرقم أحد أركان المنهج وأحد ثوابته، لكان ينبغي أن نعرف عنها الكثير بالتفصيل. حتى بعض المشايخ وقعوا في هذه، يعني كتبوا طويلاً في أهمية وضرورة دار الأرقم بن أبي الأرقم، ويقول في العبارة ذاتها في نفس السطر: ومن المؤسف أننا لا نعرف الكثير عن دار الأرقم، طيب إذا ينبغي أنه إذا لا تعرف الكثير عن دار الأرقم، أن تعرف أنها ليست بالأمر الأصل، ليست بالأصل، ليست بالشيء الذي كان يجب على المسلمين أو يجب على الصحابة نقله وبيانه، وإنما هو ظرف من الظروف، ولذلك سائر ما ورد في دار الأرقم بالميزان الحديثي ضعيف، سائر ما ورد عن دار الأرقم بالميزان الحديثي ضعيف، تمام. يعني لو احنا بناخذ منهج المحدثين، أو لو أن أحداً اتخذ منهج المحدثين، أو لو أن أحداً أنكر أن يكون هناك دار الأرقم بن أبي الأرقم، فهو حقيقة لم يجاوز الإسلام كثيراً؛ لأن سائر ما عرف عن دار الأرقم جاء من طرق ضعيفة.

طيب هذا الذي جاء من طرق ضعيفة ينبغي أن نستفيد منه ما هو جارٍ على الأصول العامة، لا نجعل هذه المرحلة مرحلة قائمة بذاتها أصل لا بد أن يعبر الناس عليه، اسمه مرحلة التربية والتكوين. حقيقة التربية في الإسلام هي تربية عملية، تربية في الميادين، تربية في الساحات في مواقع النزال، وإنما هذا الذي جاء عن دار الأرقم بن أبي الأرقم -أنا أقول هذا الذي جاء وهو ضعيف سنداً- إنما يبدو كضرورة من ضرورات المرحلة وليس أصلاً من أصول المنهج أو أصلاً من أصول الحركة. تمام، واضح، أتمنى أن أكون أوصلت الفكرة بأكبر قدر من التهذيب وأن لا يكون أحد قد حمل في نفسه شيئاً.

ماشي، يبقى إحنا الآن ذكرنا أمرين من منهج النبي وصحابته في رد الاعتداء: الأمر الأول قلنا هو الثبات على الدين، والأمر الثاني هو السعي في رفع الإيذاء عن الذين وقع عليهم هذا الأذى. طيب الأمر الثالث، وهذه قد نتفاجأ بها، وهو التهديد والمراغمة. أنا ذكرت لكم في المجلس الماضي، وأذكره لكم الآن، وساذكره فيما بعد، أننا يجب أن نفرق بين مرحلتين في الأذى الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم. الأذى الذي مس النبي يعني مس جسده، إنما كان بعد وفاة أبي طالب، وأبو طالب توفي في العام العاشر من البعثة، لكن ما قبل ذلك كان النبي يتعرض للأذى بمعنى النظر شزراً، السخرية، الاستهزاء، طلب المعجزات، ونحو هذا، أو ما يقال عنه من كاهن كذاب ساحر شاعر مجنون، تمام.

طيب لكن الآن أنا مضطر أن أقفز إلى ما بعد العام العاشر للبعثة لكي آتي لكم بهذا الموقف؛ لأنني الآن أتكلم في منهج النبي في رد الاعتداء. وهذه حادثة وردت في المسند وعند أهل السنن بروايات مختلفة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهل: أما يزال محمد يعفر وجهه بين أظهركم؟ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم -يعني لن أحكيها الآن بالتفصيل إن شاء الله سنأتي إليها فيما بعد- ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما جرؤوا أن يقوموا إليه، استغربوا من أنفسهم، توعدوا اليوم التالي أنه إذا دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم سيقومون إليه، فقاموا إليه فصاروا يجذبونه من ثوبه -أنا بقول لكم هذه حصلت بعد وفاة أبي طالب- صاروا يجذبونه من ثوبه، أنت الذي تقول كذا؟ أنت الذي تقول كذا؟ فهو يقول: نعم، ثم قال: تعرفون يا معشر قريش لقد والله جئتكم بالذبح. فأخذ القوم بهذه الكلمة.

