السيرة النبوية | 10. خريطة واضحة لتسهيل حفظ السيرة وفهمها

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي.

هذا المجلس العاشر في مجالس السيرة النبوية، والتي نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذه الدنيا عليها وعلى طاعته، أن يجمعنا بها في الآخرة في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. إحنا كنا توقفنا في المرة الماضية عند بدء الوحي، وعند لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بورقة بن نوفل، وذكرنا أنه كان ابن عم خديجة رضي الله عنها. ولمن يذكر هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، فهو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، فهو ابن عمها. وذكرنا ما كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

الآن نحن يعني سنبدأ في تدارس السيرة النبوية التي هي بالفعل منهج الحياة، منهج الإصلاح، منهج نشر الدين. فلذلك من الأمور المهمة أن نبدأ بخريطة للسيرة النبوية لكي نسهل حفظها، يعني كثير من الناس ربما اختلطت عليه أحداث السيرة النبوية. طيب، إحنا في المحاضرات الماضية أو في المجالس الماضية تكلمنا عن ما قبل البعثة. الآن البعثة تستمر 23 سنة، منذ أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم وأوحي إليه إلى وفاته، 23 سنة. 23 سنة دول مقسمين إلى مرحلة مكية ومرحلة مدنية.

المرحلة المكية يمكن أن نسهلها فنقول بأنها مرحلة الدعوة، شرح الفكرة، إبلاغ الرسالة. المرحلة المدنية هي مرحلة الدولة، وهي مرحلة أن تحول الإسلام من فكرة ودعوة ورسالة إلى نظام وحكم وجماعة وسلطان. المرحلة المكية 13 سنة، والمرحلة المدنية 10 سنوات. طيب، يبقى هذه هي الصورة العامة؛ مرحلة مكية ومرحلة مدنية، 13 سنة و10 سنوات. تعالوا ندخل إلى التفصيل بحيث تتضح معنا الخريطة.

المرحلة المكية يمكن أن نقسمها على هذا النحو: ثلاث سنوات في البداية نسميها سنوات الدعوة الخاصة، وبعض العلماء والدعاة يسمونها الدعوة السرية، لكن الأصح أن يقال الدعوة الخاصة وليس الدعوة السرية. إذاً ثلاث سنوات دعوة خاصة، ثم ثلاث سنوات استضعاف ظاهر، استضعاف شديد؛ لأنه في هذه السنوات الثلاثة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة وجهر بها، وتعرض هو وأصحابه لعذاب قريش حتى وقعت لحظة فارقة وهي لحظة إسلام عمر وحمزة في السنة السادسة للبعثة. وهذا يعني هذا التفريق، هذه اللحظة، لحظة يذكرها لنا سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أذلة حتى أسلم عمر. فدخول شخصيتي سيدنا عمر وسيدنا حمزة نقدر نقول كانت علامة فارقة. يبقى إحنا عندنا الأول ثلاث سنوات دعوة خاصة، ثلاث سنوات هنسميها اصطلاحاً -يعني فيما بيننا اتفاقاً- استضعاف ظاهر، تنتهي عند إسلام سيدنا عمر وإسلام سيدنا حمزة، كلاهما أسلم في نفس السنة التي هي السنة السادسة للبعثة.

طيب، من 7 إلى 10، ثلاث سنوات هي سنوات الحصار الكبير، حين شعرت قريش أن الأمور تنفلت منها، فأرادوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، تسرب الخبر إلى بني هاشم، فأدخلوا النبي في الشعب، يعني الشعب نسميه منطقة النفوذ، نسميه الحارة بتاعة بني هاشم من مصطلحاتنا المعاصرة، يعني المكان الذي لا تطاله فيه يد قريش. فحين دخل بنو هاشم إلى الشعب أعلنت قريش مقاطعة بني هاشم، وظل هذا الحصار ثلاث سنوات. يبقى إحنا عندنا كذا من بداية البعثة إلى سنة 3 دعوة خاصة، من 3 إلى 6 استضعاف ظاهر، من 7 إلى 10 الحصار الكبير، من 10 إلى 13 هذه نسميها مرحلة البحث عن أرض للدولة الإسلامية؛ لأنه ظهر بعد هذه السنوات أن زعماء قريش، رؤوس قريش، لن يسلموا، فبدأ النبي منذ السنة العاشرة في بداية التفاوض أو البحث عن مكان جديد يكون منطلقاً للدعوة وحاضنة، ويكون أهله شوكة الدولة وعصبة الدولة وأنصار الدولة. نراجع مع بعض عشان نحفظ: ثلاث سنوات دعوة خاصة، ثلاث سنوات بعدهم استضعاف ظاهر، من 7 إلى 10 الحصار الكبير، من 10 إلى 13 البحث عن أرض للدولة.

طيب، هذه كذا المرحلة المكية التي هي 13 سنة. المرحلة المدنية سنقسم هذه القسمة: السنة الأولى والثانية هي مرحلة تمكين وتأسيس الدولة داخلياً، وهذه تمتد من أول الهجرة حتى غزوة بدر. غزوة بدر مرحلة فارقة؛ لماذا؟ لأنها إعلان عن أن الدولة الإسلامية دولة قوية، ليست سهلة، ليست الدولة المزعومة، ليست الجماعة الإرهابية المطاردة، لا، دولة تستطيع أن تخوض حروباً وأن تهزم جيوشاً. في التاريخ عادة قاعدة أن الحرب هي اللحظة الفارقة في تاريخ الدول؛ كل دولة لها حرب تأسيس، حرب بداية، حرب استقلال، ولها أيضاً حرب نهاية، حرب سقوط، حرب زوال. تاريخ الدول بشكل عام يبدأ بحرب وينتهي بحرب، فغزوة بدر كانت اللحظة التي أعلن فيها ميلاد الدولة الإسلامية كقوة إقليمية. طبعاً هذا كان فارقاً جداً، وسنتحدث إن شاء الله لنا البقاء واللقاء عن الآثار الهائلة لغزوة بدر.

