السيرة النبوية | 7. ما سر رعي الأنبياء للغنم؟ ولماذا عمل نبينا ﷺ بالتجارة؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعنا وإياكم في الدنيا على طاعته، ثم في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. هذا المجلس السابع من مجالس السيرة النبوية، وتوقفنا في المرة الماضية عند وفاة أم النبي صلى الله عليه وسلم، وعند كفالة جده عبد المطلب له، ونستأنف الآن.

فنقول، طبعا بداية، يجب أن أذكر، يعني طبعا بما حدث في الانقطاع في المجلس السابق، يجب أن أذكر أنه فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الجزء الذي كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم هو من الأمور المهمة لغايتين ولحكمتين ولغرضين أساسيين، وهما: الأمر الأول أن هذه الفترة هي التي حصلت فيها التهيئة للنبي صلى الله عليه وسلم لكي يكون نبيا وزعيما، فنحن يجب أن نبصر في الأحداث التي وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم كيف أن هذه الأحداث هيأته للنبوة وهيأته للزعامة.

الأمر الثاني هو أن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بهذه الفترة بفترة ما قبل بعثته على صدقه، وذلك كما قال الله تبارك وتعالى: قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ. فحياة النبي قبل البعثة كانت أحد الأدلة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته.

طيب، نحن لو استعرضنا استعراضا سريعا الكلام الذي قلناه في مثل هذا الأمر، قلنا إنه ولادة النبي صلى الله عليه وسلم من النسب الشريف كان لها حكمتان على الأقل؛ الحكمة الأولى أن هذه سنة الله في الأنبياء، فهذا تصديق لكون النبي نبيا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله من نبي إلا في ثروة من قومه. وهرقل لما سمع بالإسلام قال: وكذلك الأنبياء تبعث في أشراف أقوامها. وفي قول الله تعالى: وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، فهناك أمور، يعني بعثة النبي في النسب الشريف هي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم لأنها سنة الأنبياء قبله. والأمر الثاني أنه النسب الشريف هذا مما يسهل خضوع الناس وإذعانهم له، يعني لأنه لو النبي كان ولد في غير قريش أو كان ولد في قبيلة ضعيفة أو كان ولد في ناحية مهملة من الأرض، ما كانت العرب لتخضع له أو لتسمع له، وإنما هم خضعوا وسمعوا له لأنه كان من قريش، وفي صدر قريش، من بني هاشم، من بني عبد المطلب، فذلك كان أسهل أن يخضع له الناس.

وذكرنا أن ولادة النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل كانت أيضا أحد الأمور التي هيأته لأنها جذبت الأنظار، يعني حدث الفيل هذا حدث ضخم، فكل الذين ولدوا في خضم هذا الحدث إنما تتجه إليهم الأنظار، وتكون صورتهم واضحة في أذهان أقوامهم، أحد العلامات المميزة أن هذا قد ولد في عام الفيل. ثم إن حادثة الفيل كانت دليلا أقامه الله تبارك وتعالى على قريش وحجة عليهم لعجزهم عن الدفاع عن بيت الله الحرام، لأنهم تفرقوا في الجبال وتركوا البيت وقال قائلهم: للبيت رب يحميه. فهذه كانت أحد اللحظات التي وجدوا فيها أن أوثانهم وأصنامهم لم تغنِ عنهم شيئا، وأن الله تبارك وتعالى هو الذي تكفل بحفظ بيته، وتكفل بحفظ بيته عبر معجزة أنزلها من السماء وهي الطير الأبابيل.

وذكرنا أنه الأحداث التي أحاطت بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، أبوه مثلا في قصة الذبح المشهورة، وكذلك وفاته المبكرة المفاجئة، ثم وفاة أم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما يزال في السادسة من عمره.

رضاع النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد، وذكرنا أن الرضاعة في البادية والنشأة في البادية كانت لها ثلاثة حكم على الأقل فيما نبصره: الحكمة الأولى أن ينشأ فصيحا على اللغة الأولى، وهذه من ضرورات من تصدر لعامة العرب أن يكون فصيحا وذا لسان بليغ، لأن العرب لا يقبلون الذي يلحن أو الذي في لسانه عجمة أو الذي لا يستطيع أن يقيم الكلام، كيف وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان؟ ونشأته في البادية هي نشأة تعوده على الخشونة والرجولة، وهذا من الأمور التي يجب أن يتمتع بها رجل الجهاد، جزء من دينه ومن رسالته، وإلا فلا يمكن أن يقوم بأمر الجهاد من كانت نشأته لينة مترفة رخية لا يستطيع معها أن يشب شباب الفرسان الأبطال، والعرب كانوا من أهل الفروسية وأهل البطولة ويعظمون هذا. والذي ينشأ في البادية أيضا ينشأ صحيحا بعيدا عن الأمراض، وبعيدا عن الخلطة التي تكون في المدينة. فهذه أيضا من حكم نشأة النبي صلى الله عليه وسلم في البادية.

وعلى كل حال، وصلنا الآن ذكرنا أنه نشأته صلى الله عليه وسلم يتيما كان يتيم الأب منذ أن ولد، ثم ماتت أمه وهو في السادسة من عمره، فهذه من الأمور أيضا التي يعني كما يقول أهل التربية بأنها تزيد من شعور، أنتم تعرفون النعمة لا يشعر بها إلا من فقدها، وكما يقولون الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه غير المرضى، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف نعمة الأب والأم إلا من فقدهما، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان نشأ نشأة تبتعد به عن التدليل والترف، وما يخالط ما يكون فيه الصبي المحبوب من النعمة والليونة، مما يخالف المهمة التي تنتظره صلى الله عليه وسلم.

