السيرة النبوية | 3. لن نفهم معنى "رحمة للعالمين" إلا إذا فهمنا هذا الوضع

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم يا شباب. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. هذا المجلس الثالث في حديث السيرة النبوية، والتي نسأل الله تبارك وتعالى أن تكون هادية لنا لإصلاح واقعنا الذي نحن فيه؛ فكما ذكرت أننا لا ندرس السيرة لكي نتمتع أو نتلذذ بسماع الحكاية، وإنما لكي نحاول استلهامها وتطبيقها في واقعنا المعاصر.

طبعاً إحنا الآن في سخونة الأحداث التي تحدث في غزة، لعلنا أكثر فهماً لأهمية العواصم المسألة التي تكلمنا عنها في المرة الماضية، ولا شك أنكم تذكرون كيف حين كانت القاهرة العاصمة المصرية بيد أهلها، أو حتى لا نقول بيد أهلها نقول في منازعة بين أهلها وبين النظام القديم في فترة السنتين عقيب الثورة، كيف كان الموقف المصري مخالفاً تماماً، وكيف أثر هذا تأثيراً واسعاً في كل العالم الإسلامي بما فيه غزة؛ غزة التي تنفست وأرسل إليها السلاح وصارت مدعومة بمواقف سياسية.

ولكن حتى أنا بنفسي لقيت أناساً من التركستان الشرقية، يعني أقصى شرق العالم الإسلامي، ولقيت أناساً من مجاهل أفريقيا في دول أفريقية لم نكن نسمع أن بها مسلمين، وكلهم تأثروا بهذه الفترة، يعني كلهم أحوالهم تحسنت في هذه الفترة بما في ذلك تركستان، حتى إنه وجدت بعض الأقليات الإسلامية في أوروبا، وكان من أعجب ما وجدت أنه حتى المعتقلين في غوانتانامو كانت هذه السنوات هي السنوات الذهبية بالنسبة لهم في معاملة السجانين الأمريكان معهم وفي التوسعة عليهم، وفي يعني حتى صفقة تحرير الأسرى لم تتم إلا في فترة ما بعد الثورة. على كل حال القصد يعني أن الموضوع الذي تكلمنا فيه المرة الماضية نحن الآن يفترض أن نكون أحسن الناس فهماً له، لأنه بالنهاية إذا أردنا أن نصلح الأمة بالتأكيد لن نمر على كل واحد من المليارين لكي نحاول إقناعه، وإنما هناك مفاصل ومقابض ومراكز، هذه إذا صلحت صلح الجسد كله، وهذا المعنى وجد عند العلماء وهم يشرحون حديث القلب، حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. ذكر كثير من العلماء في شروح هذا الحديث، وطبعاً متفق عليه في البخاري ومسلم، أن الناس على دين ملوكهم، فإذا صلح الملك صلحت سائر الرعية، وإذا فسد فسدت سائر الرعية؛ فهو الملك من الرعية بمنزلة القلب من الجسد تمام.

وكان فاتني في الدرس الماضي أن أشير إلى أمر آخر فيما يخص مكة، أنا ذكرت أنه لماذا بعث النبي في مكة، وذكرنا أنه مكة عاصمة العرب، وأنه العرب كانوا يتأثرون بما يحدث في مكة، وأنه السيرة النبوية تقريباً كلها هي الصراع حول السيطرة على مكة، النبي أمضى جل وقته في الفترة المكية في محاولة إقناع الزعامات القرشية لأنهم إن أسلموا أسلمت مكة وتبعهم العرب، والفترة المدنية كلها هي فترة الصراع مع مكة، واللحظة التي اعترفت فيها الدولة المكية، يعني بمصطلح هنا المعاصر بالدولة الإسلامية، في صلح الحديبية كانت فتحاً مبيناً. مما فاتني أن أذكره أنه عبادة الأصنام أصلاً انتشرت في الجزيرة العربية من مكة؛ ذهب زعيم مكة عمرو بن لحي الخزاعي، وكان ذلك في أثناء سيطرة قبيلة خزاعة على مكة، ذهب إلى الشام فرأى الشام خصبة وناضرة، فأوحى إليه بأن الشام إنما بهذه الخصوبة والنضارة لأنهم يعبدون هذه الآلهة؛ الشام كان تحت سيطرة الدولة الرومانية، والدولة الرومانية كانت دولة وثنية، سنأتي إلى ذلك إن شاء الله اليوم، فأخذ صنماً وعاد به فنصبه في مكة، ومن هاهنا بدأ تحريف دين إبراهيم في الجزيرة العربية، ومن مكة انتشرت عبادة الأصنام في الجزيرة العربية.

الفكرة التي تسيطر على العاصمة فعلياً تتردد أصداؤها في بقية الأطراف والأنحاء والبوادي؛ يعني حتى البوادي، ولو أن منكم من نشأ وعاش في قرية أو في بيئة متطرفة، فإنه سيرى كيف أنه دائماً ما تفرض العاصمة أفكارها أكثر مما تفرض الناحية أفكارها على العاصمة؛ يعني إذا العاصمة مثلاً يزداد فيها التبرج والقرية يزداد فيها الحجاب مع مرور الزمن، من الذي ينتصر؟ المدينة تتحجب والعاصمة تتحجب ولا القرية هي التي يغزوها الفور؟ تمام. طيب، المدينة فيها تفكك أسري، فيها تمرد الابن على أبيه والبنت على أبيها وأمها، أو فيها كثرة حالات الطلاق، لكن القرية متماسكة. طيب، مع مرور الزمن من الذي يتأثر بمن؟ القرية والمدينة والأطراف هي التي تتأثر بما يحصل في العاصمة؛ فلذلك أحد أهم وسائل التغيير أن تبحث دائماً عن التغيير المؤثر وعن المراكز المؤثرة وعن العواصم المؤثرة في عالمنا الإسلامي. طيب، هذا يعني امتداد لما كنا قلناه المرة الماضية.

الأمر الثاني أيضاً فاتني في الحلقة قبل الماضية، اللي هو في المجلس الأول، ولفت النظر إليه بعض الأصدقاء، ذكروا أنني ذكرت شرف نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتكلمنا عن قصي بن كلاب، وتكلمنا عن هاشم، وتكلمنا عن عبد المطلب، وفاتنا أن نتكلم على عبد مناف؛ إحنا ذكرنا أن النبي هو ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فاستدرك هذا الآن؛ فعبد مناف هذا الذي هو ابن قصي وأبو هاشم، ذكر أهل السير والتواريخ أن عبد مناف هذا ساد وتزعم في حياة أبيه قصي، يعني في آخر حياة أبيه كانت السيادة قد ذهبت إلى من؟ إلى عبد مناف، رغم أنه لم يكن الولد الأكبر لقصي، الولد الأكبر لقصي كان اسمه عبد الدار، ومنه بنو عبد الدار الذين سيحملون اللواء؛ فذكروا أن عبد الدار كان ضعيفاً في الرأي، لم يكن ذو شرف، بينما ساد إخوته الأصغر منه وتزعم في هذه السيادة عبد مناف، وإنما جعل له والده، والده اللي هو قصي، جعل له المهمات الكبيرة؛ الحجابة والرفادة والسقاية واللواء، لكي يلحقه بإخوته؛ يعني هو لو أنه الأمر للتنازع الطبيعي بينهم فبكر عبد الدار هذا كان سيزول أمره ويضمحل شأنه، فلذلك جعل له هذه المناصب الشرفية الكبيرة التي يتولاها في مكة، فوازن قدره مع قدر إخوته الذين سادوا بطبعهم ومنهم عبد مناف، ولذلك يذكر أهل السير أن عبد مناف هو الذي اختط الأرباع في مكة، يعني نستطيع القول بمصطلح هنا المعاصر أنه بنى مكة الجديدة، الجمهورية الجديدة زي اللي عندنا في مصر؛ يعني إحنا ذكرنا أنه قصي حول مكة من قرية إلى مدينة ونظم فيها نظامها التجاري، وذكرنا أن قصي كان قوله في قريش دين، فالذي تولى التنظيم الإداري أو العمراني في حياة أبيه ووطد هذا التنظيم كان هو عبد مناف، فيعني نحن إذا استعرضنا سلسلة نسب النبي صلى الله عليه وسلم، فكل واحد من نسب النبي كانت له طفرة في حياة مكة مما جعله أصيلاً شريف النسب. ولقب عبد مناف كان يلقب بالقمر لحسنه، وكان شاعر قريش يقول: كانت قريش بيضة فتفلت، فالمح لعبد مناف؛ يعني عايز يقول إنه إذا كانت قريش بمثابة الجوهرة، فأصل ونخاع ومركزها كان عبد مناف، فهذا أيضاً مما فاتني أن أذكر.

طيب الآن نحن على مشارف مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن نلقي نظرة عامة على شكل العالم حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا السؤال سيستبدل الوقت في جاهلية عمياء؛ فلماذا اختار الله تبارك وتعالى العرب من بين هذه الجاهلية لكي يبعث فيهم نبيه صلى الله عليه وسلم؟ طيب، بداية ننظر مثلاً في الروم؛ الروم كلمة الروم تعني الغربيين بمفهومنا المعاصر، الغربيين اللي هم الآن أوروبا وأمريكا وأستراليا؛ طبعاً ما كانش فيه أمريكا وأستراليا في ذلك الوقت، لم يكن أهل هذه المناطق، يعني أهل مناطقنا، قد اكتشفوا هذه الأنحاء، لكن طبعاً الأمريكان أو الغربيين خرجوا من أوروبا فبادوا السكان الأصليين للأمريكيتين وكذلك لأستراليا، فصار هو هذا، صارت هذه هي الروم في واقعنا المعاصر أو هذا هو المجتمع الدولي الآن؛ المجتمع الدولي هو أمريكا الشمالية، أوروبا، أستراليا، ويلحقون بها أحياناً اليابان، لكن طبعاً اليابان لم تكن من الروم.

هذه الإمبراطورية الرومانية التي شملت أوروبا تقريباً انقسمت إلى إمبراطورية رومانية شرقية عاصمتها القسطنطينية، وإمبراطورية رومانية غربية عاصمتها روما في إيطاليا، هذا الانقسام مع مرور الزمن صار انقساماً أصيلاً وعميقاً وكبيراً، وبالتالي فنحن أمام الإمبراطورية الرومانية الشرقية تسمى الإمبراطورية البيزنطية، عاصمتها القسطنطينية اللي هي إسطنبول دلوقتي، لغتها اليونانية، مذهبها المسيحية الأرثوذكسية، تمام. على الجانب الآخر الإمبراطورية الرومانية الغربية هذه عاصمتها روما، مذهبها المسيحي كما استقرت عليه الكاثوليكية، لغتها اللاتينية، وهذا الانقسام انقسام هائل ولا يزال قائماً حتى هذه اللحظة؛ يعني مثلاً من قرأ كتاب صدام حضارات لصمويل هنتنغتون، صمويل هنتنغتون لا يرى أن أوروبا الشرقية هي تابعة للغرب الذي يعنيه الغرب الآن، الغرب الآن هو أوروبا الغربية، اللي هي امتداد للدين الكاثوليكي الذي انقسم بعدين وبقى فيه مذهب بروتستانتي، وامتداد للغة اللاتينية التي تفرقت إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وبالتالي فهذه حضارة بخلاف الحضارة الشرقية التي يسميها هو الحضارة السلافية التي تمثلها الآن روسيا ومحيطها في أوروبا الشرقية.

واضح في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية هي التي تحتفظ بقوتها وتحتفظ بقوتها وبشدتها، بينما كانت الإمبراطورية الرومانية الغربية تعرضت للتفرق والتمزق والتهديد تحت اجتياح القبائل الشمالية، القبائل الشمالية اللي هي يعني الآن الشعوب الواردة من ألمانيا ومن السويد ومن النرويج، هذه القبائل اجتاحت روما، وعاشت كل أوروبا الغربية في فوضى هائلة، لذلك لما سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أم رومية؟ قال: مدينة هرقل، اللي هي القسطنطينية؛ كان هذا بالنسبة للصحابة شيء عجيب، لأنه كان الأسهل في ذلك الزمن فتح روما؛ لأن روما كانت في حالة من الفوضى الهائلة، لكن القسطنطينية كانت في حالة من القوة والحضارة والنضارة، ماشي، وبالفعل تحقق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنه في ذلك الوقت كان يبدو بعيداً عن الأذهان.

طيب، فنحن حين نتكلم عن الروم زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنعني به الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي تسمى الإمبراطورية البيزنطية التي عاصمتها القسطنطينية، زعيمها هرقل، لغتها اليونانية، مذهبها المسيحية الأرثوذكسية. طيب، هذه هذا الشكل أو كيف كانت تحيا الإمبراطورية الرومانية؟ طبعاً من يحب منكم متابعة الأفلام الأجنبية بالتأكيد كان سيجد من أبرز المظاهر مظاهر العبودية، وكيف أنه كان الملوك يتعاملون مع الناس باعتبارهم عبيداً، حتى إنه أحد التسالي التي يتسلى بها الجمهور ويتسلى بها الملك كيف أن العبيد يصارعون بعضهم أمامه حتى يقتل بعضهم بعضاً، أو كيف كانوا يلقون بالعبد لكي يصارع الأسد؛ فالإمبراطورية الرومانية احتوت المخازي الإنسانية، مسألة العبودية الشديدة التي تجعل العبد مجرد أداة للتسلية وتجعله غير مالك لأمر نفسه وتجعل التضحية به أو قتله أمراً لا يثير إشكالاً لأن هو مجرد عبد، ومع ذلك فهذه الإمبراطورية الرومانية كانت تنتشر فيها الحياه المادية الشديدة من الترف والزخارف والبدخ الشديد الذي كان يعيش فيه الملوك.

وطبعاً أنت حينما تسمع عن بذخ شديد كان يعيش فيه الملوك، ينبغي أن تعكس الصورة مباشرة لترى تحت ذلك شعباً يعاني من دفع الضرائب؛ لأنه من أين سيأتي الملوك بالأموال؟ يأتون بها مما أنتجه الناس، فلذلك أنت تبصر حياة المترفين فتجد أنها حياة مترفة باذخة مليئة بالشهوات، حتى إنه كان من المظاهر والمشاهد التي انتشرت في ذلك الوقت هو حب العزوبية والانصراف عن الزواج، أنت تعرف أي مجتمع شهواني أو أي مجتمع تسيطر عليه الشهوة، الزواج فيه لابد أن يتأخر ويقل، هذه من قواعد الاجتماع البشري، لأنه الزواج هذا هو مسؤولية ورعاية، الرجل يتكلف فيه أن يرعى المرأة ويرعى الأولاد، لكن الذي يريد أن يشبع شهوته هذا فبالتأكيد لن يكون هذا هو الخيار المناسب. ولذلك أحد الأشياء المهمة التي لا يتصورها أو لا يتخيلها كثير من الناس المعاصرين أن الزواج هذا حماية للمرأة قبل أن يكون للرجل؛ يعني لو أننا غير مسلمين، لو أننا غير مسلمين لكنا سنظن أن الزواج هذا هو مؤامرة نسائية على الرجال، صح؟ لأن الرجل لا يتكلف شيئاً، الرجل إذا لم يلزم برعاية المرأة ورعاية الأولاد هو يقضي شهوته ويذهب، من الذي يعاني؟ من الذي يعاني في الحمل وفي الولادة، حتى يعاني نفسياً وعصبياً وجسدياً؟ المرأة. يعني لو لم نكن مسلمين كنا سنظن أن الزواج مؤامرة من النساء على الرجال.

أحد المشاهد التي انتشرت في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت هو الطغيان المادي والطغيان الشهواني وقلة الزواج، وهذه مظهر منتشر في كل الحضارات التي تميل إلى الجانب المادي، كما هو منتشر الآن في أوروبا، طبعاً كلكم تعرفون نسب الأبناء غير الشرعيين وحالات الطلاق وحالات قلة الزواج، والآن صار من المعتاد جداً في البلاد الأوروبية والأمريكية أنه يكون هناك مساكنة، أحد أشهر لاعبي الكرة كلكم عارفينه مخلف أربع أولاد لكن مش ناوي يتجوز، وسمعت برضه عن لاعب مغربي آخر برضه؛ المهم مش عايز أدخل في القصة دي دلوقتي. الخلاصة، الخلاصة أنه المجتمع طالما انحاز إلى المادية والشهوانية فإنه يبتعد عن الزواج وعن رعاية الأولاد، وهذا نذير بانهيار المجتمعات. الأمر الثاني لو نظرنا في الإمبراطورية.

رومانية دينياً، فسنجد أنكم تسمعون كلمة الجدالات البيزنطية، يعني إيه الجدالات البيزنطية؟ يعني الجدالات العقيمة، الجدالات غير المفيدة، غير المهمة، غير المؤثرة. هذه الجدالات عرفت بالبيزنطيين.

المسيحية الأرثوذكسية في ذلك الوقت كانت حالة من الجدالات حول الدين، طبعاً الحقيقة أن المسيحية طمست على يد بولس وازدادت انطماساً حين تبناها قسطنطين. قسطنطين هذا الملك الروماني الذي اعتنق المسيحية وبدأت المسيحية منه في الانتشار لأنها صارت دين الدولة الرسمي، لكن لأنه يريد أن يوفق بين الشعب الوثني وبين هذه الديانة النصرانية؛ فصار يأخذ من الوثنية إلى النصرانية ويطعم هذا بذاك حتى صارت المسيحية التي أصلها ديانة توحيد ديانة مليئة بالتماثيل والصور. فكما يقول القاضي عبد الجبار: لم تتنصر الروم ولكن ترومت النصرانية، يعني تأثير الوثنية والعادات الرومانية في النصرانية كانت أشد من تأثير النصرانية في العادات والسلوك والطبائع الرومانية.

طبعاً هذا بخلاف تماماً ما جاء به الإسلام، الإسلام قلب حياة العرب وجعلهم أبناء دين آخر يعني دخلوا فيه بكليته. فبالتالي هذا التوزيع، هذا التطعيم بين الوثنية والنصرانية وهذه الفكرة المعقدة حول التثليث وأنه الأب والابن والروح القدس وأيهما كان قبل الآخر، وهل اللاهوت متحد بالناسوت أم أنهما يفترقان ويجتمعان؟ هل المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية أم له طبيعة إلهية ذابت فيها الطبيعة البشرية؟ كل هذا يا جماعة الخير كان مثار نقاشات واختلافات وحروب ومذابح. كانت هذه المسائل مما فجر الحروب والمذابح والمنازعات، خصوصاً بين كنيسة القسطنطينية والكنيسة المصرية الكنيسة القبطية المصرية.

لو أردت أن أشبهها تشبيهاً يعني تشبيهاً بعيداً لكن أنا بحاول أقرب الصورة، فهي أشبه مثلاً بالحالة السلفية التي هي لا تقبل أن تتزحزح عما تعتقد ولو نص ملي ولو ربع ملي. فمهما حاولت الكنيسة القسطنطينية أن تتقدم خطوة، الكنيسة القسطنطينية كانت ترى أن المسيح له طبيعتان؛ طبيعة بشرية وطبيعة إلهية، آسف يا جماعة الخير. أما الكنيسة المصرية فكانت ترى أن المسيح له طبيعة واحدة وهي طبيعة إلهية، وقد ذابت فيها الطبيعة البشرية حتى اضمحلت، يعني لم تعد هناك طبيعة بشرية.

طيب، هذا الخلاف مما أدى إلى قرنين من النضال والكفاح والمشاكل والمذابح والحروب، فمصر في ذلك الوقت كانت تسمي عهدها عهد الشهداء، بالذات في سنوات كده كان تولاهم أحد الولاة الذي أراد أن يمحو هذا، أن يمحو مذهب الكنيسة المصرية بهذا الشكل. فمصر كجزء من الإمبراطورية الرومانية الشرقية كانت تعاني من اضطهاد في وقت واحد؛ الاضطهاد الديني وهو محاولة إلزامها بمذهب الكنيسة القسطنطينية، والاضطهاد السياسي؛ لأن مصر كانت مخزن غلال الإمبراطورية الرومانية. مصر باعتبار فيها أرض النيل وباعتبار فيها نهر النيل وباعتبار أرضها خصبة، فدائماً ما كانت مهمة في كل إمبراطورية كانت فيها.

واجتمع على أهل مصر في ذلك الوقت الاضطهاد الديني والاضطهاد السياسي. الاضطهاد الديني بهذا المعنى لأنهم كانوا حتى دمروا الكنيسة القبطية وفر القساوسة المصريون إلى الأديرة في الجبال، وإلى الآن لا تزال الأديرة المسيحية منتشرة في الجبال والصحاري البعيدة. وكان البطريرك الكبير للنصرانية هارباً هائماً على وجهه؛ لأنه كان مجرد ما يكتشف أن هذا مخالف للعقيدة الصحيحة من وجهة نظر القسطنطينية يتم تعذيبه بالحراقات، يعني بأن يوضع مثلاً في أجولة تمتلئ رمالاً ثم يرمى به في البحر، أو بالتقطيع، يعني عصر من العصور الشديدة الشنيعة التي كانت موجودة في ذلك الوقت.

أضف إلى ذلك أنه هذه الإمبراطورية الرومانية الشرقية كانت هي بقية النصرانية، يعني هذا هو المكان الذي فيه بقايا الوحي، يعني متصور أن ده أحسن مكان في العالم في ذلك الوقت بهذا الشكل الذي طغت عليه الجدالات والشهوانية والاضطهاد السياسي.

إذا ذهبنا إلى الفرس؛ فالفرس أيضاً كانوا يعبدون النار، ما تعرفون الفرس كانت تنتشر فيهم المجوسية وكانوا يعبدون النار، وكان فيهم أيضاً الحالة الطبقية التي تساوي أن كسرى هو صاحب دم ملكي. الدم الملكي هذا هو دم مختلف عن دماء بقية الناس، هذا دم منبعث من الإله، لذلك كسرى هذا كان رجلاً مقدساً، والنبلاء الذين بعده كانوا بالنسبة لمن بعدهم رجالاً كباراً، وبقية الشعب هو الذي يدفع الضرائب ويعطي الأموال ويستقبل الاضطهاد. لكن حتى هؤلاء الرجال الكبار المحيطين بقيصر لا يسمح لهم بالجلوس في حضرة كسرى، يجب أن يكونوا وقوفاً، بل لا يسمح للفرس أن يجري اسم كسرى على ألسنتهم لأن هذا تدنيس لاسمه.

ومن هنا تفهمون أن الفرس كانوا حين يزول منهم الشخصية القوية التي تملك أن تحكم، كانوا يأتون بالطفل الصغير من نسل كسرى لكي يحكم، لأن هو اللي فيه الدم الملكي النبيل. لو لم يجدوا طفلاً جاءوا بامرأة كما تولت بوران بنت كسرى وكما تولت أختها التي قبلها. وهنا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. وهنا يقع الخلاف بين بعض العلماء في مسألة ولاية المرأة؛ هل كان كلام النبي كلاماً عاماً أم كان متعلقاً بواقعة محدودة بهذا المعنى؟ وهذا أمر فقهي لا ندخل فيه.

طبعاً فبالتالي كسرى كان يحكم الفرس، والفرس كان فيهم نفس هذه الطبقية، اضطهاد الفلاحين، الإجبار على عبادة النار، وانتشر في فارس طبعاً برضه الإمبراطورية الفارسية كانت إمبراطورية قوية وعظيمة وامتدت من أفغانستان ومن حدود الصين إلى أحياناً كانت اقتربت من القسطنطينية، وفي أوقات تمددها كانت سيطرت على الشام على مصر، يعني لم تكن دولة هينة، كانت دولة كبيرة وقوية ظهر فيها مذاهب دينية متضاربة. إحنا لو بنتكلم عن أحوالهم الدينية فسنرى أنهم الأصل أنهم كانوا يعبدون النار، وأصل عبادة النار هذا كان مستقى من رجل فيلسوف -ربما كان نبياً وربما زعم لنفسه النبوة- اللي هو زرادشت الشخصية المشهورة في التراث الفارسي.

لكن حين نقترب من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني اللقطة التي نريد أن نركز عليها هنا، سنرى أن الفرس انتشرت فيهم الشيوعية، الشيوعية هذه التي نظر لها ماركس ونفذها لينين كان لها أصل قديم عند فيلسوف اسمه مزدك، وتنسب إليه المزدكية. هذا الرجل كان رد فعل على رجل قبله اسمه ماني، ماني هذا كان شايف أن العالم فاسد، وبالتالي أخذ طريق الرهبانية وطريق الانعزال وطريق التخلي عن الزواج، قال هو العالم فاسد أصلاً ويجب أن نساعد العالم لكي يتخلص من نفسه، يجب أن نسارع بإفناء هذا العالم، فبالتالي دعا إلى عدم الزواج ودعا إلى الرهبان ودعا إلى التقلل من كل شيء فقتله.

مزدك هذا كان رد فعل على فكرة ماني وهو يقول: لا، ده أصل الفساد والشرور في العالم هي الملكية؛ أنت عندك بيت وأنا ما عنديش بيت، أنت عندك زوجة وأنا ما عنديش زوجة، أنت عندك أولاد وأنا ما عنديش أولاد. طيب إيه الحل يا أستاذ مزدك؟ الحل أنه نقضي على الملكية وبالتالي تكون الأموال التي موجودة هي أموال الجميع، والنساء الموجودات هن نساء الجميع، والأولاد الموجودون هم أولاد الجميع. طبعاً هذه الفكرة الشيوعية التي طبعاً الآن أقولها بشكل ساخر، لكن هي حين تخرج في مجتمع طبقي -انتبه، شوف كل فكرة سادت لا بد أن تعرف أنها كانت تتلبس بعض الحق وأنها كانت استجابة لبعض الدوافع الموجودة في مجتمعها- يعني حتى لو أن المحاضر أو المتكلم يعرض الفكرة بشكل ساخر لا ينبغي أن تستقبلها أنت بهذا الشكل الساخر، أي فكرة نجحت لا بد أنه كان لها بعض الدوافع وكان فيها بعض الحق.

ما الذي جعل الشيوعية أصلاً فكرة تنتشر؟ يعني حتى الشيوعية المعاصرة ما الذي جعلها كذلك؟ لأن هناك تفاوتاً طبقياً هائلاً، هناك أناس مترفون وأناس معدمون، أناس يمتلكون القصور والأموال والأنهار وأناس لا يمتلكون قوت يومهم، أناس يتنعمون بالنساء والجواري بالمئات والآلاف وأناس لا يستطيعون أن يتزوجوا ولو زوجة واحدة، أناس يعيشون في الرخاء والرفاهية وأناس لا يجدون المسكن الصحي.

طيب، مزدك هذا كان طبعاً شخصية قوية وشخصية زعيم، فنشر فكرة الشيوعية، فكرة الشيوعية هذه تخاطب أقواماً كما قلنا عضهم الفقر وعضته الحاجة. وأهم ما فعله مزدك أنه استطاع إقناع كسرى حاكم فارس قباذ الأول بهذه الفكرة؛ فكرة الشيوعية. وهذا كان غريباً، غريباً أن يقتنع إمبراطور هو صاحب الأملاك بفكرة شيوعية. فما إن اقتنع بها وبدأ يسعى في نشرها حتى تحولت المملكة إلى حال من الفوضى؛ لأنه صارت كل مجموعة شيوعية تهجم على البيت الذي تحبه، تأخذ المال الذي تحبه، تسبى النساء التي تعجبهم، وبعد قليل صار الرجل لا يعرف أولاده، وصار الرجل يغلب على أملاكه ويغلب على زوجته.

وبلغ الأمر بمزدك هذا أنه قال لكسرى قباذ أنه أنت لا يمكن أن تكون مخلصاً لهذه الفكرة إلا لو أخرجت زوجتك الملكة لكي نستمتع بها، وده التطبيق الحقيقي صح، ولذلك ابنه أنوشروان -اللي هو بقى صار كسرى بعده- طبعاً هنا الروايات تختلف ما الذي حصل، لكن الرواية المشهورة أن ابن أنوشروان توسل إلى مزدك أن يعفي أباه من هذا الواجب الديني، وما يزال به حتى فعلاً عفا عن أبيه، لكن أنوشروان هذا أصر وأضمر في نفسه أن لو أمكنه الله منه لقتله. وبالفعل ما إن مات قباذ الأول وتولى أنوشروان حتى كان أول ما فعله أن قتل مزدك وأن طارد المزدكية.

مزدك هذا مات قبيل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بنصف قرن فقط أو ٤٠ سنة أيضاً على الخلاف. فإذا ذكرنا أن إمبراطورية الفرس كان فيها هذه الطبقية، كان فيها هذا الظلم في الحكم، كان فيها عبادة النار، كان فيها حتى هذه المذاهب الفاسدة.

وفيما يخص الطبقية، طبعاً أنا ذكرت لكم أنه حتى كان كبار رجال الدولة لا يستطيعون أن يجلسوا في حضرة كسرى ولا يستطيعون أن يتكلموا باسم كسرى، هذا سنراه ونفهم منه يا شباب حين نأتي في قصة الفتوحات الإسلامية، لو تتذكروا الموقف المشهور الذي نحفظه جميعاً موقف سيدنا ربعي بن عامر وهو يدخل على رستم. ربعي بن عامر كان واحداً من ثلاثة سفراء، السفير الثاني كان سيدنا المغيرة بن شعبة، سيدنا المغيرة بن شعبة لما دخل على رستم دخل بهيئة تشبه هيئة ربعي بن عامر، لكن سيدنا ربعي بن عامر كما تروي الرواية أنه حين رأى رستم أمامه جلس على الأرض، سيدنا المغيرة بن شعبة رأى رستم أمامه فراح قاعد جنبه، فانهال عليه الحرس حتى جرجروه، وبعبارة الطبري "ترتروه"، يعني تشعر أنهم تنازعوا يعني حتى أجلسوه على الأرض.

فقال: إن معشر العرب قوم لا يستعبد بعضنا بعضاً إلا أن يكون محارباً له، يعني العرب إذا جلسوا ما ليست عندهم هذه الطبقية، الذي يجلس يجلس على نفس البساط والوسادة التي يجلس عليها صاحبه العربي، إلا أن يستعبد بعضنا بعضاً، ولقد علمت أن ملككم إلى أفول، فإنه لا تنتصر أمة يستعبد بعضها بعضاً. فهذا مشهد تلتقط منه كيف كان رستم هذا، ليس من بيت الملك، رستم هذا كان القائد الحربي، كان قائد الجيش يعني لم يكن هو من بيت الملك أصلاً، لكن هذا يشير ويلفت نظرنا إلى الطبقية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت.

طيب، إذا تركنا الفرس وذهبنا مثلاً إلى الهند. الهند يا جماعة الخير كان فيها أطرف وأبشع وأشنع نظام يمكن أن تسمعوا به. معرفتنا بتاريخ الهند ترجع إلى العلماء المسلمين الهنود وفي طلعتهم الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله، وذكر ذلك في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" وهو كتاب مهم. يقول أبو الحسن الندوي إنه يمكن أن نلخص أحوال الهند قبيل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أمور، الأمر الأول: الوثنية الطاغية.

فيذكر أن الهند كان فيها ملايين المعبودات، ملايين المعبودات. كل شيء يمكن أن يكون إلهاً؛ من أول الأصنام، وطبعاً الأصنام حتى الآن أكيد تسمعون بعض الأفلام الهندية من أصنام صغيرة إلى كبيرة إلى متوسطة، أصنام رجال، أصنام نساء، أصنام حيوانات، يعني نحن أمام متحف مفتوح من الأصنام. وفوق الأصنام، خلاص بعيد عن الأصنام والحجارة والخشب كل شيء يمكن أن يكون معبوداً؛ كالجبال، والله جبال تقول الأسطورة أن هذا الجبل مثلاً سكن فيه نبي أو سكن فيه قديس أو نزل فيه وحي أو كتب فيه فلان الكتاب المقدس. الجبال، الأنهار، هذا نهر استحم فيه القديس، وهذا نهر نبع من فم القديس، وهذا نهر جلس على ضفافه القديس، يعني برضه الأنهار. الأفلاك، النجوم، الشمس، القمر، الكواكب، زحل، الحيوانات، الفئران، العناكب، القطط، الكلاب، وطبعاً البقر أشهر حاجة معبودة في الهند.

فالمهم يعني الوسائل والأدوات، الوسائل والأدوات يعني حتى الأقلام، حتى الكتب، حتى المحاريث، كل هذه أمور ترمز إلى الخير مثلاً، يعني المحراث يرمز إلى الخير وبالتالي فهو منبع للخير فنعبده. ليه عبدوا البقرة؟ لأن البقرة رمز للعطاء، البقرة طبعاً هم ما بياكلوش لحمها لكنها تعطيهم اللبن فهي رمز للعطاء وبالتالي فيعبدونها. حتى عبادة بعضهم بعضاً، حتى عبادة بعضهم بعضاً، فبرضه كل واحد معجب بواحد، مافيش مانع أنه يعبده. المهم يعني نحن عندنا أقصى مراتب الحرية في موضوع اتخاذ الإله، ده كل ما حد يعجبه حاجة يعبده، فهذه يسمونها الوثنية.

الطاغية وهو طبعاً الشيخ أبو الحسن الندوي، ذكر رقماً أنا ما زلت لا أستوعبه، ذكر أنه كان في الهند 330 مليون معبود؛ فأنا يعني لا أدري يعني هذا قصد أم هذا خطأ في الكتابة، لا أدري، لكن المهم أن الوثنية الطاغية كانت تجعل الهند مسرحاً للمعبودات.

يقول إن الهند إحنا بنلقى فيها ثلاث أمور: الوثنية الطاغية، والشهوانية الطاغية. الشهوانية الطاغية دي إيه؟ طبعاً لما المعبودات تكثر يا جماعة الخير، ما هو المعبود ده، كل معبود خلفه قصة جعلته معبوداً؛ يعني ما فيش حد، يعني أنا أستغفر الله بس عايز أقول إيه، لو حد عايز يعبد علبة المناديل دي، مش هيقول أنا عجبتني وخلاص، لازم إيه؟ لازم يبقى في وراها قصة تخليها مقدسة، فبما إننا عندنا ملايين المعبودات فإحنا عندنا إيه؟ ملايين القصص. فيذكر الشيخ الندوي أيضاً أنه كثير من هذه القصص كانت قصصاً منافية للآداب، مما لا يمكن حكايته لا في مجالس درس ولا في مجالس أنس، حتى أخبار الآلهة وصراعات الآلهة، ويعني محاولات الآلهة اختطاف بعضهم من بعض، ويعني القصص الهائلة هذه منها كم كبير من القصص التي تنافي الآداب والتي تشعل وتثير دائماً الشهوات. يقول: وهذا أثر في أذهان وخيال وأعصاب حتى المتدينين، يعني أنت لما بيبقى الكاهن هو الذي يروي لك القصص المنافية دي، طيب متخيل الكاهن ده هيبقى سلوكه إيه؟ هيبقى شكل تعامله مع الناس ومع الأولاد ومع البنات ومع النساء إزاي؟ فيقول: وبالتالي فكانت معابد الدين الهندوسي هي بيوت للرذيلة، يجد فيها الطالب بغيته ويجد فيها الفاسق طلبته، فإذا كان هذا في بيوت الدين التي ينبغي أن تُذكر بالله، فكيف تتصور أن يكون الأمر في قصور الملوك والأمراء؟ فيعني ذكر أنه هناك حالة هائلة من الإباحية والانحلال التي كانت موجودة في ذلك الوقت.

العنصر الثالث وهو الطبقية الشديدة، إحنا قلنا الهند هو لخصها في ثلاث عناصر: كثرة المعبودات الوثنية الطاغية، والشهوانية الجامحة، والطبقية الشديدة؛ لأن الهند كانت تحتوي على أبشع نظام طبقي، فالهند كان قانونهم يقسم الناس والجماهير إلى أربع طبقات: الطبقة الأولى هي طبقة البراهمة، البراهمة دول رجال الدين الكهنة، وهؤلاء خلقوا من فم الإله، إيه وظيفتهم الجماعة دول؟ وظيفتهم يقرأوا الكتاب المقدس، يحفظوا الكتاب المقدس، يقدموا النذور للآلهة، ويستقبلوا الصدقات، ويشرعوا القوانين، وليس لهم، ليس لأحد عليهم حق، هم الذين لهم حقوق على الناس، لا يدفعون الضرائب، وإذا استحق أحدهم القتل فيجب أن يحلق شعره، هذه الطائفة الآية، الطائفة المميزة العليا التي لها كل المزايا وغير خاضعة للقوانين. الطبقة الثانية طبقة رجال الحرب، هؤلاء خلقوا من ذراع، ذراع الإله، الأولانيين خلقوا منين؟ من فم الإله، دول نزلوا شوية في المرتبة، فخلقوا من ذراع الإله، أيوه، دول مهمتهم الحماية والحراسة وخدمة طبقة البراهمة. الطبقة الثالثة هؤلاء طبقة الزراع والتجار، وهؤلاء خلقوا من فخذ الإله، نزلوا في القداسة كمان شوية، وهؤلاء وظيفتهم رعاية الأموال والتجارة والأرض والحيوانات، يعني القيام بالأمور التي وخدمة الطبقتين الأولى والثانية، دي مهمتهم. والطبقة الأخيرة طبقة تسمى شودر، هذه طبقة خلقت من إيه؟ من أقدام الإله، هؤلاء خلقوا لماذا؟ خلقوا لخدمة الطبقات الثلاثة دي، مين اللي هيخدم؟ فهؤلاء خلقوا للخدمة، وهؤلاء يجب عليهم أن يعرفوا أن من سعادتهم أنهم يخدمون الطبقات الكبرى والعليا، ولا يجوز لأحد أن يتطلع إلى ما فوق مرتبته، يعني الجماعة اللي في الرابعة ما يفكروا يجروا أو يزرعوا عشان يبقوا في الثالثة لأنهم خدم خلقوا لكي يكونوا خدماً، ولا الجماعة اللي بيزرعوا ليس مسموحاً لهم أن يفكروا في الحرب، لكي، بل يقول القانون بأنه الطفل الذي بلغ العاشرة من عمره من طبقة البراهمة اللي هي طبقة الصفوة دي، يفضل على الرجل الذي من طبقة الحرب اللي هي الطبقة الثانية، بس يفضل على الرجل الذي من طبقة الحرب الذي بلغ 100 عام، يبقى الطفل أبو 10 سنين أفضل من الرجل أبو 100 سنة من الطبقة الثانية، كما يفضل الوالد على ولده، طبعاً الطبقة الأخيرة دي بقى إيه عندنا بنود كثيرة للعقوبات؛ يعني إذا مس أحدهم يد واحد من البراهمة أو يد طفل، يد طفل إذا مست يده أحد البراهمة فتقطع يده، إذا كلمه يقتلع لسانه، إذا قال بأنه يعني كان يوجهه، يعني مثلاً أنا متصور من خلال القانون يعني متصور أن لو حد من الخدم للبراهمة دول مثلاً يرعى طفل من، قصدي حد من الخدم يرعى طفل من أطفال البراهمة فقال له مثلاً: هتقع، ما تروحش كده أو تيجي كده، قال: وإذا ادعى أنه يوجهه يُسقى زيتاً مغلياً، إذا فكر أن يجلس في حضرته تُكوى مقعدته، ودية هذا الرجل من هذه الطبقة كدية الغراب والبومة والفأر والعنكبوت والكلب، فده هذا شكل الهند. طبعاً يا جماعة الخير، أنا أذكركم بما ذكرناه بأننا لا يمكن أن نعرف فضل النبي على العالمين إلا حين نعرف وضع العالمين بدون النبي صلى الله عليه وسلم، وما يزال حتى هذه اللحظة التي نتكلم فيها العالم يعاني من بشائع أخرى، بس يعاني من بشائع أخرى، لكن لا يتسع الوقت لنوردها الآن، لعله نأتي إليها في مرة سابقة.

نأتي عند العرب، جاهلية العرب أيضاً، العرب كان عندهم وثنية جامحة، لكن طبعاً مش بنفس العدد بتاع الهنود ده، لكن برضو العرب كان لكل قبيلة منهم إله ولكل بيت منهم إله، وإذا خرجوا في السفر، والرواية البديعة الطريفة التي تثير التأمل يقولون: كان الرجل إذا خرج في السفر انتقى أربعة أحجار فيأخذ أحسنها فيعبد، فيعبد، وأما الثلاثة الباقية فيجعلها حجارة لموقده، شوف الفرق، يعني شوف أنت واخد بالك، أما تبقى إله وإما تبقى إيه؟ يعني حجر في الموقد. فالعرب كان عندهم أيضاً إيه أشياء كثيرة ومعبودة كثيرة في الأصنام، وكانوا يعبدون الجن أحياناً، وبعضهم كان يعبد الأفلاك، بعضهم كان يعبد الشمس، بعضهم كان يعبد القمر، العرب كانت فيهم أيضاً الطبائع الجاهلية التي هي من آثار عنفوان الإنسان وطغيانه، أنتم عارفين حكيم العرب الشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى ده سُمي بالشاعر الحكيم لأن معلقته كثير منها حكم، هو نفسه الذي يقول: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم، ومن لا يظلم الناس يُظلم. إذا أنت، أنت إذا كنت عربياً فأنت بين خيارين: إما أن تظلم وإما أن تُظلم، وهذا المعنى كرره المتنبي فيما بعد، قال: والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم؛ يعني لو لو لقيت واحد ما بيظلمش حد، عنده مشكلة أو عنده، عنده حاجة إحنا مش عارفينها، والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم تمام.

فالعرب كان فيهم أيضاً هذه السطوة، لكن عشان الشيخ إسماعيل عمال يقول لي الوقت خلص، العرب يا جماعة كان فيهم صورة من كل هذه المشكلات التي صنع، التي ذكرناها؛ يعني كان عندهم وثنية صحيح، لكن لم يكونوا بهذه الكثرة، كان عندهم طبقية يفرقون بين الشريف والضعيف وبين الحر والعبد، كان عندهم طبقية، كان عندهم مظالم أيضاً، العبيد والإماء والله كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء الإماء، وكانوا يكرهون عبيدهم على الحرب، ف يعني، وكانوا يتعاملون فيما بينهم بالربا، والربا الفاحش، والربا هذا قد يؤدي إلى استعباد الناس؛ يعني إذا عجز المدين عن أداء الدين فإنه قد يبيع نفسه أو يبيع ولده، وكان طبعاً عندهم ظلم هائل للمرأة، فالنساء في الجاهلية كانوا في ظلم، كانت إما وُئدت وربما كانت وُئدت، وحتى الوأد هذا كان يكون للبنات بعاملين؛ يعني أحياناً يئدها لأنها بنت فهو يخشى أن تأتي بالعار، وأحياناً يئدها لأنه ولد، لأنه أحياناً العرب كانوا يقتلون أولادهم إما من إملاق، يعني إما بسبب الفقر، وإما خشية إملاق، يعني خشية أن يصيبه الفقر بكثرة العيال. وكان الرجل إذا ورث أباه ورث نساء أبيه، فإما تزوج امرأة أبيه، أو إما زوجها وأخذ مهرها، وإما عضلها، فلا هو سمح لها لا بالزواج ولا هو تزوجها.

لكن الذي يهمنا الآن أن العرب ورغم أن فيهم كل هذه البشاعة التي ذكرناها، يعني صحيح كان عندهم طبقية، لكنها لا تصل أبداً لطبقة فارس ولا الروم ولا الهند، ولذلك منه قول المغيرة الذي ذكرناه قبل قليل: إن معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً، كان لديهم ملوك، لكن ملوك غير مستقرة؛ يعني الجزيرة العربية إحنا قلنا ما كانش فيها ملوك إلا في فترات بسيطة، ظهر ملوك كندة في وسط الجزيرة، الملوك ظهروا في المناطق المتاخمة لفارس والروم عند المناذرة القريبين من فارس، وعند الغساسنة القريبين من الروم، ومع ذلك لم يكونوا في قومهم؛ يعني ملوك غسان أو ملوك المناذرة لم يكونوا يعني بهذه القداسة ولا بهذا التعظيم لدى أتباعهم، طبعاً فضلاً عن وسط الجزيرة العربية لم يكن الزعيم يستعبد أحداً، وذكرنا لكم في الحلقة هدية قولهم: وأيام لنا غُرٌّ طوال، عصينا الملك فيها أن ندين، ومعلقة عمرو بن كلثوم المشهورة، إنما أنشدها في حضرة ملك، في حضرة عمرو بن هند، ويقول له: أبا هند فلا تعجل علينا، وأنظرنا نخبرك اليقين، بأن نورد الرايات بيضاً، ونصدرهن حمراً قد روينا، ونشرب إن وردنا الماء صفواً، ويشرب غيرنا كدراً وطينا. شوف بيكلم مين، طبعاً إحنا إحنا قلنا بتاع كسرى ده ما حدش بيقول اسمه، فالفارق هائل جداً في إيه في مسألة التسلط، وبعض أخلاق العرب هذه كانت نوعاً من المبالغة والتهور والإفراط في أخلاق حميدة أصيلة؛ يعني خلق الفتك، خلق الفتك ده خلق من أين أتى؟ من خلق الشجاعة، لكنهم بالغوا فيه حتى وصل إلى الظلم تمام، كما ذكرنا: ومن لا يظلم الناس يُظلم، وكما قال شاعرهم: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا. فالفتك والظلم هو فرع من الشجاعة لكن حصل فيه مبالغة، حتى وأد البنات مثلاً يكون فرعاً عن التعفف، وأن الرجل لا يريد لابنته أن تنحرف أو أن يُعير بها فيما بعد، لكن حصل مبالغة شديدة حتى قتلها. الكرم، العرب عُرفوا بالكرم، الكرم الشديد، أنتم عارفين، وكانوا يتغنون بحاتم الطائي، عُرفوا برعاية الجوار، رعاية الجوار وأداء الأمانة، وضربوا المثل في هذا بالسموءل، السموءل ده رجل كان موجوداً في قلعة، يعني عنده قلعة، فترك عنده امرؤ القيس، أودعه يعني ترك عنده أهله وأسلحته، فجاء عدو لامرئ القيس يريد أن يأخذ هذا، يريد أن يأخذ هذه الأسلحة، فالسموءل رفض، فهذا العدو أمسك بولد من أولاد السموءل وقال له: إما أن تؤدي إلي أسلحة امرئ القيس أو أن أقتل ولدك، فقال له: اقتل ولدي فلست بخائن أمانتي، فذبحه بالفعل أمامه، فضرب به المثل في الوفاء، لذلك العرب كانوا يتغنون بهذا. السموءل نفسه له قصيدة من عيون الشعر العربي، يقول فيها: تعيرنا أنا قليل عديدنا، فقلت لها إن الكرام قليل، وما قل من كانت بقاياه مثلنا، شباب تسامى للعلا وكهول، وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز، وجار الأكثرين ذليل؛ يعني إحنا قليل فعلاً لكن أي حد يدخل في جوارنا لا يمكن أن يوصل إليه، حب الموت آجالنا لنا، وتكرهه آجالهم فتطول، وما مات منا سيد حتف أنفه، ما حدش مننا بيموت كده على فراشه، ولا طُلَّ منا حيث مات قتيل، يعني ما حدش بيموت على فراشه ولا نترك ثأر من مات، ولا طُلَّ منا حيث كان قتيل، في قصيدة مشهورة يعني ارجعوا إليها اقرأوا أنتم، تسمعون قول عنترة، عنترة وهو مثلاً يصف عفته فيقول: إني امرؤ سمح الخليقة ماجد، لا أتبع النفس اللجوج هواها، أغشى فتاة الحي عند حليلها، وإذا غزا في الجيش لا أغشاها، وهو دلوقتي ممكن يزور جيرته مثلاً إذا زوجها موجود، يعني طبعاً العرب ما كانش بينهم هذا التصور الذي جاء به الإسلام، لكن عايز يقول أنا لا يمكن أدخل على واحدة إلا وزوجها موجود، أغشى فتاة الحي عند حليلها، وإذا غزا في الجيش لا أغشاها، وأغض طرفي إن بدت لي جارتي، حتى يواري جارتي مأواها، ما سُمتُ أنثى نفسها في موطن، حتى أوفي مهرها مولاها، وأبغي إذا دعت لعظيمة، وأجيبها وأعفُّ عما سِواها. فأخلاق العرب التي جعلتهم أقرب لرسالة الإسلام هي أنه الأخلاق، يعني كثير من الأخلاق الرديئة التي فيهم كانت فرعاً عن إيه؟ عن أخلاق حسنة أصلاً، ثم جاء الإسلام بإصلاح هذه الأمور.

طبعاً هنا تنبيه مهم لا يفوتني أن أقوله، من يقرأ فعلاً في تاريخ أخبار العرب في الجاهلية يتحسّر أن هؤلاء القوم لم يسلموا لما يراه من يعني صدقهم وشرفهم وأمانتهم وصراحتهم وبسالتهم، لكن حصل أنه في بعض في بعض الباحثين المعاصرين أو حتى الباحثين القدماء أيام القومية العربية ما كانت طاغية، كان من أجل أنه يريد أن يجمل العرب فكان يخفت شأن الإسلام؛ لا، العرب صحيح كان فيهم هذه الصفات الجيدة، لكن كان فيهم مشاكل وبلاوي أخرى أهمها الوثنية كما ذكرنا، ولذلك الصحابة عبّروا عن الجاهلية التي كانوا فيها، سيدنا جعفر، أيوه طيب، إذاً عند سيدنا جعفر نتوقف إن شاء الله، ونستكمل في المرة القادمة، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.