بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا اللقاء أن يجمعنا على حوض نبينا صلى الله عليه وسلم، وألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله. هذا هو المجلس الرابع والعشرون من مجالس السيرة النبوية، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم.
بداية يجب أن نقول: نحن الآن في أيام العشر الأوائل من ذي الحجة، هذه الليلة الثانية، ولا شك أن أكثركم سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
طبعاً يعني الأحاديث والآيات في فضل الجهاد كثيرة وعظيمة، فحين تسمع أن العمل الصالح في هذه العشر موافق أو يساوي الجهاد في سبيل الله، ولا يدانيه إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشيء من ذلك، فأنت تستشعر يعني عظمة هذه الأيام. ولا شك أن عظمة هذه الأيام يعني عظمة وتضاعف شأن الجهاد في هذه الأيام؛ فالمجاهد في سبيل الله في هذه العشر يضاعف الله له ثوابه أجراً كثيراً.
ونحن الآن جزاكم الله خيراً، ومسألة الجهاد نفسها أيضاً من المسائل يعني التي تشتعل في واقعنا وفي أمتنا. والجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال، بل الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس في كتاب الله تسع مرات تماماً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: من جهز غازياً -هذا جهاد بالمال- فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير، وهذا جهاد بالمال وبالدعم وبرعاية أهله. وقال صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وقال صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.
فنحن الآن في وضعنا المعاصر هذا حياتنا تقريباً كلها جهاد، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم. فلا يكاد مسلم يوجد في عصرنا هذا وهو منفك عن مسألة الجهاد، لأننا نحن الأمة الآن في حالة تحتاج فيها إلى كل مجهود؛ كل مجهود يعني. أنتم تتابعون المحرقة المستمرة في غزة، تتابعون محرقة مثلها وأشد منها في بعض الأحيان في السودان، وهناك أمور مسكوت عنها ومنسية؛ يعني لعل بعضكم طالع ما يجري في طاجكستان. طاجكستان من البلاد الإسلامية يعني العريقة في التراث الإسلامي، ولكن ما تزال دول وسط آسيا هذه تحكمها بقايا الشيوعية، فمنذ أسبوعين صدر فيها قرار يحظر الحجاب في طاجكستان، وطبعاً هذا بخلاف التضييق وهدم المساجد، ومنع تدريس يعني التعاليم الإسلامية لمن هو أقل من 18 سنة، ويعني أمور كثيرة لا نطيل بذكرها الآن.
وكذلك يبدو نحن الآن أيضاً مقدمون على موجة أخرى لا يكاد يسمع عنها أغلب الناس في أراكان أو في بورما أو في ميانمار، وطبعاً هؤلاء قوم أصحاب مملكة إسلامية عريقة هي مملكة فطاني، ولكن جرى احتلالها من دولة بورما وهجروا. القصد يعني الأمة الآن في حاجة إلى كل سهم، إلى كل قرش، إلى كل كلمة، إلى كل جهد. فهذه الأيام العشر مظنة أن يتضاعف فيها أجر هذا الجهاد؛ الجهاد بالمال، الجهاد باللسان، الجهاد بالنفس، فأنا أوصيكم ونفسي بالاهتمام بثغر الجهاد في هذه الأيام.
طيب، نستكمل ما كنا توقفنا عنده في المجلس الماضي، وهو نحن ذكرنا أن بعد إخفاق القرشيين في رد المسلمين من الحبشة، هذا كان في أوائل العام السادس للهجرة، قلنا إن العام السادس شهد حادثتين كبيرتين وهما إسلام سيدنا حمزة وإسلام سيدنا عمر. سيدنا عمر كان الرجل الأول في بني عدي وكان من سفراء قريش، وسيدنا حمزة كان الرجل الثاني في بني هاشم، فيعني خلال أيام قليلة فوجئ القرشيون بضربتين كبيرتين، وهاتان الضربتان للقرشي كانتا بمثابة القفزة لأحوال المسلمين، ولذلك قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وبدأ المسلمون في ذلك الوقت يخرجون إلى أن يتعالموا بإسلامهم وأن يصلوا عند البيت الحرام طالما موجود معهم عمر وحمزة، خصوصاً وأن عمر كما قلنا أجاره وأدخله في جواره العاص بن وائل السهمي -اللي هو أبو سيدنا عمرو بن العاص- لأنه بني سهم كانوا حلفاء لبني عدي في الجاهلية. وذكرنا رواية البخاري في أن عمر رضي الله عنه كان يوشك أن حوصر بيته وكان يخشى على نفسه القتل لولا أن أجاره العاص بن وائل السهمي.
طيب، بهذا الوضع ذكرنا أن قريشاً بدأت تسلك مسلكاً آخر في التعامل مع المسلمين، وهو مسلك التهدئة ومسلك محاولة الوصول إلى الإغراءات والمفاوضات، ولم يكن هذا حادثاً قبل ذلك، وذكرنا أنه هذه من الأمور الطبيعية؛ أي مجتمع حين تظهر فيه ظاهرة جديدة فالأول يتعامل معها بالتجاهل، وكان هذا مع نبينا صلى الله عليه وسلم، لما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الجهر بالدعوة لم يزل قومه يعني لم يقربوه ولم يباعدوا منه في البداية. طيب لما تتحول إلى ظاهرة يبدأ في محاولة علاجها من خلال الدستور والقانون الموجود، كاللجوء إلى أبي طالب في إسكات النبي صلى الله عليه وسلم، التضييق عليه، النظر شزراً، السخرية والاستهزاء، يعني الأمور التي تقع في حدود ما يحتمله القانون والدستور بتاع المجتمع.
طيب، إذا تصاعد الأمر فيبدأ في الاضطهاد والتعذيب، لكن أيضاً وفق القانون والدستور المسيطر على المجتمع، وقد ذكرنا مثل ذلك. الآن حين تقدمت الدعوة ويعني كثر أهلها ودخل فيها رجال من كبار القوم دخلنا بعد ذلك في مسألة المفاوضات والمساومات، وذكرنا من هذه الأساليب أساليب رد النبي صلى الله عليه وسلم عما كان يدعو، فذكرنا أنه ذهب وفد من كبار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرضوا عليه أن يعبد إلههم عاماً ويعبدوا إلهه عاماً، فقالوا: وإن كان في آلهتنا خير فقد أصبنا منها، وإن كان في إلهك خير فقد أصبنا منه. فقال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فنزل قول الله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ. الرد الجازم القاطع.
وقال بعض العلماء أيضاً: وأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ، وهذا أيضاً فيه الصرامة والحزم والقطع. وذكر في بعض الروايات ذكر الوليد بن المغيرة للنبي صلى الله عليه وسلم قال: وإن كنت تخشى أن يقول العرب.. يعني تعال نعبد آلهتنا عاماً ونعبد إلهك عاماً، وإن كنت تخشى أن تقول العرب، بدل قل: أمرني ربي بذلك. فنزل قول الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ. فكان هذا رداً شديداً من النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين.
طيب، ذهب إليه كبار قريش وقد اجتمعوا، انظروا أيكم أعلم بالشعر وبسحر وبكهانة، فقالوا: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو قريب من النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي معه في عبد مناف. وعتبة أبو امرأة مشهورة هي هند بنت عتبة، وهند زوجها أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس. عتبة بن ربيعة ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أيها الرجل، أنت خير أم عبد المطلب؟ السؤال المحرج الأول، أنت خير أم عبد المطلب؟ فإن كان خيراً منك.. يعني فقد عبدوا الآلهة التي عبدت، وإن كنت خيراً منهم فتكلم نسمعك؛ يعني كان فيها إن كنت تجرؤ أن تقول أنك خير منهم فتكلم، قل هذا. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في هذا الأمر الجانبي، هذه المعارك الجانبية.
