بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحدٍ سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
كنا توقفنا في المجلس الماضي -وهذا هو المجلس الرابع عشر- وكنا توقفنا في الثالث عشر عند أخطر لحظة في السيرة النبوية، أخطر وأهم لحظة في السيرة النبوية، ويعني بدأنا فيها، واليوم إن شاء الله نتكلم عنها على نحو من التفصيل. وفي الواقع أنا أتصور أنه يعني، أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقني في بيان معاني هذا المجلس على وجه التحديد؛ لأني أحسب أن من يستبين له فهم ما سنقوله اليوم فكأنما فهم ثلاثة أرباع السيرة النبوية.
فأسأل الله تبارك وتعالى قائلاً: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. نحن نتكلم عن لحظة بدء الدعوة الجهرية. بدء الدعوة الجهرية حين نزل قول الله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، ونزل قول الله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وقلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى جبل الصفا. جبل الصفا يعني الموضع الذي هو يشبه الآن يعني القناة الحكومية الرسمية أو البيان الرسمي، أعلى مكان في مكة.
وصار ينادي: يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، يا بني قصي، يا بني عبد شمس، حتى صار ينادي على أقاربه، فيقول: يا عباس بن عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد. ثم قال صلى الله عليه وسلم حين اجتمع إليه الناس -حتى كان الذي لا يستطيع أن يحضر بنفسه يرسل إليه من يسمع عنه- فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي توشك أن تغير عليكم أكنتم مصدقين؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً قط. فقال صلى الله عليه وسلم: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا لا إله إلا الله.
فهنا، هذا الموقف البسيط، هذه الكلمة البسيطة، وقعت في أسماع قريش مثلما لا نتصور نحن الآن كيف تقع هذه الكلمة في أسماع قريش، وهذه أهم إشكالية معاصرة تواجه المسلمين في الوقت الحاضر. المسلمون في الوقت الحاضر كثير منهم لا يتصور كيف سمع أهل قريش دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول لا إله إلا الله.
نحن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجتمع فيه حريات وتعدد أديان، وفيه 360 صنماً، ومن أراد أن يعبد الأصنام عبدها، ومن أراد أن يتنصر، ومن أراد أن يتهود، كل هذه حريات دينية متروكه، ومن أراد أن يظل بلا دين أيضاً كانت قريش لا تتعرض له. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمس صنماً قط ولم يلمه أحد، سيدنا أبو بكر لم يسجد لصنم قط ولم يتعرض له أحد، والأصل أنه حتى في فترة الدعوة الخاصة أو الدعوة السرية التي استمرت ثلاث سنوات تسربت أنباء هذه الدعوة إلى قريش، وقريش لم تتخذ منها موقفاً. فبنتكلم في إيه؟ في مجتمع علماني، مجتمع لديه حريات وتعدد. طيب، لماذا قيل لهم لا إله إلا الله فتكه هذا المجتمع وانقلب هذا المجتمع؟
هنا ذكرت في المرة الماضية أنه إذا أردنا تقريب الصورة سنجد أن كلمة لا إله إلا الله حين سمعها أهل قريش وقعت في أسماعهم -الآن أقرب الصورة- كما وقعت في أسماع الأنظمة المعاصرة كلمة: الشعب يريد إسقاط النظام. لا إله إلا الله ليست مجرد دين جديد أو معبود جديد يضاف إلى الـ 360 صنماً الموجودين حول الكعبة، لا إله إلا الله نسف لهذه الأصنام. كما يقول علماؤنا: لا إله إلا الله نفي وإثبات، تنفي الألوهية والاستحقاق عن كل الآلهة وتثبتها لله تبارك وتعالى. وبالتالي فقريش فهمت منذ اللحظة الأولى أن هذا الدين ليس مجرد معبود جديد، ليس مجرد فكرة جديدة، ليس مجرد حزب جديد، وإنما هو بمثابة الثورة التي تقلب هذا النظام القرشي رأساً على عقب. أول من اندفع لاتهام النبي صلى الله عليه وسلم كان مين؟ عمه أبو لهب، قال: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟
طيب، الآن هذه اللحظة لأنها مهمة جداً، أنا أريد أن نقبض على هذه المعاني الموجودة في هذه اللحظة، فدعونا ننظر لها من زاويتين: زاوية النبي صلى الله عليه وسلم، ومن زاوية مجتمع قريش. الآن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظة، ماذا يملك النبي في هذه اللحظة؟ يملك الآتي: يملك نسباً عريقاً، نسباً شريفاً، الذي تكلم في قريش هذا ليس مجرد رجل من أغمار الناس، ولا من الكذابين، ولا من المهرجين، هذا رجل في النسب، في الشرف، في الصميم من نسب قريش، فحري إذا قال أن يسمع له. تمام، يبقى هذا أول ما يملكه النبي صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثاني، أن النبي يملك تاريخاً مشرفاً، رجل عاش 40 سنة، الآن سن النبي 43 سنة، 40 سنة بعثة، وثلاث سنوات من الدعوة الخاصة، يبقى النبي الآن ليس شاباً، ليس طائشاً، إنما هو رجل وراءه 43 سنة من تاريخ مشرف حافل بمكارم الأخلاق، وعلى رأسها الصدق، وذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم أول ما اختبر به قومه اختبرهم بخبر مستحيل: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي توشك أن تغير عليكم، فأثبت عليهم بإقرار بأنفسهم أنه فيهم صادق مصدق. يبقى النبي يملك نسباً شريفاً، يملك تاريخاً مشرفاً حافلاً بالأخلاق وعلى رأسه الصدق، ويملك اتباعاً جمعهم في حدود الثلاث سنوات هم من صفوة الناس، ويملك دعوة أخلاقية. دعوة أخلاقية، مضى وسياتي معنا ما يثبت أن الذي كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام إنما هو مكارم الأخلاق، فهو يدعو إلى صلة الأرحام، يدعو إلى حسن الجوار، يدعو إلى الإحسان إلى الفقراء، وهذا الكلام الذي ذكره أو أجمله سيدنا جعفر رضي الله عنه لما كان يخاطب النجاشي، قال: أيها الملك، كنا أهل جاهلية وسوء، فكنا نأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونقطع الأرحام، ويأكل القوي فينا الضعيف، فبعث الله فينا رجلاً رسولاً نعرف شرفه ونسبه وصدقه وأمانته، فأمرنا بتوحيد الله وصلة الأرحام، وذكر له محاسن الإسلام. وهذه الدعوة الأخلاقية تنتسب إلى إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام هو الجد الأكبر الذي ترى قريش أنه أساسها وصميم أصلها، فقريش موجودة باعتبارها امتداد دعوة إبراهيم.
