السيرة النبوية | 18. هؤلاء أسلموا دون أن يصل إليهم النبي ﷺ

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

مرحباً بكم يا أحباب وجزاكم الله خيراً على المجيء في هذا البرد وهذا المطر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعله غيثاً نافعاً، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا ومنكم شهر رمضان. وتعرفون من هدي السلف أنهم كانوا يستمرون ستة أشهر بعد شهر رمضان يسألون الله تبارك وتعالى أن يتقبل منهم شهر رمضان الكريم. ونعود إلى ما كنا فيه من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنا توقفنا عند المجلس السابع عشر وهذا هو المجلس الثامن عشر.

وبعد هذا الانقطاع أنا سأحتاج أن أذكر بأربعة أمور لكي نوصل ما انقطع أو نتذكر معاً أهم ما ينبغي أن نبنيه عليه.

الأمر الأول: وهو أن الإسلام كلمة لا إله إلا الله ليست مجرد شعائر أو طقوس أو عبادات، وإلا فالمشركون كان لديهم في مكة 360 صنماً، وكان لديهم نصارى، وكان لديهم من لا يؤمن بدين، وكان لديهم الأحناف، وكان مجتمعاً متعدداً ومتنوعاً ومتقبلاً لكل هذه الأديان. لماذا لم يتقبل الدين الجديد؟ لأن الدين الجديد ليس مجرد معبود جديد يضاف إلى الأصنام الموجودة، وإنما هو نظام جديد، بل هو نظام ينسف النظام الجاهلي الموجود، لا إله إلا الله. تمام، ولذلك تمرون في السيرة النبوية فتقرؤون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قومه قريباً منه لا ينكرون عليه حتى عاب آلهتهم وسفّه أحلامهم، يعني أنت عندك إله سميته أو سميت الله تعبده في بيتك، ستنشئ لنفسك مسجداً أو معبداً، أنت حر، لكن أن يتدخل هذا الله في حياتنا هذا هو المحظور. تمام، وتجدون ذلك في قول الله تعالى في قصة نبي الله شعيب: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. أنت دينك ده كده إيه، بيتدخل في حياتنا وفي اقتصادنا وأن نفعل في أموالنا ما نشاء. طيب، فهذا هو السر الأول في أن الجاهلية لم تقبل الإسلام، لأن الإسلام لم يكن مجرد معبود جديد يضاف إلى سلسلة المعبودات. المقبول بها المشركون أنفسهم لم يكن لديهم مانع من الاعتراف بوجود إله، وأن يكون هذا الإله هو الذي خلق السماوات والأرض وخلق الناس. طيب أين الأزمة؟ أن هذا الإله يريدنا أن نؤمن باليوم الآخر، اليوم الآخر ما معنى اليوم الآخر؟ أن هذا الإله له تكاليف، له أوامر، له نواهي، وسيحاسب عليها في اليوم الآخر. يعني وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، ليست لديهم مشكلة، لكن أن يكون لهذا الإله أوامر ونواهي وتكاليف يحاسب عليها يوم القيامة هذا ما لم يقبلوه. وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. تمام، فمسألة الإيمان باليوم الآخر كانت مسألة مرفوضة تماماً؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي سيجعل لهذا الإله وجوداً وتدخلاً وقرارات في الدنيا، وهذه يا جماعة الخير هي معركة الإسلام مع الباطل في الدنيا. تدرون لو الإسلام انتزعنا منه اليوم الآخر لم يعاده أحد أو لم يهتم أحد بأن يعاديه.

فأهم ما يجب أن نتذكره أن الإسلام لم يكن مجرد دين جديد بمعنى أنه طقوس وشعائر، وإنما كان نظاماً جديداً يدخل إلى حياة الناس.

طيب الأمر الثاني الذي نريد أن نتذكره معاً هو خريطة السيرة النبوية، بحيث أيضاً لا ننسى ونذكر من كان قد نسي. ذكرنا أن السيرة النبوية يقسمها العلماء إلى فترتين، وبعضهم يقسمها إلى ثلاث فترات. من يقسمها إلى ثلاث فترات يبدأ من المولد إلى البعثة، وهذه كم سنة؟ 40 سنة. ممتاز، الفترة الثانية هي فترة المرحلة المكية، كم سنة؟ 13 سنة. الفترة الثالثة هي الفترة المدنية وهي عشر سنوات. وذكرنا ملحوظة ينبغي ألا تغيب عن أذهانكم، أنك لو فتحت أي كتاب في السيرة النبوية ستجد أن حجم العشر سنوات أكبر من حجم الـ 13 سنة، وحجم الـ 13 سنة أكبر من حجم الـ 40 سنة؛ لأنه الحياة تبدأ في الحركة والفاعلية والإنتاج حين تتأسس الدولة. أي كتاب في السيرة النبوية ستجد أن العشر سنوات هي أغزر أحداثاً مما قبلها.