وبالمناسبة مسألة المعارك الجانبية هذه من المسائل الشديدة الأهمية التي يجب أن ينتبه إليها الداعية أو المناظر، لأنه لا بد من محاولات التشتيت، لا بد. وأنتم تقرؤون في قول الله تعالى في قصة موسى وفرعون، سيدنا موسى ذهب إلى فرعون فقال له: أن أرسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم. كيف رد فرعون؟ قال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ. إيه علاقة ده بالآلة؟ لكن شوف هو فتح إيه؟ فتح ملفاً آخر، ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين، سيبنا من الأول؛ يعني هو ترك موضوع الإله وسيفتح بقى ملف الأمن بتاع سيدنا موسى ده، أنت أصلاً مطلوب للعدالة وأنت زمان كان عليك حادثة قتلة، ده غير أننا أصلاً لنا فضل عليك، أنت تربيت في قصر فرعون.
ماذا فعل سيدنا موسى لأن هذه فعلاً قد تكون نقطة ضعف؟ فقال الآتي: قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين، مش من الكافرين، أخطأت فعلاً، ففررت منكم لما خفتكم، لأنكم لو عندكم لم أكن لأفر، فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين، وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل؟ فعاد إلى أصل الموضوع. ففوت على فرعون الهروب إلى معارك جانبية، فساعة إذ قال فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ طيب، دخلنا في الموضوع. فسيدنا موسى قال: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. قال للملأ حوله: أَلَا تَسْتَمِعُونَ؟ محاولة هروب أخرى. سيدنا موسى قال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. فرعون يقول: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. منتبه إلى محاولات فرعون الحيد عن الموضوع وسيدنا موسى يعود بالكلام إليه، إلى أن قال فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. فمسألة الحيد إلى المعارك الجانبية مسألة مهمة.
فهنا سكت النبي صلى الله عليه وسلم لم يجب عن ذلك، قال عتبة: ما كنا ذكرناه لكم أيها الرجل، إن كنت إنما تريد بهذا الأمر الذي جئت به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد السيادة سُدناك علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كانت إنما بك الباءة -الباءة يعني الشهوة- فاختر أي نساء قريش شئت فلننزوجنك عشراً، وإن كان الذي يأتيك رئياً -يعني عندك حالة نفسية، هوس لابسك الجن- جماعة التمسنا لك الطب، فإنا والله ما رأينا على قومك منك، وهذه برضو الإهانة، أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا وعبت آلهتنا فما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى حتى نقوم فنتفادى بالسيوف. الآن قريش في وضع مربك متوتر، ربما صرخة حبلى واحدة تتسبب في اشتعال حرب أهلية.
طيب، كل هذا والنبي ساكت. أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم صدر سورة فصلت كما ذكرناه في المجلس الماضي، وهنا عتبة بن ربيعة الذي هو أعلم قريش بالشعر وبكهانة أوقف النبي صلى الله عليه وسلم عند قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ.
ذكرنا أنه رأس مال الداعية هو الصدق، فهذا الذي خوف عتبة بن ربيعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجرب عليه كذب قط، والنبي صلى الله عليه وسلم تلا عليه الآيات التي تجعل الأمر ليس متعلقاً به، المسألة ليست من عندي، إنما هو تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم انتقى الآيات التي تعبر عن دعوته وتعبر عن عظمة الله تبارك وتعالى وتخرج الأمر من سياق قريش إلى سياق الكون كله. طيب، هنا عاد عتبة بن ربيعة إلى قريش، هم طبعاً بمجرد ما رأوه قد جاء قالوا: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. طبعاً هنا روايتان، رواية تقول: جاء إليهم فقال: والله ما عقلت مما قال شيئاً إلا ذكر الصاعقة. قالوا: ويحك، يكلمك رجل بالعربية فلا تفهم عنه؟ قال: والله ما عقلت شيئاً إلا أمر الصاعقة.
هذا يفسر على شيئين، أنه روح القرآن، هيبة القرآن، يعني المعاني التي هجم بها القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة أذهلته، وهذا يحدث معنا كثيراً، أنت أحياناً يفتنك خطيب مفوه، أو حتى الجماعة اللي بيسمعوا أغاني يعرفون هذا، تسحرك أغنية فإذا انطفأت أو إذا سكت الخطيب وقلت له ماذا قال الخطيب أو ماذا قالت الأغنية؟ لا أدري، ما يعرفش، لكثرة ما سحرته هذه وشغلته عن نفسه فتنته عن نفسه، يحدث.
والتفسير الثاني ما توضحه رواية أخرى وهو أن عتبة بن ربيعة زاد على ذلك قوله: يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، اجعلوها بي يعني اعصبوها براسي، خلوها عندي، يعني كما تقول: اسمع كلامي المرة دي، فوتها لي، يعني هكذا. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما يدعو إليه، فوالله ليكونن لقوله شأن.
عظيم، ده كلام لا يعقل! فإن تصبه العرب، يعني هو هذا الكلام لا بد سيؤدي إلى قتال بينه وبين العرب. نحن ذكرنا في المجالس الماضية أن أهل الجاهلية كانوا يفهمون الإسلام ربما أكثر من كثير من المسلمين اليوم؛ كانوا يفهمون مباشرة أن الإسلام دعوة فيها إقامة دولة ونظام وحكم وسلطان. دولة، لا بد، لا بد الدول تقوم على المواجهات، لا بد! مافيش دولة قامت بسياق نفسها، كل دولة في التاريخ لها حرب تأسيس، لها حرب استقلال، لها حرب تحرير، زي ما كل دولة نهايتها برضو حرب انهيار وحرب زوال، وحرب يعني انتهاء وسقوط. فالعرب فهموا منذ اللحظة الأولى أن هذه دعوة ينبني عليها نظام حكم وسلطان وجماعة، فهو يقول: أطيعوني يا معشر قريش واجعلوها لي، فوالله ليكونن لقوله شأن عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتم بغيركم، فما دخلناش إحنا كقرية، تمام؟ قول عاقل، قول حكيم، وقول يدل على فهم عتبة بن ربيعة لهذه الأوضاع والأحوال.
فانبعث له أبو جهل وهو يقول: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. إحنا عندنا أبو جهل ده قائم على الكفر، قائم على يعني حارس معبد الكفر، لا يترك لحظة ولا فرصة ولا أمل أن يتسرب إلى الناس إيمان إلا ويقف فيه. وحقيقة كان أبو جهل عمرو بن هشام شخصية قوية، وشخصية استطاعت في حكم توافقي -إحنا ذكرنا أن قريش قبل ذلك كانت إيه حكمها؟ حكم توافقي جماعي، حكم قبلي وليس حكما رئاسيا أو عاميا- ومع ذلك حقيقة فكان رأيه هو الذي يمضي ولا يستطيع بقية زعماء قريش أن يخالفوا عن رأيه. وهنا يا جماعة هذا يعيدنا إلى الحديث الذي ذكرناه في المرة الماضية؛ حديث ابن عمر، حديث البخاري، وهو قول قوله صلى الله عليه وسلم، قول ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله يدعو: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك؛ بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام. قال عبد الله بن عمر: فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب. طبعاً في هذا الحديث أيضاً تدرك فهم النبي صلى الله عليه وسلم لخريطة المجتمع، فهم النبي لمعادن الرجال، فهم النبي إلى أنه من العناصر التي إذا دخلت في الإسلام يحقق الإسلام قفزة، وأنت في الآخر هذين الرجلين ماذا صار؟ عمر بن الخطاب الرجل الثاني في الإسلام بعد أبي بكر، وأبو جهل الرجل الذي قاد قريشاً إلى هلكتها، صحيح بس إيه؟ قاد قريشاً واستطاع أن يمضيها على رأيه.