تمام، النبي كذا يملك هذه الأمور الأربعة: النسب الشريف، التاريخ المشرف، الدعوة الأخلاقية، ويملك الأتباع الذين اتبعوه في هذه السنوات الثلاث. طيب، هنا السؤال المهم: رجل بهذه المكانة في قريش، لماذا اختار هذا الطريق الصعب؟
النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر بعض علمائنا كان يملك أن يعلنها قومية عربية، صح ولا لا؟ العرب موجودين في الجزيرة العربية، ديار فقر وديار جدب، وأمة متفرقة متقاطعة متحاربين، وحول الأمة العربية أمتين كبيرتين: فارس والروم، دول إمبراطوريات، جيوش، ولا يزال العرب القريبون من فارس ميلين للفرس تابعين لهم، والعرب القريبون من الروم ميلين للروم، فلو أننا نفكر تفكيراً نحاول أن نسلك به أسرع الطرق لقلنا إن رجلاً في صميم النسب القرشي يملك مواهب القيادة والزعامه، يملك التاريخ المشرف، يملك هذه الدعوة الأخلاقية، كان يمكنه أن يبدأ بأن يعلنها قومية عربية، رجل أراد أن يوحد العرب وأن يغزو بهم فارس والروم، فإذا استنام له الأمر -أنت رجل يملك مواهب القيادة ويملك هذا الشرف يملك هذا النسب- إذا استنام له الأمر أمكن بعد ذلك إذا حكم العرب وقادهم ووحدهم أن يدخلهم في الإسلام. ولكن لماذا لم يذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المسار؟ والمسار ده كان ممكن يوفر علينا إيه؟ العداء مع العرب.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله يقول: ولكن الله تبارك وتعالى قدر أن هذا ليس هو الطريق؛ لأننا لا نريد أن نزيل من أرض البشر، من حياة الأرض ومن واقع البشر، طاغوتاً فارسياً وطاغوتاً رومياً لكي ننصب عليه طاغوتاً عربياً. تمام، وبالتالي فصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يملك أن يوحد العرب، لكن هؤلاء الذين قاموا في طلب دعوة دنيوية تبتغي العلو في الأرض وأن يكونوا هم سادتها بدلاً من فارس والروم فالنتيجة النهائية كانت إيه؟ أننا أزلنا الكسرى والقيصر وأتينا بالملك العربي. طيب، هذا طريق.
فلما أن دخل العرب في هذا الدين على هذا النحو الذي سار فيه النبي صلى الله عليه وسلم، تحققت النتيجة الأفضل أنه زال الطغيان الفارسي وزال الطغيان الرومي، ولكن لم ينشأ طغيان عربي، وإنما نشأ الناس الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وإنما أرادوا الله والدار الآخرة، ولذلك سنجد الخلفاء الراشدين، وسنجد حتى ملوك بني أمية، وحتى ملوك بني العباس، كل هؤلاء لم يحوزوا من السلطة والطغيان والتجبر شيئاً مما كان لدى كسرى وقيصر، فكانت دعوة أخلاقية رسالية.
طيب، احتمال ثاني: لماذا لم يدعُ النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لماذا لم يجعلها دعوة طبقية زي الماركسية أو الشيوعية؟ لأنه بالنهاية ذكرنا أن هذا المجتمع القرشي فيه قلة من الأغنياء الذين يحوزون الثروة والنفوذ، وفيه كثرة من الفقراء، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم فكر في أن يوحد هذه الطبقات المسحوقة، الطبقات العاملة، لكي يعلن بهم ثورة طبقية بلشفية شيوعية، فما الذي حصل؟ ما الذي كان يمكن أن يحصل؟ أن نزيل طغياناً أيضاً لكي يتركب عليه طغيان آخر، وهذا الذي حصل بالفعل فيما بعد، يعني في بعد الثورة البلشفية كانت العبارة المشهورة: أننا خلعنا قيصراً وجئنا بـ 17 قيصراً، اللي هم أعضاء الحزب، سكرتير الحزب الشيوعي، أمناء الحزب الشيوعي.