يبقى الشاهد هنا أن طول الفترة المكية لم تكن مجرد استسلام أو صفح أو عفو أو كف أذى، وإنما كان من ذلك التهديد والمراغمة: تعلمون يا معشر قريش لقد والله جئتكم بالذبح. يقول: فأخذت القوم الكلمة، فصار أجرأهم عليه يخفض ويقول: ما كنت يا أبا القاسم جهولاً، ما كنت يا أبا القاسم جهولاً، تمام.

والنبي صلى الله عليه وسلم في موقف ثاني، وسنأتي إليه، دعا عليهم وقال: اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف، فعاقبهم الله تبارك وتعالى بالجدب سنة حتى جاعوا وأكلوا أوراق الشجر، وكان الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من الجوع، تمام. يبقى حين كان يمكن أو كان يستطاع أن يهدد المسلمون أو أن يراغموا، كانوا يفعلون ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف أو في غيره على تحقيق سنأتي إليه إن شاء الله في وقته، جاء أبو بكر وصار يدفعهم عنه ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ فأحياناً لهوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وضربوا أبا بكر، وفي رواية قيل حتى صرنا ما نعرف وجهه من قفاه، سيدنا أبو بكر ضُرب ضرباً شديداً حتى أن سيدنا علي رضي الله عنه يقول: من أشجع الناس؟ وكان هذا في خلافته، قالوا: أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: أما والله إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أشجع الناس أبو بكر، وذكر هذا الموقف أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقام أبو بكر دونه، ثم قال علي: أيهما أفضل؟ مؤمن آل فرعون أم أبو بكر؟ فسكتوا، فقال: لواحد من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل يعلن إيمانه. رضي الله عن علي وعن أبي بكر وعن سائر صحابته.

طيب ومن المراغمة أيضاً أن سيدنا عبد الله بن مسعود ذهب إلى القوم في ناديهم وصار يتلو عليهم القرآن، يعني يا جماعة تصورنا أحياناً للعهد المكي ليس تصوراً سليماً، تصورنا للعهد المكي ليس تصوراً سليماً. أنت ترى الآن واحداً بيعمل أشبه بالعملية الاستشهادية، ذهب إلى نادي القوم لكي يسمعهم القرآن، وبالفعل ضربوه ضرباً مبرحاً. وفيما بعد سنرى سيدنا عمر لما أسلم ذهب إلى القوم في ناديهم وقال: ألا تعلمون أني قد أسلمت؟ فضربوه أيضاً حتى ما أنقذه منهم إلا العاص بن وائل. يبقى حياة المسلمين في المجتمع المكي أو رد المسلمين على الأذى لم يكن فقط الكف بمعنى السكوت والاستسلام، لكن أيضاً كان هناك نوع من التهديد ومن المراغمة ومن الدعاء عليهم. هذا أمر مهم لأنه كثيراً ما يتصور أهل الدعوة، كثيراً ما يتصور المسلمون أنه في عصر الاستضعاف ينبغي أن لا تنطق وأن لا تتكلم وأن لا يعرف أحد ما تنطوي عليه نفسك، غير صحيح. بل أشد من ذلك وردت روايتان عن مقاومة سرية للمسلمين في.

مكة، وهذا أمر لا يكاد يعرف. وهاتان الروايتان يعني طبعاً اختلف بعض العلماء في سندهم، ولكن حسنه ما جمع من العلماء الطبري وابن حجر والشيخ أحمد شاكر وحتى الشيخ الصوياني في كتابه السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة.