وبالمناسبة هذا درس، هذا درس نغفل عنه كثير ويغفل المشايخ وتغفل الحركات الإسلامية عنه كثير جداً جداً. شوفوا يا جماعة صلوا على النبي، انظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك. طيب، الآن أنا لو سألت، لو عملنا استقصاء وسألنا فيه المشايخ وسألنا فيه قيادات الحركات الإسلامية، وسألنا فيه العاملين للدين: اختر أهم شخصيتين في بلدك لكي تدعو لهما بهذا الدعاء، يعني مين الشخصيات النافذة التي إذا دخلت في العمل للدين، دخلت في الإسلام، اعتنقت الفكرة والرسالة والدعوة الإسلامية يتغير شأنها؟ تجد جهلاً كبيراً، تجد غفلة شديدة، غفلة شديدة، جهل كبير! إحنا الآن الدول، خصوصاً في عالمنا العربي، الدول تشبه الصناديق السوداء؛ أنت لا تعرف من الذي يحكم، من الذي يأخذ القرارات، من الشخصيات النافذة، لا تستطيع أن تعد أهم عشرة، عشرين، خمسين شخصية في البلد. والجزائر مثلاً باعتباره نموذجاً يعني مشهوراً؛ الجزائر قبل 2019 قبل أن تحدث فيها الثورة التي تم امتصاصها مع الأسف، الكل كان يعرف أن عبد العزيز بوتفليقة لا يحكم، مريض وفي المستشفى، لا يحكم، ولا أحد يعرف من الذي يحكم. بلاش الجزائر، إحنا في مصر؛ إحنا في مصر قبيل الثورة بسنوات كلنا كنا نعرف أن حسني مبارك جاوز الثمانين وصحته لا تحتمل، وأغلب أوقاته يمضيها في شرم الشيخ، طيب من الذي يحكم؟ على وجه اليقين لا نعرف، كلها تخمينات؛ تتكلم في زكريا عزمي، تتكلم في صفوت الشريف، تتكلم في فريق جمال مبارك. طيب يا جماعة الخير، هل يمكن أن تنتصر حركة إسلامية أو يمكن حتى أن تخوض معركة أو تخوض مواجهة أو تخوض دعوة، بلاش معركة ولا مواجهة، وهي لا تعرف خريطة العدو، خريطة الخصم، خريطة الطرف المقابل؟ هل ممكن؟
تشبيه ضربته كثيراً: لو تصورنا أنه اثنين من الملاكمين، واحد ضعيف وواحد قوي، لكن القوي هذا عُصبت عيناه، لمن تكون نتيجة المعركة؟ للضعيف؛ لأنه القوي ده مش شايف. طيب، الذي في واقعنا الآن أن الملاكم الضعيف هو اللي معصوب عيناه، ولذلك هذه أمتنا كما تراها كما قال الشاعر: إني تذكرت والذكرى مؤرقةٌ مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناهُ أنا نظرت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه، أو كقول الآخر: قد استرد السبايا كل منهزمٍ لم يبقَ في أسرها إلا سبايانا وما رأيت سياط الظلم داميةً إلا رأيت عليها لحم قتلانا وما نموت على حد الظبا أنفًا حتى لقد خجلت منا منايانا فأنا أتذكر، سبحان الله، كان أحد قيادات الإخوان في مصر من جيل السبعينات، يعني الذي يعرف جيل السبعينات، وهو الدكتور إبراهيم الزعفراني، كتب يكتب مذكراته وينشرها على حلقات على الفيسبوك، فمما نشره -وأظن هذا في سنة 2016 إن لم تخن الذاكرة- قال إنه كان هناك خطوط حمراء للإخوان المسلمين في مصر، يعني كأنه اتفاق غير مكتوب، من هذه الخطوط الحمراء طبعاً أن لا يكون لهم تنظيم في الجيش أو في الشرطة و... و... و...، وأن لا يكون لهم أي جهاز معلومات، لا يجمع معلومات لا عن الدولة ولا حتى عن الأحزاب الأخرى. طيب، هذا يفسر لك كيف يمكن أن تصعد إلى السلطة ثم تهبط منها هذا الهبوط؛ لأن أنت لا ترى، لا تعرف.
فأنت حين ترى -طبعاً أنا لم أستطرد- ولكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، لا بد أن ينبهنا إلى إدراك النبي صلى الله عليه وسلم لخريطة الرجال في واقعه ومعادن الرجال؛ أيضاً معادن الرجال؛ لأنه ليس كل من يدخل إلى الإسلام يمثل إضافة، ولذلك دخل سيدنا عمر فصار الرجل الثاني في الإسلام، شوف سبق الذين سبقوه في الإسلام معدن نفيس! وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقَهُوا. وكذلك ينبهنا هذا الحديث إلى أمر آخر وهو وسيلة الدعاء، وهذه وسيلة مغفول عنها أيضاً، يعني كم من خصوم الإسلام الآن تجد من المشايخ من يهتم بالدعاء لهم بالهداية؟ وسيلة الدعاء للخصوم هذه أيضاً وسيلة مغفول عنها، فيجب أن ننتبه إلى مثل هذه الأمور.
طيب، إذاً عتبة بن ربيعة عاد بغير الوجه الذي ذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعدنا مرة أخرى. طيب، لكن في هذه السنة التي فيها مراحل المفاوضات والإغراءات عرض على النبي صلى الله عليه وسلم عرض آخر، طيب. العرض الآخر يقول: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، إحنا يعني ممكن نؤمن بس بشرط إيه؟ نعمل تجديد في الخطاب الديني! يعني القرآن ده فيه مشاكل، غير موافق للعصر، غير موافق لعادات مكة وتقاليدها، غير موافق لشعبها العريق والعظيم، يعني فيه بعض الإساءات التي لا نقبلها، ائت بقرآن غير هذا أو بدله. فده برضو محاولة من قريش للايه للتنازل، عرض جديد تمام. النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه قول الله تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ. مما يعني نتأمل فيه حتى في كلام عتبة بن ربيعة وحتى في هذا العرض، أحياناً المشركين لا يستوعبون أن رجلاً يفتح على نفسه هذه الجبهات وهذه المعارك وهو مخلص لها، وإنما يتوقعون أن وراء ذلك غرضاً من أغراض الدنيا؛ يعني لما هو رايح يقول له: إن كنت تريد ملكاً، إن كنت تريد النساء، إن كنت تريد مالاً، فهو لا.. يعني كان في ذهنه وفي ضميره قناعة بأنه ليس ثمة من يتحمل أن يفتح على نفسه هذه الجبهات دون أن يكون له غرض من أغراض الدنيا. الآن هم يحاولون إيه؟ المناورة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإضعاف موقفه: ائت بقرآن غير هذا أو بدله. قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ. وهذا نظير رد النبي على عتبة: تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. ثم يقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ. تمام؟ وهنا استدل النبي صلى الله عليه وسلم بتاريخه في الصدق: قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. هذه خطوة أخرى من قريش للتنازل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، جاء عرض آخر، وهذا العرض الآخر ورد من حديثين صحيحين، أحدهما عند مسلم عن سيدنا سعد بن أبي وقاص والآخر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. المسلمون كما قلنا بعد إسلام سيدنا عمر صاروا يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشكل علني، فيقول سيدنا عبد الله، يقول سيدنا سعد في الحديثين: مر نفر من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم، حديث سعد، ومعه ستة نفر يسميهم حديث عبد الله بن مسعود: سعد وعبد الله بن مسعود وصهيب وبلال وعمار وخباب، فلما رأوه جالساً قالوا له: اطرد هؤلاء عنك كي نجلس إليك ونسمع منك. يبقى إحنا كده إيه برضو تنازلنا تنازلاً آخر، أنه يعني إيه ليس من مقامنا ولا من شرفنا أن إحنا نجلس مع إيه مع هؤلاء، وبعض الرواية تزيده تفصيلاً فتقول: نحِّ هؤلاء عنك كي لا يسقط قدرك وكي يعظم قدرك، يعني أنت يا محمد في الصدر من بني هاشم، قاعد مع الجماعة التعبانين دول والضعفاء والأراذل، و... يعني حتى علشان نعرف نتكلم مع بعض شرفاء ووجهاء وأعيان، لكن دول إيه؟ حاجة، يعني هؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا. استنكروا أن يكون هؤلاء سبقوا إلى الخير، وذلك كما قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ. فهنا هذه الآية، الأول هم قالوا إيه؟ نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، وبعد كده عرضوا للنبي شأن الدنيا، وبعد كده قالوا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، بعض التعديلات، الآن بيقولوا إيه؟ نحِّ هؤلاء عنك كي نجلس إليك. هؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا فنزل قول الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. قال تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
فأيضاً منع الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من أن ينزل حتى عن هذه المرتبة لكبار قريش؛ لأنه الحق لا شرط عليه، الحق لا شرط عليه، هذا أمر مهم جداً. من الطرائف هنا كنا مرة في زيارة لقصر الاتحادية أيام الدكتور مرسي رحمه الله، فأحد الأشخاص يعني من فريق الرئيس مرسي كنا نكلمه على مسألة الحوارات مع الليبراليين والعلمانيين، فبيقول: خرج وفد قبل قليل من هنا، فواحدة منهم وهي طالعة بتقول إيه؟ بس ابقوا خلوا بالكم من الفرش كده، ما توسخوه. هناك طبقة موجودة في مصر كان مشكلتها مع الإسلاميين ومع الرئيس مرسي رحمه الله أنه فلاح، أنه من الناس، أنه ما يعرفش ياكل بالشوكة والسكينة مثلاً، مش متعود يكون في قصور أو يجلس على عروش، فهي كانت خايفة على القصر الرئاسي أن الجماعة الفلاحين دول يوسخوه. وعلشان كده حتى كان طلعت توفيق عكاشة لما كان بيقول إيه؟ مش عارف طلب كم كيلو بط علشان ياكلوه في القصر الرئاسي. يا جماعة، الكبر والترفع ويعني الأنفة التي تستعلي على الناس هذا داء خطير، خطير، خطير! يعني أنت ترى الآن من الناس من كان يصدهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أنه معه ضعفاء الناس، لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ، هؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا، ولا تستبعد هذا عن نفسك، ولا تستصعب على نفسك، يعني لا بد أن تقهر نفسك على أن تزن الأقوال، يوزن الحق، ولا يغرنك، كذلك لا يصدنك أن قولاً ما اعتنقه أقوياء الناس ولا أكابر الناس ولا أعيان الناس، كما لا يصدنك أن بعض الأقوال التف عليها ضعفة الناس وفقراء الناس، لا تعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف أهله. فمسألة الكبر هذه مسألة خطيرة جداً.
طيب، فالمهم فمنع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من أن يطرد: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. فجاء عرض آخر، طيب، خلاص إذا كنت لا تريد أن تطردهم فاجعل لهم مجلساً واجعل لنا مجلساً، هيبقى في طبقية داخل الدين، فيما في كده مجلس إسلامي لتعليم الكبار والأعيان والشرفاء، وفي مجلس إسلامي للغوغاء والدهماء والعامة والرعاة، فنزل قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.
وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.
تَمَام، فِي حَدِيثِ سَيِّدِنَا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكُمْ، قَالَ سَيِّدُنَا سَعْدٌ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَقَعَ. هَذِهِ عِبَارَةٌ تُشِيرُ إِلَى أَيْ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى قَوْمِهِ فَكَّرَ فِي الِاسْتِجَابَةِ إِلَيْهِ. تَمَام، وَلِذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا.
وَهَا هُنَا يَا أَحْبَابُ وَهُنَا يَا إِخْوَةُ، انْتَبِهُوا إِلَى هَذَا، انْتَبِهُوا جِدًّا، الصُّمُودُ أَمَامَ التَّعْذِيبِ رُبَّمَا يَكُونُ أَسْهَلَ مِنَ الصُّمُودِ أَمَامَ هَذِهِ الْحُلُولِ وَالْمُغْرِيَاتِ النَّاعِمَةِ. يَعْنِي رُبَّمَا يَنْجَحُ الْمُقَاتِلُ فِي الْحَرْبِ وَلا يَكُونُ بِذَاتِ النَّجَاحِ فِي وُعُودِ التَّفَاوُضِ وَدَهَالِيزِ السِّيَاسَةِ. الْإِنْسَانُ فِي الْقِتَالِ الْحَقُّ وَاضِحٌ وَالْبَاطِلُ وَاضِحٌ، فِي الْقِتَالِ لَكِنْ حِينَ تَأْتِي إِلَى الْمُفَاوَضَاتِ وَالْإِغْرَاءَاتِ وَالْمُسَاوَمَاتِ تَبْدَأُ هَذِهِ يَعْنِي تَبْدَأُ هَذِهِ الْأُمُورُ الْوَاضِحَةُ فِي التَّشَوُّشِ وَتَنَاوُشِ الْغَبَشِ، لا تَدْرِي هَذَا مَطْلُوبٌ، هَلْ هُوَ حَلٌّ وَسَطٌ يُمْكِنُ الذَّهَابُ إِلَيْهِ وَلا هُوَ تَنَازُلٌ قَلِيلٌ لا يَجِبُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ. تَمَام، يَعْنِي تَجِدُ الْمَرْءَ مَثَلًا حَتَّى أَحْيَانًا فِي عَالَمِ الدُّعَاةِ، يَعْنِي تَجِدُ الْمَرْءَ مَوْجُودٌ فِي بَلَدِهِ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ قَانِعٌ بِمَا هُوَ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَتْهُ مَثَلًا فُرْصَةُ عَمَلٍ أَفْضَلَ فِي مَكَانٍ آخَرَ بِرَاتِبٍ أَعْلَى، لا يَقَعُ فِي ذِهْنِهِ أَنَّ فِي هَذَا صَرْفًا لَهُ عَنِ الدَّعْوَةِ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الْمَطْلُوبَ، يَعْنِي بَعْضُ التَّقَارِيرِ الْأَمْنِيَّةِ الَّتِي كُشِفَتْ فِيمَا بَعْدُ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ إِحْدَى وَسَائِلِ تَفْرِيغِ الْبِلَادِ مِنْ بَعْضِ دُعَاتِهَا، لَكِنْ لا يَقَعُ فِي نَفْسِ الدَّاعِيَةِ فِي نَفْسِ الشَّيْخِ أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ هُوَ نَوْعٌ مِنْ صَرْفِهِ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيَشْعُرُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّكْرِيمِ وَقَدْ يَرَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْ يُوَسِّعَ جُمْهُورَهُ أَوْ أَنْ يَسْتَزِيدَ مِنَ الْمَالِ، وَنِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ. يَعْنِي الْخُلاصَةُ أَنَّ الْقِتَالَ وَالْمُوَاجَهَةَ وَالْحَرْبَ الْأُمُورُ فِيهَا أَشَدُّ وُضُوحًا بِكَثِيرٍ مِنْ حَالَةِ الْمُفَاوَضَاتِ وَالْمُسَاوَمَاتِ وَالْإِغْرَاءَاتِ، لا تَكَادُ الْأُمُورُ تَكُونُ وَاضِحَةً فِيهَا، فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُنْتَبَهَ إِلَى هَذَا، يَجِبُ أَنْ يُنْتَبَهَ إِلَى هَذَا.