طيب، ذكرنا أنه لكي نسهل على أنفسنا أيضاً حفظ السيرة وفهم السيرة، فإن المرحلة المكية يمكن أن نسميها مرحلة الفكرة، مرحلة الدعوة، مرحلة الرسالة. المرحلة المدنية نسميها مرحلة الدولة، مرحلة النظام، مرحلة السلطان. الفترة المكية لكي نفهمها أيضاً يمكن أن نقسمها إلى فترات أصغر من هذا، ذكرنا ذلك في المجلس العاشر، ذكرنا من السنة الأولى أو من البداية إلى السنة الثالثة للبعثة هذه تسمى الدعوة الخاصة، الدعوة الخاصة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقي فيها شخصيات معينة، النبي يرى أن هذه الشخصيات يمكن أن تكون أعمدة الإسلام، فريق العمل، المؤسسين الأوائل، وبالفعل هؤلاء السابقون الأولون إلى الإسلام هم أفضل الناس في الإسلام. هذه الدعوة الخاصة استمرت من البداية إلى السنة الثالثة للبعثة. ثم نزل الإذن أو الأمر بإعلان الدعوة في قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وفي قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وهنا بقي معنا في الفترة المكية عشر سنوات، من ثلاثة للبعثة إلى 13. ذكرنا أنه من سنة ثلاثة إلى سنة ستة يمكن أن نسميها فترة الاستضعاف الظاهر، الاستضعاف الشديد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد ما أعلن الدعوة بدأت مرحلة المواجهة ومرحلة التعذيب ومرحلة التنكيل ومرحلة الإذلال. متى انتهت هذه المرحلة؟ عند العام السادس انتهت بإسلام رجلين قويين كبيرين هما سيدنا حمزة وسيدنا عمر بن الخطاب. وذكرنا أن سيدنا عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أذلة حتى أسلم عمر، فكان إسلامه فتحاً. يعني المسلمون عند السنة السادسة للبعثة بدأت تدخل فيهم شخصيات عزيزة من المجتمع الجاهلي.

طيب من سنة سبعة إلى سنة عشر للبعثة هذه سنوات الحصار الكبير، أراد المشركون أن يغتالوا النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم وأدخل النبي في شعب بني هاشم، يعني في الحارة أو في المنطقة أو في منطقة النفوذ بالمصطلح المعاصر، وأقام عليه حرساً حتى لا تصل إليه قريش. قريش رأت أنهم انحازوا فكتبوا صحيفة قالوا فيها إنه انقطعت، يعني أعلنوا حصاراً أو مقاطعة، ألا يبيعوا من بني هاشم ولا يبتاعوا منهم، ولا ينكحوا ولا ينكحوا منهم، ولا يجالسوهم ولا يكلموهم. كانت هذه الحصار فترة صعبة جداً، استمرت ثلاث سنوات من سبعة إلى عشر حتى أكل المسلمون أوراق الشجر ومعهم من انحاز إليهم من بني هاشم من المشركين. من عشر إلى 13 هذه سميناها فترة البحث عن أرض للدولة؛ لأنه خلاص كان أهل مكة قد فقد فيهم الأمل من أن يسلموا، فلذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في البحث عن أرض أخرى وعن قوم آخرين تكون أرضهم أرضاً للدولة، ويكونون هم أنصاراً وشوكة وعصبة للدولة، حتى أعزه الله بالأنصار وهاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في سنة 13 من البعثة التي كانت هي السنة الأولى من الهجرة. كذا الفترة المكية واضحة أو المفترض أن نكون ذكرناها معاً.

طيب، الفترة المدنية ذكرنا أنها عشر سنوات، ولكي نفهم أيضاً طبيعة مراحل الفترة المدنية يمكن أن نقسمها إلى الآتي: أول سنتين كانت تمهيداً وتمكيناً وإعداداً في الداخل، هذه الفترة تنتهي بغزوة بدر. غزوة بدر كانت غزوة فارقة؛ لأن غزوة بدر هذه كانت الحرب التي ولدت فيها قوة الدولة الإسلامية، تحول فيها المسلمون من الجماعة اللاجئة، الجماعة المطاردة، الجماعة الضعيفة، إلى أن صاروا قوة تملك أن تحارب وأن تنتصر. بزوغ القوة الإسلامية كان في غزوة بدر.

طيب، ثم من اثنين إلى خمسة، من سنة اثنين للهجرة إلى خمسة للهجرة، هذه نستطيع أن نسميها سنوات بناء القوة الإقليمية، القوة في المنطقة التي أنت فيها. طيب، اشمعنى سنة خمسة؟ سنة خمسة كانت غزوة الأحزاب، غزوة الخندق. غزوة الأحزاب هذه كانت أخطر لحظة تمر على الدولة الإسلامية على الإطلاق؛ لأن الدولة الإسلامية في ذلك الوقت عانت من حلف الأحزاب عليها، يعني بالمصطلح المعاصر عانت من تحالف دولي، عانت من حرب عالمية. جمع المشركون في هذه الغزوة ما لم يتسنَّ لهم أن يجمعوه لا قبل ولا بعد، فلما عجز الحلف الدولي عن إزالة الدولة الإسلامية هنا ظهر واضحاً أن هذه الدولة صارت غير قابلة للكسر، غير قابلة للإنهاء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن نغزوهم ولا يغزونا؛ لأن طبيعة الدول، طبيعة عالم السياسة، عالم السياسة ليس فيه فراغ، الدولة التي تأمن على نفسها تبدأ في التمدد، الدولة التي لا تستطيع التمدد تبدأ في الانكماش، هذا هو العالم. فلذلك بشر النبي صلى الله عليه وسلم بعد نهاية هذه الغزوة بأنه لن تغزى المدينة مرة أخرى، الآن نغزوهم ولا يغزونا.