طيب، يبقى أول سنتين تأسيس الدولة داخلياً، بعدها عندنا ثلاث سنوات من غزوة بدر إلى غزوة الأحزاب، نستطيع أن نسميها تأسيس القوة الإقليمية. خمس سنوات، السنة الخامسة كان فيها غزوة الأحزاب، هذه كانت أصعب لحظة مرت على المسلمين، غزوة الأحزاب؛ لماذا؟ لأنه اجتمع لها الأحزاب، يعني نستطيع أن نقول بمصطلحنا المعاصر اجتمع عليها حلف دولي، حرب عالمية. فحين أخفق الحلف، حين أخفقت الأحزاب في اجتياح وتدمير الدولة الإسلامية، إذاً صارت الدولة الإسلامية أمراً واقعاً لا يمكن التخلص منه، وبالتالي دخلنا في الاعتراف السياسي. ما هو، شوف أنت تظل غير معترف بك حتى تستعصي على الكسر، فحين لم تكسر الدولة الإسلامية في غزوة الأحزاب، حصل الاعتراف السياسي في صلح الحديبية الذي كان في العام السادس للهجرة. لذلك نستطيع أن نقول إنه بداية من العام السادس بدأت الدعوة العالمية، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم في إرسال الرسائل للملوك، اللي هي رسائل النبي إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وأمراء بصرى، وكذلك البحرين وعمان واليمن.

فإذاً السنتين الأولانيين تأسيس الدولة داخلياً، من 2 للهجرة -التي هي غزوة بدر- إلى غزوة الأحزاب، القوة الإسلامية الإقليمية، الدولة الإسلامية قوة إقليمية. الاعتراف السياسي حصل في صلح الحديبية؛ لو حبينا نقرب بمصطلحاتنا المعاصرة فهو زي اعتراف الأمم المتحدة بالدولة، أنت الآن مهما كان عندك شعب والشعب عايز الاستقلال، لكن إذا الأمم المتحدة مش معترفة بك فما بتعرفش تطلع جواز سفر، لا يستطيع مواطنوك السفر، لا يبقى عندك شهادات معترف بها عالمياً، فلا تستطيع التعلم في بلاد أخرى، فيعني الاعتراف الذي كان للدولة الإسلامية في صلح الحديبية إذا حاولنا تقريب صورته بمصطلحنا المعاصر هو اعتراف الأمم المتحدة بهذه الدولة، وأنها دولة ذات سيادة وذات حدود مستقلة، وبالتالي فما يصدر عنها من الوثائق والأوراق معترف بها. ثم من العام السادس إلى العام الثامن، العام الثامن حصل فيه فتح مكة، اللي هو الفتح الأعظم، اللي هو كان إيذاناً بدخول العرب في الإسلام وبداية التوسع العالمي، بداية الفتوحات.

نراجع تاني مع بعض، يبقى السيرة كلها في مرحلة البعثة 23 سنة؛ 13 سنة في مكة و10 سنوات في المدينة. المرحلة المكية هي مرحلة الدعوة، المرحلة المدنية مرحلة الدولة. ندخل للمرحلة المكية: أول ثلاث سنوات دعوة خاصة، متى انتهت؟ انتهت حين أنزل الله تبارك وتعالى الإذن والأمر للنبي بالجهر بالدعوة. من 3 إلى 6 مرحلة استضعاف شديدة، انتهت بإسلام رجلين كبيرين قويين هما حمزة وعمر رضي الله عنهما. من 7 إلى 10 الحصار، حصار بني هاشم. من 10 إلى 13 البحث عن بديل، أرض بديلة للدولة الإسلامية وعصبة وأنصار وشوكة بديلة عن أهل مكة.

نروح للمرحلة المدنية، 10 سنوات: من بداية الهجرة إلى سنة 2 هجرية -التي هي غزوة بدر- مرحلة تأسيس داخلي. من بدر إلى الأحزاب مرحلة قوة إقليمية، عند سنة 5 هجرية عجز التحالف الدولي عن كسر الدولة الإسلامية، وبالتالي وقع الاعتراف في صلح الحديبية سنة 6 للهجرة. من 6 إلى 8 الدعوة الإسلامية التي شملت العرب جميعاً، سنة 8 فتح مكة، ومن بعدها التوسع العالمي.

هذه الخريطة ينبغي أن تكون واضحة في ذهن من يحب دراسة السيرة؛ لأنه عدم وضوحها سيجعل السيرة في ذهنك مجرد مواقف متفرقة، ما بتعرفش متى حصل هذا ومتى حصل هذا، وأيهما كان قبل أيهما. وكذلك لا تدري لماذا النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن الرد عن الأعداء في معركة ولم يسكت في معركة أخرى؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم سير جيشاً لأن رجلاً واحداً قتل في غزوة مؤتة، وقتل سبعون من صحابته ولم يسير أحداً، اكتفى بالدعاء. فإذا لم يكن واضحاً متى كان هذا ومتى كان هذا، لن تستطيع أن تفهم سياسة النبي صلى الله عليه وسلم تماماً، وكذلك حتى لن تستطيع أن تفهم لماذا ركز القرآن الكريم على هذه الغزوات المحددة: بدر وأحد والأحزاب والفتح وصلح الحديبية. إحنا حتى مش هنعرف نفهم لماذا سمى الله تبارك وتعالى صلح الحديبية: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}. طب هو هيبقى فتح مبين لماذا يكون فتحاً مبيناً إذا المسلمون لم يقاتلوا وينتصروا ولم يعتمروا؟ يعني هم خرجوا لماذا؟ لأداء العمرة، لا هم اعتمروا، لا هم قاتلوا وانتصروا، ولا هم اعتمروا، فلماذا نسميه الفتح المبين؟ فمن الضروري على دارس السيرة أن تتضح أمامه هذه الخريطة لكي تسهل عليه فهم الأمور. طيب، هذه الخريطة أنا أمهد بها للكلام عن دخولنا إلى السيرة النبوية.