فالنبي صلى الله عليه وسلم والله تبارك وتعالى طبعاً لم يرد لعباده أن ينتقلوا من طغيان هذه القلة إلى طغيان قلة متحدثة باسم الكثرة، يعني صحيح ما بقاش فيه في الشيوعية ألقاب جلالة الملك وجلالة القيصر وكان آخر واحد يبقى اسمه الرفيق الأخ بمصطلح الإسلامي، ومع ذلك الاستبداد الذي استبدوه كان أشد، بل لا يبلغه خيال القيصر. من يقرأ في تاريخ الشيوعية يا جماعة الخير يقرأ طوفاناً من الدم، طوفاناً من الدم، مئات الملايين من البشر سُحقوا بعنوان أعداء الشعب، ولا صوت يعلو فوق صوت الشعب، والحرية لا أعداء للشعب، ولا حرية لأعداء الشعب، وكله تحت شعار الشعب. إنما تبدلت أسماء القياصرة والأكاسرة.
أما المنهج الديني فقد نشأ في الناس التغيير الصالح الرسالي الذي لم ينتج لا أحقاداً يحملها الفقراء تجاه الأغنياء، ولا لم ينتج كذلك التخوف الذي يحمله الأغنياء تجاه الفقراء، بل كان الناس يسارعون بالإنفاق وينفقون من أموالهم أكثر مما فرضه الله عليهم، وكذلك كان الناس الفقراء لا يحسبون أن ما هم فيه من الفقر إنما هو مما يطعن فيهم أو مما يبيح الاستبداد بهم، يعني كنت تجد الرجل الفقير في الدولة الإسلامية يقف أمام الخليفة، يقف أمام الأمير، يقف أمام الوالي، لا يرى أن فقره هذا عيباً فيه، لا يرى أن فقره عيب فيه.
ربما فكر أحد الناس: لماذا لم يعلنها النبي صلى الله عليه وسلم دعوة أخلاقية؟ دعوة يجمع فيها الناس الذين يريدون حقوق الإنسان، ويريدون فيها منع الخمر، منع الزنا، الدفاع عن حقوق المرأة -المرأة كانت مضطهدة وكانت توأد وكانت تعمل في الزنا وكانت تستخدم- وكذلك الربا. الآن ستجد من يدافعون عن حقوق الإنسان، عن حقوق المرأة، عن حقوق الطفل. لماذا لم يعلنها النبي صلى الله عليه وسلم دعوة أخلاقية؟
فالجواب أنه هذه الأخلاق في حد ذاتها، الدعوة الأخلاقية المنفصلة عن الدين، هي في حقيقتها لا يستجيب لها إلا أقل الناس، هي طبيعة البشر يا جماعة الخير. الدعوة الأخلاقية لا يستجيب لها إلا نوادر الناس وأفذاذ الناس، وفي الآخر نحن الآن في عصر ربما هو أشد العصور امتلاءً بلافتات الحريات والحقوق، ومع ذلك فخير ما وصل إليه هذا العصر هو أنه يحسب أعداد القتلى، وأعداد الجرحى، وأعداد المصابين، وأعداد المرضى، وأعداد الفقراء، دون قدرة على تغيير الوضع. والآن نحن نرى طبعاً غزة، نرى السودان، ومن قبلها كشمير وتركستان، بالنهاية ماذا تفعل المنظمات الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة لحقوق الإنسان؟ ماذا تفعل إلا أن تحصي الأرقام وتصدر التهديدات والتحذيرات، والأمين العام للأمم المتحدة أكثر واحد في الدنيا يعرب عن قلقه!
فالطريق الوحيد الصحيح هو طريق الدين، الطريق الذي يبعث في الناس هذه الثلة المؤمنة التي هي بالفعل ستحارب وتطهر وتعادي وتخوض معركة عميقة جداً حتى تثبت الإيمان بالله واليوم الآخر، فحينئذ يتولد من الإيمان بالله واليوم الآخر طاقة أخلاقية عارمة لا تتزلزل أمام الإغراءات، ولا تتزلزل أمام التهديدات، وهذا هو الوضع الذي كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، كان الرجل منهم حتى في السر لا يقدم على الذنب لأنه يخشى الله واليوم الآخر، ولأنه يراقب الله تبارك وتعالى.
وبالتالي يا جماعة الخير، فالآن من أراد أن يسلك سبيل الإصلاح حقيقة في واقعنا، فصحيح هذه الخيارات تبدو أسهل، وتبدو أفضل، وتبدو موفرة للتعب، لكنها في حقيقتها حتى إذا نجحت لا تفضي بنا إلى الغاية المأمولة والمطلوبة، وإنما غاية ما.
يحدث فيها أن تستبدل شر بشر؛ كما قلنا أن يأتي طاغوت عربي مكان الطاغوت الفارسي والرومي، أو أن تأتي طبقة حاقدة فقيرة تريد أن تنزع الأموال من طبقة أخرى، فتثير فيها هذه النوازع والأحقاد، وتدخل البشرية كلها في قدر من التنازع على خلاف ما حدث في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي سيرة الإسلام من مسألة التراحم والتكافل.