طَيِّب، هَذِهِ السَّنَةُ كَمَا قُلْنَا كَانَ فِيهَا وَطَبْعًا وَأَنَا أَسْتَخْلِصُ هَذَا التَّرْتِيبَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، الْبُخَارِيُّ مِنَ الْكُتُبِ الْعَمِيقَةِ جِدًّا، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ كِتَابٌ فِي الْحَدِيثِ لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ لَهُ تَلْمِيحَاتٌ وَإِشَارَاتٌ وَلَطَائِفُ فِي تَرْتِيبِ الْأَحْدَاثِ، يَعْنِي تَشْعُرُ مَعَهُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَلَّى بَعْضَهَا أَوْ كَثِيرًا مِنْهَا الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي. هَذِهِ السَّنَةُ أَيْضًا كَمَا كَانَتْ سَنَةَ مُفَاوَضَاتٍ وَمُسَاوَمَاتٍ، كَانَتْ سَنَةَ طَلَبِ الْمُعْجِزَاتِ. تَمَام، فَمِنْ أَشْهَرِ أَوْ مِنْ أَهَمِّ مَا طُلِبَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، طَبْعًا أَنَا ذَكَرْتُ لَكُمْ مَسْأَلَةَ طَلَبِ الْمُعْجِزَاتِ فِي مَجْلِسٍ مَاضٍ لَكِنَّ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ وَقَعَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْأَرْجَحِ، عَلَى الْأَرْجَحِ، وَهِيَ قَوْلُ نَفَرٍ مِنْ قَادَةِ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ.
تَمَام، طَبْعًا هُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى سَبَقَتْ هَذَا وَهِيَ فِي بَابِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُمُ: ادْعُ رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا جَبَلَ الصَّفَا ذَهَبًا وَنَتَّبِعْ، تَمَام، مَوَارِدُ اقْتِصَادِيَّةٌ. فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَكَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتُهُ لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، خَشْيَةً، لِأَنَّهُ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً. شُوف قَوْمُ ثَمُودَ، خَرَجَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ مِنَ الصَّخْرَةِ أَمَامَهُمْ وَصَارَتْ تَسْقِيهِمْ لَبَنًا كُلَّ يَوْمٍ وَيَوْمٍ، عَمِلُوا إِيه؟ عَقَرُوهَا. شُوف الْعِنَادَ، لا حَلَّ لَهُ، الْإِنْسَانُ إِذَا دَاخَلَهُ الْعِنَادُ وَلَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ أَنْ يَقْهَرَهَا عَلَى الْحَقِّ، لا حَلَّ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ. وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ. مَا فِيش حَلٌّ، مَا فِيش حَلٌّ.
طَيِّب، طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقَّ الْقَمَرِ، فَمَكَّنَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، شَقَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الْقَمَرَ، طَبْعًا الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ وَفِي مُسْلِمٍ وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ: فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ أَوْ فَلْقَتَيْنِ، هَذَا كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ قَالَتْ: فَكَانَ بَعْضُهَا قَبْلَ الْجَبَلِ (يَعْنِي حِرَاءَ) وَبَعْضُهَا بَعْدَ الْجَبَلِ، وَقَالَ أَوْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَكَانَ فَلْقَةً مِنْهَا وَرَاءَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً وَفَلْقَةً فَوْقَهُ. يَعْنِي شَقَّ الْقَمَرِ كَانَ عَمَلًا إِيه فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، انْشِقَاقُ الْقَمَرِ. طَيِّب، هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ مَا كَانَ رَدُّ فِعْلِهِمْ عَلَيْهَا؟ كَفَرُوا بِهَا. وَتُورِدُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ (وَإِنْ كَانَ هَذَا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَنَّهُمْ قَالُوا: وَيَرَاهَا الْمُسَافِرُونَ لِئَلَّا تَسْحَرَ بِذَلِكَ أَعْيُنَنَا، فَظَلُّوا يَتَرَقَّبُونَ الْمُسَافِرِينَ: هَلْ رَأَيْتُمْ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا. طَبْعًا مُعْجِزَةُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ يَقُولُ: وَهِيَ مُعْجِزَةٌ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ فِي مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهَا خَارِجُ نِظَامِ هَذَا الْعَالَمِ، يَعْنِي هِيَ لَيْسَتْ كَعَصَا مُوسَى، لَيْسَتْ كَإِحْيَاءِ عِيسَى الْمَوْتَى أَوْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، هَذِهِ خَارِجُ الْعَالَمِ.
هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ وَقَعَ فِيهَا كَلَامٌ أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ لَكُمُ الْآنَ خُلَاصَتَهُ. وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ شُبْهَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهُوَ كَيْفَ أَنَّ حَدَثًا كَوْنِيًّا كَهَذَا (وَهُوَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ) لَمْ تُسَجِّلْهُ تَوَارِيخُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ؟ إِحْنَا دَلْوَقْتِي الْقَمَرُ انْشَقَّ كَيْفَ لَمْ تُسَجِّلْهُ تَوَارِيخُ الْأُمَمِ الْأُخْرَى؟ الْخُلَاصَةُ كَالْآتِي لِكَيْ نُنَظِّمَ الْكَلَامَ: أَوَّلًا، وُقُوعُ الْمُعْجِزَةِ هَذَا ثَابِتٌ، ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ كَمَا قُلْنَا: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وَثَابِتٌ بِأَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، وَهِيَ أَحَادِيثُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ صَحَابِيٍّ، يَعْنِي رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهَذَا هُوَ شَاهِدُ الْعِيَانِ الْأَهَمُّ أَوِ الْأَوَّلُ، وَرَوَاهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَرَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا أَخَذَاهَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَالْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَهُ كَلامٌ لَطِيفٌ يَقُولُ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ" فِي الْمَجَامِعِ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ فَلا يُنْكَرُ هَذَا عَلَيْهِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى الْعِلْمِ التَّامِّ وَالْقَبُولِ التَّامِّ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَسْأَلَةِ وُقُوعِ الْمُعْجِزَةِ لا شَكَّ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ بَعْضُ الْفِرَقِ وَمِنْهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ أَثَارُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَكَذَلِكَ أُعِيدَتْ إِثَارَتُهَا فِي زَمَانِنَا الْمُعَاصِرِ هَذَا، وَهَذَا الَّذِي يَجْعَلُنِي الْآنَ أَتَوَقَّفُ عِنْدَهَا قَلِيلًا. طَيِّب، يَبْقَى بِدَايَةً الْمُعْجِزَةُ وُقُوعُهَا مُؤَكَّدٌ.