طيب ثم تأتي بعد ذلك المرحلة المتوقعة أيضاً في عالم السياسة، طالما أنك لم تكسر ولم يقدر الأعداء على كسرك، تبدأ تدخل في مرحلة الاعتراف السياسي، وهذا الذي كان في صلح الحديبية. صلح الحديبية حين وقعت مكة عاصمة العرب، القوة الإقليمية الكبرى، معاهدة مع الدولة الإسلامية، هذا فيه نوع من الاعتراف السياسي بالمصطلح المعاصر، الآن بيسموها اعتراف الأمم المتحدة، وقت ما تبقى دولة معترف بها تبقى دولة مستقلة ذات سيادة، بمعنى تعرف تطلع جوازات سفر، المواطن الذي عندك يعترف به، يستطيع أن يتنقل وأن يتعلم وأن يعالج، هذه المنطقة تسمى دولة مستقلة ذات سيادة، وهذا أمر مهم ليس أمراً سهلاً، ولذلك سمى القرآن الكريم هذا الصلح بالفتح المبين: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، نزلت في صلح الحديبية، مع أنه مجرد اتفاق، بل والنظرة السريعة للاتفاق تقول إنه اتفاق مهين للمسلمين.

ثم تبدأ بعد ذلك الدعوة العالمية والدخول في القوة العالمية، وهذا علامته الكبرى في فتح مكة الذي كان في العام الثامن من الهجرة، وبعده دخل الناس في دين الله أفواجاً. فهذه خريطة أرجو من يحفظها ومن يفهمها ستتضح له معالم السيرة النبوية، وسيفهم أموراً قد تشكل عليه إذا لم يفهم هذه المراحل. يعني سيفهم لماذا النبي صلى الله عليه وسلم قتل له 70 صحابياً فلم يتحرك في سنة من السنوات، ثم قتل له صحابي واحد فجيّش له جيشاً. متى كان هذا ومتى كان هذا؟ لا يتبين لك هذا إلا حين تفهم هذه الخريطة وتفهم هذه المراحل. متى كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحارب إلا مكة ومتى بدأ يحارب غير مكة؟ لا تفهم هذا أيضاً إلا حين تتضح لك هذه المعالم. فهذه خريطة تسهل حفظ السيرة، نعيد تذكير أنفسنا بها قبل أن نواصل الكلام.

الأمر الرابع والأخير الذي أريد التذكير به لكي يتصل ما انقطع هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وخطته في الدعوة، وهذه تكلمنا عنها في المجلس الماضي، وذكرنا كالاتي: أنه من طبيعة الناس، من طبيعة الاجتماع، من طبيعة الدول، من طبيعة الشعوب أنها تبع لقادتها، لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا. ولذلك فإذا تتبعنا خطوات النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه يقصد القادة المتبوعين، فأمضى أغلب الفترة المكية في محاولة هداية زعماء مكة للإسلام؛ لأن زعماء مكة إذا أسلموا تبعهم أهل مكة، وأهل مكة إذا أسلموا تبعهم العرب، فالطريق الأقصر، الأخصر، الأسهل هو أن يؤمن أهل مكة، وبذل في ذلك جهداً سماه القرآن الكريم قتلاً، فقال تبارك وتعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا. هذا قضى فيه النبي عشر سنوات، يعني أغلب الفترة المكية.

طيب لما بدا أن زعماء قريش قد تشربوا الكفر وأنهم لن يؤمنوا، بدأ النبي في البحث عن الخطوة التالية، بدأ في نسميها مثلاً البند الثاني من جدول الأعمال، وهو أنه ذهب إلى الطائف، الطائف هذه هي العاصمة الثانية من عواصم العرب، ولذلك كان بين أهل مكة والطائف نوع من المنافسة على الزعامة، وسنرى فيما بعد لما فتحت مكة رفعت الطائف لواء الكفر. فذهب النبي إلى الطائف، ولما ذهب إلى الطائف أيضاً لم يذهب إلى عموم الناس، وإنما ذهب إلى القادة الثلاثة الذين يحكمون الطائف، فلما ردوه رداً قبيحاً وسلطوا عليه سفهاءهم، لم يقضِ النبي الوقت في دعوة عموم الناس وعامة الناس، وإنما رجع وعاد إلى مكة مرة أخرى، وبدأ يعرض نفسه على القبائل، ويعرض نفسه على القبائل يعني يعرض نفسه على سراة هذه القبائل، وجهاء هذه القبائل، زعماء أعيان هذه القبائل. حتى أعزه الله بالأنصار، فأرسل، توثق من إيمانهم، ثم أرسل معهم مصعب بن عمير، مصعب بن عمير كان السبب في إسلام زعيم الأنصار سيدنا سعد بن معاذ وأسيد بن حضير.

حضير، وعندئذٍ هاجر النبي إلى المدينة. يبقى خطة النبي في الدعوة هو أن تقصد زعماء القوى الطبيعية الموجودة في هذا المحيط أو في هذه البيئة، ولما أسلم الأنصار بإسلام زعيمهم تحول إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، لما أسلم الأنصار وصارت دولة الإسلام في المدينة، المعركة الأساسية التي خاضها النبي هي معركته مع مكة؛ لأن مكة هي زعيمة العرب، عاصمة العرب، فسنجد أنه كل معارك النبي صلى الله عليه وسلم كانت مع مكة، إلا أن يضطر النبي، يعني إلا أن تأتي قبيلة أخرى تهاجم؛ لكن النبي كان لم يفتح على نفسه أي جبهة إلا جبهة مكة، حتى إذا وصل إلى اتفاقية صلح الحديبية مع مكة عندئذٍ بدأ في الانتباه إلى الأعداء الآخرين، وأنت بعد صلح الحديبية ستجد النبي قد فتح خيبر مع أنه لم يحاول أبداً أن يفتح خيبر ولو أنها كانت مركز مؤامرات، وبعد صلح الحديبية بدأ النبي في مراسلة الملوك، وأرسل رسائله إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وأمراء اليمن وعمان والبحرين، تمام، حتى فتحت مكة فبدأ النبي في الانتباه إلى الروم. تمام، فهذه يعني مختصر خطة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة.