طيب، هنا سيلفت نظرنا أمر آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى قبل البعثة كم سنة؟ قبل البعثة 40 سنة، والمرحلة المكية كم؟ 13، والمرحلة المدنية 10، ومع ذلك لا يمكن أن تمسك بكتاب في السيرة إلا وتجد حجم الأحداث معكوساً؛ الـ 10 سنوات بتوع المدينة هو الجزء الأكبر من أي كتاب في السيرة، وجزء الـ 13 سنة المكية أقل دائماً من الـ 10، وجزء الـ 40 سنة أقل من الـ 10 وأقل من الـ 13. دائماً ما يكون التأسيس، الأمور الغائرة في الأرض، الأعمال التي لا يظهر أثرها، أشد وأهم من الأعمال التي يظهر أثرها، تمام. ولذلك تقرؤون في كتاب الله تعالى سيدنا نوح وهو يبني السفينة: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ}. صح، أصله أنت بالنسبة لقوم نوح، ما هذا الهيكل الذي تبنيه؟ مش اللي هو خلاص أنت يئست من الدعوة فيه؟ فسخروا منه، لكن من ينظر بعين الغيب قال: {إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}.

ولذلك يا شباب، الإنسان لا يؤتي ثماره إلا بالأمور التي كانت مخفية عنده. إحنا الآن في ظلال طوفان الأقصى ونرى هذا الجهاد العظيم الذي يحصل في غزة، النفق الذي تراه الآن، المقاتل الذي تراه الآن ثابتاً شجاعاً يقترب من الدبابة حتى يلصق بها العبوة، هذه ثمرة إعداد طويل. بينما كنت أنت تلهو، كان في واحد يحفر النفق، كان في واحد يعد نفسه بدنياً ويعد نفسه روحياً، يقوم الليل، يصوم النهار، يبحث كيف يصنع هذه العبوة وكيف يقترب بها. أحد المقالات التي قرأتها مؤخراً، سبحان الله نسيت المصدر الآن، لكن أحد المراكز أو الصحف الأمريكية المشهورة، حرب غزة نموذج في الأسلحة الخفيفة، كيف تعرقل الأسلحة الكبيرة؛ إزاي دبابة الميركافا التي تتجاوز المليون دولار تهدمها قذيفة لا تتجاوز الـ 200 دولار! القصد، ما تراه الآن من العظمة هو نتيجة إعداد طويل وصبر طويل، وربما سخر مرة أحد الناس من واحد وهو يسعى في حفر نفق، فكان يسخر منه ويقول لي أنت متخيل أن ده اللي هيعمل أو ده اللي هيحرر؟ فالقصد أنه يظل الإنسان مكنوزاً بما أعده لنفسه. فهذا أمر يجب أن نلاحظه في السيرة النبوية، غزارة الأحداث لا تساوي بالضرورة عدد السنوات.

الأمر الآخر، طبعاً نحن الآن ما زلنا عند لحظة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إحنا ذكرنا النبي بعث وهو في عام الأربعين. من المواقف اللطيفة والطريفة جداً التي يذكرها بعض علماء الحديث وبعض علماء السيرة، أنه هذا المعنى من حكمة أن الإنسان لا ييأس أبداً من التغير، حتى وإن كبر في السن وإن طال عليه العمر؛ يعني النبي عاش 63 سنة، هذه الثورة الهائلة التي حصلت في تاريخ العالم بدأت وهو في الأربعين، لم تبدأ وهو في المراهقة أو في الصغر، فلذلك الوقت لم يفت، وهذا أمر نجده كثيراً جداً في حتى في حياة علمائنا من العلماء ومن المجاهدين. تعرفون الكسائي، الكسائي صاحب إمام النحو وإمام في القراءات ومعروفة قراءة الكسائي، الكسائي تعلم النحو بعد الأربعين، جلس في مجلس سخر منه النحاة فعزم على أن يطلب العلم. الأربعين، الإمام أحمد بن حنبل وجده الرجل معه محبرة، المحبرة يعني زي القلم في وقتنا هذا، فقال له: تحمل المحبرة وأنت إمام المسلمين؟ الإمام أحمد في ذلك الوقت يعني وفي بغداد عاصمة العلم، فالإمام أحمد قال: مع المحبرة حتى المقبرة. يروى عن الإمام العز بن عبد السلام، سلطان العلماء وبائع الملوك، الاسم المشهور في أنه لم يطلب العلم إلا بعد الأربعين. أحد الأئمة الشافعية الكبار اسمه القفال الشافعي، يعني من يعرفون المذهب الشافعي يعرفون أن القفال هذا كان شيخ.

المذهب في خراسان؛ المذهب الشافعي في مرحلة تكونه كان أقطابه منقسمين بين خراسان وبين بغداد، فشيخ المدرسة الخرسانية كان اسمه القفال، هذا طلب العلم بعد 36 ذهبت شبيبته كما يذكر عنه العلماء في صناعة الأقفال، وكان ماهراً فيها، فلذلك سمي القفال صانع الأقفال، وهذا كثير يعني حتى الإمام ابن الجوزي طلب القراءات وهو قد جاوز الـ 85 سنة طلب علم القراءات. ومما يروى عن أبي الريحان البيروني موسوعة العرب أنه وهو على فراش الموت دخل عليه رجل كانت عنده مسألة في الفرائض المواريث فسأله عنها، قال: تسأل عنها وأنت حالك هذا الحال، لا يعني هتموت؟ قال: لأن مت وأنا أعلمها خير من أن أموت وأنا أجهلها.