ثَانِيًا، فِي زَمَانِنَا هَذَا ظَهَرَتْ بَعْضُ الْوَثَائِقِ وَبَعْضُ الْمَخْطُوطَاتِ الَّتِي لا يَتَسَنَّى التَّأَكُّدُ مِنْ صِحَّتِهَا تَأَكُّدًا جَازِمًا، وَالَّتِي تُسْفِرُ عَنْ وُجُودِ مَصَادِرَ صِينِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ وَهِنْدِيَّةٍ وَمَصْدَرٍ مِنْ حَضَارَةِ الْمَايَا (الَّتِي هِيَ حَضَارَةُ أَمْرِيكَا الْجَنُوبِيَّةِ). طَيِّب، هَذِهِ الْمَخْطُوطَاتُ الْمَوْجُودَةُ مِنْ أَرْبَعِ مَصَادِرَ الْمُفْتَرَضُ لا عَلَاقَةَ لَهَا بَعْضِهَا بِبَعْضٍ تُثْبِتُ وُقُوعَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ، بَعْضُهَا مِثْلُ مَخْطُوطَةِ حَضَارَةِ الْمَايَا هَذِهِ رَسَمُوا الْقَمَرَ مُنْشَقًّا وَحَدَّدُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ (بِالْمُتَابَعَةِ وَالْمُقَارَنَاتِ) حَدَّدُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي فِبْرَايِرَ سَنَةَ 623، يَعْنِي قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
طَيِّب، فَيْنَ الْإِشْكَالُ يَا جَمَاعَةُ؟ الْإِشْكَالُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الْآنَ مَا زَالُوا ضِعَافًا لا يَمْتَلِكُونَ أَدَوَاتِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ بِهَذَا الشَّكْلِ الضَّخْمِ الَّذِي يُؤَهِّلُهُمْ لِلتَّحَقُّقِ مِنْ هَذِهِ الْمَخْطُوطَاتِ بِأَنْفُسِهِمْ. إِحْنَا بِالنِّهَايَةِ حَتَّى فِي حَالَاتِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ نَظَلُّ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا تُنْتِجُهُ الْمَرَاكِزُ وَالْجَامِعَاتُ الْغَرْبِيَّةُ. طَيِّب، فَمَثَلًا الْمَقَالُ أَوْ أَهَمُّ مَقَالٍ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وُجِدَ عَلَى الْإِنْتَرْنِت رُبَّمَا مِنْ سَنَةِ 2006، وَلَكِنَّهُ حَتَّى الْآنَ جَرَى التَّغْيِيرُ فِيهِ 41 مَرَّةً، الَّذِي هُوَ الْمَقَالُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْ مَخْطُوطَةِ مَدْرِيدَ الَّتِي تُثْبِتُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، لِأَنَّهُ مِمَّا وُجِدَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَصَلَ انْقِلَابٌ فِي التَّوَارِيخِ، انْقِلَابٌ فِي التَّقْوِيمِ، يَعْنِي انْقِلَابٌ فِي التَّقْوِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ فِي فَارِسَ وَفِي الْهِنْدِ وَفِي الصِّينِ (يَعْنِي الصِّينُ لَدَيْهِمْ عِيدٌ يُسَمَّى عِيدَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ). وَتَتَكَلَّمُ الدِّرَاسَاتُ عَنْ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَنَةَ 618 أَوْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ 623، فَبِالتَّالِي كَوْنُ أَنَّهُ هُنَاكَ مَصَادِرَ لا عَلَاقَةَ لَهَا بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فَهَذَا يُؤَكِّدُ وُقُوعَ الْخَبَرِ، عَارِف أَنْتَ لَمَّا يَأْتِيكَ الْخَبَرُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ مَصْدَرٍ وَلا عَلَاقَةَ لِهَذِهِ الْمَصَادِرِ (الْمَصَادِرُ دِي لا تَعْرِفُ بَعْضَهَا بَعْضًا) فَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ الْخَبَرَ، لَكِنْ يَظَلُّ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّأَكُّدِ بِنَفْسِكَ مِمَّا يُعِيقُ الْحَدِيثَ عَنِ الْجَزْمِ بِهَذَا.
تَمَام، يَعْنِي مَثَلًا التَّقْوِيمُ الْفَارِسِيُّ الْقَدِيمُ بِدَايَتُهُ كَانَتْ فِي 623، الَّذِي هُوَ حُصُولُ انْقِلَابِ التَّقْوِيمِ هَذَا، يَعْنِي مَوْجُودٌ وَمُثْبَتٌ فِي سَنَةِ 623. الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ حَمِيدُ اللَّهِ يَنْقُلُ عَنْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، هَذَا كِتَابٌ أَلَّفَهُ بِالْإِنْجِلِيزِيَّةِ أَوْ بِالْفَرَنْسِيَّةِ (بِالْفَرَنْسِيَّةِ مُؤَكَّدٌ، وَبِالْإِنْجِلِيزِيَّةِ كَمَا ذَكَرُوا، وَإِنْ لَمْ أَطَّلِعْ أَنَا بِنَفْسِي عَلَى أَيِّ الْكِتَابَيْنِ)، لَكِنْ مَعْرُوفٌ طَبْعًا مُحَمَّدٌ حَمِيدُ اللَّهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الْهِنْدِ الْمَشَاهِيرِ وَأَحَدُ رُهْبَانِ الْعِلْمِ، أَحَدُ أَغْزَرِ النَّاسِ إِنْتَاجًا، مَشْهُورٌ جِدًّا جِدًّا، وَلَهُ أَشْهَرُ كُتُبِهِ "كِتَابُ الْوَثَائِقِ السِّيَاسِيَّةِ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ". ذَكَرَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ حَمِيدُ اللَّهِ أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ الْهِنْدِ رَأَى انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، فَسَأَلَ بَعْضَ الزُّوَّارِ الْجَائِينَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ فَقَالُوا: إِنَّهُ نَبِيٌّ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ وَقَدِ انْشَقَّ لَهُ الْقَمَرُ، فَجَعَلَ وَلَدَهُ خَلِيفَةً عَلَى بَلَدِهِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَابَلَهُ وَأَسْلَمَ، وَبَيْنَمَا هُوَ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ مَاتَ، فَيُقَالُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ عِنْدَ مَوْضِعِ مَوْتِهِ بُنِيَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ فِي الْهِنْدِ.
تَمَام، هَذَا اسْمُهُ شُكْرَتِي فِيرْمَان أَوْ فِيرْمَان هَذَا الْمَلِكُ فِي مَلِيبَار. طَيِّب، هَذِهِ الرِّوَايَةُ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةُ مَوْجُودَةٌ فِي مَكْتَبٍ يُسَمَّى "دَائِرَةُ بَيَانَاتِ الْهِنْدِ" مَوْجُودَةٌ فِي لَنْدَنَ وَعِنْدَهَا فِعْلًا يَعْنِي رَقْمُ تَوْثِيقٍ مَوْجُودٌ، وَلَمَّا بَعْضُ الْقُرَّاءِ سَأَلَ الْمَسْئُولِينَ عَنْ دَائِرَةِ هَذِهِ الْمَكْتَبِ عَنْ وُجُودِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فِعْلًا مَوْجُودَةٌ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا أُسْطُورَةٌ. يَبْقَى إِذَا هَذَا مَصْدَرٌ هِنْدِيٌّ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ الصِّينِيِّ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ الْفَارِسِيِّ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ الْمُتَعَلِّقِ بِكُوبَانِي (هِيَ حَضَارَةُ الْمَايَا). ثُمَّ سَمِعْتُ أَنَا الدُّكْتُورَ زَغْلُولَ النَّجَّارَ حَفِظَهُ اللَّهُ يَذْكُرُ فِي إِحْدَى حَلَقَاتِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ بَرْنَامَجًا عَلَى الْبِي بِي سِي، وَكَانَ أَحَدُ عُلَمَاءِ الْفَلَكِ وَالْفَضَاءِ (يَعْنِي أَنَا سَمِعْتُ الدُّكْتُورَ زَغْلُولَ النَّجَّارَ يَحْكِي عَنْ عُلَمَاءِ الْفَضَاءِ هَؤُلاءِ كَانُوا فِي بَرْنَامَجٍ عَلَى الْبِي بِي سِي) وَسُئِلُوا: يَعْنِي أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى تَجَارِبِ الْفَضَاءِ الَّتِي تَسْتَهْلِكُ الْمَلَايِينَ وَمِئَاتِ الْمَلَايِينَ أَوْلَى بِهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْفُقَرَاءِ؟ فَكَانَ مِنْ إِجَابَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّ زِيَارَتَنَا الْأَخِيرَةَ هَذِهِ إِلَى الْقَمَرِ أَثْبَتَتْ لَنَا بِمَا لا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ هَذَا الْقَمَرَ انْشَقَّ يَوْمًا مَا إِلَى نِصْفَيْنِ ثُمَّ عَادَ وَالْتَحَمَ مَرَّةً أُخْرَى. هَذَا كَلَامٌ سَمِعْتُهُ عَنِ الدُّكْتُورِ زَغْلُولَ النَّجَّارِ عَنْ عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْفَضَاءِ نَسِيتُ اسْمَهُ، لَكِنْ حَقِيقَةً أَيْضًا حِينَ أَرْسَلَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى وِكَالَةِ نَاسَا لِيَسْتَفْسِرُوا عَنْ هَذَا، فَعُلَمَاءُ وِكَالَةِ نَاسَا قَالُوا بِأَنَّهُ لا يُوجَدُ دَلِيلٌ عِلْمِيٌّ حَتَّى الْآنَ عَلَى أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ، يَعْنِي مُمْكِن يَبْقَى هَذَا أَحَدَ اجْتِهَادَاتِ بَعْضِ الْفَلَكِيِّينَ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى أَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ، لَكِنْ يَظَلُّ هَذَا أَيْضًا لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي شَقَّ الْقَمَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُعِيدَ الْقَمَرَ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ أَنْ تَبْدُوَ عَلَى ذَلِكَ آثَارُ الِانْشِقَاقِ.