فهذه الوقفة الأولى في السبب الأول، نحن الآن كي لا تفلتوا مني الآن نتكلم عن هذه اللحظة، لحظة جهرية الدعوة، ونمسك فيها من جانب النبي صلى الله عليه وسلم. ذكرنا أن النبي كان يملك الأشياء الأربعة التي تكلمنا عنها، وذكرنا أن السؤال الذي قد يرد في الأذهان لماذا اختار النبي هذا الطريق الصعب؟
طيب، المهم أن أذكر أن الإسلام حين جاء بمسألة الدين والإصلاح الديني، إصلاح القلوب، التوحيد، التعلق بالله والدار الآخرة، لم يضاد المنطلقات الأخرى؛ يعني الإسلام لم يحاول كسر العشيرة ولا كسر القبيلة ولا كسر هذه الرابطة، رابطة الأرحام؛ الإسلام جاء بالأرحام، والإسلام لم يحاول أن يضاد الرابطة الأخلاقية والمعاني الأخلاقية، ومعاني الانتصار للفقراء والضعفاء؛ يعني يجب أن نكون منتبهين إلى أن الإسلام حين اختار أن يبدأ بإصلاح القلوب وبالتوحيد، لم يسلك مسلكا مضادا لهذه النزعات التي فيها خير، وهذا ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. لكن هذه الأخلاق التي كانت موجودة عند العرب لم تكن تصلح أساسا أن تنطلق منها هذه الدعوة، ولا أن يحملها رجال لم يتشربوا قوة الإيمان بالله واليوم الآخر.
طيب الآن ما زلنا ننظر إلى الموقف من جانب النبي صلى الله عليه وسلم، أدخل معكم الآن في نقطة شائكة، النبي صلى الله عليه وسلم بدأ الدعوة الجهرية حين نزل قول الله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. بعض الروايات التي يرويها أهل المغازي والسير أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية جمع عشيرته؛ يعني كان نعتبر أن اجتماع ضيق قبل اجتماع الصفا، قبل الإعلان العام، فقال لهم: إني، إن الرائد لا يكذب أهله، الرائد يعني الرجل المتقدم على قومه، أنت عارف كده لما يبقى في قوم ماشيين في الصحراء أو داخلين إلى مكان مجهول فيبعثون رائدا، الرائد حين يرجع لا يكذب قومه، إن الرائد لا يكذب أهله، ولو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررت، والله إني لرسول الله حقا، ووالله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وليجزين الله بالإحسان إحسانا، وبالإساءة إساءة، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا.
هنا يقول أهل المغازي والسير: فقال له قومه قولا حسنا ما خلا أبا لهب، فهو الذي قال له تبا لك، وقال: ألا خذوا على يد هذا، خذوا على يد هذا؛ يعني إيه الحق، أمسكوه، احجزوه، ألا خذوا على يد هذا فوالله لأن أسلمتموه ذللتم، هو دلوقتي فهم أن هذه الدعوة تساوي ثورة، لأن أسلمتموه ذللتم، يعني لو القبيلة، بني هاشم وبني عبد المطلب لم تستطع أن تواجه العرب، لأن أسلمتموه ذللتم، ولأن أصابته العرب -دلوقتي لو احنا سلمناه بإرادتنا أصابنا إيه الذل- طيب ولأن أصابته العرب كسرتم، ما احنا دلوقتي هنضطر ندافع عنه، فبالتالي الحل إيه أن احنا نأخذ على يده، فلا يخرج للناس بهذه الدعوة، فانبعث أبو طالب وقال: امض لما أمرت، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك.
تمام، سأرجع لهذه الرواية بعد قليل، لكن الآن أنا أريد التوقف عند مسألة النقطة الشائكة، مسألة الاستفادة من قوانين المجتمع الجاهلي؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم بعث في هذا المجتمع لكي يثور عليه، ويقلب نظامه، ويصلحه، تمام ويؤسس لرابطة جديدة هي رابطة الدين، ويجعلها عالية على رابطة القبيلة والعشيرة والرحم، وظهر ذلك كما نحفظه جميعا في قوله صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فالصحابة إخوانهم ظالمين ومظلومين، لكن فهموا من كلمة النبي شيئا غريبا، قال: يا رسول الله ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ شوف التغير اللي حصل في الصحابة، طبعا التغير ده ما كانش ممكن يحصل لو كانت دعوة قومية أو لو كانت دعوة أخلاقية، صح، قالوا يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: بأن تكفه عن الظلم. النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلح هذا المجتمع، وفي إرادته وفي خطته وفي مساره لإصلاح هذا المجتمع استفاد من قوانينه الجاهلية، لأنه يا جماعة الخير لا يوجد مصلح يبدأ من فراغ، المصلح يكون دائما موجودا في بيئة، البيئة هذه تحكمها قوانين، تحكمها أوضاع، تحكمها تقاليد، فكل المصلحين استخدموا هذه الأوضاع، واستفادوا منها في التأسيس لدعوتهم حتى لو أن دعوتهم هذه تريد في النهاية إزالة هذه القوانين؛ يعني النبي استفاد هنا بالعصبية القبلية مع أنه يريد أن يكسر هذه العصبية القبلية في الباطل، ولذلك سنجد صلى الله عليه وسلم ظل موجودا في حماية بني هاشم، وفي حماية أبي طالب، وبعد ذلك حين مات أبو طالب ذهب النبي إلى الطائف ثم عاد منها دخل في جوار أحد المشركين المطعم بن عدي، فاستفاد مرة أخرى من قوانين الجوار التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي.