وذكر الذهبي أن المتن نظيف، وإن كان قال الإسناد نظيف، وإن كان ذكر أن المتن منكر، يعني بعيداً عن التفصيل الحديث ده، لكن جاءت روايتان عن مقاومة سرية للمسلمين في مكة، كلاهما جاءت عن علي رضي الله عنه؛ مرة قال: كنا ننطلق أنا وأسامة بن زيد فنأتي بالعذراء، يعني فنلطخ بها الأصنام ثم نمضي قبل أن يرانا أحد، فهذا أيضاً نوع من المقاومة. وذكر سيدنا علي رضي الله عنه أنه ذات ليلة كانوا قد نصبوا على الكعبة صنماً من نحاس، فجاء علي والنبي صلى الله عليه وسلم، ورفع النبي علياً وصار يعالج هذا الصنم حتى خلخله وأطاح به فتكسر، قال علي: ثم انطلقنا نستبق حتى استترنا بالبيوت أو حتى توارينا بالبيوت. إذاً يعني كان للمسلمين ما نسميه الآن مقاومة سرية، يعني لم يكن الأمر استسلاماً محضاً كما يصور لنا في زمن.

والشيخ سعيد حوى بالمناسبة في كتابه السيرة النبوية، وهو جزء من كتابه الأساس في السنة رحمه الله، كان يقول: وأعجب من أن هذا لا يعرف، يعني أعجب من أن هذا لا يعرف، ثم أردف يقول: ولكن إنكار المنكر يحتاج إلى موازنات بحيث لا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أكبر منه، لكن يعني حيث لا يؤدي إلى منكر أكبر منه إذاً فهو جائز حتى في هذه المرحلة المكية. وطبعاً يعني مسألة إزالة الأصنام أو تلطيخ الأصنام، هذه يعني هذا له على الأقل حكمتان: الحكمة الأولى أن رموز أي شيء، رموز أي قوم إهانتها مذهب للهيبة، يعني يشبه الآن مثلاً في زماننا أن تحرق العلم، حرق العلم هذا المطلوب منه ماذا؟ إزالة الهيبة أو كسر هذه الهيبة، أو كما يفعل أعداؤنا الآن من حرق المصحف مثلاً أو من الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، اسم النبي صلى الله عليه وسلم تمام، ولكن لها في الأصنام حكمة أخرى؛ لأن هذه الأصنام يراها قومها أو يراها أهلها على أنها إله، فتلطيخ الإله أو إسقاط الإله أو تكسير الإله مما يذهب هيبته في النفوس ويكسر الإيمان به.

وأول من فعل هذا سيدنا إبراهيم، سيدنا إبراهيم فعلها بذكاء، كسر كل الأصنام ما عدا الصنم الكبير وعلق الفأس في كتفه، اللي هو يعني اللي هو هذا الرجل، أما أنه هو الذي كسر الأصنام (هذا الصنم الكبير) أما أنه هو الذي كسر الأصنام أو على الأقل رأى الذين كسروها ولم يستطع أن يدفع عنهم شيئاً، يعني هو شاهد عيان إن لم يكن هو الفاعل، ولذلك قالوا: مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ.

فلوه لوهلة كسر في نفوسهم وكأنهم انتبهوا، فنكسوا على رؤوسهم، صح، حصل إيه؟ حصل هزة، فثم نكسوا على رؤوسهم، لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ. لا الآية تقول: قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، لا لا أنا سبحان الله ذهبت الآية مني، فرجعوا إلى أنفسهم، جزاكم الله خيراً، فرجعوا إلى أنفسهم، هي هذه هي فرجعوا إلى أنفسهم تمام.