فَالْخُلَاصَةُ يَا جَمَاعَةُ أَنَّ حَادِثَةَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ مُعْجِزَةٌ ثَابِتَةٌ، لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُتَغَافِرَةَ عَلَيْهَا فِي وَاقِعِنَا تُثْبِتُهَا مِنْ وَجْهٍ يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ "تَعَدُّدَ الْمَخَارِجِ" أَوْ يَعْنِي تَعَدُّدَ الْمَصَادِرِ، لَكِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْمَخَارِجِ لَيْسَ فِيهَا الْمَخْرَجُ الَّذِي يُمْكِنُ بِهِ الْجَزْمُ مِنْ وُقُوعِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِطَرِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ نُثْبِتُهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. تَمَام، مَفْهُوم؟ جَمِيل.
نَأْتِي إِلَى الْوَسِيلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ وَسَائِلِ الْقُرَشِيِّينَ فِي مُحَاوَلَةِ مُفَاوَضَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَخَيَّلُوا أَنْتُمْ مَاذَا تَكُونُ هَذِهِ الْوَسِيلَةُ الْأَخِيرَةُ؟ الْآنَ طَلَبُوا أَنْ يَعْبُدُوا آلِهَةً سَنَةً وَيَعْبُدُوا إِلَهَهُمْ سَنَةً، طَلَبُوا آتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا؟ طَلَبُ الْمُعْجِزَاتِ. مَاذَا يَفْعَلُ الْمُعَانِدُونَ الْآخَرُ بَقِيَ؟ قَالُوا لَهُ: إِيه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ. شُوف، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، قَالُوا: وَاللَّهِ بَصْ آتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ.
شُوف، أَكْثَرُ النَّاسِ لا يَفْهَمُونَ إِلَّا لُغَةَ الْقُوَّةِ حَقِيقَةً وَاقِعَةً. أَكْثَرُ النَّاسِ لا يَفْهَمُونَ إِلَّا لُغَةَ الْقُوَّةِ. الْآنَ أَنْتَ نَبِيٌّ مَا دَلَالَةُ نُبُوَّتِكَ؟ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ، وَهَذَا نَجِدُهُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ: قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا. قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ. فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ طَالَمَا أَنْتَ تَقْرَأُ: ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ.
خُلَاصَةُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ لَوْ إِحْنَا بِنَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ جَانِبِ الْقُوَّةِ، خُلَاصَةُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ فِيهِمْ، بُعِثَ فِيهِمْ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِمْ فَمَاذَا قَالُوا؟ كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، شَاعِرٌ، كَذَّابٌ، مَجْنُونٌ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ وَهُوَ عَدُوٌّ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ رَجُلَ قَالُوا: أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ.
كريم السيف أصدق أنباء من الكتب، في حده الحد بين الجد واللعب. بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب، والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب. هذه قصيدة قالها أبو تمام للمعتصم العباسي لما اجتاح الروم مدينة زبطرة في تركيا الآن وأسروا وقتلوا، فجاء المنجمون وهو يجهز الجيش وقالوا له يعني بلاش بلاش تطلع، النجوم الآن مش في وضعها الطبيعي، وهكذا؛ فعصاه فخرج وانتصر النصر الكبير. فهنا أبو تمام يذكر هذا، يقول: والعلم يعني العلم الحقيقة يعني في شهب الأرماح، الأرماح جمع رمح، فالرماح حين تلقى غزيرة يبقى شكلها زي إيه الشهاب، فهو بيقول شهب الأرماح هي اللي فيها العلم مش الشهب اللي نازلة من السماء، والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين بين الجيشين لا في السبعة الشهب. أين أين الرواية؟ بل أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصا وأكاذيب منمقة، في سفر الأسفار أو رجب نحو هذا، وخوفوا الناس من دهياء مظلمة إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب، دي حسبه. قال وأجبتهم معلنا بالسيف منصتا، ولو أجبت بغير السيف لم تجب. فتح الفتوح تعالى أن يحيط به، نظم من الشعر أو نثر من الخطب.
وشوقي يعني كان يمدح مصطفى كمال في تركيا هنا بعد انتصاراته، فحاول أن يعارض قصيدة أبو تمام فقال: الله أكبركم في الفتح من عجبي، يا خالد التركي جدد خالد العربي. فيقول فيها على نحو ما قال أبو تمام: فقل لبان بقول ركن مملكة، على الكتائب يبنى الملك للكتب. فقل لبان بقول ركن مملكة، على الكتائب يبنى الملك للكتب. هذا مضطرد في يعني كلام الحكماء والشعراء: مسألة القوة، ومسألة الغلبة، ومسألة العلو، ومسألة دي مسائل فارقة تماما في تقبل الفكرة وفي الصدود عن الفكرة، ولذلك قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا.
يا جماعة الفكرة لما تكون مسنودة بقوة يكون لها طغيان وسلطان هائل هائل، فإذا هزمت تبخرت وانقشعت والله تبخرت وانقشعت كان لم تكن، والذي كان يعتنق الفكرة قبل أن تنهزم يتعجب من نفسه كيف كان يعتنقها. وهذا شيء والله يعني أقول رأيناه بأنفسنا وشاهدناه في كلام السابقين وفي خطبهم وفي أحاديثهم وفي كتبهم، يعني نحن عندنا حتى في مصر وكان في الشام وكان في العراق أيضاً، يعني كان هناك سطوة شيوعية هائلة هائلة شيوعيين، يعني بمجرد ما انقشعت الشيوعية انقشع فكرها كان لم يكن، بل كثير من المنظر الشيوعي صاروا من منظر الرأسمالية، والله كانوا يسمونهم المارينز الجدد، المارينز اللي هي قوات البحرية المشاة البحرية الأمريكية، فهؤلاء المارينز اللي هم إيه في باب الكتابة والفكر كثير منهم قفز مباشرة.
فالجماعة المشركين لما فرغت أيديهم صاروا يستعجلون العذاب، يستعجل العذاب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تبارك وتعالى لنبي صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. فهذه كما ذكرت لكم سنة الله تبارك وتعالى في إهلاك الظالمين، سنة ماضية، ولكن الله بعد إهلاك فرعون بسبب من السماء جعل قيادة أو حمل لواء الرسالة موكولاً بأمة، فهذه الأمة إن جاهدت في سبيل هذه الرسالة كان الله معها ونصرها، وإن لم تحمل هذه الأمة الرسالة ولم تجاهد في سبيلها هزمت ونكبت وإن كانت عند الله خيراً من عدوها، فهكذا كان شأن بني إسرائيل، وهكذا شأن أمة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك أهلك الله أبرهة حين أراد قصد الكعبة بالطير الأبابيل، لكن لما ضعفت الأمة مكن الله القرامطة الباطنية من اجتياح الحرم ومن نزع الحجر الأسود ومن انتهاك حرمته، هذا كان في سنة 317 للهجرة، وكذلك يعني يعتبر أن الإنجليز احتلوا هذه الديار، لأنه بالنهاية يعني الكلام الذي حصل سنة 1917 وما بعدها فيما بالثورة العربية الكبرى إنما كان في الحقيقة احتلال أجنبي لهذه الديار مكة والمدينة، وإن كان الإنجليز حافظوا على قشرة عربية عبر الشريف حسين، تمام، ولا تزال يعني مدننا المقدسة حتى الآن هي عملياً تحت الهيمنة الأجنبية عملياً.
تمام المهم بدأنا بعد ذلك في الدخول إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة الحصار الكبير، الآن غادرنا سنة 6هـ من البعثة وبدأنا في سنة سبعة من البعثة، من سنة سبعة إلى سنة عشر كما ذكرنا لكم في خريطة السيرة، كانت سنوات الحصار الكبير حيث حوصر بنو هاشم في شعبهم، وكان ذلك دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. الآن لدينا في هذه أيضاً روايتان؛ الرواية الأولى تقول: إن ملا قريش اجتمعوا بعد فراغ أيديهم الإسلام في انتشار محمد لا يعطينا شيئاً، لا وهم لا يريدون أن يؤمنوا، اجتمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمعوا على قتله تسرب هذا الخبر إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب، فماذا فعل أبو طالب؟ انحاز ببني هاشم إلى الشعب، الشعب يعني نعتبره بلغتنا المعاصرة الحارة الخاصة بهم، المنطقة الخاصة بهم، الحي الخاص بهم، فانحاز أبو طالب ببني هاشم إلى الشعب الخاص بهم، وذلك لكي يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم من أي عملية اغتيال متوقعة. تمام، وهذه هي المرحلة الرابعة في مواجهة الظواهر أنك تلجأ فيما بعد إلى القتل، إحنا قلنا مرحلة التجاهل، مرحلة الوسائل السلمية القانونية، الوسائل العنيفة القانونية، ثم الإغراء والمفاوضات، ثم نذهب إلى المواجهة والقتل. فلما انحاز بنو هاشم في شعبهم ودخلوا، أعلنت قريش أنها ستقاطع بني هاشم فكتبوا كتاباً علقوه في الكعبة، خلاصته قريش وبني هاشم لا يشتروا منهم شيئاً ولا يبيعهم شيئاً ولا يناكحوهم ولا ينكحوا منهم ولا يجالسوهم، فهذه سنوات الحصار أو سنوات المقاطعة.
طيب هذه الرواية الأولى، الرواية الثانية وهي أرجح فيما أرى يعني فيما جاء في المصادر، الرواية الثانية لا تذكر مرحلة الاغتيال، وإنما تذكر أن هذه الفكرة التي بدأوا فيها هي فكرة الحصار كانت فكرة سابقة على فكرة الاغتيال، لأن فكرة الاغتيال ستأتي بعد ذلك عند الهجرة، عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، تمام، ففكرة الحصار هذه تسببت في أن ينحاز بنو هاشم إلى شعبهم، وأن تظل قريش على حصارهم ومقاطعتهم، إلا واحداً فقط من بني هاشم انفرد عن قومه واتخذ سبيل قريش وهو أبو لهب، أبو لهب هذا كيف كيف قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ عمه، عمه مباشرة، بل كان قبل البعثة قد زوج ابنتيه من بنتي النبي صلى الله عليه وسلم عقداً، يعني لم يكونا قد تزوجا وإنما عقد عليهما، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمره أمره ولديه بطلاق بنتي النبي صلى الله عليه وسلم، فصحيح أنه دخل مع المسلمين دخل مع المسلمين من بني هاشم كفار بني هاشم دخلوا معهم أيضاً في الشعب، يعني بنو هاشم الكفار دخلوا مع المسلمين في الشعب، تحملوا الحصار تحملوا الجوع نصرة نصرة لعصبة لقبيلة، لكن في واحد كان يعني عنده وطنية زيادة عن إيه عن بقية قومه فانحاز إلى الوطن الأكبر وهو قريش، تمام، فكان مع قريش على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عداوة بني هاشم.
طبعاً هذا الحصار من يعني السنين المأساوية، لأن أنت لك أن تتصور قوماً حوصروا في بيئة مثل بيئة مكة، فانقطع عنهم الطعام وانقطع عنهم يعني انقطع الطعام، صار وانقطع عنهم البيع والشراء، لذلك طبعاً أنت قد يكون معك المال، ولكن المال هذا الورق أو أو الذهب أو الفضة لا يؤكل لا يؤكل بنفسه، إنما سمي مالاً لأنه في صورة نافعة صورة متمول يعني صورة تستطيع أن تنتفع بها، ولذلك كل شيء نافع يسمى مالاً حتى اقتصادياً يعني، فظلوا على هذا الحال ثلاث سنوات، فكانت سنوات عصيبة حتى أكلوا فيها أوراق الشجر، وحتى كان الرجل لا يخرج ما يخرج البعير لأنه يأكل ما يأكل البعير، تمام، وفي يعني في الحديث الذي نفصله لكم إن شاء الله في المرة القادمة أن أحدهم سيدنا سعد قال: قمت أبول ليلاً فسمعت صوت قعقعة، قال: فعرفت المكان، فلما أصبح الصباح جئت إليه، فما هو القعقع هذا؟ فوجده بقية بقية من جلد جلد بعير، قال: فوضفته وطحنته وتقوت عليه ثلاثة أيام، لك أن لك أن ترى إلى أي حد بلغ بالناس الجهد والصعوبة، ولذلك الإسلام لم يصل إلينا بسهولة يا جماعة، الإسلام وصل إلينا على يعني على أرواح الشهداء، وصل إلينا على طريق من الدموع ومن الأرواح ومن الدماء ومن الأشلاء، يعني الآن نحن نقرأ هذا في الكتب، نقرأه مطبوعاً وبخط جميل لأن قوماً مهدوا هذا الطريق وعبدوا هذا السبيل لكي يوصلوا إلينا أن الإسلام مكتوباً 1 2 3 4، ولا يصل الإسلام إلى الأجيال التي تلينا إلا إذا بذلنا بذلنا في سبيله مثل ما بذل هؤلاء في أيامهم ونكون أيضاً فرعاً عنهم، ولذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ أحد مقامهم لأنهم أول الطريق مفتاح الدين، يعني كل من جاء بعد الصحابة هو ثمرة من ثمرات الصحابة، يعني الآن حين أتكلم عن نفسي في مصر فأنا ومن علموني ومن علموه ومن علموهم ومن علموهم على مدى الأجيال، كلنا في ميزان جيش الفتح الأول في ميزان عمرو بن العاص ثم في ميزان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: والله لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، الصحابة هم مفاتح هذا الدين.
فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرضى عن صحابة النبي أجمعين، إن شاء الله نستكمل في المرة القادمة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي