بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الإخوة الأحباب، هذا هو المجلس الخامس والعشرون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وإنني لابد قبل البداية من التذكير بأنه نحن الآن في أيام مباركة، وغداً يوم عرفة، وأنتم تعرفون قول النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل الأيام يوم عرفة، وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وسلفنا الصالح من الصحابة والتابعين كانوا يجهزون لهذا اليوم طلباتهم وحاجاتهم؛ فلذلك قيل أدركت عدداً من الناس. طيب، كنا نذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بأن أفضل الأيام يوم عرفة، وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، ولذلك كان سلفنا الصالح ينتظرون هذا اليوم ويخبئون له الحاجات، ومما يروى عن بعضهم أنه كان لا يفطر عن الدعاء، يرفع يده، وروي في حال بعضهم أنه كان يرفع يده منذ بعد صلاة العصر فلا يخفضها إلا عند صلاة المغرب؛ لأن هذا أفضل الوقت في يوم عرفة.
وبعضهم روي عنه أنه كان يفعل ذلك سائر اليوم فلا يخفض يده إلا للصلاة، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يبلغنا وإياكم فضل هذا اليوم وأجر هذا اليوم، وأن يجعلنا وإياكم فيه من المقبولين. ولا تنسوا من دعائكم إخوانكم المسلمين، إخوانكم المسلمين في غزة وفي السودان وفي غيرها من الديار، في طاجيكستان وفي ميانمار وفي غيرها من البلاد، فعسى الله تبارك وتعالى أن يكون أحدكم مستجاب الدعوة فيسمع الله ضراعته ويستجيب له.
طيب، نستأنف حديثنا في السيرة النبوية، والحديث وصلنا فيه إلى مرحلة الحصار. لو تذكرون معنا في خريطة السيرة النبوية، ذكرنا أنه السنوات من البداية إلى السنة الثالثة للبعثة كانت سنوات الدعوة الخاصة أو الدعوة السرية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقي الصحابة. طيب، من السنة الثالثة إلى السنة السادسة قلنا هذه فترة استضعاف ظاهر واضطهاد وتعذيب، وفي السنة السادسة حصلت نقلة للمسلمين، وهي حدثت نقلة للمسلمين بإسلام سيدنا حمزة بن عبد المطلب، ثم بإسلام سيدنا عمر بن الخطاب، وبدأت في تلك السنة المفاوضات ومحاولة مساومة النبي صلى الله عليه وسلم وعرض بعض التنازلات؛ يريدون بذلك أن يأخذوا بالسياسة ما لم يستطيعوا أن يأخذوه بالقوة والعنف. ولما أخفق هذا كله دخلنا في مرحلة الحصار.
مرحلة الحصار، كما ذكرنا، كانت نعتبرها أول مرحلة لتجاوز القانون، أول مرحلة لتجاوز القانون. ذكرنا أنه حين تظهر في مجتمع ما مشكلة للمجتمع والسلطة والنظام، يبدأ التعامل معها بالإنكار والتجاهل. طيب، إذا قويت واشتدت وصار لا يمكن تجاهلها يبدأ في استخدام الوسائل السلمية القانونية، مثل التشويه الإعلامي، السب والشتم، السخرية، وسائل سلمية قانونية. طيب، الأمر تضاعف عن ذلك وزاد، ولم يبدأ في استخدام وسائل العنف القانونية أيضاً كما ذكرنا من أنه انقلب كل قوم على من أسلم منهم، تمام، فهو تعذيب واضطهاد وفق إيه؟ وفق الدستور والقانون. طيب، لما تجاوزت الدعوة هذا الأمر هنا يبدأ النظام، تبدأ السلطة في تغيير القوانين، تمام، ولعلكم، نحن الآن طبعاً نعيش في سلسلة طوفان الأقصى، فأنتم ترون الآن كيف حتى أن بعض الدول الغربية غيرت بعض القوانين لكي تستوعب ولكي تحاول أن تمتص وأن تواجه الحركات التي لم تكن متوقعة، مثل مسألة ما حصل في أمريكا من مسألة التظاهرات في الجامعات؛ فاستخرجوا قانوناً لإعادة تعريف معاداة السامية مرة أخرى، مثل القانون الذي وافق عليه الكونجرس من فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لأنها بدأت تمس شخصيات حليفة للولايات المتحدة الأمريكية. فالخلاصة هنا أنه المجتمع، السلطة، النظام تبدأ في اختراع القوانين التي تمكنها من محاصرة ومواجهة هذه الظاهرة الجديدة.
وذكرنا، وهذا مما أحب أن لا ننساه أبداً، أنه مزية الإسلام الكبيرة أن التشريع فيه ليس للبشر، فلذلك لا يمكن أن يكون الحلال حراماً، ولا يمكن أن يكون الحرام حلالاً، وهذه هي الضمانة العظمى لعدم إيقاع الظلم؛ لأنه أصلاً اختراع القوانين ما الهدف منه؟ الهدف منه أن تتحول رغبة موجودة في ذهن الحاكم، في ذهن السلطان، في ذهن الملك إلى قانون، يعني ما كان حراماً بالأمس يجعله بتغيير القانون حلالاً، أو ما كان حلالاً بالأمس يجعله بتغيير القانون حراماً أو محظوراً، تمام. فالضمانة لذلك؛ كثير من الناس يعني فعلاً يجهل أن الإسلام هو الحل لمشاكل البشرية لأنه أهم وسائل الظلم، أهم وسائل شرعنة الظلم نزعها الإسلام من يد البشر وجعلها لله تبارك وتعالى، تمام.
فكل حركة السلاطين والحكام داخل النظام الإسلامي هي محاولة العبث في التأويل؛ لأنه ليست لديهم القدرة على اختراع تشريعات جديدة أو على تحليل الحرام أو تحريم الحلال، يحاول أن يؤول النصوص الموجودة أو أن يصطنع لنفسه طائفة من علماء السوء تشرعن له رغبته، لكن يكون هو ويكون علماؤه من المفضوحين والمنبوذين لأنهم غيروا وبدلوا في الشريعة، ويكون الناس غير مطالبين بطاعته فيها، بل يكونون مطالبين بإيه؟ بمقاومته فيها وعصيانه فيها لأنه خالف عن أمر الله: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. بخلاف الوضع الأرضي أو العلماني أو بخلاف أي منهج غير الإسلام، ما كان محظوراً بالأمس يصير قانونياً، ويكون الذي يخالفه خارجاً عن القانون وتعمل المحاكم في مطاردته وتعمل الشرطة في مطاردته، ويكون المواطن ملزماً باتباع القانون طالما صار قانوناً، تمام.
وهنا أحيل إلى مقال جميل للشيخ إبراهيم السكران فك الله أسره اسمه طاعة القوانين في النظم الديمقراطية، طاعة القوانين غير العادلة في النظم الديمقراطية، مقال طويل جميل جداً يفسر لكم كيف أن مسألة القانون هي في الحقيقة يعني طالما لا توجد مرجعية سماوية، فالقانون هو تعبيد الناس للناس، القانون هو تعبيد الناس للناس، وذكرت لكم كلمة نيتشه: القانون ما هو إلا تعبير عن رغبات الأقوياء، تمام. وكلمة الدكتور عبد الرزاق السنهوري، فقيه مصري قانوني معروف، كان يقول: القانون يحكم بين قويين أو بين ضعيفين، القانون متى يحكم؟ بين قويين أو بين ضعيفين، أما إذا حصل تفاوت في القوة فالقوة هي القانون، تمام. ولذلك يقول الشاعر: لا رأي للحق الضعيف، والراي رأي القاهر الغلابي، لا عدل إلا أن تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهاب، تمام.