وبالمناسبة في السيرة النبوية إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، بعض الصحابة أسلم من هذا، يعني سيدنا عمرو بن الجموح الصحابي المشهور الذي دخل الجنة بعرجته، أول إسلامه كان ماذا؟ أسلم ولده قبله وهو كان عنده صنم في البيت يحفظه ويرعاه ويطيبه وينظفه، فولده كل ليلة يروح واخد الصنم ويلقيه يعني أكرمكم الله بالمصطلح المعاصر في الحمام في الصرف الصحي هكذا، يعني يقوم يبحث عنه لا يجده ثم يجده ملقى، فيأتي به ويطيبه وينظفه وينصبه، الليلة الثانية نفس الكلام، الليلة الثالثة قال له: بص، أدي السيف جنبك أهو، والله لو كان فيك خير لدفعت عن نفسك، علشان إحنا ذكرنا قبل ذلك وهذا أمر ينبغي أن تنسوه أبداً: ما تكرر تقرر، مهما كان خرافة، يعني شوف الإنسان الناس عبدت الأصنام حتى إنه صار ما يتخيل أن هذا صنم لا ينفع ولا يضر ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، يعني يعني في مرة من المرات وجد حقاً أنه من العقل أن يترك له سيفاً لكي يدافع به عن نفسه، لطول الأمد مهما كانت الخرافة واضحة لكن طول الأمد يجعلها حقيقة. طيب طبعاً هو إيه جه بعدها لقى السيف قاعد زي ما هو وهو برضه مرمي في المكان بتاعه، فأسلم. ولذلك الشيخ سعيد حوى رحمه الله كان يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل هذا -يقصد من كسر الأصنام الصنم الذي كان منصوباً فوق الكعبة- بعد أن نزل عليه قول الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ، فكان هذا اهتداؤه بهدى نبي الله إبراهيم عليه السلام في تكسير الأصنام.

طيب، الآن ندخل إلى مرحلة جديدة من مراحل السيرة النبوية، وهي الهجرة إلى الحبشة. كم بقي معنا من الوقت يا باشمهندس؟ خمس دقائق، خمس دقائق دي مش هتكفي، 10 دقائق؟ أفضل، ماشي.

الهجرة إلى الحبشة؛ لما طبعاً لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شدة ما يعانيه أصحابه من العذاب أذن لمن شاء منهم أن يهاجر إلى الحبشة، وقال: فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، يقصد النجاشي ملك الحبشة، برضه النجاشي هو لقب، هو لقب الذي يحكم الحبشة كما يقال قيصر ملك الروم، وكما يقال كسرى ملك الفرس، كما يقال مثلاً فرعون مصر، فالنجاشي هو لقب الذي كان يحكم الحبشة. طبعاً أول ما يواجهنا عند هذه اللحظة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مدركاً للأوضاع السياسية في عالمه، وهذا أمر لابد منه لصاحب الرسالة، يعني النبي لم يكن خياله السياسي، لم تكن معرفته منحصرة لا بمكة ولا حتى بالجزيرة العربية ولا حتى بما يتاخم الجزيرة العربية من فارس والروم، وإنما كان لديه اطلاع على الأوضاع في المناطق المحيطة وعرف أن ملك الحبشة هذا لا يظلم عنده أحد.

فالذين هاجروا، أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة كانوا اثني عشر رجلاً وأربع نساء هاجرن مع أزواجهن، تمام، من على رأسهم ومن أشهرهم سيدنا عثمان بن عفان، سيدنا عثمان بن عفان كان متزوجاً من بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وهي رقية، فكانوا أول بيت يهاجر في سبيل الله بعد يعني منذ إبراهيم ولوط عليهما السلام، لكن انظر هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من دفع الثمن أو أول من نهض إلى هذا ابنته، ابنته رضي الله عنها رقية وكانت مع زوجها، يعني النبي لم يمنعها من أن تكون مع زوجها، طبعاً النبي ما كان ممكناً، يعني قصدي السيدة رقية هل كان النبي يعذبها مثلاً؟ يعني رقية في نفسها لم تكن تتعرض للعذاب، طيب هذا سيفيدنا حين نرى آخر، وهو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو، طبعاً عتبة بن ربيعة إحنا ذكرناه، عتبة بن ربيعة بن عبد شمس سيد عبد شمس، وأسلم ولده أبو حذيفة وكان من السابقين إلى الإسلام، طبعاً سيدنا أبو حذيفة حين أسلم كان يرى في رؤوس الكفر أبوه عتبة وعمه شيبة بن ربيعة وأخوه الوليد بن عتبة تمام، يعني سيدنا حذيفة لما أسلم كان يرى في معسكر الكفر أخوه وعمه وأبوه، وراهم قتلى أمامه في بدر. لذلك نتذكر ما ذكرناه في المجلس الماضي من حديث المقداد رضي الله عنه قال: لم يحب أحدكم أن يشهد مشهداً غيبه الله عنه، لقد بعث رسول الله في قوم ما يرون ديناً أحسن من عبادات الأصنام، وإن كان الرجل ليفتح الله قفل قلبه للإيمان فيسلم ثم هو يرى حبيبه أباه أو أخاه أو عمه كافراً يعلم أنه في النار، فسيدنا أبو حذيفة كان هذا من الابتلاءات.

