بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحبا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. هذا هو المجلس الثالث والعشرون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند دروس الهجرة إلى الحبشة، وذكرنا منها: من يذكر كم درساً؟ 16 درساً. تمام.
وختمنا بأنه في الحبشة وقعت يعني نكتة لطيفة مما يحب أهل الملح والطرائف أن يذكروها، وهو أن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه كان هو الصحابي الوحيد الذي أسلم على يد تابعي؛ يعني صحابي أسلم على يد تابعي! وهذا طبعاً مشكل؛ لأن الأصل تعريف الصحابي أن الصحابي هو الذي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات على الإسلام، لكن التابعي هو من لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما رأى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يسلم صحابي على يد تابعي؟ ذكرنا أنه كان سيدنا عمرو بن العاص صديقاً للنجاشي، ولما عاد من هذه السفارة مخذولاً ولم يحقق هدفه، ثم مضت الأيام وما يزال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في علو، وهاجر النبي وكون الدولة الإسلامية، ثم جاهد النبي صلى الله عليه وسلم وعمرو بن العاص أدرك حتى غزوة الخندق، ثم فهم عمرو بن العاص بذكائه أن أمر هذا الرجل في علو، فاتخذ لنفسه طريقاً هداه إليه ذكاؤه، وهو أنه يخرج من مكة فلا يدخل بعد ذلك في حرب محمد صلى الله عليه وسلم؛ تمام، على أساس أنه إذا انتصر النبي صلى الله عليه وسلم فسيدنا عمرو لن يكون موجوداً، يعني لن يذوق مرارة الهزيمة والخذلان مرة أخرى. طيب، فإذا انتصرت قريش ففي النهاية يظل عمرو بن العاص هو داهية، ويعني الرجل العبقري الذكي. فبالنهاية سيدنا عمرو بن العاص كذا رجل كفء في كل الأحوال، حتى لو أنه غاب عن قومه فترة ثم عاد إليهم فسيُرجى إليه. فلما ذهب إلى النجاشي وبقي هناك طبعاً ذكرنا أن النجاشي أسلم. ولما انتهت غزوة الخندق ودخل النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في الدعوة العالمية بعد صلح الحديبية، أرسل الرسائل إلى الملوك، فكان ممن أرسل الرسائل إليه النجاشي: من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فكان عمرو بن العاص في هذا الموقف عند النجاشي، طيب حامل الرسالة، السفير الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلاً اسمه عمرو بن أمية الضمري، هذا الرجل السفير كان أحد المسلمين الذين أصابوا من قريش في الغزوات، ففكر سيدنا عمرو في أنه لو قتل هذا الرجل فسيكون هذا نوعاً من العمل الذي يقدمه عند قومه عند قريش. تمام، فاستأذن النجاشي بما بينهما من الصحبة أن يعطيه ويسلمه هذا الرسول، فغضب النجاشي وقال: ثكلتك أمك يا عمرو، أأسلم إليك رسول رجل يأتيه الوحي من السماء؟ فكانت هذه الكلمة أصابت قلب سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه، وعرف طبعاً النجاشي رجل عنده علم من أهل الكتاب وعرف أن هذا الرجل نبي حقاً، فأسلم على يد النجاشي، ثم ذهب من الحبشة إلى المدينة ففاز بالصحبة، والنجاشي لم يذهب إلى المدينة فبقي النجاشي تابعياً لأنه رأى الصحابة، ولكن سيدنا عمرو حقق الصحبة، فهذا تفسير هذه النكتة اللطيفة في بأن سيدنا عمرو صحابي أسلم على يد تابعي.
طيب، نحن ذكرنا 16 درساً، وحقيقة بقي درس واحد لا بد أن أشير إليه وأن نعبر عليه، وكنت قد أشرت إليه من قبل في المجالس الماضية، وهو أن الإسلام دين عملي، الإسلام دين عملي وليس ديناً نظرياً؛ الإسلام ليس نظرية، الإسلام ليس فلسفة؛ تمام، الإسلام ليس كتاباً مكتوباً، الإسلام دين عملي. وأنت إذا نظرت إلى سيدنا جعفر لما أراد أن يبسط قضية الإسلام عند النجاشي، ذكر له ما كان أهل الجاهلية يفعلون، قال: يا أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأوثان، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وعدد عليه أمور الجاهلية؛ تمام. فبعث الله إلينا رسولاً منا نعرف حسبه ونسبه وصدقه وأمانته، فأمر بأن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بصلة الأرحام، وعدد عليه أمور الإسلام العملية، وعدد عليه أمور الإسلام العملية. طيب، هذا يفيدنا في أمرين يا جماعة الخير: الأمر الأول، الإسلام لو دعوة نظرية فقط، لو فلسفة، كان النبي صلى الله عليه وسلم سيظل عند معنى التوحيد دون أن ينطلق إلى آثار التوحيد العملية؛ تمام، يعني سنظل ندخل في مبحث الإلهيات، مبحث النظريات الذي تطور فيما بعد في الفكر الإسلامي وفي التراث الإسلامي كما تطورت أديان الناس أيضاً إلى المباحث الكلامية النظرية، المباحث المتعلقة بصفات الله، المباحث المتعلقة بالتصور النظري الذي نشأ حوله علم الكلام، الأمر الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم وجاء في آية القرآن الكريم ألا نخوض فيه، مسألة القدر، لا تتكلم في ذات الله، لأن هذه أمور لا تبلغها عقول البشر، وقد كان هذا أول الفساد الذي دخل على الفكر الإسلامي وتراث الإسلامي، ونهض له العلماء، وطبعاً كان في طليعتهم في ذلك الوقت أئمتنا من أول الإمام مالك الذي لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، ورفض الكلام في هذا الموضوع، الإمام الشافعي له كلام في هذا، ثم لما نجم هذا الشأن في أيام الإمام أحمد بن حنبل وقف أيضاً له وقفة كبيرة وقال: لا نخاطب الناس إلا بما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تمام، طيب ماذا؟ أنا ذكرت لكم أنه يفيدنا في أمرين، يفيدنا في أن الإسلام دين عملي وليس فلسفة نظرية، ومعنى ذلك الذي يغرق في الفلسفة النظرية ويذهب في مسالكها ودروبها ويهتم بهذا الملف، هو في حقيقة الأمر لا يصلح وإنما يفسد؛ لأنه أولاً ينصرف عن الأثر العملي إلى ما لا عمل فيه ولا يبنى عليه، وغالب الناس لا يفهم هذا أصلاً فضلاً عن أن يعمل به، فهو ينصرف عما فيه عمل وفيه ثمرة وفيه أثر ونتيجة إلى الأمور العقيمة التي لا ينبني عليها عمل، والأمر الثاني أنه في انصرافه هذا يترك الفساد الموجود من شأن الجاهلية فعلاً، يعني هو شغل عقله بما لا ينبني عليه عمل وانصرف عن إصلاح شأن الجاهلية. تعال يا قصوة تعال، تعال.