الآن قريش في محاولتها دخلت الآن في مرحلة تجاوز القانون التي هي مرحلة الحصار، ما فيش في القانون المكي، القانون القرشي، ما فيش في تقاليد الآباء، ما فيش في الدستور، ما فيش في السوابق القضائية أنه قريش تعمل على إيه؟ على محاصرة بعض منها، هذا غير موجود، فلذلك احتاجوا إلى كتابة وثيقة، احتاجوا إلى كتابة وثيقة، فكتبوا وثيقة فيها أنهم لا يبتاعوا من بني هاشم ولا يبيعوهم ولا ينكحوا منهم ولا ينكحوا ولا يدخلوا بيوتهم ولا يجالسوهم، وكتبوا هذه الصحيفة وعلقوها في جوف الكعبة. هذا الإجراء بالمصطلح المعاصر يساوي استصدار القانون من البرلمان وتوقيع الرئيس وعرضه كمان على المحكمة الدستورية العليا بحيث لا يطعن عليه بعدم الدستورية، خلاص هو تم التوافق عليه وعلق فين؟ في جوف الكعبة، تمام. طيب، فإذاً نحن أمام أول خروج عن القانون في مكة، أو نستطيع أن نقول مثلاً يعني أيضاً بالمصطلح المعاصر، أول قانون لمكافحة الإرهاب في مكة، تمام.
هنا انحاز بنو هاشم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. نحن أنا ذكرت لكم في المجلس الماضي أن لدينا روايتين، الرواية الأولى تقول بأن قريشاً أرادت أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأن تغتاله، فتسرب هذا الخبر إلى أبي طالب، فجمع قومه وأدخلهم الشعب، الشعب يعني المنطقة أو الحارة، وأدخلهم الشعب لكي يكونوا حراسة للنبي صلى الله عليه وسلم. الرواية الأخرى تقول إنه لا، في لما أدخلهم، الرواية الأولى تقول إنه لما أدخلهم اهتدت أو اخترعت قريش فكرة الحصار، فمن هنا نشأ. الرواية الأخرى تقول لا، هو من البداية قريش قررت الحصار، تمام.
طيب، انحاز بنو هاشم إلى أبي طالب ودخلوا الشعب مع محمد صلى الله عليه وسلم، دخل في الشعب مسلمهم وكافرهم؛ المسلم دخل باعتباره مسلماً يحمي النبي صلى الله عليه وسلم، طيب، والكافر دخل حمية وقبلية وعصبية أن لا يوصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، هذا يجب أن نتوقف عنده لنتذكر ثلاثة أمور. الأمر الأول ذكرته وأكرره لشدة أهميته، وهو أنه ما من داعية ولا مصلح إلا وقد استفاد من قوانين الجاهلية القائمة في عصره وفي وقته وفي مكانه، حتى لو أنه لا يوافق على هذه القوانين وحتى لو أنه سيعمل على تغييرها فيما بعد، يعني هنا النبي استفاد من وجود العصبية القبلية، الحمية للعشيرة والدم والرحم، استفاد منها النبي صلى الله عليه وسلم فكان في حماية قومه، كان في حماية قومه، وذكرنا ذلك لما ناقشنا أن الأنبياء تبعث في أشراف أقوام وتبعث في أنساب أقوام، ها تمام: لولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز، وهذه الأمور. تمام، طيب هذه الوقفة الأولى التي أكررها.
الوقفة الثانية وهو أن الإسلام لم يأتِ لقطع الأرحام. الآن أنت ترى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح بدأ بالدعوة، فأول من بدأ بهم أهله وعشيرته: وأنذر عشيرتك الأقربين، وصعد على الصفا وقال يا صفية بنت عبد المطلب، وقال يا بني هاشم، وقال يا بني عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً. إذاً هو بدأ بإنذار قومه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع علاقته بقومه، لم يقطع أرحامه لأنهم كفار، لم يفاصل. أحد المشكلات الكبيرة في يعني أزماننا المعاصرة أنه الشاب أول ما يلتزم فيكون أول من يطبق عليهم المفاصلة والولاء والبراء أبوه وأمه وإخوته، أول ما يفعل، تمام غلط يا جماعة الخير، ليس من هدي الإسلام. النبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً ومحمياً ومتصلاً مع قومه المشركين الكفار، صحيح لا يساير في عملهم، لا يشاركهم في المعاصي، لا يشاركهم في عبادة الأوثان، هذا هو الذي يمكن أن تكون فيه المفاصلة، لكن أول ما الشاب يلتزم يعلن المفاصلة على أهله وبعضهم يذهب إلى تكفيرهم، هذا هذه من يعني الأمور الشديدة الموجودة، وبعدين يا جماعة صلوا على النبي، يجب أن تنتبهوا أن المسلمين ظلوا يستغفرون لأقاربهم الذين ماتوا على الشرك إلى سنة تسع للهجرة، حتى نزل قول الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وقال: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
يعني المسلمون ظلوا يستغفرون لأقاربهم المشركين ويرجون لهم رحمة الله حتى بعد أن قامت دولتهم وبعد أن انتصروا، حتى جاءهم الأمر الإلهي. وذكرنا قبل ذلك كلمة سيدنا المقداد لما قال له أحد التابعين قال: طوبى لهاتين العينين رأت رسول الله، قالت فاغضب، فعجبنا ما قال إلا خيراً، فقال: لم يتمنى أحدكم أن يشهد موقفاً غيبه الله عنه، لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل وبعث في قوم ما يرون ديناً أحسن من عبادة الأوثان، ولقد كان الرجل يعني فتح الله قفل قلبه للإيمان فأسلم، ويؤرق ويعذبه أن يرى أباه أو أخاه أو حبيبه على الشرك، وإذا مات مشركاً عرف أنه في النار. كانت محنة، بس شوف أنت سيدنا المقداد بيتكلم عن إيه؟ عن شعور المسلمين الشديد الملتاع المحزون لأن بعض أحبابهم وإخوانهم لم يهتدوا. تمام، فوقفة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن فارق قومه في دينهم لم يفارقهم من حيث المودة والرحمة والدعوة، كذلك لم يقاطعهم ولم يفاصل، وظل مستفيداً بحمايتهم له، فلم يأتِ الإسلام بقطع الأرحام. فالشاب الإنسان إذا التزم إنما يجتهد ما وسعه الاجتهاد في الحفاظ على أرحامه، في الحفاظ على علاقاته، طيب.