طيب لكن المقصود الذي نريد أن نتكلم عنه هنا أنه سيدنا أبو حذيفة لم يكن أبوه عتبة بن ربيعة يعذبه، فلذلك أنت صحيح يعني عايز أقول إيه؟ منطقي مفهوم طبيعي أن الذين ذهبوا إلى الحبشة أو أن النبي حين أذن لبعض صحابته بالهجرة إلى الحبشة إنما أذن لهم لشدة العذاب الذي نزل ببعضهم، واضح؟ لكن حين ننظر في أسماء الذين هاجروا نجد أن بعضهم لم يكن يعذب ولم يكن مهدداً بالعذاب، طيب هذا ماذا يعني يا جماعة؟ هذا يعني حلقة جديدة فيما كنا قد تكلمنا عنه من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستبقي بذوراً وعناصر ومراكز للدعوة بعيدة عن بطش قريش، ذكرنا أن منهج النبي في من أسلم من خارج مكة أن يردهم إلى أماكنهم ويقول لهم: فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني، فظلت هناك مراكز في بعض القبائل مثل دوس، مثل غفار، سليم، عمرو بن عبسة، وهكذا، والآن نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج ابنته، أخرج ابنته مع زوجها، وخرج ممن خرج أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ومعهم قوم، إن شاء الله يعني لأن الوقت الآن لا يسمح سنأتي لتفصيله في المرة القادمة، لكن الدرس الآن هو أن الذين خرجوا لم يكن كلهم ممن يعذب.

طيب سيزداد تأكيد هذا الدرس في الهجرة الثانية إلى الحبشة؛ لأن من كان رئيس الهجرة الثانية المشهورة جعفر، وجعفر ابن مَن؟ جعفر بن أبي طالب، طيب أبو طالب هذا الذي كان يحمي ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم، هل كان يعذب ولده؟ لا، إذاً فخروج جعفر إلى الحبشة إنما هو كان أيضاً نوعاً من إبقاء هذا ما يسمى في المصطلح المعاصر احتياطي استراتيجي، أناس مسلمون ويفهمون الإسلام ويستطيعون التعبير عنه بعيداً عن بطش مكة، يزيد في تأكيد هذا أن هؤلاء المهاجرون إلى الحبشة متى عادوا؟ عند السنة السابعة للهجرة، يعني إحنا الآن في السنة الخامسة للبعثة، أيوه عند فتح خيبر، فتح خيبر كان في المحرم سنة سبعة، غزة خيبر سنة سبعة، المحرم سنة سبعة، يبقى إذاً سبع سنوات وقبلها ثماني سنوات أخرى، يعني بعد خمس عشرة سنة، إذاً لم تكن الهجرة إلى الحبشة مجرد فرار من العذاب، وإلا كانوا قد عادوا عند هجرة النبي إلى المدينة، ولكنهم متى عادوا؟ عادوا بعد توقيع اتفاقية مع مكة، يعني صارت الدولة الإسلامية في أمان، فهذا أيضاً مما يؤكد على أنه لم تكن الهجرة إلى الحبشة فقط هجرة من العذاب، وإنما كانت نوعاً من إبقاء عناصر إسلامية دعوية في مكان بعيد عن بطش قريش.

إن شاء الله نتكلم ونواصل الحديث عن الهجرة الأولى إلى الحبشة في المجلس القادم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً، السلام عليكم ورحمة الله.