فلذلك يا جماعة الخير يجب أن ننتبه، وذكرت لكم أنه الأنبياء حين أرسلهم الله إلى أقوام، كان مقتضى التوحيد الذي جاءوا به هو إصلاح ما لدى هذه الأقوام من الفساد؛ يعني: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ، وَأَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، الأثر العملي للتوحيد في القوم الذين يطففون المكيال والميزان أن يوفوا المكيال والميزان، يأتي سيدنا لوط فيدعوهم إلى عبادة الله ويدعوهم إلى ترك الفاحشة التي كانوا عليها. طيب لم يأتِ سيدنا لوط ليتكلم مع القوم أصحاب الفاحشة في أن يوفوا المكيال والميزان، أو يأتي سيدنا شعيب ويتكلم مع القوم الذين يطففون في المكيال والميزان فيقول لهم انتهوا عن الفاحشة، فالإسلام جاء لإصلاح واقع الناس وليس للغوص في هذه المسارات النظرية الفلسفية التي لا ينبني عليها عمل. ومن المؤسف أنه في زماننا هذا وقد تكرر هذا في أزمنة قديمة، أنه يبرز ويظهر في الناس من يشغل الناس بهذه المباحث التي تفرق بين المسلمين، والتي يكون أصلاً مجالها هو مجال العلماء المتخصصين؛ تمام، فهذا أمر ينبغي أن ينتبه له؛ لأنه لو أن الإسلام هو مجرد العرض الفلسفي الكلامي، لكان أول ما يعرض جعفر على النجاشي أن يدخل معه في مسألة أن الله واحد، وأنه ليس ثالث ثلاثة، وأنه لم يكن أقانيم، ويدخل في الحوار الإسلامي المسيحي المتعلق بطبيعة الإله، لكن سيدنا جعفر ذكر ما كان في الناس من الجاهلية وكيف جاء الإسلام لإصلاحها، وهذا يعطيكم تصوراً أن الفترة المكية لم تكن مجرد قول "لا إله إلا الله" بمعنى أن نقول ونسكت، وإنما قول "لا إله إلا الله" الذي ينبني عليه إصلاح ما في هذه الجاهلية من الأوضاع، من أكل الميتة وقطع الجوار وأن يأكل القوي الضعيف وهكذا. تمام، فعلى كل حال، الداعية المنسوب إلى العلم، أي الشخص الذي ترونه يأخذ المسلمين من واقعهم المليء بالمفاسد إلى هذه المباحث النظرية، هذا ينبغي أن ينصرف عنه، فضلاً عن أنه يذهب فيما بعد إلى تضليل كثير من أهل العلم وأهل الدعوة، وينصب هذه المسائل كرايات يعادي عليها ويوالي، ويقسم بها الناس بين أهل سنة ومبتدع وأهل عقيدة صحيحة وزائغين ونحو هذه الأمور التي أهلكت طاقة الأمة وتهلك حتى طاقة الشباب والعاملين لدين الله.
طيب، إذا عاد سيدنا عمرو بن العاص إلى قريش وقد خُذل في هذه السفارة، فاشتدت سطوة قريش على المسلمين؛ لأنهم لم يستطيعوا الآن أن يحصلوا المطلوبين. طبعاً نحن الآن دخلنا في السنة السادسة للبعثة، إذا أنتم تتذكرون معنا خريطة السيرة كما شرحناها قبل ذلك، معلش سأذكر بها مرة أخرى لكي نحفظها: ذكرنا أن السيرة مرحلتين كبيرتين، المرحلة المكية والمرحلة المدنية، المرحلة المكية هي مرحلة الفكرة، مرحلة الدعوة، مرحلة الرسالة، المرحلة المدنية هي مرحلة الدولة، مرحلة النظام، مرحلة الحكم، مرحلة السلطان. الفترة المكية كم سنة؟ تمام، ذكرنا أنه السنوات الأولى الثلاث الأولى هي الدعوة الخاصة التي لم يعلن فيها النبي الدعوة وإنما صار ينتقي من الناس ما يرى أنه مؤهل لحمل هذه الدعوة، الدعوة الخاصة. طيب من سنة 3 إلى سنة 6، ذكرنا أن هذه السنوات هي سنوات استضعاف ظاهر، سنوات الجهر بالدعوة وسنوات التعرض للأذى وللتعذيب. في السنة السادسة التي سندخل فيها الآن، حصلت قفزة للمسلمين بإسلام رجلين كبيرين، هما حمزة وعمر بن الخطاب، جميل. من السنة السابعة إلى السنة العاشرة هذه مرحلة الحصار، حيث حوصر المسلمون ومعهم بنو هاشم في الشعب، الحصار الكبير، حصار استمر ثلاث سنوات. من سنة 10 إلى سنة 13 هذه كانت مرحلة البحث عن أرض جديدة للإسلام بعدما ظهر أن أهل مكة قد صدوا عن هذا الدين ولم يؤمنوا به ولا يتوقع أن يؤمنوا به.
طيب الآن، أول ما نجد من الأحداث المهمة في سنة 6 هو إسلام سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. طبعاً سيدنا حمزة كان رجلاً هو طبعاً أكبر من النبي بسنتين، أكبر من النبي بسنتين، يعني الآن لو أردنا أن نستنتج عمر سيدنا حمزة سيكون عنده كم سنة؟ نحن الآن في السنة السادسة من البعثة، والنبي بعث في الأربعين، يعني النبي سنة كام؟ 46. إذاً سيدنا حمزة في هذا الوقت 48 سنة. تمام. طيب سيدنا حمزة كان نستطيع أن نقول الرجل الثاني في بني هاشم بعد أبي طالب، احنا ذكرنا أن أبو طالب هو كان زعيم بني هاشم وأحد زعماء قريش، سيدنا حمزة نعتبره الرجل الثاني، وكان رجلاً فارساً بطلاً، وكانت هوايته القنص، أن يخرج يقنص. فما الذي حصل؟ الذي حصل أن في حين اشتد غضب قريش وسخط قريش من فشلهم أمام دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي صارت تفشو وتنتشر، كان من إيذاء أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم وسبه سباً قبيحاً، وأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الإشكال أو الجديد في هذه القصة أنه كانت هناك جارية لعبد الله بن جدعان، عبد الله بن جدعان هذا كان شيخ بني تيم، بني تيم هؤلاء ذكرنا أن أبرز شخص فيهم هو من؟ سيدنا أبو بكر، ولو تتذكرون عبد الله بن جدعان هذا هو الرجل الذي كان في بيته اتفاق مهم حضره النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وهو حلف الفضول. تمام، جارية لعبد الله بن جدعان سمعت ما صنع أبو جهل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتربصت حتى كان حمزة خارجاً في صيد له، فتربصت حتى رجع، ثم قالت له: أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم بن هشام اليوم، فقد سبه وآذاه، ويعني بلغ منه مبلغاً كبيراً. وكان من عادة حمزة رضي الله عنه أنه كان إذا رجع إلى مكة من قنص له يطوف بالبيت، فإذا انتهى من الطواف بالبيت مر على حلق الناس، جماعات الناس المتحلقين، فصار يسلمهم ويكلمهم حتى يرجع إلى بيته، إلا ما كان منه من هذه المرة، فإنه انطلق كالسهم يبحث عن أبي جهل، فلما وجده جالساً رفع قوسه وضربه على رأسه فشجه شجة منكرة، وقال له: أتشتمه وأنا على دينه؟ رد علي إن شئت. طبعاً هو سيدنا حمزة احتمله الغضب، يعني هذه الكلمة خرجت منه مخرج الغضب، هو أراد أن يقول له: بالمصطلح العام الذي نستخدم، لو كنت راجل أنا على دين محمد، وريني بقى هتعمل إيه؟ على هذا النحو. فقام رجال من بني مخزوم يدفعون عن أبي جهل؛ لأنه أبو جهل هذا...