والمسألة الثالثة أيضاً التي يجب أن ننتبه إليها هنا، ما كنا ذكرناه من أخلاق العرب، أخلاق العرب التي جعلتهم مؤهلين للرسالة. يعني أنت ترى الآن قوماً من الكافرين انحازوا وسيحاصرون في الشعب، يتحمل الجوع ويتحمل العطش ويتحمل الفقر ويتحمل الألم من أجل صاحبهم القريب منهم رحماً حتى وإن كانوا مخالفين لدينه، تمام. الأخلاق المروءة، أخلاق النخوة، أخلاق الحمية، هذه من الأخلاق التي ميزت العرب، وذكرنا أن العيب كان أنهم أفرطوا فيها، أفرطوا فيها حتى كانوا ينصرونه ظالماً أو مظلوماً بالمعنى الحرفي، تمام، وأحد يعني لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناً، أخاهم دخل معركة دخلوا إيه وراءه، ادعى دعوة لا يسألوه ما يفتشوا وراه، الكلام ده صحيح ولا مبالغ فيه، هو اللي غلطان، لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناً، فيجب أن نتذكر، يعني يجب أن نفهم أخلاق العرب، وهذا يا جماعة الخير يفتح معنا موضوعاً نراه في واقعنا المعاصر: الفارق بين المجتمعات الفردية والمجتمعات المتماسكة. المجتمعات التي تشيع فيها الفردانية هو كل واحد مع نفسه، والمجتمعات المتماسكة المترابطة، هذا فارق ضخم، فارق ضخم، فارق مهم، فارق مؤثر. النبي بعث في مجتمع إيه؟ فرداني ولا متماسك؟ متماسك في غاية التماسك، مش متماسك وبس، مجتمع في غاية الترابط والتلاصق والتراحم. طيب، ماذا ما الذي نستفيده من هذا؟ شوفوا صلوا على النبي، المجتمعات الفردانية مجتمعات هشة، مجتمعات ضعيفة.
مجتمعات يسهل الاستبداد بها ويسهل احتلالها أيضا. تمام، ولذلك كل محتل أو كل طاغية يحاول دائما أن يكسر روابط المجتمع، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا، دي طبيعة الحكم الفرعوني، طبيعة الحكم الفرعوني جعل أهلها شيعا.
ولذلك القاعدة الإنجليزية المشهورة قاعدة الاحتلال ماذا تقول؟ فرق تسد. فكلما كان التفريق سهلا كلما كان الاحتلال سهلا وكلما كان الاستبداد سهلا. طيب كلما كان التفريق صعبا وكان المجتمع لديه من القيم والمبادئ والعقائد والروح ما تجعله دائما متكتلا ومتماسكا كلما كان الاستبداد به أصعب وكلما كان احتلاله أيضا أصعب. لذلك لما رأوا الأحنف بن قيس التميمي يكلم معاوية فيشتد عليه، فقالوا من هذا يا أمير المؤمنين الذي يكلمك كلام الأجير؟ بيكلمك كده؟ قال: إنه الأحنف بن قيس، وراءه ألف سيف من تميم، إذا غضب لا يسألون فيما غضب. الإسلام أراد إنشاء مجتمع متكتل متماسك مترابط. التفصيل في هذا الكلام ليس موضعه هنا، بس لكي تعلم أن يعني المعركة دائما بين الطاغية والمحتل وبين المقاوم، أن الطاغية والمحتل يريد تفريق الناس، المقاوم دائما يريد تماسك الناس وصلاتهم.
دائما ولذلك أحد وسائل المحتل والمستبد في محاولة تفريق الناس هو مسألة الحصار التي نراها الآن. مسألة الحصار هذه لو حاولنا أن نفسرها بكلامنا المعاصر، هذه وسيلة من وسائل العقاب الجماعي، وسيلة من وسائل العقاب الجماعي. يعني هذه القرية مثلا خرج منها مقاوم يتم عقوبة كل القرية حصار كل القرية أو هدم البيت الذي خرج منه هذا المقاوم، هدم البيت الذي تسكن فيه لا أقول زوجته ولا أبوه ولا أمه لكن تسكن فيه عائلته. العقاب الجماعي ماذا يستهدف؟ العقاب الجماعي ما الغرض منه؟ أن يفتت هذه الرابطة، يفتت ما يسمى الحاضنة الشعبية، أن يجعل عمل المقاوم أو المصلح عملا منبوذا، الناس تنفر منه. أُوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.
تمام، وما ترونه الآن في غزة هو طبعا هو في الضفة لكن في غزة واضح المراد به العقاب الجماعي لأهل غزة، لأن أهل غزة يمثلون حاضنة اجتماعية، وهذا يا جماعة الخير صارت علوما، علوما. أنا أتذكر أحد التقارير الاستشراقية الأمنية التي قرأتها لمستشرق إن لم تخني الذاكرة فهي إنجليزية الآن وقد نسيت اسمها، ولو إني يعني أشرفت على ترجمة التقرير بنفسي، تقول بأن المعضلة الأساسية في تعاملنا مع المسلمين وفي ازدهار الحركات وهي بتقول لماذا الحركات الإسلامية لا تموت؟ كلما ماتت حركة إسلامية خرج غيرها، لأن هناك حاضنة شعبية، كلما انهار صف أو قتل صف فالحاضنة الشعبية دي عمالة إيه ترفضهم بالمزيد، فلذلك العمل يجب ألا يكون بهذه الطريقة، ولكن الطريقة هي أن تفصل حركة عن حاضنتها الشعبية. يعني يجب أن تؤمن الحاضنة الشعبية بأن تدخل المحتل الأمريكي مثلا أو تدخل الحكم الظالم إنما تدخل يحاول رعاية مصالحها، وأنه هذه الحركة هي التي تؤدي إلى انهيار أحوالهم وانهيار مصالحهم وتأتي لهم بالمصاعب.
ولذلك لديهم تفريق دقيق، طبعا تفريق الدقيق ده مش مخلصين للعلم هم عندهم التفريق الدقيق ده عشان يعرفوا كيف يهزمونا، لديهم تفريق دقيق بين كلمة الإرهاب وكلمة التمرد. بيقول لك الحركة الإرهابية حركة لا تتمتع بحاضنة، فبالتالي العلاج معها ما ينفعش يبقى علاج أمني أو عسكري فقط، لازم يبقى علاج تدخل فيه السياسة والاقتصاد والتنمية لكي تحاول علاج هذا الموضوع، علاج فكرة التمرد. ولذلك لو إحنا بنبص من منظورهم هم كغرباء، كل حركة من منظرهم هم كل حركة إرهابية تحاول أن تصل إلى أن تكون تمردا تتمتع بحاضنة شعبية، لكن كل سلطة وكل احتلال يحاول أن يجعل التمرد إيه؟ يحاول التمرد إلى حركة إرهابية لكي يسهل القضاء عليها. فهذا أحد أهم وسائل يعني أحد أهم مقصودات العقاب الجماعي أن تتفتت الحاضنة الشعبية. طيب، أيهما أي المجتمعات أسرع أن تتفتت فيها الحاضنة الشعبية؟ المجتمعات التي تشيع فيها الفردانية ولا المجتمعات المتماسكة؟ واضح تمام، فلذلك هنا سنرى أن بني هاشم رهط النبي صلى الله عليه وسلم ضربوا مثلا عاليا في التماسك، رغم أنهم حوصروا وجوعوا لكنهم لم يسلموا نبينا صلى الله عليه وسلم حتى وهم مخفين لدينه.