طلب العلم، ويعني الأمور كثيرة تتداعى علي، حتى في الجهاد، يعني ليس فقط أهل العلم، حتى في الجهاد، سيدنا أبو أيوب الأنصاري تعرفونه جميعاً كان في جيش القسطنطينية وهو في الثمانين من عمره، 80 من عمره وهو يجاهد ودفن عند أسوار القسطنطينية. موسى بن نصير فتح الأندلس وهو في الثمانين من عمره، 80 من عمره وهو يجاهد، وكان ينوي أن يفتح بقية أوروبا من الغرب لكي يصل إلى القسطنطينية من الغرب، ولم يوقفه إلا لما استدعاه الوليد بن عبد الملك الخليفة، قال له: تعال تعال أنت رايح فين؟ لأنه والوليد فعلاً أوقف الفتوح في الأندلس لأنه خشي على توغل المسلمين في هذه الديار البعيدة. أنت تخيل دلوقتي الخليفة في دمشق وجيشه في فرنسا، وأيام الخيول يا جماعة الخير، أيام الخيول والبريد، اللي هو دلوقتي أمريكا لو دخلت حربين مع بعض بتتعرى الاتصالات الحديثة. الدولة الأموية كانت تفتح في أربعة اتجاهات في وقت واحد؛ عندنا الهند يفتحها محمد بن القاسم الثقفي، وسط آسيا يفتحها قتيبة بن مسلم الباهلي، القوقاز يفتحها مسلمة بن عبد الملك، والشمال الأفريقي والأندلس يفتحها موسى بن نصير، فخشي الوليد بن عبد الملك، أوقف طارق بن زياد واستدعاه، قالوا له أنت حتى ما تقعدش أميراً على المغرب كما كنت، فاستدعاه إليه في دمشق، بس الهمة!

طيب، يوسف بن تاشفين، يوسف بن تاشفين عرف الإسلام وهو سنه 46 سنة، عرف الإسلام وهو سنه 46 سنة، عاش 100 سنة من 400 هجرية إلى 500 هجرية وقاتل في معركة الزلاقة التي حفظت الإسلام في الأندلس 100 سنة على الأقل وهو سنه 78 سنة، فالوقت لم يفت، الوقت لم يفت، هذه من المعاني اللطيفة التي يتوقف عندها العلماء حين يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وهو في الأربعين، فالوقت لم يفت على كل الأحوال.

طيب، الإمام ابن حزم بالمناسبة عارفين الإمام ابن حزم طبعاً، الإمام ابن حزم رجل مشهور، ما كانت قصته في طلب العلم؟ بدأ ابن حزم الفقه وهو في السادسة، يعني طبعاً من يقرأ لابن حزم يعرف أنه حافظة نادرة وقوة عقلية ذكية حادة، ومع ذلك أيضاً دخل المسجد، هو يروي عن نفسه أنه دخل المسجد فجلس فقال له أحد الناس: قم فصلي ركعتين تحية المسجد، فصلى ركعتين وتبع جنازة، رجع فجلس في المسجد، رجع للمسجد فصلى ركعتين، فقال له: اجلس اجلس ليس هذا وقت صلاة؛ لأنه كان بعد صلاة العصر، فنسي الإمام ابن حزم، يعني صعب عليه هذا الأمر، فطلب العلم، وإذا هو ابن حزم، المذهب الظاهري هو ابن حزم، يعني صحيح أسسه داوود الظاهري لكن من جلاه وأوضح وفرع فيه هو ابن حزم. الخلاصة: يعني لا يستصغر الإنسان أو لا يستثقل الإنسان أن طال به العمر.

طيب، على كل حال، نعود إلى لحظة بدء الوحي، ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فجأه الوحي وذهب إلى السيدة خديجة ترجف، يرجف فؤاده، والسيدة خديجة طمأنته وذهبت به إلى ورقة بن نوفل، هنا ورقة بن نوفل لو تأملنا في كلامه سنجد عدداً من الدروس المؤثرة، ورقة بن نوفل ماذا فعل؟ هو قال كلمتين بس، قال يعني اطلع علي يا ابن أخي، أو قص علي يا ابن أخي، طيب، فقص عليه النبي فقال: هذا هو الناموس، الناموس يعني ملك الوحي، هذا في لسان النصارى، واحنا ذكرنا ورقة بن نوفل كان قد تنصر وقرأ في العبرانية وكتب الإنجيل بيده، هذا الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلام، ويا ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، طبعاً النبي: أوهو مخرجي هم؟ قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي.

انظر هنا، تأمل في هذه العبارة البسيطة هنا يا جماعة الخير، فضل العلم، فضل العلم، ما كان يمكن لأحد أن يكتشف هذا الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم إلا من كان عنده علم، العلم فوق العقل، العلم فوق العبقرية، يعني الإنسان مهما كان عبقري فهو أقل من عالم، مفهوم؟ الإنسان مهما كان عبقرياً فهو أقل من عالم، من عنده المعلومة أعلى ممن عنده الذكاء بدون المعلومة، وفي هذا من الأبيات اللطيفة جداً قول القائل: علم العليم وعقل العاقل اختلفا.. من ذا منهما قد أحرز الشرفا؟ العلم ولا العقل؟ اه، العقل، العلم قال: أنا أحرزت غايته.. والعقل قال: أنا الرحمن بي عُرفا. فأفصح العلم إفصاحاً وقال له: بأيِّنا اللهُ في قُرآنِهِ اتَّصِفَا؟ ربنا وصف نفسه بإيه في القرآن؟ بالعلي ولا بالعاقل؟ اه، حجة باهرة، فأفصح العلم إفصاحاً وقال له: بأيِّنا اللهُ في قُرآنِهِ اتَّصِفَا؟ فأيقن العقل أن العلم سيده.. فقبل العقل رأس العلم وانصرفا. هذه من الأبيات اللذيذة في بيان العلم فوق العبقرية، العلم فوق الذكاء، الظواهر التي يحيط بها العالم يفسرها على نحو لا تتأتى بالضرورة أو قد لا تتأتى أبداً للعاقل، تمام؟ طيب، ولذلك فتزود من العلم أولى وأكثر أهمية وضرورة من تمرين العقل، وهذا أمر مهم؛ لأنه كثير من الناس يستصغر شان الماكثين على العلم، وهذا خطر، وهذا خطر، تمام؟ يعني كلما كنت ذا علم كلما كنت أقرب إلى الهداية.

الأمر الثاني، وهو أن ورقة بن نوفل عرف أن هذا هو الناموس الذي جاء إلى موسى، وبالتالي فإن محمداً نبي، وبتلقائية عرف سيرة النبي قبل أن يعرفها النبي نفسه، وهنا انظر إلى وقع هذه الكلمة على النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً النبي معروف في قومه بالصادق الأمين، وهو رجل قبل خمس سنوات كان يعني نزع فتيل حرب أهلية كما ذكرنا في حادثة بناء الكعبة، فلم يتصور النبي صلى الله عليه وسلم أن يعاديه قومه إلى الحد الذي يضطر معه إلى الهجرة، وخد بالك، الهجرة في ذلك الوقت وفي ذلك الزمن وفي تلك البلاد ليست كالسفر والهجرة التي نعرفها في أيامنا، احنا دلوقتي الآن لكثرة ما في بلادنا من المآسي الهجرة ربما صارت حلماً يطلبه الناس، لا، الهجرة يعني الانخلاع من الأهل ومن العصبة ومن الشوكة، تشبه مثلاً إذا أحببت أن أقرب الأمر، تشبه التجريد من الجنسية الآن، الإنسان إذا نزعت منه الجنسية صار بلا وجود، لا بيعرف يدخل المستشفى، ولا يعرف يتعلم، ولا يعرف يسافر، ولا يعرف يدرس، ولا يعرف يشتغل، وحتى ممكن ما يعرفش يدفن لأنه ما مين ده؟ وطبعاً هذا في بلاد العرب التي كانت هوية المرء فيها قبيلته، وعالم المرء فيها عصبته وشوكته، فما تخيل النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الأذى هذا المبلغ وهو الصادق الأمين، لكن ورقة قال له: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وعلشان كده لازم تعرف برضوا أن أنت إذا لم يكن لك أعداء فأنت بلا رسالة، الله تبارك وتعالى قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. النبي أكمل الناس، يعني شخصيات الأنبياء دي شخصيات الذروة في البشر، اللي هو الإنسان المبرأ من النقص ومن العيب الذي اختاره الله تبارك وتعالى لإبلاغ رسالته، فإذا كنت بلا أعداء فأنت بلا رسالة، والمجتمعات أو البيئات قد تقبلك صالحاً في نفسك لكن لا تقبلك مصلحاً، اه تفضل موجود كده، فلانه طيب والله وشيخ وجميل، ومن البيت للجامع ومن الجامع للبيت، صح، إنما تعالى بقى أصلح، اه تحول النبي من الصادق الأمين إلى الكذاب، الساحر، الشاعر، الكاهن، المجنون، الذي يفرق بين المرء وزوجه، وبين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، ولذلك قال الله تبارك وتعالى، كما جاء روى على أخص قول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ.

للبديهيات عنده مشاكل، طيب، اؤمر بالمعروف، يعني اؤمر بالشيء الطيب، وانهى عن المنكر، وانهى عن الشيء الخبيث، إيه اللي جاب بقى اصبر على ما أصابك؟ طالما في أمر بمعروف ونهي عن منكر فلا بد من الصبر، لا بد، ونعم مهندس ذكرنا بقول الله تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. فهنا يعني من طلب أن تكون له دعوة، وأن تكون له رسالة، وأن تكون له فكرة، فيجب أن يستعد، استعداده لتحمل الأذى في سبيلها؛ لأنه لو كان ينجو من الأذى أحد لنجا منها أكمل الناس، تمام؟ يعني كل داعية فيه عيوب، كل داعية فيه عيوب بطبيعته البشرية، وسيترك الأذى على هذه العيوب، لكن حيث قد وجدنا أكمل الناس وأنقاهم من العيوب قد عودي وأوذي، عرفنا أن أسباب هذه العداوة والإيذاء ليست مجرد هذه العيوب الشخصية.

جميل، طيب، ما زلنا عند لحظة نزول الوحي، احنا من الآن سيكون لدينا يعني لنا وقفات عند هذه الأمور؛ لأنه بدأنا الآن رحلة الإصلاح، تأملوا يا جماعة الخير أن الله تبارك وتعالى أرسل رسولاً، أرسل رسولاً، لم يكتفِ بإنزال الكتاب دون الرسول، صح؟ أرسل رسولاً، أنزل عليه الكتاب، ماذا يعني هذا؟ يعني أن النظرية، الفكرة، الرسالة، الكتاب، لا بد له من نموذج عملي يطبقه، وإلا لو نزل الكتاب ولم يوجد الرسول لقال القائل: هذا كلام نظري، هذا كلام غير قابل للتطبيق، هذا أمر لا يطيقه أحد، تمام؟ هذا أمر غامض، لا يمكن أن نفسره أو لا نستطيع أن نفسره، تمام؟ أنت أحياناً بيبقى معاك الكتاب والرسول، ويأتي المبطل يقول إيه كما في قصة بني اسرائيل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، في حاجة مش مفهومة في العبارة دي؟ في حاجة مش مفهومة يا جماعة؟ اه، اه، لكن من كان في قلبه شيء قال إيه: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقرة تشابه علينا.

فالله تبارك وتعالى أرسل رسولاً لكي يكون النموذج التطبيقي والعملي لما جاء في الكتاب، وهذه يا جماعة الخير أحد أهم أقوى الدلائل على أن الإسلام هو دين الله الخاتم، لماذا ذكرت ذلك في المجلس الماضي ولكن لا بأس من تكراره هنا؟ لأنه لا يعرف تاريخ نبي على وجه من التفصيل إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، يعني من آمن بأن لهذا الكون إلهاً ومن آمن بأن البشر يجب أن يسيروا نحو منهج لن يجد سيرة مفصلة لهادٍ من الهداة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، النصارى لا يعرفون شيئاً عن حياة عيسى إلا مواقف متفرقة، اليهود لا يعرفون شيئاً عن حياة موسى إلا ما جاء في التوراة ودون إثبات هذا بأي منهج علمي، خرط القتاد! الانقطاعات في أسانيد التوراة والإنجيل تمتد إلى 400 سنة، فنبينا الوحيد الذي قال أنا رسول من عند الله وظلت حياته نموذجاً للتطبيق هو نبينا صلى الله عليه وسلم.

جميل، يبقى هذه هذا درس أول، أنه الكلام النظري لا بد له ممن يطبقه عملياً، ولذلك عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن الرسول الله قالت: كان خلقه القرآن، كان قرآناً يمشي على الأرض، مهما حكيت، احنا دلوقتي برضو استفيد من أننا الآن في ظلال طوفان الأقصى، كل ما كنا نحكيه عن الصحابة من بطولات أغلب الناس كان يتصوره خيالاً، ولا يقع في ذهنه وفي روعه أن هذا يمكن أن يحدث، فلما رأوه متجسداً أمامهم في بشر في زمانهم، صار الأمر أقرب إلى التصديق، وصار الأمر أقرب إلى التطبيق، أن ترى من يعني يصاب فيسجد حتى يموت شهيداً، أو من قطعت يده فإذا هو يجاهد باليد الأخرى، أو من كان مصاباً في رأسه فإذا وهو مصاب يقاتل ويجاهد، رؤية الناس للنماذج العملية تقرب منهم المنهج المكتوب في الكتاب، ولذلك كان لا بد أن يرسل الله تبارك وتعالى رسولاً، ومن هنا رد الله على المشركين حين قالوا: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، أو قالوا لو أرسل الله ملكاً، فالله تبارك وتعالى يقول: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا، يعني حتى لو نزل من السماء ملك، قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا، فلا بد أن يرسل في الناس وأن يدعو الناس رجل له مثل خلقتهم، وله مثل طباعهم، وله مثل غرائزهم، وله مثل طموحاتهم، فهم أقرب إلى الفهم منه والأخذ عنه.

الأمر الثاني في أن الله أرسل رسولاً وهو أمر مهم، بل هو في لحظتنا هذه شديد الأهمية، الأمم تظل ضائعة يا جماعة الخير، تظل ضائعة حتى يبعث فيها القائد الذي يقودها، شوفوا اسمعوا، كاد كل تغيير أن يكون قائداً، كاد كل إصلاح أن يكون قائداً، كاد كل إفساد أن يكون قائداً، يعني هناك شخص هو من بذر البذرة، الشخص القائد، الشخص المؤسس، ونحن ذكرنا أصلاً الأصنام التي انتشرت في جزيرة العرب إنما انتشرت على يد.

واحد عمرو بن لحي الخزاعي وذكره النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه في النار لأنه أول من أدخل عبادة الأوثان وغير الملة الإبراهيمية في جزيرة العرب. المثال الساطع الواضح في مسألة القيادة، هذه جاء في قصة طالوت التي نقرؤها في سورة البقرة. القوم من بني إسرائيل من بعد موسى، هؤلاء قوم من بني إسرائيل هزموا وطردوا وانتزعت منهم مقدساتهم، فلما وجدوا أنفسهم مشردين أول ما طلبوه إيه، القائد. أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. طيب ما تقاتل يا جماعة الخير من غير ملك ينفع؟ لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا. ولذلك اللي عمال ينادي الشعوب أن تتحرك أو يعني يسب الشعوب أنها لا تتحرك، الله تبارك وتعالى يرسل رسولاً، لا يرسل شعباً، لا يرسل مجموعة، لا يرسل أمة. كاد كل تغيير أن يكون قائداً، هناك دائماً شخص هو الذي يستطيع توظيف هذه الطاقات المحيطة به.

ستفاجأ في قصة طالوت بأنه القائد كان موجوداً بينهم بالفعل، القائد كان موجوداً بينهم بالفعل، ولكن لأن معاييرهم في القيادة معايير فاسدة لم ينتبهوا له. ما الذي حصل؟ قال لهم نبيهم إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا. طالوت؟ معقول؟ قالوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وده إزاي إن شاء الله، كيف يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ شوف بقى الأفكار الفاسدة حين عمت القوم صرفتهم عن أن يروا مواهب القيادة الموجودة في طالوت. ثم انظر إلى دقة الآية، هم هؤلاء القوم من بني إسرائيل هذا الجيل من بني إسرائيل لما ذهبوا للنبي قالوا له إيه ابعث يعني اختار، لكن النبي لما جاءهم بالإجابة قال لهم إيه، قال لهم إنا بعثت لكم ملكاً، قال لهم إيه إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، ومع ذلك ومع أن الله قد بعث لم يستوعبه. طيب انظر إلى أن طالوت حين لم يكن في موقع القيادة كان القوم مهزومين ومشردين، وهو كان مشرداً معهم ومطروداً معهم، لكن لما تولى هو القيادة تغير الحال وقادهم هو إلى النصر مع أنه قادهم بقلة قليلة منهم. فلذلك يا جماعة الخير الأمة المستضعفة، الأمة المهزومة أحوج ما تحتاج إليه دائماً هو القائد.

ويعني ما أريد الآن أن أطيل في يعني خرافات مثل القيادة الجماعية والمجالس القيادية والائتلاف، ده كلام إيه، ده كلام ربما يصلح مثلاً في أمم مستقرة ربما يعني على جدال ونقاش في هذا، لكن أمة مستضعفة أول ما ينبغي أن تبحث عنه هو هذا القائد. ذلك تخيل، تخيل أن لو لم يكن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، هذه الأسماء الكبيرة التي لمعت في تاريخ البشر أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد بن الوليد، ماذا كانوا يكونون بدون القائد؟ ماذا كانوا يكونون؟ أحسن شيء يكونون فيه أن يكونوا مثل يعني حكماء داخليين محليين في قبيلة قريش التي لا يسمع عنها أحد ولا يتوقف عندها التاريخ. وجود القائد هو الذي أثار عوامل النهوض وأثار الطاقة المكنوز المطمورة المخزونة في هذه المجتمعات وفي هؤلاء الناس. فالله تبارك وتعالى حين بعث رسولاً يجب أن ننتبه إلى أنه لم يبعث أمة، يبعث مجموعة، وإنما بعث رسولاً. وأحياناً هذا القائد كما ذكرت قد لا يدرك هو في نفسه موهبة القيادة، يعني ما هو طالوت كما ذكرنا كان إيه، كان موجوداً فيهم من أواسط وهم مهزوز، ولم ينتزع القيادة. وطبعاً حتى صلاح الدين الذي نتغنى به الآن صلاح الدين كان من أبعد الناس عن مسألة طلب الإمارة، حتى قال له خاله فيما يرويه أبو شامة في كتاب الروضتين قال ما أعجب هذا ما أعجب هذا أنت والله كمن قيل فيهم قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل، وهذا حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ. تمام، فلربما يكون أحد أهم الخدمات التي تسديها للأمة أنت أن تفسح الطريق لمن ترى فيه موهبة القيادة أو أن تتجرد فتتنازل عن مكان أنت فيه لأنك ترى غيرك أصلح منك فيه. طبعاً إحنا تجاربنا الإسلامية المعاصرة بدون شك كم أهلكت وأخفت الأثر وتمسك بعض الناس بالسلطة وهم يعرفون ويعلمون أن غيرهم أولى منهم بها، فهذه وقفة لا بد منها. إن الله تبارك وتعالى أرسل رسولاً، لم يرسل كتاباً فقط، بل أرسل كتاباً على رسول، ولم يرسل أمة أو مجموعة، بل أرسل رسولاً فرداً. تمام.

طيب، إذا تأملنا عند الآيات الأولى التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. يجب أن نقول أولاً بأن كل شيء ارتبط بالقرآن صار مباركاً. الليلة التي نزل فيها القرآن صارت خير الليالي، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. الشهر الذي نزل فيه القرآن، ما شاء الله ده أوبشن جديد جزاكم الله خير، الشهر الذي نزل فيه القرآن صار خير الشهور، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. الرسول الذي نزل عليه القرآن صار خير الرسل. فكل ما ارتبط، كل شيء ارتبط بالقرآن صار مباركاً. فلذلك من الوصايا التي حفظناها عن مشايخنا حين ينتهي شهر رمضان أن يقول لك إنما عظم رمضان لأنه نزل فيه القرآن، ولم يعظم القرآن لأنه نزل في رمضان، فينبغي أن يكون لك حظ ونصيب من القرآن الكريم وهذا كلام سيأتي معه.

ولكن هنا أتوقف عند قوله تعالى في أول آية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. مما استفدته من شيخنا الغالي الحبيب الأسير الشيخ حازم أبو إسماعيل فك الله أسره، هذا المعنى العالي الذي سأذكر لكم الآن. الشيخ حازم كان يقول طبعاً إحنا نُعير بأننا أمة جاهلة وأمة لا تقرأ، وأمة اقرأ لا تقرأ، تمام، وأول أمر نزل الأمر بالقراءة. الشيخ حازم يقول لا، القراءة المقصودة في الآية ليست هي القراءة بمعنى أنك تستطيع أن تفهم المكتوب، وإلا لو كان هذا هو الأمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو أمي لا يقرأ، هل يعقل أن النبي خالف الأمر الأول الذي نزل إليه؟ النبي ظل إلى نهاية حياته لا يستطيع أن يقرأ المكتوب. إذاً لا بد أن يكون هذا اقرأ باسم ربك له معنى آخر. والمعنى الآخر يا جماعة الخير هو افهم، انظر، اقرأ ما في هذه الحياة باسم ربك، يعني انظر وتأمل وافهم بالوحي الذي يوحيه إليك ربك. هذا المعنى يسمى في يعني الدراسات الحديثة فلسفة العلوم، فلسفة العلوم أمر فوق العلوم. بالمثال يتضح الأمر. الآن صلوا على النبي، من الأمثلة التي أحب أن أضربها لأنها واضحة جداً علم الاقتصاد. علم الاقتصاد إذا درسته في أي مدرسة غربية، أي كلية غربية إيه تعريف الاقتصاد؟ الاقتصاد هو العلم الذي حاول أن يحل المشكلة التي تقول إنه الموارد محدودة والحاجات غير محدودة، فعلم الاقتصاد هو العلم الذي يحاول إشباع الحاجات غير المحدودة من خلال الاستثمار الأمثل للموارد المحدودة. يعني علم الاقتصاد ده وجد مشكلة في الكون، في الطبيعة، في الدنيا، أنه إحنا عندنا موارد قليلة وعندنا حاجات ومطالب كثيرة، علم الاقتصاد ده هو اللي بيحاول نستثمر هذه الموارد أفضل استثمار لكي نغطي أكبر قدر ممكن من الحاجات. النظرة دي هي اللي اسمها فلسفة العلوم، الرؤية الأولى.

طيب علم الاقتصاد في الإسلام على النقيض من هذا، لأنه المسلمون يؤمنون بأن الله تبارك وتعالى حكيم خبير لطيف عليم، فالله حين خلق كل مخلوق أوجد له رزقه، وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا. وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. تمام، يبقى التصور الإسلامي أن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً إلا وقد جعل له رزقاً. طيب إذا نضطر إلى التوقف، آه ما شاء الله هذا تنبيه طيب جيد، عشر دقائق ثمينة والله، يجب المعنى يكتمل يعني صلوا على النبي. يبقى المسلمون لا ينظرون أبداً إلى أنه الكون فيه مشكلة ندرة في الموارد، المسلمون يؤمنون بأن الله خلق لكل خلق رزقه. تمام طيب، وبالتالي فحين يظهر في العالم، في الدنيا، فقراء وأغنياء، وحين يظهر ناس لا تجد تموت من الجوع لا تجد أكلاً، حين يظهر هذا، العين الإسلامية التي تقرأ باسم ربها كيف يفسر هذا المشهد؟ يفسره بأن هناك ظلم وفساد وقع جعل هذا الخلق لا يصل إليه الرزق. ويتذكر قول الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ويتذكر هذه الآيات، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا. إذاً أهل القرى إيه، طالما ما فيش بركات إذا أهل القرى لم يؤمنوا ولم يتقوا. وبالتالي فيكون سعي علم الاقتصاد الإسلامي أن يبحث في أين وقع الفساد؟ هل وقع الفساد من جهة الإسراف في الموارد؟ تمام، فخالف قول الله تعالى: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا. خلفنا قول الله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ. يبقى العقل للمسلم، نظر المسلم من يقرأ باسم ربه سينظر في مشكلات العالم ليبحث عن سر الفساد الذي وقع فأخلف الذي خلقه الله. لكن الغربي أو غير المسلم أو من لا يقرأ باسم الله سينظر بأن هذا المشهد مشهد طبيعي، إحنا طالما الموارد محدودة والحاجات غير محدودة فالموارد لا تكفي كل الناس. وتتطور مدرسة الاقتصاد الغربي إلى ابتكار حلول توافق هذه الرؤية، لذلك الاقتصاد الغربي يرحب جداً أحياناً بالحروب وبالإبادات، ويرحب بالزلازل والبراكين والأعاصير، ويرى في الزلازل والبراكين والأعاصير نوعاً من تصحيح الطبيعة للأوضاع، ما هي بتشيل ناس فبالتالي بتقل الحاجات. تمام، وطيب إذا الطبيعة ما تدخلتش وما جابتش زلازل وأعاصير نعمل حروب، نفكر في تحديد النسل، نفكر في تعقيم النساء، نجعل المراه عقيمة، نفكر في تأخير سن الزواج، إحنا لو كل ما اتجوزنا بدري هنخلف أكتر، فنفكر في تأخير، نفكر في منع الإعانات عن الفقراء، ما هو دلوقتي لو فقير وعنده إعانات هيعمل إيه هيخلف تاني طبعاً، وهيطلع لنا الأستاذ طبيب الفلاسفة يقولك أنت مش عندك فلوس تتجوز يبقى ما فيش تموين. تمام، ف على فكرة اللي أنا بقوله بهذا الشكل ده دي دراسات مكتوبة نظريات، ويعني نظريات وسياسات وإجراءات اتخذت للتخلص من أعداد هائلة من البشر لأنه الطبيعة لا تحتمل كل هذا العدد من البشر. فاقرأ باسم ربك ليس معناه أن تفهم الكلام المكتوب، معناه أن تنظر في العالم، في الظواهر، في الأمور باسم ربك.

تمام، يعني مثلاً المبدأ الغربي أو المبدأ المنتشر في الحضارة الغربية مبدأ أنه العلم، هو طبعاً هذا متأسس على أسطورة يونانية قديمة اسمها أسطورة بروميثيوس. الفكرة اليونانية القديمة المنتشرة حتى الآن في العلمانية أنه العلم ده صندوق أسود، شيء مجهول، سواء فيه إله بيملك هذا الصندوق أو ما فيش إله، فالإنسان كلما اكتشف جديداً من العلم استطاع أن يسيطر بشكل أفضل على الكون. تمام، فعند اليونانيين والوثنيين ومن ينحو نحوهم إذاً العلم ده صندوق أسود، كل ما الإنسان خد منه شوية كل ما الإله نقص منه شوية، يعني هو دلوقتي فيه علم، تمام، الإله ده محتفظ بيه علشان يسيطر على الكون، فأي حد بيحاول ياخد شوية من العلم هو بيعمل إيه، بيعادي الله وداخل معاه في منافسة، لكن الإنسان سينتصر في النهاية، طبعاً دي العقيدة اللي عندهم، فالإنسان كل ما تعلم علماً سيطر أكثر، وبالتالي يضعف شأن الإله إلى أن نصل إلى اللحظة المثالية، أن يصير الإنسان إلهاً، ويبقى عنده القدرة التامة على التحكم في الكون، وهذه هي الحفاوة بالتقدم العلمي سواء كان في إله عند الوثنيين وعند أصحاب الأساطير، أو ما كانش فيه إله عند الملحدين، فهم برضه عايزين يوصلوا للحظة يفهموا فيها قوانين الكون لكي يستطيعوا فيها التحكم في الكون كما يتحكمون في الآلات المصنوعة.

المسلم نظرته مختلفة تماماً عن هذا، العلم هنا موضع صراع بين الإنسان والإله والإنسان عايز يوصل لمرحلة الألوهية علشان يتحكم في الناس وفي الكون، لكن المسلم يرى أن كل علم سيسقه إليه إنما هو فضل من الله، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وأنه مهما اجتمع علم الناس شرقاً وغرباً بـ دلوقتي وبعد مليون ومليار سنة، فإن هذا لا يساوي من علم الله شيئاً. فالله يتفضل على الناس بهذا العلم، وهو حين يتفضل عليهم بهذا العلم فإنما هو وسيلة نعمة من عنده يختبرهم بها لكي يحسنوا الاستخلاف والقيام بواجب الخلافة في الأرض، لأن الله تبارك وتعالى علم آدم الأسماء لآدم لكي يقوم بواجب الخلافة في الأرض، أن يكون خليفة لله في أرضه بمقتضى منهجه. والله تبارك وتعالى هو الذي يتفضل بمزيد من العلم، قال تبارك وتعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ. فبذلك الإنسان المسلم لا يستزيد من طلب العلم وهو يريد أن ينافس الإله أو يريد أن يتمرد عليه أو يريد أن يتحكم في الكون، وإنما يستزيد منه لكي يزيد من صلاح نفسه ومن صلاح الناس من حوله. فيا جماعة الخير القراءتان مختلفتان، من يقرأ باسم ربه في سكة، ومن يقرأ بغير نور الوحي وبغير

نور الله، فهو ينتهي إلى أمر آخر. فهذا هو معنى القراءة، وهذا هو المعنى اللائق؛ فبالتالي فالقصد هنا أنه أمر يعني من الخطر، من الخطر الشديد أن الإنسان يكون متعلماً للقراءة التي يستطيع بها أن يفهم المكتوب، وبين أن يظن أن هذا هو الأمر الوارد في القرآن الكريم. شتان ما بينهما، وهذا يثمر نتائج بعيدة المدى في كل المجالات، أرجو أن يكون هذا الأمر واضحاً تماماً.

ومن ثم فأول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات، إن شاء الله في المجلس القادم نحتاج أن نتوقف وقفة مع القرآن الكريم. لماذا كان نزول القرآن الكريم حدثاً هائلاً؟ ولماذا لا نشعر نحن الآن بجمال القرآن الكريم؟ يعني لماذا كان العربي في ذلك الوقت إذا تليت عليه الآية صدمته ووقف أمامها حائراً، نفس هذه الآية حين تتلى علينا الآن لا نتوقع، لا نفهمها تماماً.

فأسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.