من سادة بني مخزوم، ودلوقتي إحنا داخلين على حرب أهلية، رجل من سادة بني هاشم وضرب بقوسه رجلاً من سادة بني مخزوم. وهو أنتم تعرفون، ذكرنا قبل ذلك أنه يعني حفيظة أبي جهل الكبيرة كانت في أنه قال عبر عن ذلك بقوله: تنازعنا وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعم، وأعطوا فأعطي، تمام، حتى إذا كنا كفرسي رهان، تحاذينا، قالوا منا نبي، فأنّى يكون لنا ذلك؟ فيعني الأصل في العلاقة بين بني مخزوم وبني هاشم، وبني عبد مناف طبعاً -اللي هو يعني فوق هاشم- أنها متوترة.
لكن حقيقة أبو جهل كان رجلاً ذكياً، فقال: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه اليوم سباً قبيحاً. فنزع أبو جهل فتيل اشتعال هذه الحرب الأهلية، كان رجلاً وطنياً وحريصاً على الوطن تمام. ولأنه طبعاً إذا الأمور أخذت طبيعة هذه الحرب، فسيكون لن تكون مشكلة بين المسلمين وبين المشركين، وهُم في الآخر المسلمون كلهم في ذلك الوقت كانوا في حدود الأربعين رجلاً في مكة، يعني لم يكونوا عدداً كبيراً، فأن نحولها الآن إلى حرب أهلية فهذا إيه. ولذلك أنت أبو جهل أحد الأذكياء الذين تراهم أمامك في السيرة النبوية.
طيب، الآن سيدنا حمزة أفلتت منه الكلمة فقال: أتشتمه وأنا على دينه؟ أقول ما يقول، رد علي إن استطعت. طبعاً أنتم، إحنا الآن عايشين في زمن موضوع الكلمة ده مالهوش لازمة خالص، خالص. طبعاً أنا نشأت في الصعيد وأدركت الزمن الذي كان الرجل إذا قال كلمة لا يمكن أن يرجع فيها ولو خسر ما خسر، ولو تعنت ما تعنت، أنا هذا رأيته بنفسي. طبعاً قبل 1400 سنة بقى كان الرجل، بلاش قبل 1400 سنة، أنتم تعرفون أن من الشعراء من قُتلوا لأجل بيت شعر قالوه. تمام، ولذلك من يعرف منكم في الأدب يعرف باباً اسمه الأبيات التي قتلت أصحابها.
أشهرهم طبعاً سيد شعراء العرب المتنبي؛ المتنبي كان رجلاً فخوراً بنفسه جداً، كان يجلس في مجلس الملك، ويقول له: سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا، بأنني خير من تسعى به قدم. أنت متخيل ده بيتقال، مش بيتقال مع أصحابه على القهوة، لا ده بيتقال في مجلس الملك. فالمهم صاحبنا المتنبي كان من قوله في هذه القصيدة: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صممُ. فالخيل والليل والبيداء تعرفني -البيداء الصحراء- والسيف والرمح والقرطاس والقلم. طيب، وهذا من الأبيات التي قتلت أصحابها، خرج عليه قطاع طريق فيقولون أراد أن يهرب، فذكره خادمه بالبيت، قاله: أنت تهرب وقد قلت: الخيل والليل والبيداء تعرفني؟ فقاتل حتى قُتل.
فمسألة العزيمة عند العرب، وصدق الوفاء، وصدق الكلام. وذكرنا في المجالس الماضية ما كان من السموأل الرجل اليهودي في الجاهلية الذي ضرب به المثل في الوفاء، هذا رجل وقعت المساومة بين ولده وبين أمانة أعطاها، يعني سلم الأمانة التي تركها عندك امرؤ القيس، أو نقتل ولدك، قال: اقتل ولدي فلست بخائن أمانتي، فذبح ولده أمامه، ضرب به المثل في الوفاء. وهو أيضاً صاحب القصيدة المشهورة من عيون قصائد العرب التي يقول فيها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميلُ وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيلُ تُعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليلُ وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهولُ وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليلُ يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطولُ وما مات منا سيد حتف أنفه ... ما فيش حد مننا بيموت على الفراش كده، كله بيموت فين؟ في المعارك. وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طُلّ منا حيث كان قتيلُ. يعني ما فيش قتيل قُتل ولم نثأر له.
طبعاً سيدنا حمزة قال: أتشتمه وأنا على دينه؟ فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا ابن أخي، إني كنت قد قلت كلمة، وما لم أذق النوم، طبعاً قالها حميةً وقالها عصبيةً، فكلمني يا ابن أخي وحدثني، فعسى الله أن يجعل لي إلى ذلك سبيلاً. فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له ومسح على صدره، فدخل سيدنا حمزة في الإسلام. صحيح كان المدخل هو مدخل عصبية، ولكن انتهى إلى أنه آمن بالإسلام وشرح الله صدره للإسلام.
طيب، هنا دعونا نعرف أنه من طبائع النفس البشرية حقيقة أنه قد تتعدد المداخل إلى الإسلام، ولذلك الصحابة رضوان الله عليهم حين كانوا يصفون النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام شيئاً إلا أعطاه، أي شيء يمكن أن يقرب الرجل إلى الإسلام كان النبي يبذله له، حتى أعطى أعرابياً غنماً بين جبلين، متصور ثروة هائلة، غنماً بين جبلين، فانطلق يقول: يا معشر الناس، أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وبعدين سنرى في غزوة حنين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قوماً لم يسلموا إلا قبل أيام، فلما وجد الأنصار في أنفسهم قال: يا معشر الأنصار، أوجدتم في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قلوب أقوام لم يسلموا، ووكلت إلى إسلامكم؟ فسموا المؤلفة قلوبهم، هؤلاء أناس يعطوا ليتألف المسلمون قلوبهم، وهؤلاء المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة. يعني الدولة الإسلامية حين تأخذ الزكاة من الناس، أحد المصارف التي تصرفها الإنفاق على بعض الناس لكي تحببهم في الإسلام. وذكر الصحابة بعض الناس قالوا: إن كان الرجل ليسلم لا يدخل في الإسلام إلا للمال، فما هو إلا دخل في الإسلام، خالطت خالط الإيمان بشاشة قلبه، فما هو إلا أن يسلم، ولا تبيع يعني لا تساوي الدنيا عنده شيئاً، يزهد في الدنيا، لكن كانت بداية دخوله إلى الإسلام المال. فإذن النفوس البشرية حقيقة تجذب من كثير من المداخل، ومنها مدخل المال هذا. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قال: ما نفعني مال، ما نفعني مال أبي بكر رضي الله عنه.
طيب، هنا كده أسلم سيدنا حمزة رضي الله عنه. يقولون بعد إسلام سيدنا حمزة بثلاثة أيام أو بأكثر من هذا، الأمور ليست واضحة في السيرة، أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه. طبعاً إسلام سيدنا حمزة في حد ذاته كان نكبة على قريش، لأنه إذا أبو طالب، إذا مشكلتنا مع بني هاشم في أبي طالب الذي لا يرضى أن يسلم محمداً، فالمشكلة الآن تضاعفت، وصار الرجل الثاني في بني هاشم هو مَن؟ حمزة، ليس فقط لا يُسلم محمداً لأجل العصبية، بل صار هو مسلماً.
طيب، سيدنا عمر هنا يا جماعة الخير، أولاً لم توجد رواية صحيحة تقص علينا كيف كان إسلام عمر رضي الله عنه. لم توجد رواية صحيحة، رواية صحيحة بمعنى على منهج المحدثين، المحدثون دول أئمتنا وفخرنا نحن المسلمين، الرجال الذين وضعوا قواعد علمية غاية في التشدد والصرامة لقبول الأخبار التاريخية. فالمهم المعايير بتاعة المحدثين دي من شدتها لم تفلت لنا أي رواية صحيحة عن إسلام سيدنا عمر. لكن نستطيع أن نركب ما جاء في الأخبار الصحيحة على ما جاء في الأخبار التي يرويها أهل المغازي والسير.
أول ما وقع في قلب سيدنا عمر من الإسلام هو أمر حصل له أيام الجاهلية، وهذا الأمر الذي حصل له أيام الجاهلية اختلفت الرواية: هل أيام الجاهلية بمعنى أنه قبل أن يُرسل النبي؟ ولا كما قال بعض شراح الحديث قبل أن يدخل هو؟ يعني المقصود بالجاهلية هنا هي جاهلية القوم ولا هي جاهلية عمر؟ ما هذه، طبعاً سيدنا عبد الله بن عمر يروي هذا الحديث يقول: ما رأيت عمر -على أبيه- قال ما رأيت عمر قال لشيء قط أظنه كذا إلا كان كما قال. سيدنا عمر واحد صاحب فراسة لا تخطئ. قال فمر به رجل ذات يوم، طبعاً الرجل لم تُسمِّه رواية البخاري، هذه الرواية في البخاري، هذا الرجل لم تسمِّه رواية البخاري، سمته رواية أخرى وهو سيدنا سواد بن قارب. فقال عمر رضي الله عنه: إني أخطأت أو أن هذا على دينه الذي كان فيه في الجاهلية، أو أنه كان كاهنهم. سيدنا عمر نظر في الشخص، الشخص ده ظاهره الإسلام، قال: هو إما أننا غلطان أو أن هذا الرجل ما زال كافراً أو أنه كان كاهنهم في الجاهلية. أُتي بالرجل، فأتوا به، طبعاً كان ذلك في خلافة سيدنا عمر، فجاءه فقال له سيدنا عمر هذا الكلام، شوف أنت واحد من الثلاثة دول. فقال: ما رأيتك اليوم قط، ما رأيت رجلاً مسلماً استُقبل قط بهذا، دلوقتي واحد مسلم فانت جاي تقول له أنت واحد من الثلاثة دول! فقال: لا تخبرني، سيدنا عمر شوف هو أنت واحد من الثلاثة دول فيعني لا تخبرني، عزم عليه، فقال: نعم كنت كاهنهم في الجاهلية.
طيب سيدنا سواد بن قارب، فقال له عمر: فأخبرني بأعجب ما جاءتك به جنيتك -يعني الجن اللي أنت كنت متواصل معهم- أخبرني بأعجب ما جاءتك به. قال: جاءتني يوماً وأنا بين اليقظة والنوم فعرفت في وجهها الفزع، ثم قالت في شعر: ألم تر إلى الجن وإبلاسها؟ يعني الخلاصة أنه الآن ظهر، هناك فزع منتشر في الجن لأنه قد أوشك أن يظهر نبي. فتذكر سيدنا عمر هذا الموقف، الموقف الذي نحتاجه الآن وهو موضع الشاهد. قال: نعم، سيدنا عمر تذكر موقفاً قريباً من موقف الذي يحكيه سواد بن قارب، إيه الموقف الذي تذكره سيدنا عمر؟ قال: كنت عند البيت فجاء رجل لِجَزُور شاة له، وإذا بصوت يخرج منها بفزع، ما سمعت صوتاً قط، هذه الشاة خرج منها صوت واضح للغاية يقول: يا جليح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. قال فتفرق القوم، طبعاً الناس لما سمعوا الصوت من هذه الشاة خافوا وفزعوا وتفرقوا، سيدنا عمر برباطة جأشه قال: والله لأبقين حتى أرى هذا الخبر، فسمع نفسه هذا الصوت مرة أخرى: يا جليح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. تمام، جزاكم الله خيراً. طيب قال: فلم يلبث أن قيل بُعث نبي. يبقى هذا هو الموقف الأول الذي كان لدى سيدنا عمر بن الخطاب في مسألة الإسلام. طبعاً هذه رواية صحيحة وهي في البخاري.
طيب ذكرنا أن سيدنا عمر كان ممن يعذب الذين أسلموا، وكان يضرب بعضهم حتى لا يتركهم إلا ملالة، لا يتركهم إلا مع التعب. حتى جاء يوم ورأى بعضاً من أخواله، أخواله هؤلاء هم بنو مخزوم، هو سيدنا عمر كانت أمه اسمها حنتمة، حنتمة هذه أخت أبي جهل، فأخواله بنو مخزوم. حتى كان يوم رأى بعض المهاجرين إلى الحبشة، يعني رأى أم عبد الله بنت حنتمة أو بنت ختمة -رأيت الكلمتين ولا أعرف أيهما أرجح- رآها تجهز أغراضها لكي تهاجر إلى الحبشة. تمام، زوج هذه المرأة هو عامر بن ربيعة، عامر بن ربيعة هذا هو من بني مخزوم أيضاً، أخوه عياش بن أبي ربيعة هو أخو أبي جهل لأمه، تمام، فإحنا الآن بنتكلم في أخواله هو.
فلما رآها قال: أإنه الرحيل؟ سترحلون يا أم عبد الله؟ قالت: إيه والله سنرحل ونفارق بعد أن آذيتمونا وقهرتمونا إلى حيث نعبد الله، فقال: صحبكم الله. قالت: فلما جاء أبو عامر زوجها قلت له: ما رأيت عمر كما رأيته اليوم قط، يعني رأيت منه رقة لم أر مثلها أبداً، ما هو إلا أن قال كذا فقلت كذا فقال: صحبكم الله، ورأيت رقة لم أرها. فقال: أو تطمعين في إسلام عمر؟ والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. طبعاً هذه العبارة تدلك على ما كان فيه سيدنا عمر من البعد، وإن شاء الله لما يسلم الحمار يعني يبقى يسلم بعده عمر.
طيب هذا موقف مما ثبت أيضاً، وهذا الحديث في الترمذي وهو مروي عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب. قال عبد الله: فكان عمر أحبهما إليه، إلى الله تبارك وتعالى. جميل، يبقى هذه لقطة أخرى ومشهد آخر.