تمام، طيب من الأمثلة الطريفة أنه ابن خلدون كان يفسر سهولة فتح المسلمين للشام والعراق بهذه الفكرة التي نحكيها، وبالمقابل صعوبة فتح المسلمين لبلاد المغرب العربي. يقول إنه الشام والعراق لأنها عانت من تسلط الدولة الفارسية والدولة الرومانية فصار أغلب الناس أهل مدن وأمصار، والقوة موجودة عند من؟ عند الحامية، عند الأجهزة العسكرية والأمنية، فالمجتمعات هنا مجتمعات تفككت فيها روح الآية القبلية والبداوة والتكتل، فبالتالي لما قضي على الحامية لما قضي على الجيش الرسمي سهل فتح البلاد، فهي ضربة أو ضربتان والمسلمون استولوا، لكن المسلمين احتاجوا نحو سبعين سنة ليستقر لهم أمر المغرب. لماذا؟ لأن الدولة الرومانية ما كانتش مسيطرة على المغرب يعني كانت مسيطرة على السواحل والمدن في حاميات بسيطة، لكن قبائل المغرب يقول ما تزال محتفظة بقوتها وعصبتها، فلذلك ما تنتهي قبيلة إلا وتأتي أخرى مكانها، فبالتالي كان المغرب أصعب على المسلمين من الشام والعراق لهذا الآية لهذا الفريق، هذا يعني تفسير ابن خلدون، نوافق نخالف نحتاج نناقشه أمر آخر، لكن المعنى يعني أرجو أن يكون مفهوما، توضح المثال ماشي المهم.
طيب هنا دخل دخل بنو هاشم إلى الشعب ما عدا رجل واحد، من هو؟ أبو لهب. أبو لهب كان رجل مؤمن بالدولة ومؤمن بالوطن ومؤمن بالقانون والدستور أكثر ما هو مؤمن ببني هاشم، فلذلك خرج منهم، ومش خرج منهم بس سيكون له دور سنأتي له بعد قليل، لكن هو أبو لهب العنصر الذي يعني خالف قومه في هذا الموضوع في الشعب. مع ذلك كان أبو طالب يحاول حماية النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول أهل المغازي والسير أنه كان إذا نام الناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم فأتى فراشه كي يراه من يريد به مكرا أو غيلة، فإذا انقضى شطر من الليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم فتحول عن مضجعه وأضجع مكانه أحد إخوته أو بنيه أو بني عمه، قدر عال من التضحية، قدر عال من التضحية يعني حتى وهو داخل الحصار يخشى أن يتسرب أحد الناس إلى هذا الحصار وأن يصيب من النبي صلى الله عليه وسلم غرة.
تمام، كان أيضا لأبي طالب مجهود إعلامي كبير، وكان له قصائد وقصائد طويلة، ومن يحب الشعر ومن يتذوق الشعر سيتحير حين يقرأ قصائد أبي طالب في الدفاع عن موقفه، وأنه يعني كيف كيف كيف يمكن أن نسلم محمدا؟ يعني هذا أمر تأباه نفوسنا، تأباه طبائعنا، تأباه أخلاقنا، يعني يأباه ميراثنا وما أخذناه عن أجدادنا، وهذا عار شديد لا يمكن أن نفعله، والقصائد فيها إدانة للقرشيين الذين عادوه هذه المعاداة، وفيها إدانة حتى للذين خذلوه ولم يقفوا معه. من أشهرهم طبعا القصيدة اللامية التي تحفظون منها بعض الأبيات، يعني يقول في في مطلعها: خليلي ما أذني لأول عاذل، بصو في حق ولا عند باطلي. خليلي إن الرأي ليس بشركة، ولا نهنهة عند الأمور البلابل. الأمور العظيمة يعني، الرأي هو طبعا يرد على مسألة أنه يعني يسلم محمدا، ولما رأيت القوم لا بد عندهم، وقد قطعوا كل العرى والوسائل، قصيدة طويلة يعني صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة. المهم طبعا تحفظون أنتم من أو يعني اشتهر من أبياتها قوله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل، محمد. أبيض يستسقى الغمام بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للأرامل.
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا، يعني نترك محمدا أو نسلم محمدا، حتى نطاعن دونه ونناضل. ونسلمه حتى نصرع حوله، يعني نقتل حوله، ونذهل عن أبنائنا والحلائل. قصيدة جميلة، ويدين فيها مثلا إيه موقف الذين كانوا من بني عبد مناف ولم يدخلوا معه الشعب، أولا يدين موقف قريش قريش في قصيدة ميمية فيقول فيها: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا، وتيما ومخزونا بعقوبة شر عاجلا غير آجل. تمام وسنأتي لبعض الخلاصة أنه يعني أبو طالب هنا نستطيع أن نقول قام بمعركة إعلامية خلاصتها أنه كيف يطلب منا ونحن بنو هاشم في الصدر من العرب وفي الصدر من قريش أن نخالف ميراث الآباء والأجداد ونسلم سيدنا محمد حتى وإن خالفنا دينه؟ فيذكر مدائح في سيدنا محمد ويذكر فخره بأجدادها، تمليه عليه الأخلاق وما تمليه عليه عادات العرب.
تمام طيب في الشعب نفسه حصل بلغ المسلمين يعني بلغوا غاية الجهد وغاية التعب وغاية الضنك، حتى قيل كانت تسمع أصوات أطفالهم ونسائهم يتضاغون من الجوع من خلف الشعب، حتى طبعا وهذه فوقى المحنة هي محنة نفسية، محنة نفسية أيضا أنه المصلح يرى أنه تسبب لأهله وقومه في مشهد كهذا، النساء والأطفال يصيحون من الجوع صياحا، يعني هذا على نفس الحر أشد من العذاب والتعذيب المادي، التعذيب الجسدي. ولكن يا جماعة قدر المصلحين قدر أصحاب الرسالة لا يمكن لصاحب الرسالة أن يبلغ غايته قبل أن يستكمل قدرته على مواجهة الإيذاء البدني وقدرته على تحمل الأذى النفسي. تعرفون جميعا قصة طالوت وجالوت، شوف طالوت فضل الناس يتناقص معه لما كتب عليهم القتال إلا قليل منهم، لما قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا؟ طيب الذين قبلوا بولايته وانتظموا تحته، قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني فشربوا منه، شربوا منه إلا قليلا منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. المحنة النفسية آخر المحن، آخر المحن المحنة النفسية. لذلك الإنسان كما يستكمل إعداده البدني من الضروري أن يستكمل إعداده النفسي. فالنبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المشهد كان يسمع بكاء الأطفال وبكاء النساء وكان يسمع من خلف الشعب، ولكن ما من بديل، وهذا يرجعنا إلى المجتمع المتماسك وإلى الروابط المتماسكة، وإلا كان الناس خرجوا وكفروا نبذوا النبي، نبذوا يعني في عصرنا هذا نبذوا المقاومة. طبعا نحن حقيقة نرى في غزة كثيرا من المشاهد التي تذكرنا بهذا الصدر الأول، أن ترى الصبر والإيثار وأن ترى الناس في الحصار يأكلون أوراق الشجر ويأكلون الحشائش ويموتون من الجوع.
وفي الحديث ما رواه سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: قمت أبول ذات ليلة فسمعت قعقعة تحت بولي، قعقعة سمع صوت، قال فعرفت المكان ثم أتيتها صباحا فإذا هي بقية جلد من بعير، فأخذتها فغسلتها ثم وضعتها بين حجرين يعني طحنتها ثم سففتها وشربت عليها الماء وتقويت بها ثلاثة أيام، ثلاثة أيام على جلد بعير، قطعة من جلد البعير أخذها من تحت جهد. الإسلام لم يأتنا لم يأتنا بسهولة، لم يأتنا من فراغ، فلذلك يا جماعة الخير النبي صلى الله عليه وسلم قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء، وقال: ما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. وفي الحديث الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم يصف حال المؤمن: وما يزال الله يبتليه حتى يعني يكفر عنه سيئاته، فإن بقيت له سيئة زيد عليه في سكرات الموت حتى يلقى الله ولا خطيئة له.
ف يخف يخف عليك البلاء حين تتذكر أن هذه الدنيا أمر زائل، شيء زائل. يقول شاعرهم: مرت سنون، سنون مرت سنون في السعود وفي الهنا، فكأنها من قصرها أيام. ثم انثنت أيام حزن بعدها، فكأنها من طولها أعوام. مرت سنون في السعود وفي الهنا، فكأنها من قصرها أيام، ثم انثنت أيام حزن بعدها فكأنها من طولها أعوام. ثم انطوت هذه السنون وأهلها فكأنهم، فكأنهم أحلام. كل شيء يذهب، كل شيء يذهب. فما يصبر المرء في يعني في أزمة البلاء أن يعرف أن هذا الأمر سيمضي. قيل مما يرويه أهل التاريخ قال ملك لأحد الحكماء: انقش لي على خاتمي كلمة إذا كنت سعيدا فرأيت يعني حزنت هو لا يقول حزنت إنما يقول تحفظت، وإذا كنت في كرب ورأيتها استبشرت، فنقش له خاتما عليه: هذا الوقت سيمضي، هذا الوقت سيمضي. ومنه ومثل ذلك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات فإنه ما ذكر في قليل إلا كثره وما ذكر في كثير إلا قلله. الواحد لما بيبقى في نعيم وهناء يا جماعة ويذكر الموت يشعر أن ما هو فيه قليل زائل. طيب إذا كان في ضنك وفي كرب ويذكر الموت يشعر أن ما هو فيه من السعة. فالمسلمون قضوا في شعب في شعب بني هاشم ثلاثة أعوام، ثلاثة أعوام، ثلاثة أعوام في هذا الحال، حال الجهد. في هذه الثلاثة أعوام لو تأملنا رأينا أنه كان العرب يأتون إلى موسم الحج ويصدرون، يعني العرب اطلعت على مسألة الحصار ورجعت ولم يرد أن أحدهم تدخل ولا توسط. يعني المسلمون كانوا أشبه ما يكون مثلا الآن ب يعني أشبه بمعتقلي جوانتنامو مثلا، اللي هو دول الناس الكبار يعني دول أمريكا هي اللي سجنا ما حدش بيتكلم في الموضوع ده، يعني مكانة قريش وهيبتها عند العرب كانت كأنها تحول.
دون أن يحاول أحد أن يتوسط في هذا زي كده. ما هو مافيش حد يقدر يكلم أمريكا في الناس اللي هي اعتقلتهم في، يعني انقطع انقطع الرجاء إلا من الله. انقطع الرجاء إلا من الله، أهل الحج يأتون ويذهبون، لا يستطيع بنو هاشم أن يخرجوا من الشعب، لا يستطيعوا أن يخرجوا من الشعب إلا في الأشهر الحرم.
طيب، إذا خرجوا من الشعب لكي يتجروا أو لكي يتحصلوا على نوع من الطعام، هنا يجدون في انتظارهم مفاجأة. أبو لهب ماذا يفعل أبو لهب؟ كانت قريش تسبق إلى التجار لكي تأخذ منهم بضائعهم فلا يوصلوا إلى بني هاشم منها شيء، وكان يطوف عليهم أبو لهب فيقول لهم: يا معشر التجار، زيدوا على أصحاب محمد كي لا يدركوا منكم شيئاً، وقد علمتم ذمتي ومالي ووفائي، يعني أي خسارة، أي ضرر، أي ربح يفوتكم عندي. فكان يمر على التجار فيزيدهم أرباحهم أبو لهب.
لذلك أحسن أبو لهب حين تركهم؛ لأن العنصر الخائن الموجود داخل الصفوف هذا أخطر ما يكون، وامتن الله تبارك وتعالى على عباده بأنه ثبط المنافقين، قال: لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ. يعني خروج هذه العناصر المفسدة كان خيراً، فانظر إلى أبي لهب، شوف، انظر إلى الوفاء والولاء للنظام والوطن والدولة، ماذا يفعل؟ يعينهم على الجوع. يعني ما أشبهه الآن بحال السلطة الفلسطينية، والله السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية، أُسّ قبل يومين اجتماع ضم قادة جيوش مصر والأردن والإمارات والبحرين والإسرائيليين في البحرين، فهذا أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، ومع ذلك فالله تبارك وتعالى كسنة في خلقه كان يمتن على المسلمين ببعض الأمور، فمما يروى أن رجلاً اسمه هشام بن عمرو بن الحارث، رجل من بني عامر بن لؤي، لؤي بعيد في نسب النبي تمام، ذكرنا في المجلس الأول نسب النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا رجل من بني عامر بن لؤي، أعلى من قصي بن كلاب الذين هم نسبوا قريش وحكام مكة، جزاكم الله خيراً.
كان يروي أهل المغازي أنه كان يحمل على بعيره الطعام ثم يأخذه في جوف الليل حتى يجعله أمام فم الشعب ويضربه كي يذهب إلى الشعب، فكان هذا مما يفرج الله به عن المؤمنين. أحياناً أيضاً روي أن حكيم بن حزام، حكيم بن حزام هو ابن أخي السيدة خديجة، حكيم بن حزام بن خويلد وهي خديجة بنت خويلد، كان يذهب إليها بالقمح، فمرة من المرات وقع في كمين نصبه أبو جهل: آه، تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لأفضحنك في مكة، فتدخل في الأمر أبو البختري بن هشام، طبعاً السيدة خديجة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى من بني أسد، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد تمام، وأبو البختري بن هشام أيضاً من بني أسد، فكان العصبية هي التي أيضاً أتاحت له. قال: فتلاحى أبو البختري بن هشام مع أبو جهل فغلبه أبو البختري، ثم كرهوا أن يرى منهم محمد وصحابته، هذا طبعاً اثنين من كبار كفار قريش، يعني كرهوا، لكن القصد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أو ما كان من الفرج الذي كتبه الله تبارك وتعالى في مثل هذه الأمور.
طيب، مضت ثلاث سنوات انقطع فيها الرجاء إلا من الله تبارك وتعالى، وما كان أمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يدعو، ولذلك هناك حادثة في السيرة بعض علماء السيرة جعلها في هذا الوقت وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش فقال: اللهم أعني عليهم بسني كسني يوسف، يعني أعني عليهم بأزمة. طبعاً هذا محتمل يا جماعة الخير أن يكون في هذا الوقت لأمرين، الأمر الأول هو أن قريشاً فعلاً جعلت المسلمين من بني هاشم في مجاعة، والأمر الثاني ما كنا ذكرناه في المجلس الماضي من أن قريشاً كانت استعجلت العذاب: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ. فوارد جداً أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة أن يدعو عليه. ذكرنا أن مسألة القوة هذه مسألة مؤثرة جداً في حال الداعية وفي حال المدعوين وفي حال الكلام الذي يدور ويراقب، ولذلك قلنا إن بعض أكثر الناس لا يفهم إلا عبارة: ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، هذه هي العلامة الوحيدة التي يؤمنون بها، ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا، فَأَرْسِلْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. فمن الوارد ومن الراجح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش في هذه الأيام، وحتى دعوة النبي في قوله: اللهم أعني عليهم، طبعاً هذه الرواية ثابتة هي في البخاري ومسلم، لكن زمنها هذا الذي نرجحه فيه، يعني متى كان هذا الذي نتكلم في ترجيحه الآن.
فاستجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فأصاب القوم جدب ومجاعة، فصار أهل قريش يأكلون الميتة والعظام والدم، ويرى الواحد منهم فيما بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجهد والجوع كان الدخان يغشاه. ولذلك جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد إنك تدعو إلى صلة الأرحام، فادعُ ربك أن يفرج عنا ما نحن فيه ونحن لك مؤمنون. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى، يعني كيف هذا وقد جاءهم رسول مبين، ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون. شوف الرسول مبين فقالوا مجنون، إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ، عائدون يعني عائدون إلى الكفر، وقد كان كشف الله عنهم العذاب وحادوا إلى الكفر، لم يؤمنوا، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ، وسيدنا عبد الله بن مسعود يفسر الآية فيقول البطشة الكبرى يوم بدر، اليوم الذي فنيت فيه رؤوس قريشيين.
تمام، بعد ثلاث سنوات جاء الفرج من حيث لا يحتسب أحد. من هذا الرجل الذي ذكرنا اسمه قبل قليل، هشام بن عمرو بن الحارث من بني عامر بن لؤي، هذا رجل كان يقول ابن إسحاق، وما هذبه ابن هشام، يقول إنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم لأمه، قرابة بعيدة، لكنه أكثر الذين سعوا في نقض هذه الصحيفة. ماذا فعل هشام بن عمرو بن الحارث؟ هو طبعاً ذو شرف في قومه لكنه بالنسبة للقرشيين والكبار فيهم لا يملك شيئاً. طيب ماذا فعل هشام بن عمرو بن الحارث؟ ذهب إلى رجل اسمه زهير بن أبي أمية المخزومي. زهير بن أبي أمية المخزومي يا جماعة، زهير بن أبي أمية بن المغيرة، أبو جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة، وسيدهم كان الوليد بن المغيرة اللي هو أبو خالد بن الوليد، فهو يلتقي مع أبي جهل في تمام، يعني هو ابن عمه. هو زهير بن أبي أمية، أخته هي أم سلمة هند بنت أبي أمية وهي التي ستكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد، لكن هي في ذلك الوقت كانت زوجة أبي سلمة رضي الله عن صحابة النبي أجمعين. طيب زهير بن أبي أمية إذاً من بني مخزوم لكن كانت عمته عاتكة بنت عبد المطلب، كانت أمه عاتكة فهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، يبقى هو مخزومي من جهة الأب وأخواله من بني هاشم. طيب هشام بن عمرو بن الحارث ذهب إلى زهير وقال له: يا زهير، أترضى أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك جوعى وهلك حيث علمت؟ والله لو كانوا أخوال أبي الحكم ثم أردت منه مثل ما أراد منك ما أجابك إليه. شوف هنا الذكاء في موضعين، الموضع الأول أنه اختار رجلاً من بني مخزوم ولم يختر رجلاً من قبيلة أخرى كي لا تكون كأن الأمر قبيلة تجاه قبيلة، اختاره من بني مخزوم، المسألة داخلية، لكن اختار من بني مخزوم من له صلة رحم قوية وقريبة ببني هاشم. زهير بن أبي أمية قال: ويلك وما أفعل وأنا رجل واحد؟ أبو جهل برضو يا جماعة إحنا لا ننسى أبو جهل رأس الكفر فرعون هذه الأمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وما أفعل وأنا رجل واحد؟ قال: أنا معك، قال: ابغِ ثالثاً، برضو إحنا الاثنين مش هنعرف نتصرف في الموقف ده.
فذهب إلى المطعم بن عدي، المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، يلتقي مع النبي في عبد مناف. إحنا ذكرنا النبي هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. طيب صاحبنا اسمه المطعم بن عدي بن عبد مناف. ذهب إلى المطعم بن عدي وقال: يا مطعم، أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت ترى وتشهد؟ يعني إيه بطنان من بني عبد مناف اللي هم بنو هاشم وبنو المطلب. تذكرون يا جماعة لما في المجلس الأول لما قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، عبد المطلب هذا ذكرنا أنه اسمه شيبة، ليس اسمه عبد المطلب، اسمه شيبة، كان لديه خصلة بيضاء في شعره فسمي شيبة، طيب شيبة هذا ولده هاشم خرج من مكة، تزوج في المدينة من سلمى بنت عمرو من بني النجار وخرج إلى تجارته في غزة ومات في غزة، ولذلك تسمى غزة هاشم. طيب الولد كبر مع أمه عند أهل أمه، أخواله من بني النجار، فلما ذهب المطلب أخوه لكي يقدم به إلى مكة، أردفه وراءه، لما رآه الناس ظنوا أنه اشترى عبداً فسمي عبد المطلب، وهو يقول لهم هذا أخي، بس هو خلاص سمي عبد المطلب. طيب، إذاً يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد اللي هو بنو هاشم وبنو المطلب، والله ده كلام هشام بن عمرو للمطعم بن عدي، والله لأن تم لهم هذا، لو الموضوع ده تم وهلكوا، ليكونن سراعا إليها فيما سواه، أه دلوقتي من بني عبد مناف، أولاً دلوقتي لو هذه القبائل وعلى رأسها بني مخزوم الذين يتزعمهم أبو جهل لو أنهم استطاعوا أن يهلكوا بطنين، عائلتين من عبد مناف، سيكون أسهل عليهم فيما بعد أن يهلكوا بقية البطون. برضو دخل إليهم المدخل القبلي والحمية. وأبو طالب في القصائد التي قلناها كان يضغط على هذا، لما قلنا جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا، ودلوقتي أبو طالب دخل معه بطنان ولكنه كان يريد أن يدخل معه بنو عبد مناف. بنو عبد مناف منهم بنو عبد شمس طبعاً، بنو عبد شمس اللي هو منهم الآن أبناء شيبة، عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ومنهم بنو أمية تمام اللي منهم أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية ومنهم نوفل، ما هو عبد شمس ونوفل الاثنين بنو عبد مناف، فهو دخل معه بطنان وأراد أن يدخل معه بني عبد مناف لكن هؤلاء امتنعوا، فلذلك قال: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل. ومن ضمن الكلام كان من ضمن القصيدة كان يكلم المطعم بن عدي يقول له: أمطعم، أمطعم، إني لم أخذلك بنجد، في كل مرة كان لديك شيء عظيم يستدعي النجدة أنا كنت موجوداً. أمطعم، إني لم أخذلك بنجد، ولا عند تلك المعظمات الجلائل. أمطعم إن القوم ساموك خطة، فإن أن أُوكل فلست بوائل، يعني لو أنه هلك هؤلاء فأنت كمان لن تنجو. المطعم بن عدي كانه كان محرجاً أيضاً لما لأبي طالب عنده من الجلائل ومن الأيادي، ولكن هشام بن عمرو بن الحارث قال: وما أفعل وأنا رجل واحد؟ ابغِ ثانيها. قال: قد وجدت من. قال: زهير بن أبي أمية. قال: ابغِ ثالثاً، قال: وجدت من. أنا، قال: ابغِ رابعاً. فذهب إلى أبي البختري بن هشام، ذكرناه قبل قليل من بني أسد، أبي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ذهب إليه فقال له نحواً من هذا الكلام، فقال: ابغِنا خامساً. فذهب إلى زمعة بن الأسود، وأيضاً زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي أيضاً من بني أسد، يبقى الآن لدينا شخصية من بني مخزوم زهير بن أبي أمية لكن ملتصق بالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال أخواله، الشخصية الثانية من بني عبد مناف المطعم بن عدي بن عبد مناف، وشخصيتان من بني أسد، وصاحبنا اللي هو أدار هذا الموضوع هشام بن عمرو بن الحارث، ده اللي هو بعيد. فاتفقوا أن يلتقوا عند مكان، دبروا أمورهم، نسقوا الموقف، ذهبوا اليوم الآخر صباحاً، قال زهير: دعوني أكون أول من يتكلم، طبعاً لا بد من ترتيب الأمر، فطاف بالبيت سبعاً ثم قال: يا معشر قريش، أرضيتم أن تأكلوا الطعام وتنكحوا النساء وبنو هاشم جوعى وهلك حيث علمتم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة. مين أول واحد يرد عليه؟ ماسك الملف مباشرة. قال: وكان في ناحية المسجد هو جاي من هناك، لكن فقال: كذبت والله لا تشق. فقام زمعة بن الأسود، قال: والله بل أنت أكذب، ما رضينا بها حين.
كتبت، فقام أبو البختري قال: صدقت، وكذب من قال غير ذلك، إنا لم نرضَ بما كان فيها. فقام المطعم بن عدي فقال مثلهم. فقام آخر واحد، مين؟ هشام بن عمرو بن الحارث اللي هو أصلاً منبع هذا الموضوع، هذا يدلك على يعني طبيعة مكانته.
أبو جهل قال: هذا أمر دُبِّر بليل، وتُشُور فيه في غير هذا المكان. طبعاً هو ذكي لا شك، لأنه فعلاً أمر دُبِّر بليل، بس تلمح أيضاً من الكلام أنه استدرك الموقف، لأنه هنا أنت خذ بالك لو أنت حطيت نفسك مكانه، أبو جهل فوجئ وهو يقول كذبت، بأربع شخصيات ورا بعض يقولون له: بل أنت أكذب. لو أنت في هذا الموقف تخشى أنه لو سكتَّ بعد شوية أنه يكون الأربعة دول مش نهاية المطاف، ويبقى في إيه؟ في سلسلة أخرى. فأن تسبق إلى نقض الصحيفة الآن خير من أن ينفلت الموقف. تمام؟ فهو صحيح قام وقال: هذا أمر دُبِّر بليل، وتُشُور فيه في غير هذا المكان، فكان هذا إيذانًا بأنه خضع واستسلم لمسألة شق الصحيفة. تمام.
طيب هنا رواية أخرى في مسألة شق الصحيفة، الرواية تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمِّه أبي طالب: إن الله قد أوحى إليَّ أن الأرضة -الأرضة يعني دودة الأرض- إن الأرضة أكلت هذه الصحيفة إلا ما فيه اسم الله. تمام؟ في خلاف في الرواية دي صغير كده، أن الأرضة أكلت اسم الله لكي لا يجتمع اسم الله مع إيه؟ مع ما في هذه الصحيفة من الزور والباطل، يعني هذا أو هذا خلاف بسيط. قال أبو طالب: أربُّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم. قال: اجلس، فوالله لا يدخل عليك أحد، فكأنه عمل حراسة على النبي صلى الله عليه وسلم لكي لا يتسرب الخبر. ثم مضى إلى المسجد فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني أن ربه أخبره أنه سلط الأرضة على هذه الصحيفة، فأكلت ما فيها من الزور والباطل إلا اسم الله. فإن كان ابن أخي صادقًا نقضنا هذه الصحيفة وتخليت عما فيها من ظلمنا وأذانا، وإن كان كاذبًا أسلمنا لكم. هل أنصفت؟ قالوا: قد أنصفت. فعندئذ قاموا ودخلوا الكعبة فوجدوها كما قال أبو طالب.
طيب هاتان الروايتان علماء السيرة قالوا بأن أبا طالب كان جالسًا في المجلس وسمع قول الناس اللي هو هشام بن عمرو بن الحارث وزهير بن أبي أمية، حتى إذا انتهوا قال أبو طالب هذا الكلام، هذا رأي بعض علماء السيرة. وبعضهم يقول: بل جاء أبو طالب فقال كلامه، فلما رأوها كذلك خرج هؤلاء الرهط فقالوا مقالتهم. يبقى أيهما كان البداية موضع خلاف، لكن الخلاصة أن اجتمع الموقفان على نقض هذه الصحيفة. وصدق يعني كان أبو جهل وكان كفار مكة في هذه اللحظة في حالة يعني لا شك في غاية السوء والكرب، لأن الأرضة أكلت هذه الصحيفة من جهة، وهذا فيه تصديق للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة، ومن جهة أخرى تفكك الحلف القرشي الذي كان يريد العقاب الجماعي لبني هاشم. تمام؟ فبهذا الشكل نقضت الصحيفة وخرج المسلمون.
طيب هنا طبعاً نحن نستفيد من هذا أن الله تبارك وتعالى قائم موجود حاضر، لأنه إذا تأملت في سبل النجاة لم يكن يمكن أن ترى طريق هشام بن عمرو بن الحارث إذا كان عبد شمس ونوفل وأبو لهب كانوا في عادي والمحاصرين، فكيف يمكن أن تتخيل أن يأتي الفرج من رجل من بني عامر بن لؤي؟ بعيد يعني، نبينا صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، الجد العاشر. طب إحنا عندنا ابن عبد المطلب محاصر، عندنا جماعة بني عبد مناف من بني عبد شمس من المحاصرين، فأن يأتيك رجل يلتقي في الجد العاشر! ولذلك هنا ربما يسأل بعض الناس السؤال: طيب لماذا لم يأتي الفرج بعد شهر؟ شهرين؟ بعد ست شهور؟ بعد سنة؟ لماذا ظل ثلاث سنوات؟ هذا نرجع به إلى ما كنا ذكرناه قبل ذلك، الله تبارك وتعالى لا يعجل بعجلة أحد، ولله تبارك وتعالى تدبير، شوف خذها قاعدة: لن تعرف حكمته إلا لو كان عندك علمه. من منا يمكن أن يفهم حكمة الله؟ لا يمكن أن نفهم حكمة الله إلا لو كان لدينا علم الله. إحنا أحياناً الواحد بيتخانق مع مراته مع عياله في البيت، يبقى عايز يعمل حاجة وهي عايزة تعمل حاجة تاني والولاد عايز يعمل حاجة تالتة، بس أنت في حسبة معينة في دماغك ما ينفعش معاها إلا ما تريد، صح؟ وهذه في أمور بسيطة، أحياناً شريكك اللي في العمل، يعني الخلاصة لا لن تعرف حكمته إلا لو كان لديك علمه، ولن تدرك رحمته إلا لو كان لديك قدرته، الله أرحم الراحمين لأنه أعظم القادرين جل وعلا. فلا بد الله تبارك وتعالى حين نرى أن الله قد جعل أفضل عباده في الجهد والكرب ثلاث سنوات، لا بد أن نفهم الحكمة من ذلك.
الرسالة الشريفة كما قلنا قبل ذلك، أنه لا توجد رسالة لا توجد دعوة تصل إلى الناس بدون تضحيات، لا يمكن لا يمكن لا تصل فكرة إلى الناس بدون تضحيات، لا تصل فكرة إلا على أكتاف الرجال الأشداء الأقوياء الخلص الذين أخلصوا لفكرته، بما في ذلك الأفكار الفاسدة، بما في ذلك الأفكار الفاسدة، حتى الأفكار الفاسدة التي انتشرت وذاعت وشاعت، هذه كانت بدايتها من مغامرين وأقوياء وتحملوا الرفض الاجتماعي، و يعني تحملوا كل المقاومة التي ترفض أفكارهم، فكيف بأشرف رسالة وأشرف دعوة؟
الأمر الثاني يا جماعة الخير، كم في تجارب البشر من قصص يكون الرجل فيها مخلصاً مؤمناً متديناً زاهداً، حتى إذا ذاق طعم السلطة وطعم المال وطعم الجاه انقلب على عقبيه! كثير كثير كثير. علماؤنا يقولون: آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرئاسة، آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرئاسة. فلذلك كلما تعرض الداعية لمثل هذه المواقف التي تنشئ في نفسه الزهد، تنشئ في نفسه الإخلاص، تنشئ في نفسه الرغبة في الآخرة، التخلي عن الدنيا، كلما كان الدعاة على هذا المثال كلما كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. ولذلك هؤلاء الناس الذين حوصروا هم الذين فيما بعد فتحت عليهم كنوز الدنيا ولم تغيرهم. رأى عمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينام على حصير أثَّر في جنبيه فبكى عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ قال: يا رسول الله، تنام على الحصير يؤثر في جنبيك وكسرى وقيصر ينامون على الحرير والديباج! قال: يا عمر، لا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل في ظل شجرة ثم قام وتركها. المعاني، المعاني وسيدنا عمر نفسه سيدنا عمر لما رأى الكنوز قد جاءت إليه الفتوح كنوز كسرى كنوز الشام بكى، سيدنا علي قال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين واليوم يوم فرح نصر الله فيه الإسلام والمسلمين؟ قال: أخشى أن تكون فتنة، وأن يبتليني الله بما لم يبتلي به من كان خيراً مني، أبا بكر رضي الله عنه. سيدنا عمر شاف الأموال وأيه خشي على نفسه، سيدنا علي كان يقول: يا دنيا غري غيري، إليَّ تشوفت؟ أم إليَّ تطلعت؟ هذه النفوس التي صُهرت في المحنة حتى نمى فيها الإخلاص والزهد، هي النفوس التي لم تتأثر حين فتحت عليها الدنيا، حين جاءتها الكنوز، كانوا يتعاملون معها كأنها الخزف البالي الفاني. فلذلك حين ترى أن الله تبارك وتعالى اقتضت حكمته أن يبقى النبي وصحابته في هذا الكرب والجهد ثلاث سنوات، تعرف أن الله تبارك وتعالى أراد لهؤلاء القوم خيراً، وأراد لهم ما لا تسعه عقول الناس من الحكم.
طيب، فإذا خرج المسلمون من الشعب... آه قبل أن أذهب إلى مسألة خروج المسلمين من الشعب، من اللطائف هنا أن نتكلم عن مصائر الرجال الخمسة، أما هشام بن عمرو بن الحارث فقد أسلم بعد فتح مكة، أسلم بعد فتح مكة وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين نحو مائة من الإبل، مائة من الإبل تشبه مائة سيارة ثروة يعني في ذلك الوقت، وأسلم وأسلم كذلك زهير بن أبي أمية، وهو أيضاً أسلم في الفتح أو بعد الفتح، وبقيت الثلاثة ماتوا على شركهم. فأما المطعم بن عدي فقد مات قبل بدر، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم في بدر حين أسر أسرى المشركين، فقال: لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النَّتنى لوهبتهم إياه. وأبو البختري بن هشام خرج يقاتل المسلمين في بدر ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله تمام، لكن وبالفعل كان يمكن أن يؤسر، لكن أبا البختري أصرَّ ألا يؤسر فقاتل حتى قُتل، ومثله أيضاً زمعة بن الأسود، فإن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم.
ولا ريب كنت ذكرت لكم مسألة أنه ما من داعية إلا ويستفيد من القوانين الجاهلية، يجب أن أقول أيضاً أنه أهل الجاهلية ليسوا على مرتبة واحدة، يعني في قريش مثل أبي جهل ومثل أبي لهب، وفيهم أيضاً مثل هشام بن عمرو بن الحارث، مثل زهير بن أبي أمية، ومثل أبو البختري بن هشام وهكذا. ولا بد للداعية لا بد لصاحب الرسالة أن يكون عارفاً بمراتب ودرجات هؤلاء الناس، وإلا عامل الجميع على سوية واحدة، وهذا ما لا يصح لا في يعني لا في حكمة الدعوة ولا حتى في البصر بالناس، أن تعرف الناس. وذكرنا في المجلس الماضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، فهو كان هناك شخصيتان بارزتان، عرف النبي أن لو أسلم أحدهما لكانت قفزة للمسلمين.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الحصار لتبدأ مرحلة أخرى. الحصار هذا استمر ثلاث سنوات، وبدأ في المحرم من السنة السابعة للبعثة، فإذا هو انتهى في السنة العاشرة، في مطلع السنة العاشرة للبعثة. هذه السنة العاشرة يطلق عليها بعض العلماء عام الحزن. لماذا عام الحزن؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وجد فيها أربع مواقف شديدة، طبعاً أنتم عارفين منها وفاة خديجة، ووفاة أبي طالب، وبقي موقفان نستكمل ما إن شاء الله في المجلس القادم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله.
محمد إلهامي