أحد المشكلات الموجودة في واقعنا، الموجودة لدى بعض الدعاة وبعض يعني أبناء الحركات الإسلامية وبعض المصلحين، أنه يريد أن يحذف نفسه من الواقع، يعني هذه المسألة أكثر ما تثور مثلا في مسألة الانتخابات، إذا حصلت انتخابات هيقولك لا، الانتخابات هذه طبعا من يقول من أول من يقول كفر إلى من يقول بدعة إلى من يقول أي شيء، المهم أنه في النهاية يعتزل الانتخابات حتى لو كانت نتيجتها تؤثر عليه هو وتؤثر على الإسلام في حاله هو، طيب ولذلك يعني أحد الأمور العجيبة هنا، رجل مثل الشهيد سيد قطب رحمه الله، الشهيد سيد قطب أكثر من يعني من أكثر من تكلم في مسألة الحاكمية والمرجعيه، وأن هذه القوانين قوانين جاهلية، طيب الشهيد سيد قطب نفسه حين سيق إلى السجن أو سيق أخوه إلى السجن إنما حاول استخدام نفس هذه القوانين في الإفراج عن أخيه، تمام، فمسألة الاستفادة من قوانين الواقع للتأسيس لعملية الإصلاح مسألة اضطر إليها كل المصلحين بمن فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه ما فيش إنسان بيبدأ من الفراغ، يعني واحد يقولك إيه لا أنت طالما ارتضيت بقوانين اللعبة فلا بد أن تقبلها، أو طالما نزلت إلى الملعب فلا بد أن تلتزم بقواعده، يا جماعة احنا في الملعب احنا مش رايحين ننزل، احنا المظلومين المضطهدين المذبوحين في الملعب، تمام احنا يعني احنا مش بره الساحة ورايحين نصلح ساحة، احنا المذبوحين المغلوبين في هذه الساحة، تمام، فهنا ستجد أنه النبي صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة الأولى احتمى بقبيلته، وهذا كان من الاستفادة من قوانين المجتمع الجاهلي، ولعلنا نعود إليها أيضا بعد ذلك.
طيب هنا سنجد، وطبعا كل مجتمع كل مجتمع له قوانينه، يعني لا يوجد اجتماع بشري إلا وتوجد له قوانين، عادات، تقاليد، حتى لو كانوا مجموعة قبائل في الصحراء، حتى لو كانت قبيلة واحدة، يعني لا يوجد عدد من الناس يعيشون معا إلا وهم ملجؤون اضطرارا إلى وجود نوع من القوانين التي تضبط حياتهم. طيب القوانين دي مين بيعملها؟ من الذي يصدرها؟ أهل القوة والنفوذ، القانون -ودي كلمة، كلمة نيتشه الفيلسوف الألماني- يقول: القانون ما هو إلا تعبير عن رغبات الأقوياء، القانون حقيقة هو النص الذي يظهر لك موازين القوة الحقيقية في المجتمع، الذي يملك أن يغير القانون هو صاحب السيادة وصاحب التحكم وصاحب القوة في المجتمع، كلما كانت القوى متكافئة كلما كان القانون عادلا، طيب لو القوة مش متكافئة وفي واحد منفرد، كلما كان القانون ظالما وطغيانا ويؤسس للطغيان.
ولأن القانون عمل بشري فلا يخلو من ثغرات، وعلشان كده يحاول الجميع استغلال هذه الثغرات في تعديل موازين القوة بالحق أو بالباطل، فيضطر أهل القوة والنفوذ إلى تغيير القوانين، يعني إن استطاعوا أن يغيروها غيروها، إن لم يستطيعوا أن يغيروها لوجود قوى متكافئة ومتوازنة يحاولون تلافيها، يحاولون تلافيها وتجنبها، فبالتالي كون يعني لا يوجد مجتمع لا توجد فيه المساحات والثغرات التي يمكن لمن يريد أن يغير هذا المجتمع بالحق أو بالباطل أن يستثمرها، تمام.
واضح طبعا المزية العظمى في الإسلام أن الإسلام نزع حق التشريع من البشر، فصار القانون لا يكتبه البشر، ولذلك لا يستطيع أحد أن يغير القانون، ما حدش يقدر يقول في لحظة من اللحظات: المادة رقم واحد تعطيل العمل بالقرآن الكريم، ما حدش في عالمنا الإسلامي يستطيع أن يقول هذا صح، لكن مهما أنفقت من وقت وجهد في كتابة الدستور محكم، وقتما تتغير موازين القوة يستطيع المنقلب أن يقول بيان رقم واحد، يعني إيه البيان رقم واحد في علوم السياسة؟ البيان رقم واحد في علوم السياسة يعني إزالة الشرعية عما قبل وإضفاء الشرعية على ما بعد، يعني البيان رقم واحد ده هو اللي بيخلي أصحاب الوضع القانوني قبله متجردين من الوضع القانوني، ويجعل المتمردين عليهم، الثوار عليهم، المنقلبين عليهم، أي شيء الذين غيروه، اللي هم كانوا قبل البيان رقم واحد في حكم القانون مجرمين ومتمردين، ولو غلبوا سيحاكمون بتهمة الخيانة العظمى، بيان رقم واحد ده ينشئ وضعا قانونيا جديدا، فمزية العظمى في الإسلام أنه نزع حق التشريع من البشر، ولذلك يا جماعة الخير الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي لم تصنع السلطة فيها الدين، وإنما صنع الدين السلطة، وحتى حين وقع الانحراف في الحكم لم تستطع السلطة أن تسيطر على الدين ولا أن تنتجه، لأنه ما حدش يستطيع أن ينتج قانونا أو تشريعا، يعني غاية ما يستطيع الحاكم في النظام الإسلامي أن يكون ظالما وأن نحاول شرعنة هذا الظلم من خلال علماء السوء، لكن سيظل هذا الحاكم موصوفا بالظلم، ويظل هؤلاء العلماء موصوفين بأنهم علماء سوء في الذهن العام والضمير العام للمجتمع الإسلامي، بينما في أي نظام آخر في أي نظام آخر الشيء غير القانوني طالما صدر قرار من الرئاسة من البرلمان من أي شيء بجعله قانونيا يبقى صار هذا هو العدل، يعني القاضي الذي يوجد على محكمة يمكن أن يحكم في قضية اليوم بالبراءة، تغير القانون اليوم يحكم فيها غدا بالإعدام لأن القانون تغير، ولا يرى نفسه ظالما، ولا يرى الناس أنه ظالم لأن الوضع القانوني تغير.
بينما لا يمكن، احنا نحن الأمة الوحيدة يا جماعة الخير اللي الحاكم فيها كان يمكن أن يفتح البلاد شرقا وغربا ويعيش الأمة في ازدهار، والمؤرخين المسلمين يقول لك: والله كان يشرب الخمر، لا مش كويس، النموذج ده في أي حضارة أخرى نموذج عظيم، فتح الدنيا شرقا وغربا وشرب الخمر اتس أوكي (it's okay)، يعني إيه مشكلة، حرية شخصية، يعني لا يفهم، لا يفهم أهل الأمم الأخرى لأن ما عندهمش تشريع أخلاقي رباني، لا يفهم يعني إيه تحاكم واحد صاحب إنجازات عظيمة إذا ظلم شوية ولا شويتين ولا ثلاثة، ولا قتل 100 ألف ولا 200 ألف يعني مش مشكلة، يعني ولذلك عظماء التاريخ يا جماعة الخير في الأمم الأخرى أصحاب مذابح، يعني من الإسكندر الأكبر إلى قورش إلى جنكيز خان إلى نابليون، أي حد أي حد في الأمم الأخرى صاحب عظمة يعتبرونه عظيما حتى وهو صاحب مذابح، احنا عندنا تيجي للواحد تقول له إيه مثلا الحجاج بن يوسف الثقفي يمدحه أحد؟ لا يكاد يمدحه أحد، ده أنت تجد الحاكم ليس له إلا خطأ أو خطأين مشهورين وتقف في ذور الأخ المسلم دلوقتي، يعني السلطان سليمان القانوني يقول لك: بس والله يا أخي قتل ابنه الأمير مصطفى، الحساسية الأخلاقية الإسلامية حساسية عالية، نحن نقيس كل الحكام بالنسبة للخلفاء الراشدين، علشان كده كل حكامنا العظماء هم بالنسبة للخلفاء الراشدين أقل، لكن هم بالنسبة لعموم الملوك عبر التاريخ نماذج مدهشة.
الذي أريد التركيز عليه الآن أنه المزية العظمى للإسلام أنه نزع من البشر حق التشريع، وبالتالي صار الحاكم والمجتمع محكوما بشريعة الله ويقاس إليها، لا يستطيع التبديل فيها، أي حاكم ثاني في أي دولة أخرى في أي حضارة أخرى يملك أن يغير الدستور ويملك أن يغير القانون، ولا ينظر إلى تغييره هذا باعتباره اعتداء على القانون، ولذلك الحرام والجريمة بالتشريع الجديد تصير قانونية، تمام، وقد آتي إلى ذلك إن شاء الله بعد قليل، لكن هنا الذي أريد التركيز عليه أنه القوانين التي وضعها البشر في أي مجتمع يضطر المصلح الذي يريد تغيير الحال في هذا المجتمع إلى الاستفادة من ثغراتها، تمام.
طيب ده كده الجانب الأولاني الذي نظرنا إليه إلى لحظة الدعوة الجهرية من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، خلاص نراجع مع بعض علشان ما ننساهم، قلنا أن النبي في هذه اللحظة كان يملك أربعة أشياء: يملك نسبا عريقا، يملك تاريخا مشرفا، يملك أتباعا من السابقين الأولين في خلال ثلاث سنوات، ويملك دعوة أخلاقية تستند إلى أصل قريش اللي هو إبراهيم عليه السلام، تمام، طيب، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار وطبعا اختار الله له هذا الطريق لأنه ما سواه من الطرق ينتج بدائل هي بنفس السوء لكن تغيرت الأسماء، لكن حين دخلنا من مدخل الدين وجهنا طاقة الناس وإيمانهم وقلوبهم إلى أن تبتغي الله واليوم الآخر، فبالتالي لما فتحت عليهم الدنيا لم تأسرهم، لم تغريهم، لم يبطشوا، لم يتحولوا إلى أمثال كسرى وقيصر.