نأتي القصة المشهورة في إسلام سيدنا عمر وهو دخوله على فاطمة بنت الخطاب، طيب شوفوا يا جماعة صلوا على النبي، هذه الرواية كما قلت لكم هي رواية مشهورة ولكنها ليست بالرواية الصحيحة على شرط المحدثين، هذه الرواية فيها خلل صغير لأنه يخالف ما جاء في رواية البخاري، روى البخاري -وهذا في كتاب فضائل الصحابة وعند باب إسلام عمر رضي الله عنه- روى البخاري أن سيدنا سعيد بن زيد -سعيد بن زيد هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، سيدنا عمر هو عمر بن الخطاب بن نفيل، فسيدنا سعيد هو ابن عمه أو بالتدقيق ابن ابن عمه- هذا كان متزوجاً أخت عمر، كان متزوجاً فاطمة بنت الخطاب، يقول سعيد: لقد رأيتني وإن عمر لموثقيَّ... ما تقول الرواية المشهورة عن إسلام عمر؟
تمام، هذا هو موضع الآية موضع الاختلاف بين الروايتين، أن سيدنا عمر لم يتفاجأ، لكن بعد ذلك يمكن أن يعني تجوز هذه الحكاية كلها، إلا موضع أنه تفاجأ؛ مش مناسب نقول عقاب بقى ويطلع على اليوتيوب ويقول لك ضد حقوق الأطفال وبتاع. طيب نستانف صلوا على النبي، يبقى ذكرنا أنه طيب، أما أما الرواية فالرواية تقول الرواية كالاتي أنه سيدنا عمر رضي الله عنه، أنت الآن لو لو تصورت سيدنا عمر وشأنه في الجاهلية، فهو الآن رأيه رأي قومه من أنه هذا الإسلام ينتشر، هذا الإسلام مؤذن بحرب أهلية.
تمام، وبالتالي ربما يكون الحل فعلا في إيه في قتل النبي لكي تنتهي هذه المشكلة. تقول الرواية أنه أبو جهل قال: من يقتل محمدا وله 100 ناقة؟ فعمر قال: أنا لها. طبعا 100 ناقة دي يا جماعة لو إحنا يعني نقربها من زماننا هذا هنقول إيه؟ وله 100 سيارة لاند كروز مثلا، أو طبعا أنا ما بفهمش في السيارات بس ده آخر آخر عهدي، يعني بعد كده في بقى لمبرجيني وحاجات كده، لا أعرف بقى التفاصيل، لكن الخلاصة 100 ناقة ثروة كبيرة، تشبه الآن 100 سيارة يعني أسطول سيارات. فقال: أنا لها، ثم أخذ سيفه وسأل: أين محمد؟ قالوا: في دار عند الصفا، يقصدون دار الأرقم بن أبي الأرقم، فذهب إليه.
طيب، وهو في الطريق وجده رجل من بني عدي يعني من قبيلة عمر تمام اسمه نعيم بن عبد الله النحام، فقال: يا عمر أين تريد وأنت متوشح سيفك؟ قال: أريد هذا الرجل محمدا. قال: وما تصنع به؟ قال: أقتله. قال: لقد غرتك نفسك من نفسك، أنت راح تقول إيه؟ أترى بني هاشم تاركك تمشي على الأرض؟ أنت هتعمل يعني دلوقتي بني عدي كأنهم الآية الذين سيتم التضحية بهم في هذا الصراع يعني بني عدي هم الذين سيتصدروا في إشعال هذه الحرب الأهلية، قال: أترى بني هاشم تاركك؟ وبعدين ده بقى إيه؟ سيدنا نعيم النحام قال: فإن كنت فاعلا فانظر في أهل بيتك، أختك وختنك الذي هو سعيد بن زيد الختن وزوج الأخت قد أسلما، فأنت برضه تنظر هنا إلى الرجل ضحى ببرج، ضحى بأيه؟ ببيت من عيلته بدل ما يأتي في النبي صلى الله عليه وسلم، يعني قال: إن كنت فاعلا فيعني أصلح أمرك أولا.
فاتجه إليهم سيدنا عمر، طيب اتجه سيدنا عمر، وقف خلف الباب، فكان من حسن حظهما من سوء حظهما أنهما كانا يتدارسان القرآن، وكان معهما خباب بن الأرت يدارسه القرآن. فسمع عمر وهو خارج الباب هذه الأصوات المكتومة التي هي مدارسة القرآن. طبعا طرق الباب عرفوا صوته، حصلت إيه حالة طوارئ، سيدنا خباب استخبى في أي حتة تمام، اختبأ في بعض البيت، فاطمة وضعت الصحيفة تحتها تمام. فتحوا، ما هذه الهين التي سمعتها آنفا؟ قالوا: ما سمعت شيئا، قال: لا والله قد سمعت، ولكما صبوت وتابعتما محمدا. فطبعا هيبة سيدنا عمر وهذه المعلومة كأنها جرأت سيدنا سعيد بن زيد، فقال له: أرأيت يا عمر لو كان الحق في خلاف دينك؟ قال: إذا صبوت، فبطش به، لظ... إحنا مش هندخل في النقاش دلوقتي، آه أنت طالما دخلت الدخلة دي اللي هو إيه؟ رأيت إن كان الحق في خلاف دينك، يبقى إيه شكلك عملتها فعلا، فبطش به، فجاءت أخته لتدفع عن زوجها فلطمها فشج حتى سال منها الدم.
فندم على ذلك، هنا بدأ سيدنا عمر إيه؟ فندم على ذلك. وتقريبا هي في اندفاعها هذه رأى الصحيفة التي كانت تقرأ فيها، فأراد أن يمسك بها، فأخذتها منه وقالت: هذا لا يجوز لك، قال: أريدها يعني أريد أن أقرأه، فقد وقع ما قلت في نفسي، فقالت: إنك وهذا لا يمسه إلا المطهرون، وهذه قوة الإيمان طبعا فاطمة بنت الخطاب مع سيدنا عمر يعني لحظة كده يفتح الله بها تبارك وتعالى على عباده المؤمنين، كثير من لحظات الثبات حين نسأل بعض إخواننا يعني يقول لك: والله أنا ما كنتش عارف أنا بقول كده ليه، هي يعني إيه ربك فتح في هذا الموقف بهذا الرد، فإذا في الصحيفة سورة طه، فقرأ سيدنا عمر سورة طه.
طبعا أنت حين تقرأ هذه الآيات وتحاول أن تستحضر عقل سيدنا عمر وقلب سيدنا عمر وهو في الجاهلية، فلا يبعد أبدا أن يقع التأثر من هذه الآيات يعني لا يستبعد أبدا، لأنه الآيات في سورة طه هي قوله تعالى: طه. مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ. إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ. تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى. الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ. وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ.
وأرجع وأقول القرآن إذا استحضرنا نفس العربي وذائقته العربي، فالقرآن نص بديع معجز، لأنه الآن هذا وصف لله تبارك وتعالى، وصف هائل، وصف خطير، وصف كبير. مما أتذكره الشيخ الشعراوي رحمه الله، أنه كان يقول أنه هو كان يقربها، فيقول مثلا بمثال: أنت الآن إذا وجدت محفظة في الأرض أو في أي شارع فجاء صاحبها فقال لك المحفظة صفتها واحد واثنين وثلاثة وأربعة، فأنت لا يقع لديك الشك في أنه صاحب هذه المحفظة. فيقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: يقول الله تبارك وتعالى وصف نفسه بما لا يمكن لأحد أن يصف به نفسه، يعني الله ذكر عن نفسه أنه خالق السماوات والأرض ويعلم ما في السماوات والأرض، يعلم ما تسرون وما تعلنون، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، هذه أمور لا يمكن أن يدعيها أحد لنفسه، ولم يحدث أن ادعاها أحد لنفسه، ما فيش حد نسب إلى نفسه ما نسبه الله لنفسه، فدل هذا على أنه الله الحق، لأن حتى فرعون الذي هو فرعون والذي بلغ من العتو أن قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ. وَمَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي، هو نفسه لا يجرؤ أن يقول أنه كان يحكم الناس قبل أن يولد أو أنه كان يعلم الناس قبل أن يولد، تمام؟ يعني كل إنسان مر به حال الضعف وحال الرهق وحال الاحتياج إلى غيره. فالآن حين يرى الرجل في مكة في الجزيرة العربية هذا الوصف لله تبارك وتعالى، فلا شك أنه يقع بهذه الهيبة والرهبة وهذا البيان السديد في قلبه، فيقول عمر: آمن هذا فرت قريش؟ ينبغي لمن قال هذا ألا يعبد معه أحد غيره. تمام؟ أنت في النهاية إذا نظرت إلى المعبودات، لا يمكن لمعبود أن يصف نفسه بهذا الوصف، فهذا الوصف يلقي في القلب الهيبة والرهبة والإجلال لله تبارك وتعالى، فشرح الله صدره للإسلام وقال: دلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذهب إلى البيت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وطرق الباب، من عمر؟ برضو تكهرب الجو مرة أخرى، طبعا الصحابة المختبئين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدار وهذا إيه واحد من أبطال التعذيب الكبار يعني، إحنا قلنا لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، فوصل للبيت السري أو المخبأ الآمن يعني. فأ فقال حمزة: دعوه فإن يرد خيرا فهو خير، وإن كانت الأخرى قتلناه. آه في الآخر برضه المسلمين كسبوا قبل قليل حمزة.
فدخل، هنا تختلف الروايتان، فرواية تقول فأمسك به حمزة من مجمع ردائه وجبذه، جبذة يعني جذبه جذبه، ورواية أخرى تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي فعل ذلك وهو يقول له: أما آن لك أن تسلم يا عمر؟ أما آن لك قبل أن ينزل الله بك قارعة؟ فقال: يا رسول الله جئت مؤمنا وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فكبر الناس فعرف بقية الصحابة أن عمر قد أسلم.
المهم، ولا في حديث ضعيف يقول بأن النبي صلى بأن عمر... يعني أؤكد أنه ضعيف... بأن عمر كان يبيت عند البيت عند الكعبة وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولكن النبي لم يكن يعرفه، يعني النبي كان يحب إذا صلى -طبعا الصلاة كانت إلى بيت المقدس- فكان يضع الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فسيدنا عمر جاء من الجهة التي لا يراه فيها النبي، فدخل تحت ثياب الكعبة وظل يعني يمشي يتسلل تحت ثياب الكعبة حتى كان في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع قراءته ولكن لم يسلم ولم يشعر به النبي صلى الله عليه وسلم. على كل حال يعني ذكر هذا وذكر أنه تتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي انتبه إليه لما تتبعه في بعض الطرق، ولكن لم يذكر ما ترتب على ذلك.
فالرواية عمر تقول بأنه هذا كان التعرض الأول للقرآن الكريم، وليس هذا بالغريب، فنحن ذكرنا قبل ذلك بأن المشركين كانوا متواطئين على أن لا يسمع أحد القرآن الكريم، وقالوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ، وأن بعض الدعاية جعلت رجلا مثل الطفيل بن عمرو الدوسي يضع قطتين في أذنيه لكي لا يتسرب إليه القرآن الكريم، وذكرنا كذلك من تسلل بعض المشركين لسماع قول النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى كل، طبعا القصة التي ذكرناها قصة أمية بن خلف، الأخنس بن شريق وأبو جهل وفيها أبو جهل قال هذه الكلمة المشهورة، اللي هي تنازعنا وبنو عبد مناف الشرف، لأن القرآن كان قد بدأ يؤثر فيهم.
طيب طبعا الآن صارت مكة، مكة أخذت يعني إيه ضربتين قاسيتين في أيام معدودات، أسلم الرجل الثاني في بني هاشم وأسلم الرجل الأول في بني عدي. كيف يكون الرجل الأول؟ أولا عمر بن الخطاب لم يكن أكبر إخوته سنا، أخوه زيد بن الخطاب كان أسن منه، وأبوه الخطاب بن نفيل كان حيا في ذلك الوقت، ولكن شخصية سيدنا عمر وكفاءة سيدنا عمر وفصاحة سيدنا عمر جعلت الخطاب يخلي مكانه في دار الندوة إلى عمر، ويرضى بذلك أخوه الأكبر منه سنا وهو زيد بن الخطاب. فسيدنا عمر كان في الجاهلية، سيدنا عمر أسلم وهو 26 سنة، قبل أن يكون 26 سنة كان سيدنا عمر سفير قريش والمنافر عنها، المنافرة يعني الرجل الذي يستطيع أن يدافع عنها، شيء أقرب إلى المتحدث الرسمي في مصطلحاتنا المعاصرة، فسيدنا عمر لم يكن صحيح قبيلته عدي ليست من القبائل الكبرى في قريش، لكن هو كان ممثل هذه القبيلة في الحكم القرشي في المجلس الحاكم أو المجلس الرئاسي لقريش، فطبعا كان هذا إيه؟ كان هذا.
طيب سيدنا عمر ماذا فعل سيدنا عمر أول ما أسلم؟ طبعا هنا يظهر لك قوة سيدنا عمر، هو أول ما أسلم قال: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن حيينا أو إن متنا؟ قال: بلى والله إننا لعلى الحق. قال: ففيم الاختفاء؟ والله لنَسيَرنَّ حتى نصلي في البيت الحرام. يبقى هو في اللحظة التي أسلم فيها كان عنده خطة للمواجهة، تمام؟ على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم، وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم. تمام، فهو أول ما أسلم فكر في المو... لكن سيدنا عمر المجهلة بقى التي دبر لها على مستواه الشخصي، أول ما فعل ذهب لأبي جهل، خاله. ذهب إلى أبي جهل خاله، فتح له أهلا بابن أختي. قال: أما علمت أني قد أسلمت؟ تحسه إيه كان يعني بيدور على خناقة، أما علمت أني قد أسلمت؟ قال: وقد فعلت؟ قال: بلى. قال: لا تفعل. قال: بلى فعلت. قال: لا تفعل. قال: بل فعلت. قال: فأغلق دوني الباب وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به، وأغلق الباب. فما فيش حاجة ما فيش أكشن يعني ما حصلش حاجة.
فذهب إلى رجل من رؤوس قريش، والرواية لم تظهر اسمه، قال: ففعل مثل ذلك فلم يبلغ ما يريد، وبعدين جلس. فقال: أي قريش أنقلوا للخبر، مين هنا مين هنا إيه يعني مين هنا إيه وكالة الأنباء الـ "سي إن إن" في فين مراسل الجزيرة، يعني فين مين هنا اللي هيذيع الخبر؟ فدلوه على رجل اسمه جميل بن معمر الجمحي، قال: فذهب إليه وهو جالس في الحجر حجر الكعبة، قال: يا جميل، ألا تعرف أني أسلمت؟ طبعا راوي الحديث سيدنا ابن عمر، في ذلك الوقت كان خمس سنين ويقول: وكنت أعقل. قال: فوالله ما رد عليه كلمة، هو قال له أنا أسلمت، قال: فجر رداءه مباشرة، أيوه خبر عاجل بالضبط كده، فجر رداءه وقام وقال: يا معشر قريش ألا تعلمون أن عمر قد صبأ؟ طبعا سيدنا عبد الله بن عمر يقول: فقام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعت أبي. تمام؟ فقال: يا معشر قريش، فقال عمر: كذب ما صبأت ولكني أسلمت، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وكانت هذه المعركة اللي سيدنا عمر أرادها، قال: فنسأل إليه القوم. ف طبعا سيدنا عمر أيضا رجل من الفرسان ورجل من الشجعان والأقوياء، كان إذا هجم عليه قوم أمسك بأشرافه، يعني أهم واحد فيهم، ومما يروى أنه أمسك بعتبة بن ربيعة ووضع يده في عينه حتى صرخ عتبة. المهم فظلوا يضربونه ويضربهم، يضربونه ويضربهم حتى أصابه الإعياء، سيدنا عمر أصابه الإعياء فجلس وقال: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا 300 رجل إذن لتركناها لكم أو لتركتموها لنا.
طبعا هذه الكلمة فيها وقفة، والله هم دلوقتي كانوا إيه؟ كانوا حوالي 40، 50، 60، لا يعدون هذا، لكن كلمة سيدنا عمر يقول: أما لو كنا 300 رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا، تشعر في هذه الكلمة 300 رجل يعني ليس 600 من أنصاف الرجال، ليس 1200 من أرباع الرجال، هم 300 على هذا القدر، لو في 300 مسلم في بلد كمكة لا يمكن أن تسلم مكة إلا لأحد الطرفين، مع أن أعداد المشركين في مكة بالآلاف، لكن كانوا يطمحون إلى 300 مسلم فقط. تمام، طيب، طبعا دلوقتي سيدنا عمر اعي وظلوا يضربونه حتى جاءه رجل وهو العاص بن وائل السهمي.
فقال: ما تفعلون؟ قالوا: ألم تعلم أن عمر قد صبأ؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: ألم تعلم أن عمر قد صبأ؟ قال: وما ذاك؟ رجل اختار لنفسه. طبعا العاص بن وائل السهمي من بني سهم هو أبو عمرو بن العاص، كانوا حلفاء لبني عدي في الجاهلية، كانوا حلفاء لبني عدي في الجاهلية، فهنا أيضا استفاد سيدنا عمر من إيه من قوانين الجاهلية تمام، ومن الأحلاف التي كانت بين قومه وبين غيرهم من أحلاف الجاهلية. تمام.
طيب هذه الرواية المشهورة وردت في البخاري، روايتان فيهما هذا ولكن على نحو مختلف قليلا، وهو أن سيدنا عمر بقي في بيته بعد إسلامه يخاف أن يخرج أن يسال عليه الوادي، هو الآن يعني حصل صدمة في مكة، وتقريبا لما بدأت المعركة التي أشعلها سيدنا عمر بنفسه فحاصروه في البيت، أنسال به الوادي، يقول ابن عمر راوي الحديث: وكنت أرى وأنا على ظهر بيتي، سيدنا عبد الله بن عمر ينقل هذا المشهد وهو شاهد عيان في ذلك الوقت، أن سيدنا عمر لم يكن يستطيع أن يخرج من بيته. يقول: زعم هؤلاء أن يقتلونني. تمام، فكأنه العاصي بن وائل السهمي في البداية يعني صرف عنه الناس، لكن هنا في هذه الرواية الأخرى العاص بن وائل السهمي أدخله في جواره، أدخله في جواره، وذكرنا أنه قانون الجوار كان من القوانين الثابتة والراسخة في الجاهلية، وساعة إذ انصرف الناس عن سيدنا عمر. طبعا كان هذا فتح، وسيدنا عبد الله بن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. ومما قيل في عمر وكان إسلامه عزا، فحصلت نقلة لحالة المسلمين في مكة.
طبعا يا جماعة الخير إسلام حمزة وإسلام عمر، شوفوا الدعوات تقوم على الرجال، الدعوات تقوم على الرجال، ولذلك أنا أريد أن أنبه هنا تنبيها مهما إلى خطأ قول القائل: يعني إذا رحل منا قائد خلفه ألف قائد، ونحو هذا الكلام. لا، القادة عنصر نادر، القادة عنصر نادر لا يكاد القائد أن يعوض، لا يكاد يعوض. تمام، فالاستغناء عن القيادة هي حقيقة من الخرافات والأوهام المعاصرة والتفريط في القيادات، بل الآن هذا الأمر صار علما ضمن العلوم الأمنية، ولذلك وكتبت فيه كتب، كتب عن الاغتيالات النوعية كيف يمكن أن تؤثر، يعني كيف يمكن، وذكرت لكم في مجلس ماضي تقرير حركة راند كيف تنتهي الجماعات الإرهابية بين قوسين، فكان 40% منها ينتهي باغتيال القيادات المؤثرة؛ لأنه اغتيال القائد إما أن يفسح الطريق لقائد أقل منه شأنا، أقل منه في المهارة وفي الإمكانيات، أو أن يتسبب بانقسامات في الحركة، لا تجتمع الحركة بعدها لقائد، فمسألة الرجال مسألة في غاية الأهمية، في غاية الأهمية، ومسيرتنا مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه النبي ظل دائما محفوفا بحراسة، دائما في البداية حراسة قومه بني هاشم، حراسة القانون الجاهلي قانون العصبية، وبعد ذلك صار في حراسة أصحابه حتى نزل قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فصرف النبي الحراسة. تمام، لكن مسألة الحراسة هذه أو يعني مسألة الحرص على الرجال وعدم التفريط في القادة.
طيب جميل، بعد هذا نستطيع أن نرى أنفسنا دخلنا في مرحلة أخرى مع مكة، مرحلة لم تطل، ولكن هذه المرحلة بعد إسلام حمزة وإسلام عمر بدأنا نرى القرشيين في مكة يهدؤون ويبدؤون في إعادة النظر وإعادة يعني اعتماد أساليب جديدة في التعامل مع هذه الظاهرة، ظاهرة الإسلام. إبراهيم هو مش شايفني أصلا؟ طيب صلوا على النبي، هذه المرحلة جماعة الخير نراها من أكثر من حدث، الحدث الأول أنه خرج المسلمون في صفين أحدهما بقيادة حمزة وأحدهما بقيادة سيدنا عمر، ووصلوا عند الكعبة وطافوا بالبيت ولم يتعرض لهم المشركون، هذا في جانب منه نوع من التهدئة من جانب مكة لأنه بالنهاية إحنا بنتكلم في حدود 40 أو 50 أو 60 مسلما، يعني بالنهاية لو لو في قرار بالإقدام على الاشتباك كان ممكنا، لكن هذا السماح هو نوع من التهدئة. الأمر الثاني أن المشركين بدأوا الآن يدخلون في مسألة المفاوضات والمساومات، يعني بدأت تخرج عروض جديدة، وهذه هي العادة بالمناسبة، شوف العادة أنه إذا خرجت فكرة جديدة النظام الحاكم يتعامل معها بالإهمال، دي المرحلة الأولى، الإهمال لعلها تنتهي من تلقاء نفسها، طيب إذا برزت فيبدأ التعامل معها بالطرق السلمية القانونية، الطرق السلمية القانونية اللي هو التشويه، الحملات الإعلامية، الأمور التي إيه يعني بدون أن ندخل في اشتباك مباشر يمكن أن تشوه هذه الحركة أو تشوه أصحابها وهكذا. طيب إذا لم يفلح هذا دخلنا في الأساليب الخشنة القانونية برضو زي ما قلنا، تعذيب وفق الدستور والقانون في مجلس الماضي، أن ينقلب كل قوم على من يعني ينقلب على من فيهم ممن اتبع محمدا، طيب لم يصلح هذا هنا تبدأ مسألة الإيه المفاوضات والعروض، فهنا نجد مثلا أن القرشيين لأول مرة يقدموا عرضا فيه تنازل عما هم فيه من الباطل.
ذهب وفد من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيهم الوليد بن المغيرة وفيهم أمية بن خلف وهكذا، وقالوا له: يا محمد، العرض الجديد هو الآتي: أن نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، فإن كانت آلهتنا خير أصبنا منها، وإن كان إلهك خير أصبنا منه، ده عرض بيعرض الآن للمرة الأولى تمام، هو الوصول إلى الحل الوسط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حتى أستأمر ربي، فنزل قول الله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، وهذا التكرار في الآيات يدل على مستوى الآية مستوى القطع والجزم والحزم والصرامة في الخطاب، طبعا هنا من الأشياء اللطيفة أن الجماعة المتسامحين بيقول لك ما تقولش على حد كافر ده ربنا في القرآن بيقول: لكم دينكم ولي دين، صح؟ فأنت بتقول له طب الآية دي في سورة الكافرون، فبهت الذي كفر، لكم دينكم ولي دين هذه تقال لمن للكافرين.
طيب العرض الثاني وهو العرض الذي ذهب به عتبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة وصفته الرواية بأنه كان أعلم قريش بالشعر وبسحر والكهانة، طيب عتبة بن ربيعة ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبرة الرجل الكبير، إحنا ذكرنا أن عتبة بن ربيعة كان في ذلك الوقت في السبعين أو الثمانين من عمره، فقال له: يا محمد، أنت خير أم عبد المطلب؟ هذا الإحراج رقم واحد، أنت خير أم عبد المطلب؟ وهذا كما ذكرنا أكثر من مرة يدل على مكانة عبد المطلب في نفوس القرشيين، فإن كنت تزعم أنهم خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبدت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم، والمح في هذه العبارة كأنه يقول: قل أنا خير منهم، تفضل يعني هل تجرؤ أن تقول أنا خير من عبد المطلب؟ طيب أيها الرجل، إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تصير أكثر أهل قريش مالا، وإن كنت تريد بهذا شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت إنما كانت بك الباءة يعني الشهوة والنساء، فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك، فإنا والله ما رأينا أحدا أشأم على قومه منك، عبدت آلهتنا وفرقت جماعتنا، وقيل إن في قريش كاهنا وفي قريش ساحرا، فوالله ما ننتظر إلا كمثل صيحة الحبلى حتى نقوم إلى السيوف حتى نتفانى، يعني إيه الكلام ده؟ بيقول له أنت بالوضع ده، لم نرى أشأم على قومك منك، دلوقتي القبائل ومكة حاصل فيها انقسام وشوهت سمعتنا في البلاد الخارجية، قيل إن في قريش كاهنا وساحرا ومن ذلك، هذا خطر الحرب الأهلية والتوتر اللي هو أي حادث يمكن أن يفجرها، فما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى، يعني دلوقتي لو في واحدة حبلى صاحت وهي بتولد هنفتكر أن في اتنين اتخانقوا مع بعض قتلوا بعض، فأيه حتى فنقوم إلى السيوف حتى نتفانى.
يقول: والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع وهو متكئ أو معتمد على يديه، انتهى، قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم صدر سورتي فصلت، طيب صدر سورة فصلت طبعا يعني ربما كثير منا يحفظها، مؤكد كلنا مر عليها ولكن لم تفعل في نفس أحدنا مثل ما فعلته في نفس عتبة بن ربيعة. طبعا أنا بداية لا أريد أن تستخفوا بمسألة العروض والمفاوضات، الموضوع ده يا جماعة الخير يكون أحيانا أصعب من التعذيب، يعني أن تكون أمامك الخيارات وهذه غرائز النفس، زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، يعني الإنسان لا يستهين بمسألة المفاوضة والمساومة، هذا موضوع خطير والله تبارك وتعالى قال لنبيه: وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، هذا كلام يقال لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس إيمانا، أكمل الناس إيمانا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ، فمحدش يستهين بصعوبة هذه العروض، وكم فينا ممن يعني يسقط في أمور أقل من هذه بكثير، كثير جدا.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم تلا عليه صدر سورة فصلت، سورة فصلت ماذا تقول؟ تقول: حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، قلوب مغلفة، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، لا يؤتون الزكاة يعني لا يوحدون الله، لأن الزكاة لم تكن فرضت في ذلك الوقت اللي هي التوحيد، وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا الْجِبَالِ وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، فقال عتبة: حسبك حسبك يا محمد، ورجع من عنده.
طيب هذه الآيات كيف وقعت في نفس عتبة وهو جاء يقول للنبي يعرض عليه هذه المساومات؟ الأول أنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم في كل هذا القرآن اختار له السورة يعني اختار له سورة فيها معاني تؤكد أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت بهذا الأمر من عنده: تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، ليس من عند محمد، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ، تمام، وبعدين الآيات تقول لسيدنا محمد: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ، تمام، الآيات تدفع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صاحب قرار في هذا الأمر، صاحب اختيار في هذا الأمر، القضية ليست عندي: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الأمر الثاني، عتبة بن ربيعة جاء يقول له نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنى قريش رجلا أغنى قريش، فاختر أي نساء قريش شئت نزوجك، وإن كنت إنما تريد بهذا الملك سودناك علينا فلا نقطع أمرا دونك قريش، ففاجأه النبي بخطاب يشمل الكون كله: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا، وبعد الأرض ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها فقضاهن سبع سماوات وأوحى في كل سماء أمرها وزين السماء الدنيا بمصابيح، السماء اللي أنتم شايفينها الشيء العظيم الضخم ده دي السماء الدنيا زيناها بمصابيح، مش يعني نجوم هائلة، كأنها إيه مصابيح.
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، وهنا أيضا النبي اعتمد على ما سميناه قبل ذلك رأس مال الداعية، ما هو رأس مال الداعية؟ الصدق، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجرب عليه كذب قط، فلما النبي يقول أنذرتكم صاعقة معناها إيه؟ لأن بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا خلف هذا الوادي توشك أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم، ما جربنا عليك كذبا قط. إذا عتبة بن ربيعة جاي يعني جاء يتكلم عن قريش، أغنى قريش رجلا، نساء قريش، نطلب لك.
الطب نسود علينا، ففوجئ بخطاب يشمل الكون كله، وفوجئ بتهديد يتجاوز قدرة البشر، ينطق به رجل صادق لم يجرب عليه كذب.
قد نستكمل إن شاء الله في المرة القادمة. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. السلام عليكم ورحمة الله.
محمد إلهامي