طيب، تمام. على كل حال الآن وصلنا إلى أن أمه ماتت فكفله جده عبد المطلب، وذكرنا أن عبد المطلب كان سيد قريش، ومما يروى في ذلك أن عبد المطلب كان له مجلس في الكعبة، فكان أبناؤه يهيئون له هذا المجلس، وكان ذا هيبة وذا مكانة ووقار، فكان لا يجرؤ أحد على أن يطأ مجلسه في الكعبة أو في ظل الكعبة أو في جوار الكعبة إلا ما يكون من محمد صلى الله عليه وسلم وهو صغير، يعني نحن نتكلم الآن بين السادسة والثامنة. فيقولون كان يدرج إلى مجلس جده عبد المطلب وكان يحاول أعمامه أن يمنعوه، كان يقول لهم: اتركوه، فإن ابني هذا سيكون له شأن عظيم. وكان يحبه ويرق له أكثر مما يرق لأولاده اللي هم أعمام النبي صلى الله عليه وسلم.

ولنا أن نتصور أنه الفتى منذ أن نشأ ودرج وتعرف على الحياة، لنا أن نتصور أنه كان يجلس مجلس السادة، يعني كان يجلس في حجر سيد قريش، فهذا أيضا من عوامل تهيئة النبي صلى الله عليه وسلم للزعامة التي سيكونها بعد ذلك. وأنتم تعرفون، إذا الإنسان نادرا نادرا ما ينشأ نشأة ضعيفة ثم يستطيع أن يتزعم ويتسيد، هذا نادر في الناس، الذي يتزعم ويتسيد يكون غالبا قد تهيأت له أسباب الصدارة وأسباب الزعامة، فكان هذا من تهيئة الله تبارك وتعالى لنبيه.

وروي من حب عبد المطلب له أنه كان قد أرسله مرة في، يعني يسعى على، احتبس عليه غنم، طبعا نحن نتكلم الآن في طفل أو غلام في السابعة أو الثامنة من عمره، فكان بعض إبله أو، يعني أرسله لكي يحضر له إبلا أو ما شابه، فاحتبس عليه، يعني تأخر عليه، فظل يسير في طرقات مكة وهو ينشد شعرا، ثم لما أقبل عليه قال: أي بني، والله لقد حزنت عليك كما تحزن المرأة على ولدها، ولا أزال حزينا عليك أبدا. فهذا كان من قوة العاطفة التي كانت عند عبد المطلب لحفيده محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم شاء الله تبارك وتعالى أن يموت عبد المطلب والنبي في عمر الثامنة وأشهر، يعني الثامنة وشهرين وعشرة أيام على ما حققه بعض العلماء، يعني أو بشهور تزيد عن ذلك، فانتقل النبي صلى الله عليه وسلم لكفالة عمه أبي طالب.

إذا، الذين كانوا في حياة النبي حتى الآن كم؟ أمه آمنة، ثم جده عبد المطلب، ثم الآن عمه أبو طالب. لماذا عمه أبو طالب؟ لأنه عمه هذا كان شقيقا لأبيه، يعني أبو طالب هذا كانت أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومي من بني مخزوم، هي أم عبد الله، يعني عبد المطلب تزوج بنساء عديدات، لكن هذه فاطمة أنجبت له أبا طالب وعبد الله، فكان أقرب الناس إلى كفالة محمد صلى الله عليه وسلم. وكان أبو طالب رجلا فقيرا وكان كثير العيال، وكان فقيرا وكان كثير العيال، ولكن بركة النبي صلى الله عليه وسلم أصابته وأصابت بيته. فكان مما يروى في ذلك أنه كان أبناؤه إذا طعموا لم يكفهم الطعام إلا أن يكون معهم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم يشبعون ويتركون فضلا من الطعام، فكان أبو طالب يقول لمحمد: إنما أنت مبارك، وهذا مفهوم وهو نظير ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد مع مرضعته. فكان أبو طالب يحب محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب أبناءه، فيروى أنه ما كان يجلسه إلا بجواره، ولا كان ينيمه إلا بجواره، وكان يفضله على سائر ولده.

وهنا سيظهر معنا اسم جديد في الذين تولوا تربية النبي صلى الله عليه وسلم وهو اسمه فاطمة بنت أسد. فاطمة بنت أسد هذه هي زوجة أبي طالب، وهي ابنة عمه، هي فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهو أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم، تمام، وقيل في ذلك أنها كانت أول هاشمية تتزوج هاشميا، فكان بنو هاشم يتزوجون من القبائل الأخرى لكن هذه كانت أول هاشمية تتزوج من هاشمي.

طيب، هذه فاطمة بنت أسد، طبعا نحن الآن لو عددنا النساء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فمعنا كم حتى الآن؟ قلنا منذ أن ولد طبعا أول سيدة في حياته هي آمنة بنت وهب، تمام. قابلة النبي، من يتذكر من هي قابلة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قابلة النبي هي الشفاء بنت عمرو، الشفاء بنت عمرو وذكرنا أنها أم سيدنا عبد الرحمن بن عوف، ذكرنا هذا في المجلس الماضي. السيدة الثالثة في حياته ثويبة مولاة أبي لهب، وذكرنا أنها أول من أرضعته وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة بن عبد الأسد، تمام. والتي بعدها حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم وكان اسمها أم أيمن بركة الحبشية، وحليمة السعدية، والآن معنا فاطمة بنت أسد.

طيب، فاطمة بنت أسد ذكرنا أنها زوجة أبي طالب، إلا أنها أسلمت على خلاف أبي طالب وقد مات كافرا كما هو مشهور، وبعض ما يروى في ذلك يقول أنها كانت من السابقين للإسلام، وفي هذا كلام، يعني لا أستطيع أن أثبت هذا أو أن أنفيه الآن، يحتاج إلى تدقيق، ولكن يعني لم أره إلا في مصادر شيعية، أنتم تعرفون طبعا الشيعة احتفوا احتفاء شديدا بكل ما هو متعلق بعلي رضي الله عنه، فهذه فاطمة أم علي رضي الله عنه فلذلك نسبوا إليها من الأمور ما لا يثبت، فربما هذا منه، أنا لم أحقق هذا في واقع الأمر. فالقصد أنها، لكن إسلامها ثابت وهجرتها ثابتة وهي ماتت في المدينة، ولما ماتت كفنها النبي صلى الله عليه وسلم بقميصه، ونزل قبلها إلى القبر، وكان إذا ذكرها يقول: ما وجدنا أحدا أبر بنا بعد أبي طالب إلا فاطمة. فهي كانت بمثابة الأم للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أمه آمنة بنت وهب.

طيب، إذا نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البيت وفي هذا الجو، يلاه أبو طالب وكذلك تكلاه زوجته فاطمة بنت أسد.

أهم ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته الأولى هذه كان كالاتي: الأمر الأول هو رعي الغنم. يعني الآن نحن نتكلم عن النبي وقد صار في التاسعة والعاشرة والحادية عشرة، فأول ما يظهر من حياة النبي صلى الله عليه وسلم هنا وقد بدأ يدخل في مرحلة أنه صبي وغلام، هو رعي الغنم. رعي الغنم أيضا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وقد ذكر هذا في حديث يقول فيه: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. فقالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. قراريط يعني بمصطلحنا المعاصر قروش، القيراط هو جزء من الدينار أو من الدرهم، فكما يعني الليرة مثلا عدد من القروش، الجنيه المصري عدد من القروش، فكأنه كان يرعاها على ثمن زهيد صلى الله عليه وسلم.

لكن هنا مسألة رعي الغنم هذه تحتاج إلى وقفة، أنت حين تتأمل أنها سنة من سنن الأنبياء لابد أن تتوقف عندها، يعني ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فلا بد أنه في هذه المهنة على وجه التحديد سر من الأسرار، وإلا فنحن نعرف أن عددا من الأنبياء مارسوا مهنا أخرى، لكن المهنة التي مارسوها جميعا هي رعي الغنم، فلا بد أن في هذا معنى. طبعا العلماء اجتهدوا في محاولة فهم لماذا رعي الغنم على وجه التحديد، فمما قيل في ذلك أنه الغنم حيوان ضعيف، الغنم، الخراف، الشياه حيوانات ضعيفة، وهذه حيوانات في رعيها حيوانات متعبة، يعني ليست الإبل، ليست البقر، ليست الحيوانات التي يمكن أن تدفع عن نفسها أو أن تدافع عن نفسها، فهو حيوان ضعيف، فلذلك رعي الغنم أصعب من رعي الإبل ورعي البقر، لأنه لضعفها فإنها قد تهاجم من قبل الضواري أو الذئاب أو الأمور المفترسة، فهذا يحتاج إلى راعٍ لغنم أشد يقظة لكي يحمي هذه الغنم. وقيل كذلك لأنه أيضا الغنم حيوان أشبه.

بالبشر، لأن الغنم هذه يكون في الجمع من الغنم يعني كما نقول في مصطلح المعاصر، حيوان مزاجي يكثر فيه الكسل ويكثر فيه الاختلاف ويكثر فيه التفلت والشرود، بخلاف البقر والإبل فإنها أضبط، أضبط وأحكم. يعني هو مش بس حيوان ضعيف، لا ده هو حيوان ضعيف ومتعب أيضاً؛ تجد منه من يتكاسل ويتباطأ، سياسة لأنه لا بد له من أن يرعاها جملة، ولا بد له أيضاً من أن يعتني بها أفراداً تمام. وهي وهو حيوان بطيء الأكل، ليس أيضاً كالغنم وليس كالإبل وليس كالبقر، لا هو حيوان يعني هذه هذه النزعة المزاجية أيضاً تتبدى فيه؛ فلذلك ينبغي على الراعي أن يطمئن إلى حسن ارتياده المرعى وحسن أخذ هذه الأغنام نهمت من مرتع، وأن ليست الأغنام يعني بالحيوان الذي يستطيع أن يعني يذهب إلى المرعى يعني أو كما كما يقال بالمصطلح العام يعني مش الحيوان اللي عارف مصلحته، لا لا بد للراعي أن يرتاد له الأماكن فيتقدم عليه، ولا بد للراعي أن يجنبه المهالك، يعني كثيراً ما ترى الغنم يمكن أن يسقط من علٍ، لكن لا ترى هذا كثيراً في البقر أو في الإبل، لكن الغنم لا، فـهناك نوع من الـغفلة والشرود والتفلت وعدم إدراك المصلحة، فسبحان الله يقولون وكأنه يعني كان الغنم كان لهذا أشبه شيء بالبشر، البشر أيضاً فيهم الـاختلاف الشديد وفيهم الشرود وفيهم الغفلة وفيهم التفلت على ما فيهم أيضاً من الضعف والحاجة إلى من يرعاهم؛ يعني الناس لا يصلحون بلا راعي، وقد قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا. ولا بد من طبائع الاجتماع أن يقود الناس أحدهم، يعني لا يستطيعون أن يحيوا حياة البرية اللي هي حياة الضواري والسباع والحيوانات المفترسة.

وعني الخلاصة هنا أن الغنم كان أشبه شيء بالبشر، وهذا سبحان الله يذكرنا أيضاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو في البخاري ومسلم؛ أشبه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه مع الناس تشبيهاً بليغاً فكان يقول: ما مثلي ومثلكم أو في رواية ما مثلي ومثل الناس إلا كرجل استوقد ناراً، رجل أشعل ناراً فصارت الهوام والفراشات ينجذبون إلى النار شيء منير، فكما تحدث قال: وأنا آخذ بحجزكم عنها ولكن تتفلتون مني. وتتقمص في يعني وصف النبي لنفسه مع الناس وحرصه عليهم وتفلتهم منه فيه هذا المعنى الذي نحكيه في مسألة رعي الغنم، وأنه الغنم كحيوان، وطبعاً ذكروا أنه من كان يرعى الإبل والبقر فيكون أشد شكيمة وأقوى وأكثر خشونة، بينما الذي يرعى الغنم يكون أكثر رقة ورحمة ورأفة لأنه حيوان ضعيف حيوان محتاج، ويعني حيوان يكثر منه التفلت. وذكروا بعض الأمور طبعاً ذكر العلماء بعض الأمور التي تتوفر للراعي بشكل عام، وأنه يعني يضطر إلى أن يحيا في الصحراء ويحيا في المناطق المفتوحة، فيكون لديه من الوقت للتأمل والتفكر ومعاينة السماء الصافية والحياة الممتدة ما لا يكون مثل ذلك لمن يقيم في المدينة أو لمن يعالج شأن الناس، فهذا كله مما استخرجه العلماء من مسألة ما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم.

لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ١٢ عاماً وقعت له حادثة مشهورة جداً وهي حادثة بحيرا الراهب، هذه الحادثة أخصرها أن أبا طالب خرج إلى الشام في تجارة، فاستعصم النبي، فراق أبي طالب لم يرد أن يفارقه، فأراد أن يصحبه، فأبو طالب فما كان من محمد إلا أن بكى، فرق له أبو طالب واصطحبه معه في هذه التجارة، حتى ومضوا في القافلة حتى إذا كانوا في مدينة بصرى على مشارف الشام، مدينة بصرى مدينة معروفة في الأردن على مشارف الشام، إلا وجاءهم راهب من رهبان النصارى يعرفونه، فأقبل عليهم يتخللهم، يعني القافلة التي فيها الله أعلم عشرات أو مئات من الناس، أقبل عليهم يتخللهم، وكانت عادة هذا الرجل ألا ينتبه إليهم، هو أصلاً راهب في صومعة يتعبد ويتفرغ لهذا، لم يكن من أهل الدنيا، وكم مروا عليه فلم يأبه له، فمضى يتخللهم حتى وقف على محمد صلى الله عليه وسلم وصار يقول: هذا سيد العالمين، هذا رحمة الله للعالمين، هذا يبعثه الله للعالمين. طبعاً هذا يعني مشهد مفاجئ للغاية بالنسبة لعموم الناس، فقالوا له: وكيف ذلك؟ طب وما علمك بذلك؟ أنت إيه اللي بتقوله ده؟ فقال لهم: أنتم منذ أشرفتم من العقبة ما بقي من شجر ولا حجر إلا وسجد له. طبعاً هذه أمور لا يمكن أن تدرك بمجرد النظر، فلا تدري هل هذا الرجل كان يعني على قدر من العبودية والروحانية بحيث إنه يرى ما قد لا يتاح للبشر، أم أن هذا أمر قد تهيأ له هو لما يعرفه من علامة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم لم تقدموا إلا وقد سجد له كل شجر وحجر، وإني لأعرفه من خاتم النبوة أسفل غضروفه كالتفاح، فإذا هو أيضاً التقط علامة من علامات النبوة وهو هذا خاتم النبوة الذي كان يعني بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه في مجلس ماضٍ ونحن حين سردنا قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه.

ثم إنه أولم لهم يعني صنع لهم وليمة ودعاهم إليه، وحاول أن يجاهد القوم على ألا يقدموا به إلى الشام، لأنه طبعاً الشام الآن الشام في ذلك الوقت هي موطن النصرانية وفيها كبار كبار النصارى كبار الرهبان، وذكرنا في قصة سلمان الفارسي أنه حين سأل عن أصل هذا الدين النصرانية قالوا له بالشام فذهب إلى الشام وبقي هناك في خدمة اثنين من القساوسة لو تتذكرون، فهنا ظل بحيرا الراهب يساوم ويفاوض ألا يُقدم بمحمد إلى الشام، يقول: فإنك لو قدمت به عرفته النصارى وعرفه الروم؛ الرومان طبعاً كان في ظل السلطة البيزنطية، وأنهم يقتلونه، وما زال به حتى رجع بابن أخيه إلى مكة ولم يستكمل رحلته إلى الشام. تذكر الرواية بعد ذلك أنه ما أن فصلت العير عنه ورجع أبو طالب بمحمد إلى الشام حتى جاءه بعض الجنود من الروم، يقولون: إنا قد علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الوقت، وقد أرسلت شرطة في كل طريق ونحن المكلفون بهذا الطريق، يعني هؤلاء هم شرطة هذا الطريق، وطبعاً يقصون ويفتشون ويسألون، فقال لهم يعني فيما معناه: هل تعلمون إذا أراد الله أمراً أن ينفذه هل أحد يقدر أن يمنعه؟ فقالوا: لا. قال: فذكر لهم أنه قد رأى هذا النبي وأنه عاد، وعاهده على أن يرجعوا ولا يعني على أن يرجعوا دون أن يتبعوه، فعاهدوه. بحيرا الراهب هذه كانت من أوائل العلامات المبكرة التي بان النبي صلى الله عليه وسلم، بان أن هذا الفتى هذا الغلام وهو في الثانية عشرة من عمره هو النبي الموعود المرتقب المنتظر الذي تنتظره الفئات المؤمنة وذات العلم من النصارى.

هنا حصل يعني في موضوع بحيرا الراهب وقفة؛ لأنه نحن لدينا أمران يجب أن نقف عندهما، الأمر الأول: هذه القصة وردت من طرق كثيرة لكن كل هذه الطرق فيها مقال، فيها ضعف، هذه القصة وردت يعني على النمط الحديثي بمعايير علماء الحديث، الروايات التي وردت فيها روايات كثيرة، لكنها لا تخلو من مقال، وبالتالي فإذا رأيت بعض الناس يضعفها فله في ذلك وجه وقول، لكن كثرة الطرق تدل على أن الحكاية لها أصل تمام، وبعض الطرق صححها بعض العلماء، هذه هذا جانب يجب أن يعرف في قصة بحيرا الراهب. الجانب الثاني: هو ما حاوله بعض المستشرقين المعاصرين، طبعاً يجب أن نعرف المستشرق اللي هو غير مسلم وغير مؤمن، حين أحد المعضلات يا جماعة الخير، أحد المعضلات التي تواجه الباحثين الغربيين والنصارى واليهود حتى الآن، هو كيف لمحمد وهو لم يقرأ ولم يكتب ولم ينشأ في بيئة مسيحية أو يهودية أن ينطق بالقرآن الحافل بالمعلومات والبيانات التي لا يمكن أن تعرف إلا في بيئة مسيحية أو يهودية، هذه أحد المعضلات إلى الآن، ولذلك فبعض أجنحة وبعض توجهات المستشرقين يحاولون أن يقولوا إن مكة المذكورة ليست هي مكة التي نعرفها الآن وإنما هي مدينة في الشام؛ لماذا لجؤوا إلى هذا؟ ليحاولوا تفسير كيف جاء النبي بالقرآن والسنة بمعلومات غزيرة وكثيرة جداً عن المسيحية وعن اليهودية، وفيها قدر من الجدل والرد، وهو قد نشأ أصلاً في بيئة وثنية. وطبعاً هذا مأزق يتعرضون له، لكن الذي أريد أن أقوله الآن أن قصة بحيرا الراهب وجد فيها بعض المستشرقين وسيلة لكي يقولوا بأنه هذا هو المعلم الأول الذي أخذ منه محمد علم النصارى.

الآن أنت لو مستشرق أو لو غربي لا تؤمن بالنبي ولا تؤمن أن ما نزل عليه من الوحي، كيف يمكنك أن تفسر ما ذكره النبي؟ لا بد أن تلتمس له مصادر بشرية، تمام، وطبعاً قد فعل ذلك المشركون حين قالوا: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لأنه واحد لا يستطيع أن يقول الشعر ولم يكن له قدرة على القراءة ولم يكن له معلمون مشهورون، كان أمياً، ثم نزل عليه يعني نزلت عليه الحالة فجأة، فصار يقول يحدث عن أخبار الماضين ويحدث عن أخبار الأنبياء ويحدث عن بني إسرائيل، فهذه كلها صاروا يلتمسون لها مصادر بشرية، فهنا اتكأ كثير من المستشرقين على بحيرا الراهب لكي يقولوا إنه أول من لقن محمداً صلى الله عليه وسلم علم النصارى، وطبعاً هذا بعيد ولا يمكن تصديقه لأنه بالنهاية الرواية تحكي عن فتى في عمر الثانية عشرة، وتحكي عن لقاء عابر لم يستمر كثيراً، وتحكي عن لقاء شهده عدد من الناس ولم يكن سراً بينهم، وبالتالي فيستحيل في اللقاء العابر مع الفتى الصغير مع المشهد الكبير أن يلقنه بحيرا الراهب شيئاً، ثم يبقى هذا الشيء مكتوماً لا يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى الأربعين من عمره، تمام، فبالتالي يعني ما يحيط بقصة بحيرا الراهب يجب أن ننتبه إليه كما ذكرت في مسألة ثبوت القصة أولاً وفي مسألة ما اعتمد عليه بعض المستشرقين في أن يتخذوا منه مصدراً بشرياً لعلم النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب إذا كانت هذه بداية، يعني كما قلنا أحد أهم دلائل النبوات التي بزغت في حياة النبي نفسه، وإلا فما ذكرنا قبل ذلك من معرفة أهل الكتاب به هو سابق حتى على مولده. نأتي هنا إلى نشأة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت نشأة عفيفة وقد عصمه الله تبارك وتعالى من أن يتلوث بشيء من أدران الجاهلية وشيء من يعني أديان الجاهلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمس صنماً قط ولم يأكل مما ذبح على الأنصاب، يعني لم يتلبس النبي صلى الله عليه وسلم بفطرته النقية بشيء من الجاهلية التي كان قومه عليها، حتى ما يكون من أمور الشباب هذه أيضاً قد عصمه الله تبارك وتعالى عنها، وقد روى عن نفسه قال: ما صبوت إلى ما يصبو إليه الشباب إلا مرتين؛ مرة قلت لصاحب لي: ارعَ على غنمي حتى أنزل إلى مكة الليلة فأسمر فيها كما يسمر الشباب، قال: فنزلت فسمعت يعني ضرب الدف وهكذا فسألت: ما هذا؟ قالوا: فلان يتزوج فلانة، قال: فشغلت بذلك حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا حر الشمس. يعني هو بمجرد ما دخل في هذا الحال ألقى الله تبارك وتعالى عليه النوم حتى لم يوقظه إلا حر الشمس، حاول مثل ذلك مرة أخرى فحدث مثل ما حدث، وبالتالي فعرف النبي أنه قد صرف عن هذا، وهنا كذلك يجب أن نتذكر؛ اختلف العلماء في مسألة أيهما أرفع منزلة الذي لم يعصِ أم الذي عصى وتاب؟ هذا نقاش بين علماء الرقائق والتصوف وطبعاً لا ندخل فيه، لكل فريق منهم أدلته، لكن الانصراف عن المعصية أصلاً يصعب اقتراف المعصية؛ يعني حتى ما نعرفه من أحوال الأصدقاء والشباب ومن يسألون، الإنسان الذي نشأ في بيئة طاعة لم يعرف المعصية أصلاً، هذا مهما دعته نفسه إلى العصيان ومهما هزمته فإنه لا يعرف كيف يعصي، ليست بينه وبين المعصية طريق، يعني من نشأ في بيئة صالحة أو من نشأ في صحبة صالحة، هذا إذا أراد أن يعصي لم يعرف كيف يعصي، بخلاف الذي المعصية أمامه ممكنة ومتاحة فهذا يجاهد نفسه ويجد نفسه وربما غلبته نفسه فوقع في المعصية لأنه السبيل أصلاً متاح يعني مبذول.

الأمر الثاني: فالذين يقولون إنه المصروف عن المعصية أعظم قدراً من التائب، أحد أدلتهم هذا الذي نحكيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صُرف أصلاً عن اقتراف المعاصي، تمام، وأن صفيه وخليله أبا بكر، قتيبة كيف الحال؟ بخير أكرمكم الله، وأن الذي وأن صفيه وخليله أبا بكر رضي الله عنه أيضاً لم يتلبس بما تلبس به أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمس وثناً، لم يسجد إلى صنم، كذلك لم يقترف ما كان يقترفه الشباب في وقته من اللهو، وبعض العلماء حمل هذا الكلام حتى على اللهو الذي ليست فيه معصية، يعني بعض العلماء قالوا بأن النبي صرف حتى عن هذا المباح الجائز لأنه لا يجوز في حق صاحب الرسالة، فصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك أظن في مسلم عن جبير بن مطعم، جبير بن مطعم كان أهل الجاهلية، كانت قريش في الجاهلية يعني هذه أحد العلامات أيضاً على تجنب النبي ما وقع فيه أهل الجاهلية في زمنه.

قريش كانت ترى أنها أفضل العرب منزلة؛ لأنهم أهل الحرم، ومن توابع هذا أنهم لا يقفون بعرفة، يعني صحيح من مناسك الحج ومن دين إبراهيم أن يقف الحجاج بعرفة وأن يفيضوا من مزدلفة، فهم لكي يرتفعوا ويرتقوا وافقوا ما صنعوه لأنفسهم من المرتبة العالية، قالوا: نحن أهل الحرم لا نعظم شيئاً من الحل، يعني عرفة هذه والمزدلفة هذه يقفها الناس غير أهل الحرم، أما هم فلا يخرجون في وقت الحج من مكة. طيب، فهنا جبير بن مطعم في حديثنا يقول: إن هو أضللت بعيراً لي، يعني أحد بعير له شرد وهرب، فالتمس، يعني انطلق ليلتمس، قال: فرأيت محمداً على عرفة، فقلت: إن هذا من الحمس، الحمس يعني قريش، فما جاء به هاهنا؟ فكان النبي، عرفنا من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يوافق أهل الجاهلية في عباداتهم وما اخترعوه وما اختلقوه لأنفسهم، وإنما كان يلتمس ما كان عليه إبراهيم عليه السلام حتى لو خالف في ذلك قومه.

ومن هنا نشأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه النشأة العفيفة، فكان أبر الناس وأتقى الناس وأرحم الناس وأطيب الناس، حتى عرف واشتهر في قومه بلقبه الصادق الأمين. والصدق والأمانة هما رأس مال الداعية، الصدق هو رأس مال الداعية، الإنسان الكذاب أو الكذوب أو من يعرف منه الكذب هذا لا يمكنه أن يؤتمن على دعوة أو رسالة، ولذلك طبعاً هذا يعرفه الناس حتى في حياتهم، الإنسان الذي تعرف أنه كذاب لن تأتمنه على شيء، لكن الذي لم تجرب عليه كذباً هو الذي تأتمنه، فما كان يمكن أن يكون النبي نبياً ولا أن يكون الرسول رسولاً إلا لو أنه أظهر صفاته الصدق. وذكرنا في حديث هرقل، حديث أبي سفيان مع هرقل لما سأله: هل يكذب؟ فقال أبو سفيان: لا، ما جربنا عليه كذباً، فقال هرقل: فلقد علمت أنه ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله.

مسألة أن تكون النبي هذا الذي يقول أنا نبي له احتمال من اثنين ولا ثالث لهما: إما أن يكون أصدق الناس، وإما أن يكون أكذب الناس. الرجل الذي يزعم لنفسه أنه نبي إما أن يكون صادقاً، وإما أن يكون أكذب الناس؛ لأنه سيضطر في كل يوم وفي كل موقف أن يزعم شيئاً ويكذب شيئاً، يعني هذه دعوة لا بد أن تدخلك في مسار، إما مسار من الصدق أو مسار من الكذب. لا يمكن للذي يكذب مرة أو مرتين أو الكذب في حياته قليل أن يزعم أنه نبي تمام. فكل نبي سيكون مكلفاً أن يتكلم بوصايا وتعاليم، وأن يتصرف في مواقف، وأن يقول إنما حصل كذا، وهنا سبحان الله من الأمور التي لفتت نظري جداً، ما كنت قرأته لمستشرق فرنسي اسمه إيميل درمنغم له كتاب اسمه حياة محمد، هذا لو لم تخن الذاكرة الآن في المصدر، إذا لم تخن الذاكرة في المصدر أيضاً وأراجع، لكنه كان يقول: لما حصل كسوف الشمس في اليوم الذي توفي فيه إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، دي فرصة ممتازة لأي داعية أن يقول: نعم! أنت رجل يزعم أنه نبي وتوفي ولده وكسفت الشمس تمام، فرصة لا يمكن تفوت لو أنه إنسان يكذب. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أما إنها لا تكسف لموت أحد ولا لحياة أحد. فهذا الرجل، هذا المستشرق إيميل درمنغم إذا لم تخن الذاكرة كان يقول: وهذه أحد المواقف التي تشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو لم يكن صادقاً لكان بالضرورة قد زعم أنها كسفت لموت ولده إبراهيم، وقد كان أحب الناس إليه تمام.

القصد يا جماعة الخير أن الصدق هو رأس مال الإنسان، رأس مال صاحب الفكرة، رأس مال الداعية. ومن هنا نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم، البخل عيب ممكن يصيب المؤمن، أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم يكون جباناً، قالوا: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا. الكذب صفة خارقة، صفة مسقطة للعدالة، لا يستقيم معها إيمان المؤمن، ولذلك مسألة الكذب هذه مسألة خطيرة للغاية، وخطيرة جداً جداً جداً. والإنسان حين يعود نفسه الصدق ويجنب نفسه الكذب يتعود على قوة الشخصية وعلى مواجهة النتائج وتحمل المسؤوليات، لكن الذي يعود نفسه الكذب يعود نفسه النفاق ويعود نفسه الضعف ويعود نفسه التخلي عن المسؤوليات وعدم تحمل النتائج، فالكذب خطيرة جداً، وتعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، الكذب يهدي إلى لا تجد رجلاً استمرأ الكذب إلا وقد تدحرج حاله إلى الفجور؛ لأنه يستطيع الكذب ويستسهل الكذب، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، وانظر هنا إلى دقة اللفظ النبوي، يتحرى الكذب يعني يحاول يدقق ويفكر أي الكذبات أفضل، يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.

فصفة الصدق على وجه التحديد هي أرفع المراتب في مراتب الأخلاق، ومن ذلك قالوا: إن الصديقية مرتبة الصديقية أرفع عند الله من مرتبة الشهداء، وهي التي تتلو مرتبة النبيين، وأخذوا ذلك من قول الله تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. فمرتبة الصدق في مسألة الرسالة هو خدش في مسألة الرسالة، وهذا مما ينبغي أن يكون واضحاً وظاهراً. وبعد ذلك ذكرنا أن النبي نشأ عفيفاً ونشأ على خلق ونشأ حتى عرف بالصادق الأمين.

العمل الآخر الذي تولاه النبي، العمل الآخر الذي يذكر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو عمله بالتجارة، وهذه التجارة أيضاً أمر يحتاج إلى توقف، يعني لماذا اختار الله لنبيه راعي الغنم أولاً ثم اختار له ثانياً التجارة؟ طبعاً مما هو معروف الآن ويتكلم عنه الخبراء في مسائل علم النفس والاجتماع وفي مسألة الشخصية وطباع الشخصية أن المهنة جزء من تكوين صاحبها، المهنة جزء من تكوين صاحبه. طيب الآن تابعوا معي يا أحباب، نحن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استرضع في بني سعد، ومن الحكم في هذا أن يكون فصيحاً بليغاً، ولا بد أن يكون فصيحاً بليغاً في أمة فصيحة بليغة، لأنه كما ذكرنا لا يمكن أن ينجح الداعية بين قوم هم مبرزون في مجال هو فاشل فيه، يعني لا يمكن أن يسود التجار رجل فاشل في التجارة، لا يمكن أن يسود الفنانين والرسامين رجل فاشل في الرسم، لا يمكن أن يسود الكتاب والباحثين رجل فاشل في الكتابة وفي البحث وهكذا. فلذلك كان لا بد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منطقه فصيحاً يتزعمهم هم أهل الفصاحة والبيان.

وأما رعي الغنم فقد ذكرنا قبل قليل حكمته، الآن أهل مكة أهل تجارة، وذكرنا في المجالس الأولى أن مكة كانت مدينة تجارية، وكانت موئلاً لقبائل العرب لأن فيها الحج، ثم كانت على الطريق التجاري البديل الذي يصل الشرق بالغرب خصوصاً حين تنقطع الطرق البرية التي تصل بين الشرق والغرب لما يكون من المعارك التي كانت بين الروم والفرس، يعني حين يصطدم الفرس والروم في الشام والعراق، فطريق التجارة البديلة التي تأتي ببضائع الهند والصين إلى الغرب أين تسلك؟ تسلك الطريق الجنوبي الذي يمر بالجزيرة العربية ويعبر على مكة، ولذلك كانت مكة عاصمة تجارية، وكان فيها رحلات الشتاء والصيف. فلا بد في قوم يمتهنون التجارة، بل صاروا تجاراً عالميين، أن يكون الذي يدعوهم ويتزعمهم رجلاً تاجراً، بل ورجلاً ناجحاً في هذه المهنة في التجارة. ومن هنا نرى أن عمل النبي بالتجارة كان أحد الأسباب أو أحد الأمور التي هيأته لكي يتزعم قومه ويستطيع أن يدعوهم.

الأمر الثاني أنه حقيقة التجارة هي حقيقة التعامل مع النفوس، يعني إذا كان مثلاً مرحلة رعي الغنم هذه تمهيد أو تدريب أولي على مسألة سياسة الجموع والأفراد ومراعاة الضعفاء والمحتاجين، فالتجارة هي مرحلة التدريب المتخصص -بالمصطلح المعاصر-. حقيقة التاجر أنه ليس فقط التاجر الذي يستطيع حسبة الأموال، حقيقة التاجر هو الذي يستطيع عقد الصفقات، ويستطيع أن يتفرس في أخلاق الناس، ويستطيع أن يراهن على هذا. وأصلاً دخول التاجر في المساومات هو ما يجعله قادراً على المغامرة، يعني هو يعرف متى يعرض السعر الأعلى على هذا ومتى ينزل مع هذا في السعر، يتكون له بخبرته في التجارة قدر من الفراسة وقراءة الناس، كيف يساوم، كيف يهادن، من الذي يؤجله بلا ضمانات، من الذي يشترط عليه الضمانات، تمام، من الذي يدخل معه في صفقات، من الذي يتجنب الدخول معه في صفقات. حقيقة مسألة التجارة هذه من الأمور التي، يعني أخبر الناس بالناس هم التجار بمصطلح هنا المعاصر رجال الأعمال، أخبروا الناس، مش علماء النفس ومش خريجي كلية التجارة، هذه كلها مساقات دراسية وأمور أكاديمية يمكن أن تعرفها نظرياً ثم تفشل في تطبيقها عملياً. حقيقة الأمر من الذي يستطيع أن يخاطب غرائز الناس وأفكار الناس ومغريات الناس؟ هو التاجر؛ لأنه أكثر الناس احتكاكاً والتصاقاً.

وهذا السائب بن أبي السائب لم يكن هناك، يعني لم ير هو أصلح منه ولا أصدق منه، وكذلك كان معه في تجارته، وسرعان ما بزغ شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التجارة، فصار معروفاً أن محمداً يتاجر في الأموال فيربح فيها ما لا يربح غيره، وكانت هذه بداية لأن تتعرف عليه السيدة خديجة رضي الله عنها. طبعاً السيدة خديجة يجب أن يكون لها وقفة أخرى إن شاء الله تكون في المرة القادمة، لكن الذي نريد الحديث عنه الآن أنه السيدة خديجة، طبعاً السيدة خديجة نستطيع أن نقول كانت من سيدات الأعمال بالمصطلح المعاصر، كانت ذات مال، وكانت تزوجت قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم برجلين: رجل من بني تميم ورجل من بني مخزوم، الأول اسمه هالة ابن أبي هالة، طبعاً اسم هالة هذا كان العرب يطلقونه على الرجال والنساء، هالة كانوا يطلقونه على الرجال والنساء، وهو طبعاً يعني هذه الألفاظ المشتركة مشهورة، والعرب عندهم، هذا يذكرني بأمر آخر، أحد المخرفين الضالين المضلين في مصر اسمه لويس عوض، هو طبعاً مات قديماً ولكنه كان أحذف الجار زمانه، وله كتاب اسمه مقدمة في فقه اللغة العربية، رد عليه الدكتور إبراهيم عوض بكتاب: مقدمة في فقه اللغة العربية أم في التهريج والبهلوان؟ لأنه قال من ضمن ما قال فيه إنه يعني أن العرب لا تسمي الأسماء التي ظاهرها أنثوية، طبعاً هذا كلام لا يقوله إلا جاهل بأبسط المبادئ؛ لأن أسماء العرب مليئة: عتبة وشيبة وربيعة وأسامة وحنظلة، يعني العرب كثير في أسماء رجالهم هذا اللفظ الذي ينتهي بالتاء، تاء التي توحي بأنها تأنيث. القصد هنا أن السيدة خديجة كانت تزوجت قبل النبي صلى الله عليه وسلم برجلين ثم بقيت بغير زوج، وكان طريقتها في التجارة هي طبعاً ذات مال، فكانت تعطي التجار أموالها ليتجروا فيها مقابل الاتفاق على نسبة من الأرباح كما يحدث في كل المناطق.

فهنا كان كانت تستعين في هذا بغلام لها اسمه ميسرة، وميسرة هذا لما سمع بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يتجر ويربح في التجارة ما لا يربحه غيره، فقد اقترح على سيدته ومولاته أن نتاجر معه، فوافقت على هذا خديجة رضي الله عنها. ومما يدل على ذلك، مما يدل على قوة النبي صلى الله عليه وسلم ومهارته في التجارة، أنه لم يصل أبداً إلى الشام، يعني رحلتي الشتاء والصيف، الرحلتين إلى الشام واليمن هذه رحلات تجارية، فالقوافل تخرج من مكة حتى اليمن وحتى الشام فتتجر وتعود. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الشام أصلاً، فكان هذا دليلاً على ماذا؟ على أنه ينتهي من تجارته قبل أن تنتهي القافلة من رحلتها في الطريق، يعني قبل أن يصل التجار إلى الشام، قبل أن تصل القافلة إلى الشام، يكون النبي قد أنهى تجارته وعاد، وهذا من دلائل مهارته صلى الله عليه وسلم في التجارة.

وهنا توفر الصدق والأمانة مع التجارة أمر من أصعب ما يكون ومن أندر ما يكون أيضاً، أنتم تعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين". والله تبارك وتعالى قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ. طبعاً أنا لي بعض أقاربي تجاراً، فأنا أشهد بأنه يعني غريزة البيع هذه مقاومتها عمل من أعمال الكبار؛ يعني حين يأتيك مشترٍ، تكون على وشك الدخول في صفقة ثم يؤذن المؤذن، ندر يكاد ينعدم أن أرى من كان على وشك إتمام صفقة ثم أذن المؤذن فترك الصفقة إلى المؤذن، ندر، وندر جداً أن يكون التاجر قد دخل في صفقة خاسرة ثم لا يجتهد في توزيعها أو بيعها بما استطاع من وسائل التسويق والترويج، ونوع من التورية، طبعاً هؤلاء هم المؤمنون، أما الآخرون فبما أراد من وسائل الكذب والحلف بالكذب، وأنا خلاص قلنا الكذب يهدي إلى الفجور، فالكذابون هؤلاء أمرهم منته، لكن أنا أتكلم الآن عن الصالحين، الصالحين الذين يعملون بالتجارة هم الحقيقة في مهمة عظيمة.

جدا، لأنه في كل حركة بيع، في كل صفقة يعني التزامه بالصدق والأمانة هو في الحقيقة خسارة. التزامه بالصدق والأمانة يؤدي إلى الخسارة، ولولا ما يكون عند المؤمن من الثقة في الله والثقة في أن الله هو الرازق وأنه يعمل للآخرة لا يعمل للدنيا؛ لما كنت تجد تاجراً صادقاً، لأنه بالوسائل المادية الصدق عكس التجارة وعكس الربح. تمام، وأستاذ خالد أهو راجل أعمال واعد يحدثكم عن الصفقات.

الخلاصة يعني فالنبي صلى الله عليه وسلم عمله بالتجارة كان يهيئه لعدد من الأمور التي يعني من الضروري أن تكون عنده كنبي في قريش؛ أولاً أن يعمل بالتجارة وأن يبرز فيها لأنه بين قوم تجار بارزين في التجارة، والأمر الثاني أن تكون هذه التجارة محط اختبار حقيقي لصدقه وأمانته وأخلاقه. تمام، نحن سنأتي بعد قليل لحادثة الكعبة وسنرى أنه يعني انظروا هذا المجتمع التاجر الغني الذي يعني ينفق أهله الأموال الطائلة سيعجز عن بناء الكعبة بأموال حلال، المجتمع التاجر حين اشترطوا على أنفسهم أن يبنوا الكعبة بأموال حلال لم يستطيعوا أن يتموها وهي مجرد بناء مربع، فبنوا بناءً مربعاً ثم وضعوا حجر إسماعيل، موقف يشهد حتى الآن بأن المجتمع كان غارقاً في الحرام، وأن هذه الأموال الطائلة الحلال فيها لا يستطيع أن يقوم بمبنى بسيط كالكعبة من قوم تجار.

كانت هذه التجارة تثبت اختبار صدقه وأمانته وأخلاقه، وهذه التجارة هي الطريق الأول لمعرفته بالنفوس وتعاملاته مع النفوس؛ لأنه سيدخل بعد ذلك في حديث النفوس وفي محاولة إصلاح هذه النفوس وفي هداية هذه النفوس، فمعرفتنا بالناس واختبار معادنهم وأن يكون له فراسة في الناس؛ هذه كانت من الأمور التي لا يحققها إلا التجارة، وسنرى بعد ذلك أن التجارة كانت هي مورد مالي ستعيش عليه الدعوة الإسلامية سواء في زمن خديجة ما نفعني مال كما نفعني مال أبي بكر.

آه طيب إذا إذا نتوقف هنا، وأعني نستكمل إن شاء الله في المرة القادمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمله بالتجارة وما بعدها. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.