تمام، هذه أربعة أمور أحببت أن أذكر بها قبل أن نستأنف، كنا توقفنا في المجلس الماضي عند ذكرت لكم أن أي مجتمع إذا ظهرت فيه دعوة جديدة فهذه الدعوة الجديدة تكون الاختبار العملي للقوانين المهيمنة على هذا المجتمع، فإما أن القوانين تكون قادرة على امتصاص هذه الأحداث أو هذه الدعوات أو هذه التمردات، وإما أن يحاول أهلها تغييرها. تمام، فأول ما وقف عائقاً أمام قريش في إخماد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي كان في حماية بني هاشم، النبي كان في حماية بني هاشم، وذكرنا قبل ذلك أن هناك حكمتين كبيرتين من أجلهما يرسل الله الأنبياء في أشراف أقوامهم، حديث هرقل عند البخاري وكذلك "الأنبياء تبعث في أشراف أقوامها" أو "تبعث في نسب قومها" في لفظ مسلم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فما بعث الله نبياً إلا في ثروة من قومه".

الحكمتين ما هما؟ الحكمة الأولى أن هذا يسهل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الإنسان حين يكون ذا مكانة في قومه بخلاف ما لو كان مصدراً محتقراً ممتهناً، أي فكرة لو خرجت من شريف القوم من عظيم القوم، ولذلك مثلاً الجماعة بتوع الإعلانات اللي بيعلنوا عن المياه ولا عن شوكولاتة ولا عن أي حاجة، بيجيب مين؟ بيجيب الممثل المحبوب ولاعب الكرة المحبوب، تمام، مش هيجيب مني أنا مثلاً؛ لماذا؟ لأنه هذا متبوع، هذا محبوب، هذا ذو مكانة، فلذلك الدعوة لا بد أن ينطق بها من كان ذا مكانة في قومه، فالحكمة الأولى أن هذا يسهل الاتباع، الحكمة الثانية أن هذا يوفر الحماية للداعي حتى تشتد دعوته، ولذلك كان الأنبياء كما تقرأون في قول الله تعالى: "قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ"، فسيدنا شعيب كان في حماية من؟ في حماية رهطه قومه. تمام، طيب، واطرد هذا في قول الأنبياء، ولذلك تجدون أن قريشاً كثيراً ما بذلت مجهوداً مع أبي طالب لكي إما أن يتولى هو إسكات ابن أخيه أو يسلمهم ابن أخيه؛ لماذا؟ لأنه محاولة الاعتداء على ابن أخيه هذا قد تثير حرباً أهلية، فلذلك ظلوا يتجنبون الحرب الأهلية هذه عشر سنوات، وحتى الحل الذي وجدوه في النهاية هو الحل الذي يتجنبون به الحرب الأهلية أيضاً، الحل الأخير اللي هو إيه؟ اللي هو نأخذ من كل قبيلة رجلاً فيضربون ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل؛ يعني كل قبيلة يكون لها نصيب من قتله فلا يستطيع بنو عبد مناف أن يقاتلوا قريشاً كلها، فيقبل بالعقل أو بالدية. تمام، يعني انتبه إلى طبيعة موازين القوة التي منعتهم من اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم.

ماشي، هنا لذلك سنجد أنه قريش أهلكت نفسها في كل المحاولات التي لا تصل إلى إنشاب قتال، فذكرنا أنهم كانوا فعلوا كل محاولات التشويه للنبي صلى الله عليه وسلم، كل محاولات مضايقته، إذا مروا بهم يتغامزون، "وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ"، يكلمون أبا طالب، يسخرون من النبي، وقالوا: "لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ"، وتحول الصادق الأمين إلى كذاب، كاهن، ساحر، شاعر، مجنون. تمام، هو ينفع يبقى صادق أمين طول ما هو مواطن صالح لا يخرج على القانون القرشي، لا، ما بقاش مواطن صالح وبقى عنده رأي في القانون والدستور فيبقى إيه؟ دعوة لتخريب السلم الاجتماعي وبناء جماعة محظورة وسلسلة الاتهامات المحفوظة.

وذكرنا أنه لما وجدت قريش أن خطابهم الإعلامي فيه قدر من الارتباك، احنا قلنا إن قريشاً حتى أرسلت رجلاً منهم اللي هو النضر بن الحارث علشان ياخد دورات مكثفة عند فارس، يعني واحد بمحاكاتنا المعاصرة راح هوليوود يدرس كيف تكون الأفلام علشان يرجع يصرف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففعلاً النضر بن الحارث ده راح إلى فارس، تعلم أحاديث رستم وأسفنديار، وجاء إلى مكة، فكان لا يجد جمعاً جلس إليهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا جلس إليهم بعده، فيحدث بأحاديث رستم وأسفنديار ويقول لهم: أحاديثي خير أم محمد؟ وبعد شوية كمان اشترى جارية علشان ما يبقاش المسألة مسألة تأثير عقلي فقط، يبقى فيها تأثير نفسي ووجداني وشهواني، فصار لا يسمع بأحد يميل إلى قول محمد حتى يرسل إليه الجارية لكي تدعوه إلى حفلة خاصة، كده، فاحنا كان عندنا خطاب إعلامي، وهناك مبعوثين خاصين ومسرح أُنشئ لدفع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

لما شعرت قريش بأن خطابها الإعلامي فيه ارتباك وقد اقترب الموسم، موسم الحج، وضعوا الخطة التي ذكرناها وهي خطة أنه يا جماعة اتفقوا على قول تقولونه في هذا الرجل كي لا تختلف أقوالكم عند العرب، وأنت دلوقتي هذا العربي الذي قدم إلى الحج، لو سمع من الأول أن فلاناً كاهن، ساحر، شاعر، مجنون، هيعمل إيه؟ هيبقى عايز يشوف بنفسه، كاهن ولا ساحر ولا شاعر ولا مجنون مين فيهم؟ فعقدوا المجلس الذي تحدثنا عنه في المرة الماضية، وقال الوليد بن المغيرة: إن أقرب الأقوال فيه أن تقولوا هو ساحر، جاء بقول هو السحر يفرق به بين المرء وزوجه، والمرء وولده، والمرء وأبيه، وبالفعل اعتمدوا هذا القول، وخرجوا إلى الناس في الموسم، وكان كمان في مهمة خاصة تولاها أبو لهب، أبو لهب هذا بالنسبة للنبي من عمه، وأكثر من ذلك أن ولدي أبي لهب كانا قد تزوجا، عقد لم يدخلا على بنتي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني العلاقة قريبة للغاية، فما كان النبي يمر على قوم إلا وكان هو وراءه يقول: لا تصدقوه، إنه كذاب، لا يفتنكم هذا عن دينكم، فكانوا يقولون: عمه أعلم به، وهنا برضو تجد الجاهلية كيف توظف المواهب، تمام، وهذا مضطر يعني اللي متابع فيكم ومن يركز سيجد أنه لو خرج أي إنسان بدعوة أو صار متمرداً على القانون وعلى الدستور، فالإعلام أول من يحتفي به أحد أقربائه، يأتي بأبيه، يأتي بأخيه، يأتي بطليقته، لأنه كلام القريب مصدق.

تمام، طيب، هذه الحملة التي شنتها قريش طبعاً ذكرت أنه نزل في الوليد بن المغيرة قول الله تعالى: "ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ". هذه الحملة نجحت في أشياء وأخفقت في أشياء، الأشياء التي نجحت فيها الحملة أنها شوهت صورة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كانت المرأة في الصحراء إذا مر بها أحد تقول له: احذر فتى قريش، المرأة في الصحراء يعني إيه؟ تشبه مثلاً في واقعنا المعاصر، طبعاً الإخوة المصريين ربما يفهموننا، توفيق عكاشة، توفيق عكاشة ده كان إيه؟ كان ماسك الطبقة الشعبية عندنا في مصر، فكنت تجد توفيق عكاشة موجوداً على المقاهي في القرية التي في أدغال الصعيد أو في أطراف البلد، ومهما قال سفهاً ففي الناس من يصدقه، ففعلاً كانت المرأة في الصحراء إذا مر بها الراكب عرفت أنه يريد مكة تقول له: احذر فتى قريش، لا يفتنك عن دينك.

لكن أهم ما أخفقت فيه هذه الحملة أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ديار العرب، فبقى كل الذين قصدوا مكة أو مروا بها أو طافوا حولها صار عندهم ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الذكر جاء للنبي صلى الله عليه وسلم بعناصر أو بكوادر أو بشخصيات ما كان للنبي أن يصل إليها بنفسه في هذه المرحلة، منها مثلاً سيدنا ضماد الأزدي، سنجد مجموعة من الناس، وهنا أيضاً انتبهوا إلى التفكير الاستراتيجي عند النبي صلى الله عليه وسلم، كل الذين أسلموا من خارج مكة النبي صلى الله عليه وسلم أرجعهم إلى أقوامهم، لم يرض أن يبقوا معه في مكة، بل ولم يشجعهم على إعلان إسلامهم في مكة، فلذلك سنجد خمس شخصيات على الأقل مشهورة في السيرة النبوية جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كلمته، أسلمت، وعادت إلى قومها تدعو في قومها، وتنتظر بناء الدولة الإسلامية أو إعلان الدولة الإسلامية، فلحقوا بالنبي بعد الهجرة إلى المدينة.

فمنهم من هذه الشخصيات سيدنا ضماد الأزدي، قال، يعني هو رجل سمع بأن في قريش فتى مجنوناً يقول، وكنت أعالج أرقي من هذه الريح، يعني من هذا الجنون، فذهبت إليه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: يا ابن أخي، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ"، قال: أعد أعد علي ما قلت، فقالها النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ"، قال: أعد مرة ثالثة، فأعادها عليه النبي، فقال: قد سمعت قول السحرة وقول الشعراء وقول الكهان، فما هذا بقوله، طبعاً الكلمات هذه يا جماعة الخير تعبر على أذهاننا الآن ونحن لا تؤثر فينا شيئاً، نحن تكلمنا في مجلس أن العرب كانوا أصحاب ذائقة لغوية عالية جداً، والنبي جاءهم بقول لا يملكون معه إلا أن يخضعوا ويسلموا، ولذلك "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ"، لأنه الوليد بن المغيرة يقول أقرب القول أن تقولوا ساحر جاء بقول هو السحر يفرق به بين المرء وزوجه، مستوى عالٍ جداً من البلاغة ومن المعاني الراقية التي لم يملك العربي نفسه أمامها، يعني النبي قال "أما بعد" وما احتاج إلى "أما بعد"، فبايعه على الإسلام.

طيب، من هؤلاء أيضاً صحابي آخر اسمه عمرو بن عبسة السلمي، وسيدنا عمرو بن عبسة هذا أيضاً يشبه قصة سيدنا ضماد. طيب، حديث ضماد في صحيح مسلم، وحديث عمرو بن عبسة أيضاً في صحيح مسلم، لكن حديث عمرو بن عبسة يقول إيه؟ هذا رجل كان من الأحناف كالذين ذكرنا أنهم كانوا في مكة، فكان يقول، ذكرنا أنه في مسلم عن ابن عباس كان يقول: كنت أرى الناس في الجاهلية على ضلالة حتى سمعت بهذا الرجل في مكة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: من أنت؟ هو طبعاً يعني لما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذهبت إليه مستخفياً، وكان النبي جريئاً عليه قومه، حتى دخلت عليه فقلت: من أنت؟ قال: أنا رسول، قلت: وما رسول؟ قال: أرسلني الله، قلت: وبما أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك معه شيء، فقال سيدنا عمرو: قال فإني متبعك، فابسط يدك أبايعك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال يعني أنه لا يسعك الآن أن تبقى معي ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن عد إلى قومك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، وقد كان بقية الحديث أن عمرو بن عبسة جاء إلى النبي في المدينة وتعلم منه أحكام الإسلام.

هنا وقفة يا جماعة الخير، صلوا على النبي، وهي وقفة مؤثرة في فهم السيرة وفي فهم الدين وفي فهم حياتنا الواقعية، النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له وبما أرسلك، انتبهوا إلى قوله: "أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يعبد يوحد الله لا يشرك معه شيء"، الوقفة الأولى هنا هو قوله: "وكسر الأوثان" مع أن النبي في ذلك الوقت لا هو كسر وثناً ولا هو حتى في المدى القريب سيكسر وثناً، صح؟ يجب أن نفرق بين النطق بالحق وبين القدرة على تطبيق وتنفيذ وتحقيق هذا الحق، كون أنه نحن في لحظة من اللحظات عاجزين عن إنفاذ الحق، هذا لا يعني كتم الحق، الشيخ الطريفي فك الله أسره كانت له كلمة جميلة جداً يقول: يجب على الدعاة إلى الله وعلى أهل العلم أن ينطقوا بالحق.

ويتكلموا به حتى وإن لم يعمل به، حتى لا يندرس الحق، فيأتي قوم يقولون ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. فإظهار الحق ضروري حتى مع العجز عن تنفيذه، تمام؟ ولذلك النبي وهو جريء عليه قومه وهو مستخف بالدين ذكر أن مما أرسل به كسر الأوثان. المسألة الثانية المهمة هو قوله صلى الله عليه وسلم: أرسلني بصلة الأرحام. هذه خطيرة يا جماعة، هذه خطيرة. شوف سيدنا لوط لما ذهب إلى قومه أنبهم بالتوحيد، بأن يعبدوا الله، صح، ولكنه في صلب التوحيد والعقيدة والرسالة معالجة الفاحشة التي هم عليها؛ يعني الأنبياء لم يأتوا للناس بمبادئ نظرية، لم يأتوا إلى الناس بصراعات حول العقيدة التي هو يعني يعني صراعات في علم الكلام، صراعات في التفاصيل، صراعات ما وراء الطبيعة؛ الأنبياء جاؤوا إلى الناس بما يصلحهم في أحوالهم. سيدنا شعيب صحيح جاء بالتوحيد، صحيح ولكنه جاء معه بالإصلاح في كارثة قومه وهي التطفيف في الميزان وبخس أموال الناس.

طيب سنرى بعد قليل إن شاء الله حين نأتي إلى الهجرة لما النجاشي سأل جعفر بن أبي طالب: ما هذا الدين الذي فارقتم به دين قومكم ولم تدخلوا به في ديني؟ سيدنا جعفر ماذا قال؟ قال: يا أيها الملك لقد كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأوثان، صح، سكت، قال له نعبد الأوثان، فجاءنا رسول فأمر بالتوحيد، وبس قال نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار ويأكل القوي فينا الضعيف، هذه المشاكل العملية، المشاكل التي في حياة الناس، حتى جاءنا نبي من أنفسنا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فأمر بأن نوحد الله، وأمرنا بصلة الأرحام وحسن الجوار، وذكر له شرائع الإسلام. أي داعية، يعني أي منسوب إلى الدعوة، أي منسوب إلى أهل العلم يهلك الناس في القضايا النظرية، القضايا الكلامية، هذا في حقيقته مفسد ليس مصلحاً، هذا في حقيقته مفسد ليس مصلحاً. يعني من الخيانة طبعاً ينسب إلى العز بن عبد السلام رحمه الله أنه قال: من كان في قوم أو في أرض فشى فيها الربا فحدثهم عن حرمة الزنا فقد خان الله ورسوله، لأن القوم الأرض التي فشى فيها الربا تحتاج إلى إصلاح هذا هذا المنكر الذي فشى فيها. فأنت الآن في عالمنا المعاصر، في عالمنا الواقع، العالم المليء بأنواع الشهوات والشبهات والمظالم والمآسي والمخازن، وتجد رجلاً يجلس مجلس أهل العلم كل ما يتكلم فيه هو قضايا نظرية أو قضايا ماتت منذ قرون أو قضايا لا يفهمها عموم الناس، هذا مفسد ليس مصلحاً، هذا ليس مبلغاً عن الله تبارك وتعالى.

في يعني يجب أن نفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني الآن النبي على ما كان يبايع الناس؟ من كان يدخل الإسلام على ما كان يبايع الناس؟ اللي هي بيعة الإسلام، إيه البيعة التي وردت في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ. هذه البيعة التي تسمى بيعة النساء هي بيعة الإسلام. سنأتي إن شاء الله إلى التفريق، لكن اعرفوا واعلموا أن الإسلام بيعتان: بيعة الإسلام، وبيعة النصرة. بيعة الإسلام التي يدخل بها المرء في الإسلام، بيعة النصرة التي بايعها الأنصار على أن يحموا رسول الله، اللي هي السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى أن نحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نحمي منه آباءنا وأهلنا. يا كل من يدخل الإسلام يا جماعة كان يبايع النبي على إيه؟ على ألا يسرق ولا يزني وأن لا يقتل ولده ولا يأتي ببهتان. فلم تكن بيعة الإسلام بيعة نظرية، مجرد فكرة محلقة في الهواء ليس لها آثار عملية. واضح هذا أمر في غاية الأهمية. كل من جلس مجلساً، مجلس علم أو مجلساً يدعو فيه إلى الله تبارك وتعالى لم يحاول إصلاح حياة الناس بل سحب الناس إلى معارك نظرية ومعارك قديمة ومعارك مات أصحابها ومعارك لا يفهمها الناس، هذا مفسد ليس بمصلح، هذا هارب من مشكلات الناس، أرجو أن يكون هذا واضحاً؛ لأنه أمر تستطيعون حتى أن تقيسوا به عموم المنتسبين إلى الدعوة وعموم المنتسبين إلى العلم.

طيب، من أشهر من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً سيدنا أبو ذر الغفاري، سيدنا أبو ذر الغفاري قصة إسلامه مشهورة، لأنه سيدنا أبو ذر كان رجلاً من الفدائيين، سيدنا أبو ذر وكان رجلاً من قبيلة يعني كان أغلبهم يعملون في قطع الطريق، لم يكن مأمولاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يصل إليه من تلقاء نفسه، قبيلة غفار. ولكنه لما تناهى إليه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أخاه أولاً لكي يأتي إليه بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب أخوه استطلع الأحوال في مكة، حصل على المعلومات وعاد بها إلى أبي ذر في قبيلته غفار. سيدنا أبو ذر قال له يعني لم تشفني، التقرير الذي وصل إليه لم يكن إيه تقريراً شافياً كافياً، فركب ناقته وذهب إلى مكة بنفسه. طبعاً الآن النبي في التخفي، إحنا الآن في فترة الاستضعاف الظاهر. فماذا يفعل؟ ظل يطوف حول البيت ويبيت في ظل الكعبة، يطوف يشرب من زمزم يبيت في ظل الكعبة، فانتبه إليه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. سيدنا علي بدأ يستفسر، يعني يقول كان الرجل لم يقض طلبته، يعني يعني الرجل لم يحقق غرضه، الرجل لم يصل إلى ما يريد، فقال: نعم. طيب ماذا تريد؟ قال: إن كتمتني أخبرتك. قال: أفعل. قال: أريد هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي. وهنا تجد أن سيدنا علي رضي الله عنه يعني فترة التخفي هذه في السيرة كثير من الإشارات العابرة التي تدل على أن الصحابة كان لديهم هذا الحس الأمني، تمام؟ فسيدنا علي رضي الله عنه قال: إذا جن الليل أتيتك، فقم فاتبعني، فإذا رابني أمر قمت كأني أريق الماء أو قمت كأني أصلح نعلي؛ يعني هيعمل حركة معينة كده تقول له إيه إن فيه تتبع في مراقبة في مخبر، تمام؟ ففعل، فتبعه أبو ذر رضي الله عنه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم. طيب دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا ما إن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً فيه نوع من الاستعداد العقلي والاستعداد النفسي والقلبي إلا ويسلم. طبعاً سيدنا أبو ذر، أنت متخيل واحد جاء من قبيلة غفار في مشارف الشام ووجد طلبته، يعني وجد أحلامه. فأبو ذر رضي الله عنه ما هو إلا أن أسلم حتى عزم على أن يعلن إسلامه في جوف الكعبة، يعني رايح قدام إيه قصر الرئاسة أو مقر الأمن الوطني، يعني المهم رايح عند مبنى الإذاعة والتلفزيون، المهم أكتر حتة ينفع إيه نغيظ فيها المشركين أو نحقق فيها الغرض الإعلاني، وذهب أبو ذر رضي الله عنه وشهد أمام قريش أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، طبعاً كما هو معتاد وكما هو متوقع أمسك به القوم فضربوه حتى أوقعوه وأوجعوه، لم ينقذه منهم إلا العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان كافراً في ذلك الوقت، وكيف خاطبهم العباس؟ خاطبهم بمصالحهم، استنوا استنوا أنتوا بتعملوا إيه؟ هذا رجل من غفار، تجارتكم تمر بهم، يعني إيه زي مصطلحين المعاصر ده واحد من اللي ماسكين باب المندب يا شيخ اللي هو إيه مش هيعدي مش هيعدي سفن ولا حاجة، فقال: هذا رجل من غفار تمر بكم، تمر بهم تجارة. قالوا: ألا ترى أنه قد صبأ؟ قال: اختار لنفسه، بس إحنا دلوقتي هندخل في مشكلة دولية والتجارة هتبقى فيها مشاكل، فكفوا عنه.

وعاد أبو ذر إلى قبيلة غفار، عاد مسلماً، طبعاً سيدنا أبو ذر من قرأ في سيرته وجد رجلاً في غاية النشاط، غاية النشاط، غاية الحماسة، حتى يروى أنه أسلم على يده نصف قبيلة غفار قبل أن يروا لا نبياً ولا أن يسمعوا قرآنا، شوف جلسة واحدة مع النبي امتلأ بها رضي الله عنه فعاد داعية، أسلم على يديه نصف القبيلة، داعية هائل يعني رهيب، أنت متصور، لكن جلسة واحدة رجل واحد نصف القبيلة، حتى عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى المدينة أسلم النصف الآخر من قبيلة غفار. طيب الرجل الداعية ده يجب أن نذكر شيئاً، هذا الرجل الداعية الممتلئ حماسة النبي صلى الله عليه وسلم لم يوله أي عمل إداري أو سياسي، وحتى أبو ذر طلب، قال: يا يا يا رسول الله ألا تستعملني؟ تستعملني يعني تجعلني عاملاً، يعني تجعلني والياً، تجعلني ضمن جهازك الإداري. ماذا قال النبي؟ قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: يا أبا ذر إني أوصيك لا تولين على اثنين، لو فيه اتنين ما تبقاش أنت إيه رئيسهم، لا تولين على اثنين، ولا تقومن على مال يتيم، وكمان ما تبقاش مدير مالي. هذا من حسن توظيف المواهب، مش كل داعية متحمس، مش كل واحد يعرف يقول كلمتين، مش كل واحد جلس هذا المجلس يستطيع أن يفعل بقية الأمور التي تتمناها أو التي تتصورها. يعني سيدنا بلال بن رباح وسنأتي، بلال بن رباح شوف أسطورة التحمل، أسطورة تحمل العذاب، سيدنا بلال بن رباح النبي لم يوله شيئاً. طيب سنجد بعد ذلك أناساً كان لهم تاريخ في الكفر وعداوة الإسلام بمجرد أن أسلموا بعد شهور ولاهم النبي قيادة جيوش، والجيوش فيها السابقون الأولون من المسلمين. سيدنا أبو ذر كان متميزاً بهذه الحماسة، هذه القوة، هذه الحرارة، ونستطيع أن نقول بس بالمعنى الإيجابي هذا الاندفاع، هذه الهمة. هذا الكلام يا جماعة الخير ينفع في الدعوة، لكن ما ينفعش في إدارة شأن الناس؛ إدارة شأن الناس تحتاج الشخصية ذات الأعصاب الهادئة، وذات الذكاء والراية، والشخصية التي تستطيع أن تختبر النفوس وأن تدخل إليها من مداخلها. يعني ليس كل من قدم في الإسلام قدم صدق صلح لأن يتولى كل شأن أو كل أمر؛ أمور يجب أن نتأمل نتعلمها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

تمام، وكذلك ممن أسلم من خارج مكة سيدنا الحصين والد عمران، وهذا رجل كان حكيماً في قومه وكان كبيراً في قومه، وأسلم ولده قبله، ولقد كانت من حكمته ومن مكانته في قومه أن رجت قريش أنه إذا كلم محمداً أن يعود محمد عن دينه، فواضح أنه كان إيه شخصية مهيبة وقوة ناضجة حكيمة، فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلم النبي، فدخل إليه النبي مدخلاً آخر، قال: يا حصين كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعاً، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن جاءت الضائقة فمن تدعو؟ آه قال: الذي في السماء. شوفوا أصل هو عند الأزمة عند الضائقة تختفي تختفي كل يعني كل الزخارف وكل التفاهات، وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ. الواحد لما يقع في أزمة تتبخر النظريات العلمية وتتبخر الحسابات السياسية، أنا حتى وجدت سبحان الله لذلك يقولون لا ملحدون في الخنادق، عند عند المعركة والضرب والموت ما فيش حد ملحد، لا ملحدون في الخنادق. أنا وجدت بعض من لم يكن يؤمن بدين يعني في بعض المذكرات لا داعي الآن للتفصيل، كان يعني كتب وقلت: في هذه اللحظة إذا كان هناك إله فأتمنى أن تنقذني، وهو عاش حياته لا يكترث للإله أصلاً، وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، وقال تعالى: وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جاءت الضائقة فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإن هلك المال؟ قال: الذي في السماء. فإن هلك الولد؟ قال: الذي في السماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تدعوه وحده وتشرك معه ستة؟ وكأنه هذا الرجل الناضج العاقل الحكيم لأول مرة ينتبه إلى هذا المعنى، فأسلم في جلسته مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في المجلس ولده سيدنا عمران بن الحصين، فلما رأى أباه أسلم قام إليه فقبل يديه وقدميه وثوبه وبكى، النبي صلى الله عليه وسلم قال: بكي، قال: دخلتني الرقة، وجدت عمران حين دخل عليه أبوه كافراً لم ينهض له ولم يلتفت إليه، فلما أسلم عرف حقه.

هذه بعض الشخصيات التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من خارج مكة وأسلمت، وكان هذا مما أخفقت فيه الحملة الإعلامية التي شنتها قريش في ذلك الوقت. طبعاً إحنا قلنا إنه كل هذا حصل أيام كان النبي مستخفياً وأيام كان المسلمون في الاضطهاد والعذاب. سيدنا عبد الله بن مسعود، خلاص دقيقتين، إنما تمام، طيب أنا أقول لكم الحديث بتاع سيدنا عبد الله بن مسعود نستكمل المرة القادمة إن شاء الله. سيدنا عبد الله بن مسعود كان يقول: أول من جهر بإسلامه سبعة: رسول الله، وأبو بكر، وعمار، وسمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله فمنعه الله بقومه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتوهم على ما يريدون إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في سبيل الله. هذا الحديث يحتاج إلى وقفة كبيرة، ويكون هو مدخلنا إن شاء الله للكلام عن الأذى والعذاب الذي أصاب النبي صلى الله عليه وسلم.

عليه وسلم، وأصاب صحابته من بعده، ويكون ذلك في المجلس القادم إن شاء الله. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.