والنقطة الثالثة التي ذكرناها أن النبي استفاد بالقوانين الموجودة في المجتمع الجاهلي حتى رغم أنه يريد تغيير هذه القوانين، طيب تعالوا ننظر إلى الأمر من الجهة الأخرى.
التي هي جهة المجتمع القرشي أو كفار قريش.
طيب، الطعنة الأولى التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت من عمه أبي لهب. هذه تكاد تكون سنة لدى الدعاة والمصلحين؛ دائماً ستجد في محيطك القريب رجلاً أخلص وأكثر انتماءً وولاءً للنظام من انتمائه وولائه إلى العائلة والقرابة، أي شيء بالحق أو بالباطل تماماً، فلذلك مثلاً وهذا تكرر عند الأنبياء رضوان الله عليهم أجمعين؛ يعني مثلاً ستجد إبراهيم عليه السلام أول من وقف أمام إبراهيم كان أبوه. وشوف حتى تأمل كده في الآية، قال: أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ. يا عم هي آلهتك لوحدك؟ ما هي آلهة الناس كلها، لكن شوف الإخلاص والولاء والانتماء، قال: أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. تمام، ستجد مثلاً امرأة لوط، وجدت ضيوفاً عند زوجها سيدنا لوط عليه السلام فطفقت تنادي قومها، طب إيه المشكلة يا قومها؟ ما هم لا يجدون نقصاً في قضاء شهواتهم، ما هم عندهم: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرُ، ما هي البلد كلها مفتوحة، أشمعنا يعني شوية الضيوف دول؟ لكن هناك مصارعة، مصارعة في الباطل، فأنا أقول لك يعني تجد من داخل الدائرة، بلاش قارون مثلاً، إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، طب هو الطبيعي صاحب المال لما يبقى من قوم المضطهدين ده الطبيعي المنطقي، يعني المفروض يعمل إيه؟ يبقى قوة لقومه ضد فرعون وسنداً لقومه، ولا يبقى مع فرعون اللي هو أصلاً مكتفي بالأموال ومكتفي بالنفوذ ومكتفي بالثروات ضد قومه؟ تمام، فالطعنة الأولى التي جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم كانت من عمه أبو لهب، وعمه أبو لهب هذا سنجد أنه كان رجلاً مجتهداً.
يعني ستجد أن النبي صلى الله عليه وسلم رفضه كثير من كفار قريش، لكن حين تقرأ في السيرة يقول: فكان الناس يأتون إلى مكة فيقبل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويقول حديث جابر: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، ووراءه رجلان؛ أحدهما عمه أبو لهب يقول: لا تصدقوه فإنه صابئ، والآخر أبو جهل. طب أنت يعني الذين رفضوا النبي كثير، لكن الذين حملوا أنفسهم مهمة السير وراء النبي قليل منهم عمه أبو لهب، وهو كان أول من خرج إليه وهو يقول: تب لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ وهو الذي كان يحرض عليه، ولما حوصر النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب كما سنأتي في العام السابع للبعثة، دخل معه في الشعب قوم من بني هاشم، دخلوا معه الشعب عصبية يعني كانوا كفاراً، لكن أبت نفوسهم وحميتهم أن يتركوا قومهم، يتركوا صاحبهم، إلا أبا لهب فإنه أعلن أنه بريء من محمد. فبالمناسبة، هذا مما ضربه الله تبارك وتعالى لنا مثالاً لقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. ولذلك ضرب الله مثلاً للذين كفروا ومثلاً للذين آمنوا؛ الأمثلة العظمى التي لا تتوقع، ضرب الله مثلاً للذين كفروا مين يا جماعة الخير؟ امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما. متصور؟ متصور المرأة إذا تزوجت رجلاً من أولي العزم من الرسل اللي هو صفوة الصفوة وقمة القمة وكمال الكمال، يعني مين تاني بعد سيدنا نوح؟ يعني بعد الأنبياء سيدنا نوح سيدنا لوط، لكن من أراد الكفر لا نجاة له، ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط.
طيب، ضرب الله مثلاً للذين آمنوا مين؟ أوه، امرأة فرعون! أطغى طاغية في التاريخ، الرجل الذي تجرأ أن يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ، مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي، يعني صلابة نفسية هائلة ورهيبة. ولذلك حتى إذا تكلمنا في مسألة أنه ما فيش نظام مالهوش ثغرات، سنجد أن الله تبارك وتعالى حكى لنا عن نظام فرعون وحكى لنا فيه عن أربع ثغرات على الأقل؛ شوف هو فرعون ده اللي هو إيه؟ اللي هو أطغى طغاة اللي هو أفزع إنسان في التاريخ، كانت امرأته مؤمنة، وولده الذي رباه بالتبني هو الذي أسقط ملكه، وكانت ماشطة ابنته مؤمنة، وفي حاشيته السياسية رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وهذا مما عذب الله به الطغاة طوال التاريخ؛ ما فيش نظام مالهوش ثغرات، حتى إنه نظام فرعون كانت فيه هذه الثغرات.
طيب، الآن قريش سمعت كلمة لا إله إلا الله، وكما ذكرنا وقعت هذه الكلمة في أسماعهم كأنها الشعب يريد إسقاط النظام، وكأنها دعوة خروج عن الدستور، خروج عن القانون، يعني بهذا الشكل فتنادى إليها. طيب يا جماعة الخير ما الفرق بين لا إله إلا الله وبين غيرها من الأفكار التي قبلتها قريش؟ فارق واحد هو المساس بالنظام؛ دلوقتي أنت إذا أردت أن تعبد ما أردت، أردت ألا تعبد، ما فيش مشاكل، المساس بالنظام هذا هو الفارق.
طيب، ذكرت هذا في المجلس الماضي ويعني أعيد ذكره الآن؛ الآن لو حاولنا تقريب الصورة لصورة المجتمع الذي نحن فيه، فسنجد أنه شعار المجتمع الذي نحن فيه لا إله إلا الدولة، لا إله إلا الدولة. يعني إيه؟ الآن النظام العالمي الذي نعيش فيه نظام علماني، وبالتالي فأنت لك الحق في أن تعبد أو لا تعبد، تصلي أو لا تصلي، تزكي أو لا تزكي، لكن ليس لك الحق في أن تدفع الضرائب أو لا تدفع الضرائب، ليس لك الحق في أن تخالف القانون الذي كتبته هذه الدولة حتى لو أن هذا القانون يتدخل في صلب خصوصياتك، يتدخل في شكل التعليم الذي ستعلمه لولدك، يتدخل في... يعني الآن إذا من أراد أن يبني بيتاً فالدولة عندها مواصفات، ولا بد لكي تبني البيت لا بد من أخذ سلسلة من التصريحات، إذا خالفت هذا التصريح هل يعتبر هذا في إطار حرية الرأي؟ فكل مجتمع يا جماعة الخير له مرجعية، عرفها أهله أو لم يعرفوها؛ يعني كثير من الناس تتصور أن المجتمعات الحرة التي فيها حرية يتصورون أن المجتمعات دي ما فيهاش خطوط حمراء، الحقيقة غير ذلك، لا يوجد مجتمع بلا خطوط حمراء. ولذلك هنا هذا هو الأمر الذي يجعل الإسلام منفرداً بين أديان العالم وبين حضارات العالم جميعاً؛ يعني سائر الحضارات الأخرى استطاعت الحضارة الغربية أن تغلبها وأن تنتج نسخاً منها، يعني الآن ما فيش بدائل حضارية للنظام الغربي إلا الإسلام؛ ليه؟ لأن هذه الحضارات، هذه الأمم تستطيع أن تعبد معبودات وأن تمارس دياناتها بعيداً عن المجتمع بعيداً عن الوضع العام، فلذلك ليس ثمة بديل حضاري إلا الإسلام، وهذا كلام قد يطول التفصيل فيه. شوفوا، كل نظام المرجعية فيه ليست لله فهو نظام يستعبد البشر فيه البشر، ولهذا انزعجت قريش من الإسلام؛ لأن الإسلام هذا فُهم من اللحظة الأولى أنه مساس بالنظام، تغيير للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، شكل الحياة سيتغير وفقاً لمرجعية أخرى هي الله تبارك وتعالى.
المرجعية دي بيسموها في العلوم السياسية السيادة. السيادة، السيادة يعني إيه؟ يعرفونها بقولهم: هي الجهة التي لا تُسأل عما تفعل. يعني لو حاولنا نبسط الموضوع، أنا دولة ذات سيادة فأنا أصدر من القوانين ما أريد لأفعل ما أريد وأنظم الحياة داخل الدولة بتاعتي بما أريد، هي دي السيادة. لو الدولة فعلاً تتمتع بالسيادة يبقى لا تستطيع دولة أخرى أن تؤثر عليها، طب الدولة دي ما تتمتع بالسيادة يبقى هي تحت احتلال أو تحت هيمنة أو تحت سيطرة. السيادة معناها الجهة التي لا تُسأل عما تفعل تماماً، أو كما قال صاحب المثل المصري اللطيف الظريف: "شعبي وأنا حر فيه، أفرده وأثنيه، وأغسله وأكويه"، تمام؛ الحاكم المتمتع بالسيادة هو الحاكم الذي لا يُسأل عما يفعل خلاص. والسيادة ده برضه مفهوم يفهمه الشعب، وعلشان كده هتلاقي أي حد، يعني بص أنت افتح أي نشرة أخبار أي كتاب في العلوم السياسية أي بتاع، ستجد من الشعارات المتكررة "نحن دولة ذات سيادة"، الكلام ده بيتقال إمتى؟ حين يعترض هذا الرجل أو هذا الحاكم أو هذه المؤسسات على قانون يُراد أن يُفرض من الخارج أو تمرد يمكن أن ينبت ويبزغ من الداخل، فتلاقي دائماً كلمة إيه: "دولة ذات سيادة لا تقبل بالأملاءات الخارجية". المعركة الحقيقية في هذا العالم لمن تكون السيادة؟ كلمة لا إله إلا الله هي كلمة تقول بأن السيادة لله تبارك وتعالى. للأسف ما استطعت أن أكمل ما نريد أن نقول، إن شاء الله نستكملها في المرة القادمة لنرى كيف تقبل أو تلقت مجتمع قريش دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي