السيرة النبوية | 21. الهجرة إلى الحبشة.. وسجود المشركين لروعة القرآن

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم الجنة منزلاً، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا المجلس على طاعته أن يجمعنا مع سيدنا ومولانا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم في جنته ودار كرامته ومستقر رحمته.

هذا المجلس الحادي والعشرون، طبعاً مهما اجتهد أعجمي اللسان أن يستقيم لسانه سيظل يخطئ، أسأل الله تبارك وتعالى أن يجنبنا وإياكم الزلل. وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند، هل يذكر أحد؟ عند الهجرة إلى الحبشة، نعم بارك الله فيكم.

وكنا بدأنا في المجلس الماضي مروراً سريعاً في مسألة الهجرة إلى الحبشة، وذكرنا أن العبارة التي اتفق عليها أهل السير وهي المأخوذة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو يعني الأحاديث التي حدثنا من حديثي أم سلمة وأسماء بنت عميس رضي الله عنهما، أم سلمة وصفت الهجرة الأولى وأسماء بنت عميس وصفت الهجرة الثانية، والحديثان صحيحان.

ذكرنا أن الجملة المتفق عليها بين أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ما فيه أصحابه من شدة العذاب، أذن لمن شاء منهم بالهجرة إلى الحبشة، وذكرنا أنه هذا أمر طبيعي ومنطقي ومفهوم في حين اشتداد العذاب، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم قدرة على دفع هذا العذاب عن أصحابه، ففي دور القيادة، وواجب القيادة أن تبحث عن البدائل والحلول، يعني مثلما يكون دور المسلم ودور العامل ودور الجندي أن يصبر ويثبت ولا يعطي من نفسه إلا يعني إذا اشتد عليه الأمر فيكون كحال المكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فواجب القيادة أيضاً أن لا تترك أتباعها وأنصارها هكذا، أن تكلهم إلى إيمانهم أو إلى طاقتهم في التحمل.

فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن شاء من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وقال: إن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وإنها أرض صدق، فاخرجوا إليها حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً. تمام، فالسبب الأساسي أو السبب المنطقي أو السبب المفهوم في الهجرة إلى الحبشة هو الفرار من الأذى الذي كان ينزل بالصحابة، تمام.

لكننا حين نرى أسماء الذين هاجروا إلى الحبشة نكتشف بعض الأمور التي تستحق أن تلفت أنظارنا. ذكرنا أن الهجرة الأولى للحبشة كانت في رجب من السنة الخامسة للبعثة، رجب من السنة الخامسة للبعثة، يعني أي أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ، إحنا ذكرنا أن النبي بدأ دعوته الجهرية في سنة كم من البعثة؟ من يحفظ خريطة السيرة؟ متى بدأت الدعوة الجهرية؟ أي نعم في السنة الثالثة، تمام، فنحن الآن في منتصف السنة الخامسة، تمام نعم، فهذا يصور لنا يصور لنا كيف، ما هو الزمن الذي كان فيه الصحابة، فنحن تقريباً بعد سنة ونصف من بدء هذا العناء والمشقة وما لحق بالصحابة من التعذيب.

طيب الذين هاجروا في هذه الهجرة الأولى أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وهؤلاء النسوة كانوا زوجات لأربعة من هؤلاء الرجال. طيب، من أبرز من هاجروا ذكرنا سيدنا عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ممن هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد، ذكرنا سيدنا أبا سلمة لما قلنا إنه كان قريباً من النبي، كان بالنسبة للنبي أخاه من الرضاعة، تمام، كلاهما رضع من مولاة أبي لهب، تمام فهما قرينان، وزوجه السيدة أم سلمة ستكون فيما بعد زوجة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن سيدنا أبا سلمة نفسه سيستشهد في غزوة أحد.

طيب إذاً خرج سيدنا عثمان بن عفان، طبعاً سيدنا عثمان بن عفان من بني أمية، بني أمية بن عبد شمس، وزوجه رقية من بني هاشم لأنها بنت النبي صلى الله عليه وسلم. سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم، بني مخزوم من أبرز رجالها الوليد بن المغيرة وأبو جهل اللي هو عمرو بن هشام المخزومي، وزوجه السيدة أم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية أيضاً من بني مخزوم، تمام.

وممن هاجر أيضاً سيدنا عبد الرحمن بن عوف وهو من بني زهرة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، سيدنا الزبير بن العوام وهو من بني أسد، سيدنا الزبير بن العوام بن خويلد، يبقى هو يعني كيف قرابته من خديجة زوج النبي؟ ابن أخيها، نعم، هي خديجة بنت خويلد وهو زبير بن العوام بن خويلد، ومصعب بن عمير وهو من بني عبد الدار، تمام. وأسماء ليست بمشهورة، يعني هناك ثلاثة أو أربعة أسماء أخرى ليست مشهورة، منها سهل بن أبي بيضاء، منها بشر بن أبي رهم، يعني الأسماء هذه أسماء ليست بمشهورة.

طيب، ومنهم طبعاً عثمان بن مظعون رضي الله عنه، وهذا أيضاً من السابقين للإسلام، وسيدنا عثمان بن مظعون من بني جمح، تمام، بني جمح من أبرز من فيهم؟ لا عمرو بن جمح أنصاري، نعم بني جمح أبرز من فيهم أمية بن خلف رأس الكفر وأخوه أبي بن خلف، على كل حال نحن ذكرنا مسألة فهم الأنساب في المجلس الأول فلعلكم ترجعون إليه، والأمر يعني مسألة الأنساب من المفيد فهمها لفهم خريطة الأحداث في السيرة النبوية حتى لا تختلط، يعني لا تبدو الأمور متشابكة وغير واضحة.

طيب يبقى إذاً حين ننظر في هؤلاء فسنرى أن منهم من لم يعذب، وذكرنا طبعاً في المرة الماضية ونسيت أذكرها الآن سيدنا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكان من السابقين إلى الإسلام، وهذا ابن عتبة بن ربيعة سيد عبد شمس، ومعه زوجه سهيلة بنت سهيل بن عمرو، تمام، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة اسمه مشهور، أبو حذيفة هذا كان ولده، وزوجته سهيلة بنت سهيل بن عمرو، سهيل بن عمرو هذا فصيح قريش وخطيب قريش، وسيكون فيما بعد مفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، هو الذي وقع مع النبي هذه المفاوضات.

إذاً من هؤلاء من لم يعذب كما ذكرنا أبو حذيفة، أبو حذيفة لم يعذبه أبوه، ومنهم من أوذي الإيذاء النفسي والمعنوي الذي انقلب إلى مادي، مثلاً مثل سيدنا مصعب بن عمير، سيدنا الزبير بن العوام لم نسمع أنه عذب.

ولكن أوضح من ذلك كله أن ممن خرج في الهجرة إلى الحبشة الأولى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، طيب سيدنا أبو بكر ذكرنا أن الله منعه بقومه في حديث عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان أول من جهر بالإسلام سبعة: رسول الله، وأبو بكر، فإما رسول الله فمنعه الله بقومه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه. إذاً سيدنا أبو بكر أيضاً لم يعذب، ولكنه خرج إلى الحبشة، خرج مهاجراً لولا أن قابله رجل، يعني سيد القارة وهذه قبيلة وكانوا لحلفاء لبني زهرة، المهم رجل اسمه ابن الدغنة، قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فإن قومي منعوني وآذوني. قال: ارجع يا أبا بكر، فإن مثلك لا يخرج ولا يُخرج، أبو بكر مؤرخ قريش، أعلمها بأنسابها وأيامها، تاجرها، الرجل الألف المألوف المحبب، يعني هذا رجل خروجه من البلد نوع من العار والفضيحة.

وكذلك يعني كما يظهر في مثلاً أيامنا هذه، أن تهاجر العقول المفكرة، أن تجد مثلاً المبرزين في العلوم والمبرز في الاختراعات والإبداعات أو حتى المبرزين في العلم أن يُطرد من بلده ويخرج من بلده، فيكون خروجه نوعاً من العار والفضيحة لبلده التي لم تُقدّر حق قدره، فقال: ارجع يا أبا بكر، فإن مثلك لا يخرج ولا يُخرج، وأنت في جواري، وأنت في جواري، يعني في ذمتي أو في حمايتي، وأدخله إلى مكة مرة أخرى وأعلن أنه في جواره. فقريش اشترطت عليه أن يعبد ربه في داره، يعني لا نريد من أبي بكر أن هو يأتي ليصلي عند الكعبة ولا يجلس ليقرأ القرآن في نادي القوم، فاشترط عليه أن يعبد ربه في داره، ففعلاً جلس أبو بكر في داره، فكان لا يصلي إلا في داره ولا يقرأ إلا في داره، ثم إنه صار يصلي في فناء الدار، فناء الدار، فكان رجلاً بكاءً، تسبق إليه العبرة حين يقرأ القرآن، فكانت قريش ونساؤها وأطفالها تتقصف إليه، يعني مش د يلفت الأنظار، وينظرون إليه فيتأثرون به. فعادت قريش إلى ابن الدغنة وقالت: إن صاحبك قد آذانا، لأنه اتخذ المسجد في الفناء، يعني منطقة رمادية ما تعرفش إذا كانت بره الدار، تحسب بره الدار ونادي عام ولا تحسب داخل الدار. فجاء ابن الدغنة فخيّر أبا بكر بين أن يعبد ربه في داره أو أن يرد عليه جواره، فقال: بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله، تمام. فمكث أبو بكر ينتظر الأذى.

لكن الشاهد الذي نريده هنا، الشاهد الذي أريده الآن وسنرجع إليها بعد قليل، هو أن الذي كان كاد يخرج إلى الحبشة هو أبو بكر، وهو رجل لم يُؤذَ ولم يُعذب. فالنظر في الأسماء التي هاجرت إلى الحبشة تفيدنا أن هذا لم يكن مجرد فرار من الأذى والتعذيب، بقدر ما أنه كان إنشاء لمحطة أخرى، نواة أخرى، مركز آخر، قاعدة أخرى للدعوة الإسلامية، تمام، وإلا فقد ذكرنا أن من الناس من لم يعذب، وفيهم يعني الأسماء المجهولة هذه أيضاً أو لا أقول مجهولة، استغفر الله، أقول الأسماء غير المشهورة كما ذكرنا سهل بن بيضاء وكما ذكرنا بشر بن أبي رهم، هؤلاء لم نسمع أنهم عذبوا. فنحن أمام احتمالين: إما أنهم عذبوا ولم نعرف بأخبارهم، وقد ذكرنا في المجلس قبل الماضي أن أخبار التعذيب لم تصل إلينا كلها، تذكرون الحديث الذي رواه الترمذي وغيره وصححه وهو صحيح، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: قد أُوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد مرت عليّ ثلاثون ليلة مالي وبلال فيها طعام يأكله ذو كبد إلا شيئاً يواريه إبط بلال، فهذه هذا حديث لا نعرفه بالضبط متى عانى النبي هذه المعاناة.

فإما أن تكون هذه الأسماء قد نالها من العذاب ما لم يصل إلينا، أو أن تكون كذلك، أو أن تكون من الأسماء التي خرجت ضمن خطة النبي أو منهج النبي في تكوين مكان آخر وقلعة أخرى للدعوة الإسلامية مع ازدياد بطش قريش. كذلك سنجد في هذه الأسماء الأحد عشر السابقون إلى الإسلام، يعني سيدنا الزبير، سيدنا عبد الرحمن بن عوف، سيدنا مصعب بن عمير، سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد، وطبعاً ذكرنا أبو بكر، هؤلاء السابقون إلى الإسلام، أيضاً يعطيك هذا تصوراً أن هذه الإمكانيات الدعوية الجبارة، الشخصيات التي انتقاها النبي وأبو بكر في الأيام الأولى للدعوة، يعني الشخصيات الأعمدة الكبيرة الأصيلة، ما كان يُتصور أن يكون خروجها إلى الحبشة هو مجرد الفرار من الأذى، وإنما حضور هذه الأسماء في هذه القائمة المحدودة اللي هو أحد عشر رجلاً، إنما هو دليل على مسألة الدعوة.

وكذلك خروج بعضهم بزوجه، فخروج بعضهم بزوجه أيضاً يوحي بأن الأمر كان أمر استقرار، لم يكن أمر رجوع قريب، وإلا لو كان شأن رجوع قريب لقلنا ما كان ينبغي أن يحمل أحدهم زوجه معه، تمام واضح هذا يا جماعة؟ إذاً فكما قلت السبب الذي تصرح به كتب السيرة والسنة هو الفرار من الأذى، ولكن التأمل في هذه الأسماء يخبرنا بأن الفرار من الأذى يكون أحد الأسباب أو يكون سبباً في حال بعضهم، ولكنه لا ينفع لتفسير كل هذه الأمور.

وذكرنا في المرة الماضية أن مما يؤكد هذا أن الذين هاجروا إلى الحبشة واستقروا فيها إنما عادوا في السنة السابعة للهجرة، السنة السابعة للهجرة يعني بعد خمسة عشر سنة بعد أن قامت دولة الإسلام وبعد أن حاربت وبعد أن عاهدت وتأكد قيامها ووجودها ورسوخها، فهذا أيضاً دليل على أن المسألة لم تكن مجرد الفرار، وإنما كان بقاء هذا القدر من الاحتياطي خصوصاً وسيلحق بهم بعد قليل سيدنا جعفر بن أبي طالب، وسيدنا جعفر بن أبي طالب إذا كان أبو طالب يحمي النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتصور أن يكون هو قد خرج من أجل الفرار من الأذى، تمام.

هذا أمر أحب أن يكون واضحاً في بالنا، لأنه إذا كنا نتعلم من المرحلة المكية منهج النبي صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة، فيجب أن نكون مستحضرين أن النبي لم يكن مجرد الداعية الذي هو بمعنى الواعظ أو بمعنى الخطيب أو بمعنى الدرويش، النبي كان داعية بمعنى المنظم، المحرك، القائد، صاحب الرسالة الذي يبحث عن تمكين دعوته ليس مجرد الجلوس والكلام، فالإسلام طاقة حركية، حركة عملية، ليس مجرد بيان أو مجرد بلاغ فقط، وإنما هو عمل لتأسيس الدولة الإسلامية.

ولذلك ذكرنا طبعاً مررنا في المرة الماضية إلى أنه إدراك النبي صلى الله عليه وسلم لخريطة القوى الدولية وخريطة الأوضاع السياسية، وأنه اختار الحبشة من بين كل هذه المناطق التي يمكنه أن يهاجر إليها، قال: "فإنه ملك لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق"، فدراسة النبي لهذا، يعني لا يجوز للداعية -وأنا أتكلم الآن عن الداعية صاحب.

الرسالة: صاحب القيادة وصاحب الحركة لا يجوز له أن يكون غافلاً عن أحوال السياسة من حوله، فلا يدري عدوه من صديقه، تمام؟

من الطرائف هنا أنه في السجون المصرية -أسأل الله أن يفرج عن كل الأسرى- كثيراً ما كنا ندخل فنجد في السجن مثلاً واحداً من إخواننا من تركستان أو من الشيشان أو من أي دولة، يا حبيبي أنت إيه اللي جابك هنا؟ يقول لك: والله أنا كنت يعني جاي أجاهد إلى فلسطين. طبعاً عاطفة نبيلة، لكن يبدو أن الأخ إيه مش واخد باله خالص، هو معدي فين يعني؟ هو يعني يظن نفسه إيه، رايح على دولة مسلمة وفيها نظام إسلامي وهلاقي الطريق مفتوح إلى.. طبعاً هذا كان قبل زمن الثورات، لكن الآن أحسن أن الوعي صار أفضل، لكن على كل حال القصد هنا أن النبي -انظر كيف كان يفهم أحوال من حوله واختار لقومه هذا- وانظر أيضاً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: فإنه ملك لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق.

فهذه يا جماعة الخير دليل آخر على القاعدة المستقرة الدائمة التي يجب أن نعرفها كأمة، وهي: الناس على دين ملوكهم، الناس على دين ملوكهم. لما كان الملك عادلاً صارت أرضه أرض صدق، لما كان لا يظلم عنده أحد صارت أرضه أرض صدق، وإلا لو كان أحد غير النجاشي، هل كان يمكن أن تكون الحبشة أرض صدق أو أن تؤوي المهاجرين؟ لا يمكن، تمام؟ فيعني هذا أمر يجب أن يعني يستقر في أذهاننا، وهو أن الناس على دين ملوكهم. طيب، إذاً لما خرج هؤلاء الصحابة من مكة تسللوا إليها تسللاً، وأكرمهم الله فوجدوا -رواية تقول سفينة، رواية تقول سفينتين- في ميناء جدة فركبوا إلى الحبشة. قال: وعلمت قريش فتعقبت هؤلاء المهاجرين، إلا أنها حين وصلت إلى البحر لم تدركهم، فأفلتوا منها.

طيب، هذا أيضاً يجب أن ينبهنا إلى أمر آخر، وهو لماذا تصر قريش على تتبع المهاجرين؟ لماذا يا جماعة الخير؟ نعم لكي لا ينتشر الإسلام، ممكن، بس دول أحد عشر واحداً يعني ورايحين إلى الحبشة. نعم، شخصيات مهمة، وسمعة الدولة. نعم، شوف إحنا ذكرنا في المجلس قبل الماضي أنه من طبع الباطل الكبر، وأنه مجرد صمود صاحب الحق هو يعتبر في نفسه هزيمة للباطل، وأن الباطل حتى لا يلجأ إلى القتل لأن القتل يفوت عليه فرصة انتزاع الاعتراف بأن هذا الذي خرج عن الباطل كان مخطئاً، وذكرنا قصة ماشطة بنت فرعون وغيرها.

وحتى طب هو حتى بني إسرائيل أنفسهم، هو نبي الله موسى قال لفرعون ماذا؟ أن أرسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم. والله الناس اللي أنت شايفهم مجرمين وإرهابيين وخطر على الأمن القومي أنا هاخدهم وأمشي. تمام، أول ما سمع أنهم ماشيين قال إيه: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ. يعني لو إحنا ننفذ كلامه بمصطلح معاصر: قلة مندسة تحاول أن تهدد هيبة البلد، لكن كل الأمور تحت السيطرة، وإنا لجميع حاذرون. تمام، وتعقبهم وهم ماشيين. وهذا أمر لا يزال حتى زمننا المعاصر، أنت الآن تلاقي الواحد لو استطاع أن يهرب من أرض الظلم ما الذي يحصل؟ تبدأ السلطات تضع اسمه على قائمة الانتظار وعلى قائمة المغادرة، وبعدين تعمم اسمه على الإنتربول، وتبدأ تنسج الاتفاقيات السياسية لتسليم المطلوبين والاتفاقيات الأمنية للتعاون على تسليم المجرمين، رغم أنه يفترض أنه هذا الذي يعني أنت لا تطيقه وهذا الذي خرج عن طوعك يعني خير وبركة لو أنه مضى، ولكن لا، يجب أن تعرف أنه الباطل، الباطل والحق كلاهما لا يطيق وجود الآخر، ولا يمكن أن يجتمع، لا يمكن أن يجتمع. ما وجد حق فاحتمل إلى جواره الباطل، وما وجد باطل احتمل إلى جواره الحق. تمام، فهؤلاء يعني بمجرد ما عرفوا برحيلهم طردوهم لكن أنهم كانوا قد أفلتوا. تمام.

فإذاً يعني طبعاً زمان ما كانش فيه بقى يعني إيه اتفاقيات تسليم المجرمين أو جمارك بقى وموانئ وبطاقات تصدرها السلطة. أنت عارف دلوقت كل إنسان هو مجموعة من الأوراق التي يصدرها عدوه؛ تمام؟ يعني أنت بطاقة الرقم القومي من يصدرها؟ وجواز السفر من يصدره؟ شهاداتك من يصدرها ومن يوثقها؟ وأنت بدون هذه الأوراق لست موجوداً، لست موجوداً فلا حقوق لك. فلذلك طبعاً الجاهلية تطورت واستفادت من التكنولوجيا، وبقى عندنا باركود وبصمة عين وبصمة يعني حصار حصار كامل، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يفرج عن المسلمين جميعاً.

طيب، صلوا على النبي. الهجرة الأولى نعم، هذه الهجرة الأولى وهذه كما قلنا كانت أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، ونعرف منها يعني لا نعرف عنها كثيراً من الأخبار إلا قول أم سلمة رضي الله عنها بأنه: نزلنا عند النجاشي في خير دار وخير جوار، وأنهم يعني كانوا يعبدون الله يأمنون على أنفسهم. لكن حصل شيء في مكة اضطر أو يعني أدى إلى رجوع هؤلاء بعد أيام قليلة، ربما شهر أو أكثر من شهر أو شهرين في هذه الحدود. وهنا أمور أحب أن أقف معكم فيها.

الأمر الأول: إحنا الآن لدينا روايتان موجودتان في كتب السيرة والسنة. الرواية الأولى تقول إن هؤلاء المهاجرين هاجروا ثم نمى إليهم أن قريشاً قد أسلمت واتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا. تمام، هذه العبارة المتفق عليها، لكن التفصيل هو الذي فيه خلاف. فبعض أهل السير يذكر أن هؤلاء المهاجرين سمعوا أن قريشاً أسلمت، وأن ممن أسلم فيها حمزة وعمر رضي الله عنهما، فرجعوا فوجدوا الأمر على خلاف ما رأوا، بل زاد قومهم بل زادت قريش من تعذيب المسلمين، فهاجروا الهجرة الثانية. يبقى الترتيب عندنا إزاي في هذه الرواية؟ هجرة أولى، ثم وقعت ثلاثة أحداث في مكة -ثلاثة أحداث هي سجود المشركين وإسلامهم، إسلام حمزة، إسلام عمر- فعادوا فاشتدت قريش بالتعذيب، فهاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة. هذا الترتيب الأول.

الترتيب الثاني: أن هؤلاء سمعوا بسجود المشركين، يعني إسلام قريش، فعادوا تمام، فلما عادوا في أثناء عودتهم هذه، في الزمن الذي بعد عودتهم اشتدت قريش في التعقب ولا تسمح لآخرين بالهجرة، في هذا الزمن أسلم عمر، أسلم حمزة ثم أسلم عمر، فكان هذا مما اشتد له غيظ قريش فزاد عذابهم على المسلمين، فهاجروا الهجرة الثانية. تمام، إذاً نحن أمام ثلاث أحداث إما أنها وقعت معاً وإما أنها وقعت متفرقة. خلاص، طيب إحنا الآن في حكايتنا هذه سنذهب إلى أنها وقعت متفرقة لأننا نريد أن يعني إيه نجمل قصة الحبشة بشكل عام. واضح يا جماعة الخير؟ حد عنده اعتراض؟ طيب.

ما الذي حصل؟ نحن ذكرنا قبل قليل أن أبا بكر رضي الله عنه اشترطت قريش على ابن الدغنة شرطاً وهو أن يعبد الله في بيته ولا يؤذين في نوادينا، وأن أبا بكر رضي الله عنه لما اتخذ مسجداً في فناء بيته صارت نساء قريش وأطفالها يتقصفون على أبي بكر يسمعون منه القرآن، وكان رجلاً بكاءً تسبقه العبرة، وهذا الذي اعترضت لأجله قريش مرة أخرى وأدى إلى أن ابن الدغنة ينسحب ويرد أبو بكر جواره عليه. فتأثير القرآن الكريم على القرشيين كان تأثيراً واضحاً، بل تأثيراً مخيفاً ومرعباً. فالقرآن الكريم يعني القرآن كان له من الشدة والسطوة والتأثير ما يخاف معه أن ينقلب الذي سمعه مسلماً، وذكرنا في المجالس الماضية بعض هؤلاء وكيف أن النبي تلا على بعضهم آيات من القرآن فأسلموا، وذكرنا أن شدة قريش في الدعاية إلى التشغيب على من قرأ القرآن الكريم جعلت بعض الناس لشدة الدعاية مثل سيدنا الطفيل بن عمرو الدوسي يضع قطنتين في أذنيه حين دخل إلى مكة لكي لا يتسرب إليه شيء من هذا السحر الذي يفتن به محمد الناس. ثم قال لنفسه: فقلت لنفسي ما تفعل؟ إنك امرؤ شاعر. يعني أنت حتى إيه يعني طبعاً الشعراء هؤلاء هم أهل الكلام يا جماعة، الشعراء هم أهل الكلام يعني صنعتهم الكلام، مزيتهم تذوق اللغة، فقلت ما هذا الذي تفعل؟ إنك امرؤ شاعر، فنزع القطنتين وسمع من النبي فأسلم، وعلى يديه أسلمت نصف قبيلة دوس، طبعاً قبيلة دوس أشهر من فيها سيدنا أبو هريرة اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، ماشي تمام، فأبو هريرة هو إيه من ثمار سيدنا الطفيل بن عمرو الدوسي. ولذلك كان إسماع قريش القرآن الكريم هو بمثابة العملية الاستشهادية، ولذلك قام بها في أول مرة سيدنا مين؟ عبد الله بن مسعود، وطبعاً ضربوه ضرباً مبرحاً لأنه يعني أسمعهم القرآن. فسماع القرآن الكريم عند قريش كان يعني شيئاً تتهيب وتتوجس منه وتخشى منه، ووردت روايات في تسلل القرشيين لكي يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم.

طبعاً الـ... أنا لو حاولت أقرب الصورة الآن في عصرنا هذا لا أجد لا أجد صورة قريبة من ذلك -استغفر الله طبعاً، ويعني تحملوا مني هذا اللفظ- لكن اعتبروا الكلام الذي يقال كأشد ما يكون مثلاً من خطيب مفوه، من مغنٍ صاحب شعبية هائلة، مثل هذا، ولكن لا يصل ذلك، لا يصل ذلك بحال من الأحوال كما كانت قريش تسمع القرآن الكريم من النبي صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم من جهته كان حريصاً على أن يسمع قريشاً القرآن الكريم، فكان يصلي في جوف الكعبة، كان يصلي في الحجر، كان يحاول أن يسمع قريشاً القرآن الكريم، وأحياناً كانوا يحاولون هم أن يتفلتوا ويتخلصوا من محاولات النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسبوا النبي ويسبوا إلهه، ومن ذلك نزل قول الله تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. تمام، يعني لأنه طبعاً وهذا من أدلة سد الذريعة، أنك وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. طيب.

فذات ليلة من الليالي أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم أو نزلت عليه سورة النجم. طيب نزلت سورة النجم، فجاء النبي في هذه الليلة فجلس عند الكعبة، فتلا سورة النجم. طبعاً نحن أفردنا مجلساً للحديث عن كيف كان القرآن يقع في أسماع قريش، أحب أن ترجعوا إليه في هذا الباب، ولكن هذه القصة تحديداً أو هذا الموقف تحديداً هو من أشد هذه المواقف، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا هذه الآيات، طبعاً سورة النجم تنتهي بالسجدة، فلما قال: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، لم يملكوا القوم أنفسهم أن سجدوا، سجد النبي فسجدوا وراءه، تقول الرواية إلا واحداً، مرة قالت الوليد بن المغيرة، مرة قالت أمية بن خلف، كان كبيراً أو كان سميناً، أمية بن خلف كان سميناً، والوليد بن المغيرة كان كبيراً ما استطاع أن يسجد، فأخذ ملء كفه تراباً من الأرض ووضعه على جبهته. فهذا مشهد من سلطان القرآن الكريم على النفوس. هذا السجود العام كان هو مبعث الشائعة التي قالت بأن قريشاً أسلمت واتبعت النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب تعالوا لو أننا أردنا أن نتوقف عند هذه الآيات، الله تبارك وتعالى، يعني نأخذ من أواخر سورة النجم هكذا، الله تبارك وتعالى الآيات التي في آخر سورة النجم آيات قصيرة وآيات قوية وآيات يعني فيها هذه الهزة والرجّة. فبدايتها مثلاً قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ، وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ، أَمَا أن هذه الآيات نزلت في أحد الناس أو أنها مثال عام؛ يعني هذا رجل أعطى في سبيل الله أعطى قليلاً ثم لما خوف بالفقر امتنع، أَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ خاف من الفقر. وهذا كقوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ، لأن الإنسان كلما فكر في أن ينفق جاءه الشيطان ليخوفه.

طيب أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ، يقول الله: أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ؟ الغيب الذي يخشاه، أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ؟ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ؟ والإشارة هنا إلى صحف موسى وإبراهيم هي إشارة إلى أن هذا الدين هو امتداد للأنبياء السابقين، وليس بدعة ابتدعها محمد صلى الله عليه وسلم من عنده. ونحن ذكرنا قبل ذلك أنه من أقوى ما كان في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء وهو يقول: أنا موجود في كتب السابقين، أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشر بي عيسى بن مريم، ونزل قول الله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ، هذه جرأة لا يمكن أن يقدم عليها مدعٍ أو كذاب. تمام، أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، لأنه من المفسرون الذين ذكروا بأن هذه نزلت في أحدهم قالوا نزلت في رجل أعطى وتصدق ثم جاءه صاحب له فخوفه بالفقر وقال له أعطني ما كنت تنفقه وأنا أحمل عنك وزرك، فنزلت الآية تقول: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ، وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ.

طبعاً إذا سمعت هذه الآيات بأذن عربي، أذن العربي الذي كان من مفاخرهم الكرم والإنفاق، وذكرنا أن العرب يعني أخرجوا بعض أجود ومنهم من ضُرِب به المثل في الجود حاتم الطائي، تمام، والله تبارك وتعالى هنا يؤكد على مسألة الإنفاق والإعطاء والكرم، وأنه الإنسان يعني سيُجزي عن هذا ليس فقط حسن السيرة في الدنيا، ولكن يُجزى على ذلك أيضاً في الآخرة، وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ. طيب تأمل: وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ.

وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى. أَنْتَ الْآنَ أَمَامَ آيَةٍ أَمَامَ عَدَدٍ مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي يَعْنِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. الْإِنْسَانُ لَمَّا يَتَأَمَّلُ فِي نَفْسِهِ كَيْفَ يَنْتَقِلُ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ، أَوْ حَتَّى مَا الْفَارِقُ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ؟ أَحْيَانًا لَا يُوجَدُ الْفَارِقُ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ، أَحْيَانًا الْإِنْسَانُ مِنْ شِدَّةِ السَّعَادَةِ يَبْكِي، صَحَّ؟ وَأَحْيَانًا مِنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ وَمِنْ شِدَّةِ الْبَلِيَّةِ وَمِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ يَضْحَكُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: شَرُّ الْبَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ. لَمْ يَحْدُثْ هَذَا؟ كُلُّنَا جَرَّبْنَاهُ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مِمَّنْ يَتَأَمَّلُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَنْ يَقُولُ لَكَ: وَانْظُرْ كَيْفَ يُقَلِّبُ اللَّهُ أَحْوَالَ الْإِنْسَانِ، فَإِذَا هُوَ الْآنَ يَضْحَكُ مِنْ أَمْرٍ وَغَدًا يَبْكِي مِنْهُ. وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ فِيهِ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي غَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ. وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، أَوْ كَقَوْلِ الْآخَرِ: دَعَوْتُ عَلَى عُمَرَ فَمَاتَ فَسَرَّنِي، بُلِيتُ بِأَقْوَامٍ بَكَوْا عَلَى عُمَرَ. فَالْإِنْسَانُ لَا يَعْنِي ضِحْكُ الْإِنْسَانِ وَبُكَاؤُهُ أَمْرٌ، قَدْ يَجْتَمِعُ الضَّحِكُ وَالْبُكَاءُ، وَقَدْ يَضْحَكُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَا بَكَى مِنْهُ، وَقَدْ يَبْكِي عَلَى مَا ضَحِكَ مِنْهُ.

وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ، هَذِهِ طَبْعًا لَفَتَاتُ الْقُرْآنِ لَفَتَاتٌ عَمِيقَةٌ جِدًّا. وَهُوَ كَمَا يَقُولُ الشَّهِيدُ سَيِّدُ قُطْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يُحِيلُ عَادِيَاتِ الْحَيَاةِ إِلَى مَظَاهِرَ لِلتَّأَمُّلِ، الْأُمُورُ الْبَسِيطَةُ الَّتِي الْإِنْسَانُ اعْتَادَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَعُدْ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا وَلَا يَنْتَبِهُ إِلَيْهَا، الْقُرْآنُ يُوقِفُهُ أَمَامَهَا وَيَقُولُ لَهُ: هَذِهِ الشَّمْسُ وَهَذَا الْقَمَرُ وَهَذَا اللَّيْلُ وَهَذَا النَّهَارُ، فَمِنْ هَذَا أَيْضًا: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، خَلَقَ الضَّحِكَ وَخَلَقَ الْبُكَاءَ، أَوْ خَلَقَ أَسْبَابَ الضَّحِكِ مِنَ الْمَسَرَّاتِ، وَخَلَقَ أَسْبَابَ الْبُكَاءِ مِنَ الْمُضِرَّاتِ. وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَهَذِهِ أَيْضًا أَلْغَازٌ، لُغْزُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، قَالَ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَمْلِكُ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ، يَكُونُ الْجَنِينُ جَسَدًا فَإِذَا فَجْأَةً تَدِبُّ فِيهِ الرُّوحُ، لَا تَفْسِيرَ عِلْمِيَّ حَتَّى الْآنَ لِهَذَا، وَيَكُونُ الرَّجُلُ صَحْوًا يَقِظًا فِي صِحَّتِهِ فَإِذَا تُسْلَبُ مِنْهُ الرُّوحُ فَيَقَعُ مَيِّتًا يَسْقُطُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ عَلَى شَفِيرِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَعُودُ.

وَكَمَا أَبْدَعَ الْقَائِلُ: قُلْ لِلطَّبِيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى، يَا شَافِيَ الْأَمْرَاضِ مَنْ أَرْدَاكَ؟ قُلْ لِلْمَرِيضِ نَجَا وَعُوفِيَ بَعْدَمَا، عَجَزَتْ فُنُونُ الطِّبِّ مَنْ عَافَاكَ؟ قُلْ لِلصَّحِيحِ يَمُوتُ لَا مِنْ عِلَّةٍ، مَنْ يَا صَحِيحُ بِالْمَنَايَا دَهَاكَ؟ بَلْ سَائِلِ الْأَعْمَى خَطَا وَسْطَ الزِّحَامِ بِلَا صَدًى، مَنْ مَنْ يَقُودُ خُطَاكَ؟ وَسَلِ الْبَصِيرَ وَكَانَ يَحْذَرُ حُفْرَةً، فَهَوَى بِهَا مَنْ ذَا الَّذِي أَهْوَاكَ؟ فَلُغْزُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَقَالَ تَعَالَى تَدْلِيلًا عَلَى قُدْرَتِهِ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، يَعْنِي النَّبَاتَ يُخْرَجُ مِنَ الْأَرْضِ هَذَا حَيٌّ خَرَجَ مِنْ مَيِّتٍ، وَرُبَّمَا خَرَجَ الْجَنِينُ مِنْ أُمِّهِ بَعْدَ أَنْ مَاتَتْ فَهَذَا خُرُوجُ حَيٍّ مِنْ مَيِّتٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ النَّبَاتُ الثَّمَرَةَ وَهَذَا خُرُوجُ مَيِّتٍ مِنْ حَيٍّ. وَيَعْنِي الْمَظَاهِرَ كَثِيرَةٌ الْآنَ، لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى شُو، شُوفْ أَنْتَ تَسْمَعُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ. وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ.

يَا جَمَاعَةُ، مَنْ يَتَخَيَّلُ أَنَّ هَذِهِ النُّطْفَةَ تَصِيرُ بَشَرًا؟ وَاللَّهِ الْإِنْسَانُ حِينَ يَتَأَمَّلُ فِي أَطْفَالِهِ، أَنْتَ كَيْفَ كُنْتَ كَيْفَ صِرْتَ؟ وَهَذَا الَّذِي يَمْلَأُ الدُّنْيَا الْآنَ حَرَكَةً وَلَعِبًا وَإِزْعَاجًا، هَذَا مَا كَانَ شَيْئًا، وَأَقَامَ اللَّهُ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.

طَيِّبْ، خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، النُّطْفَةُ الْوَاحِدَةُ. وَلِذَلِكَ أَهْلُ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ يَجِدُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ هَذَا الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ الْآنَ أَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ مَوْجُودَةٌ فِي مَاءِ الرَّجُلِ، لَيْسَتِ الْمَرْأَةُ مَسْئُولَةً عَنْهَا، وَيَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْكُرُومُوسُومَاتِ إِكْس وَوَاي وَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي مَاءِ الرَّجُلِ. فَإِنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ. كُلُّ مَا يَمْلِكُهُ النَّاسُ الْآنَ مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟ إِنَّمَا وَهَبَهُ اللَّهُ، أَغْنَى بِمَعْنَى وَهَبَهُمُ أَسْبَابَ الْغِنَى، الْأَمْوَالَ، النِّعَمَ، الثَّرَوَاتِ. وَأَقْنَى، وَأَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ أَوْ جَعَلَ فِيمَا أَغْنَاهُمْ إِمْكَانِيَّةَ أَنْ تَقْتَنِيَهُ وَأَنْ تَحْتَفِظَ بِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَا، يَعْنِي الْآنَ الْهَوَاءُ الَّذِي نَتَنَفَّسُهُ جَمِيعًا هَلْ مِنَّا مَنْ يَمْلِكُ أَنْ يُمْسِكَهُ؟ أَبَدًا، لَكِنْ مِنَ الْأُمُورِ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا صِفَةَ الِاقْتِنَاءِ، أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَا وَأَنْ تَكْنِزَ، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ.

وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ، الشِّعْرَى نَجْمٌ كَانَ يَعْبُدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الشَّمْسِ بِعَشْرِ أَضْعَافٍ، وَأَقْوَى فِي ضَوْئِهِ مِنَ الشَّمْسِ بِخَمْسِينَ ضِعْفًا، وَأَبْعَدُ مِنَ الشَّمْسِ بِمِلْيُونِ مَرَّةٍ، وَلِذَلِكَ اسْتَهْوَى ضَوْؤُهُ وَنُورُهُ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ. طَبْعًا نَحْنُ فِي أَزْمَانِ الْمُدُنِ حَيْثُ الْأَنْوَارُ الَّتِي شَغَلَتِ اللَّيْلَ يَعْنِي أَخَذَتْ مِنَّا قُدْرَتَنَا عَلَى مُلَاحَظَةِ النُّجُومِ وَالسَّمَاءِ، لَكِنْ أَهْلُ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانُوا خُبَرَاءَ فِي النُّجُومِ. وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ، قَوْمُ عَادٍ أَهْلَكَهُمْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ. وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ.

أَنْتُمْ وَاخْدِينَ بَالِكُمْ أَنَّ هَذِهِ حَضَارَاتٌ، حَضَارَاتٌ عَاشَتْ عَشَرَاتِ السِّنِينَ أَوْ مِئَاتِ السِّنِينَ، فَهِيَ تَأْخُذُ آيَةً آيَةً لَفْظَةً لَفْظَةً: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ. أَنْتَ أَنْتَ أَمَامَ يَعْنِي تَشْعُرُ بِالْآيَةِ، إِعْصَارٌ إِعْصَارٌ مَضَى عَلَى هَذِهِ الْحَضَارَاتِ وَهَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ. يَا جَمَاعَةُ الْأَقْوَامُ وَالْحَضَارَاتُ وَالْهَيَاكِلُ الضَّخْمَةُ صَارَتْ قِصَصًا، صَارَتْ أَحَادِيثَ، صَارَتْ تَارِيخًا. فَأَنْتَ أَمَامَ قُوَّةٍ جَبَّارَةٍ. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ. هُنَا يَمُنُّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَنَّهُ أَهْلَكَ الْفَاسِدِينَ وَأَهْلَكَ الظَّالِمِينَ وَأَهْلَكَ الطُّغَاةَ، هَلَاكُ الْفَاسِدِينَ وَالظَّالِمِينَ وَالطُّغَاةِ نِعْمَةٌ، نِعْمَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ يَعْنِي بِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكَ تَتَشَكَّكُ؟ هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ، يَعْنِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى، مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَذَّبَهُمْ أَقْوَامُهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ، يَعْنِي اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، أَزِفَتِ اقْتَرَبَتِ الْآزِفَةُ أَيِ الْقَرِيبَةُ، أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. أَيْ رَأْيِكُمْ يَا جَمَاعَةُ؟ الْأَمْرُ دَا يَنْفَعُ يَكُونُ هَزْلًا؟ يَنْفَعُ يَكُونُ مِزَاحًا؟ يَنْفَعُ يَكُونُ سُخْرِيَةً؟ يَنْفَعُ يُتَلَقَّى بِالِاسْتِهَانَةِ؟ دَوَ اللَّهُ وَاعْبُدُوا، فَلَمْ يَمْلِكِ الْقَوْمُ أَنْ سَجَدُوا.

طَبْعًا نَحْنُ الْآنَ نَحْتَاجُ أَنْ نُفَسِّرَ وَنَحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ يُخَاطِبُهُمْ بِلُغَتِهِمْ، فَهُمْ مَا كَانُوا مَا كَانُوا يَعْنِي يَحْتَاجُونَ مِثْلَ هَذَا الَّذِي نَشْرَحُهُ وَنُوَضِّحُهُ وَنُبَيِّنُهُ. فَأَنْتَ تَخَيَّلْ عَرَبِيًّا يَعْنِي يَجْلِسُ فِي لَيْلِ الصَّحْرَاءِ فِي مَكَّةَ، وَهُوَ يَسْمَعُ قَوْلَ النَّبِيِّ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَتْلُوهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ * وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ * أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ * هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.

أَنَا أَتَذَكَّرُ وَاللَّهِ يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ، وَأَنَا يَعْنِي قَبْلَ حَوَالَيْ عِشْرِينَ سَنَةً مَرَرْتُ بِهَذِهِ اللَّحْظَةِ، قَرَأْتُ سُورَةَ النَّجْمِ وَكُنْتُ أَحْفَظُهَا يَعْنِي مَا كَانَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَقْرَؤُهَا، وَاللَّهِ مَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ أَسْجُدَ دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ أَنَّ الْآيَةَ فِيهَا سَجْدَةٌ، فَحَقٌّ لِمَنْ يَنْعَمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِتَذَوُّقِ الْقُرْآنِ وَبِالْمَعِيشَةِ مَعَ الْقُرْآنِ يَرَى الْقُرْآنَ يَصْنَعُهُ خَلْقًا جَدِيدًا.

طَيِّبْ، وَصَلَتْ هَذِهِ الْأَنْبَاءُ إِلَى مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ. طَيِّبْ يَعْنِي إِذَا اسْتَقْبَلْتَ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ وَأَنْتَ فِي الْحَبَشَةِ وَوَجَدْتَ أَهْلَ قُرَيْشٍ سَجَدُوا، حَتَّى مَنْ لَمْ يَسْجُدْ رَفَعَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ إِلَى جَبْهَتِهِ، فَعَادَ أُولَئِكَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى مَكَّةَ، فَوَجَدُوا أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا فَهِمُوا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَتْ يَعْنِي لَحْظَةً أَخَذَتْ فِيهَا الْقَوْمَ رَوْعَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَكِنَّهُمُ انْقَلَبُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى، فَاشْتَدَّ عَذَابُ قُرَيْشٍ. وَإِذَا كَانَ قَدْ أَسْلَمَ عُمَرُ وَحَمْزَةُ كَمَا قُلْنَا فَقَدِ اشْتَدَّ عَذَابُهُمْ أَيْضًا، فَأَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ كَانَ رَئِيسُ الْقَوْمِ فِيهَا سَيِّدُنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. طَيِّبْ، هَذِهِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ كَانَتْ عَدَدًا أَكْبَرَ، كَانَتْ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا وَنَيِّفًا وَعَشْرَ نِسَاءٍ تَقْرِيبًا، يَصِلُ الْعَدَدُ إِلَى مِائَةٍ مَعَ التَّجَاوُزِ عَنِ الْخِلَافِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، هَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ. طَيِّبْ، طَبْعًا النَّجَاشِيُّ كَمَا قُلْنَا نِظَامٌ عَادِلٌ لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، لَكِنْ هَا هِيَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ صَارَتِ الْآنَ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يُسْكَتَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَتْ سَرِيَّتَهَا إِلَى النَّجَاشِيِّ تَطْلُبُ تَسْلِيمَ الْقِلَّةِ الْمُندَسَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ الْإِرْهَابِيَّةِ الَّتِي لَجَأَتْ عِنْدَكَ فِي الْحَبَشَةِ.

وَطَبْعًا كُنْتُ أَقُولُ لِبَعْضِ إِخْوَانِنَا: يَا جَمَاعَةُ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ شَيْئًا، فِي فَرْقٍ مُهِمٍّ جِدًّا بَيْنَ الْعُلُومِ الْبَحْتَةِ التَّطْبِيقِيَّةِ وَبَيْنَ الْعُلُومِ الْإِنْسَانِيَّةِ، إِذَا صَحَّ أَنَّهَا تُوصَفُ بِالْعُلُومِ هَذَا مَبْحَثٌ آخَرُ. يَعْنِي صَحِيحٌ الْقَوْمُ السَّابِقُونَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْمُوبَايِلَ، الْإِنْتَرْنِتَ، السَّيَّارَةَ، التِّلْفَازَ، مَفْهُومُ الْعُلُومِ الْبَحْتَةِ تَكْتَشِفُ مَا لَيْسَ مَوْجُودًا، تَخْتَرِعُ مَا لَيْسَ مَوْجُودًا، تَبْتَكِرُ مَا لَيْسَ مَوْجُودًا، لَكِنَّ الْمَبَاحِثَ الْإِنْسَانِيَّةَ، الْعُلُومَ الْإِنْسَانِيَّةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. الْمَبَاحِثُ الْإِنْسَانِيَّةُ تُفَسِّرُ مَا هُوَ مَوْجُودٌ، يَعْنِي مَا تَتَصَوَّرْ أَنَّهُ الْآنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ عِلْمُ السِّيَاسَةِ اكْتَشَفَ شَيْئًا لَمْ يَكْتَشِفْهُ الَّذِي كَانَ يَحْكُمُ إِمْبَرَاطُورِيَّاتٍ قَبْلَ آلَافِ السِّنِينَ، لَا! الَّذِي يَكْتُبُ عِلْمَ السِّيَاسَةِ الْآنَ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ الْإِمْبَرَاطُورَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ آلَافِ السِّنِينَ، هَذَا كَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يُدِيرَ أَوْ أَنْ يَسُوسَ مَمْلَكَتَهُ، يَعْنِي مَا فِيشْ قَوْمٌ مُتَخَلِّفُونَ فِي الْعُلُومِ الْإِنْسَانِيَّةِ، مَا فِيشْ حَضَارَةٌ مُتَخَلِّفَةٌ فِي الْإِدَارَةِ، مَا فِيشْ حَضَارَةٌ مُتَخَلِّفَةٌ فِي الِاقْتِصَادِ، مَا فِيشْ حَضَارَةٌ مُتَخَلِّفَةٌ فِي السِّيَاسَةِ، الْعُلُومُ الْإِنْسَانِيَّةُ هِيَ تَفْسِيرُ كَيْفَ نَجَحَ النَّاجِحُونَ.

تَمَامًا، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَصَوَّرُ أَنَّهُ حِينَ يَقْرَأُ الْآنَ فِي عِلْمِ الِاقْتِصَادِ وَعِلْمِ الِاجْتِمَاعِ وَعِلْمِ النَّفْسِ وَالتَّارِيخِ، يَتَصَوَّرُ أَنَّهُ يَعْنِي يَكْتَشِفُ جَدِيدًا، لَا أَبَدًا. فَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا مِمَّا نَحْتَاجُهُ الْآنَ أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ أَرْسَلَتْ سَفِيرَهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، أَرْسَلَتْهُمَا وَمَعَهُمَا خُطَّةٌ. طَبْعًا أَوَّلًا الْحَبَشَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَلَاقَاتٌ اقْتِصَادِيَّةٌ وَتِجَارِيَّةٌ، تَمَامًا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ هَدَايَا وَيَعْنِي الْعَلَاقَاتُ الِاقْتِصَادِيَّةُ وَالتِّجَارِيَّةُ هَذِي كَانَ تُجَّارُ قُرَيْشٍ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَبَشَةِ فِي رِحْلَةِ الشِّتَاءِ، طَبْعًا رِحْلَةُ الشِّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ وَيَمْتَدُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْحَبَشَةِ. وَكَانَ النَّجَاشِيُّ يُحِبُّ مِنْ بَضَائِعِ قُرَيْشٍ أُمُورًا، وَمِنْهَا الْأَدَمُ، وَالْأَدَمُ هُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ، كَانَ يُحِبُّ أَدَمَ مَكَّةَ، ضُبِطَتْ هَكَذَا وَضُبِطَتْ هَكَذَا فِي كُتُبِ السِّيَرِ. وَطَبْعًا النَّجَاشِيُّ يَدِينُ بِالْمَسِيحِيَّةِ، وَالنَّجَاشِيُّ رَجُلٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ، وَلِذَلِكَ طَبِيعِيٌّ الرَّجُلُ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ تَجِدُ فِي مَجْلِسِهِ الْعُلَمَاءَ وَالْمُثَقَّفِينَ وَالْمُفَكِّرِينَ، الَّذِي مَا عِنْدَهُمْ عِلْمٌ تَجِدُ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ... وَإِذَا كَانَ رَبُّ الْبَيْتِ بِالدُّفِّ ضَارِبًا، شِيمَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ كُلِّهِمْ رَقَصُوا.

فَطَبْعًا بِطَانَةُ النَّجَاشِيِّ كَانَتِ الْبَطَارِقَةَ، بِاللَّفْظِ الْمُعَاصِرِ بَطْرِيَارِكْ يَقُولُهَا الْعَرَبُ بَطَارِقَةً، فَجَمْعُهَا الْبَطَارِقَةُ، فَحَاشِيَتُهُ الْبَطَارِقَةُ، فَهُمْ أَرْسَلُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَمَعَهُ خُطَّةٌ، هَذِهِ الْخُطَّةُ أَنَّهُ سَيَحْمِلُ لِلنَّجَاشِيِّ هَدِيَّتَهُ، وَسَيَحْمِلُ لِكُلِّ بَطْرِيقٍ مِنْ حَاشِيَتِهِ هَدَايَاهُمْ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ فِي شَيْءٍ، وَبَعْدَ مَا كُلُّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ هَدِيَّتَهُ سَيُكَلِّمُ الْبَطَارِقَةَ أَوَّلًا بَعِيدًا عَنِ النَّجَاشِيِّ، خَلَاصْ: قَدْ نَبَغَ إِلَيْكُمْ قَوْمٌ مِنْ أَرْضِنَا، اتَّخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ دِينًا لَا هُوَ دِينُنَا وَلَا هُوَ دِينُكُمْ، وَإِنَّمَا جَاءُوا بِأَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ، فَنُكَلِّمُ النَّجَاشِيَّ، فَأَنْتُمْ يَعْنِي بِمَا بَيْنَنَا مِنَ الْعَلَاقَاتِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ وَطَبْعًا فَوْقَهَا الْهَدِيَّةُ الَّتِي هِيَ طَبْعًا هَدِيَّةُ حُبٍّ خَالِصَةٌ، يُكَلِّمُونَ النَّجَاشِيَّ فِي أَنَّهُ يُسَلِّمُهُمْ إِلَيْنَا دُونَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ! تَمَامًا، يَعْنِي بِالشَّكْلِ الْمُعَاصِرِ كَذَا، هِيَ تَتَوَجَّهُ الْقُوَّاتُ الْأَمْنِيَّةُ إِلَى الْمَسَاكِنِ وَالْبُيُوتِ تَأْخُذُهُمْ فِي أُوتُوبِيسٍ إِلَى الْأُسْتَاذِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْأُسْتَاذِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ دُونَ مُرُورٍ عَلَى الْمَلَفِّ السِّيَاسِيِّ، فَهُوَ مَلَفٌّ أَمْنِيٌّ، تَمَامًا يُسَلِّمُهُمْ دُونَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ.

تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ، تَقُولُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَرَاوِيَةُ الْحَدِيثِ قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يُكَلِّمَنَا النَّجَاشِيُّ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَنَا. وَبِالْفِعْلِ وَهُوَ مَا كَانَ، وَخُصُوصًا أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ سَفِيرًا كَانَ صَدِيقًا لِلنَّجَاشِيِّ، يَعْنِي بَرْضُ اخْتِيَارُ السَّفِيرِ مَا كَانَ يَتِمُّ عَبَثًا وَلَا اعْتِبَاطًا، عِشَانَ بَسْ مَا حَدٍّ يَتَصَوَّرُ أَنَّ فِي نَاسٍ كَانَتْ مُتَخَلِّفَةً زَمَانَ فِي السِّيَاسَةِ وَلَا فِي الِاجْتِمَاعِ وَلَا، لِأَنَّهُ حَقِيقَةً يَا جَمَاعَةُ وَاللَّهِ أَنَا أَرَى.

الان من بعض الناس وفيهم يعني بعض من ينسب إلى العلم، بعض الناس يعني لما اطلع على العلوم الإنسانية ظن أنها السحر وظن أنها مفتاح الدنيا، وصار يقول كلاماً يعني رديئاً يغض فيه من أسلافنا وأجدادنا، ويقول بأنه الغرب اكتشف هذه العلوم والغرب هو الذي نماها وطورها، وهذا كلام غير صحيح بالمرة، وإنما هو يعني أشبه بالقرويين بهرته أضواء المدينة. طيب.

فاختيار السفير لم يكن اعتباطاً وإنما كان عمرو بن العاص صديقاً للنجاشي، ذهب عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وبعدما نفذوا هذه المهمة قالوا: يا أيها الملك إنه قد جاء إلى أرضك قوم منا فارقوا دين آبائهم ولم يدخلوا في دينك، وإن أشراف قومهم يطلبون أن تسلمهم إلينا؛ فنحن يعني آباؤهم وقومهم هم أعلم بهم. وطبعاً خذ بالك برضه من العبارات الدبلوماسية التي تختبئ فيها المعاني؛ اللي هو يعني هذه العبارة لو نترجمها بالمصطلح المعاصر: هؤلاء ممكن أن يكونوا خطراً على الأمن القومي عندك، هم فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك، أنت خذ بالك أنت تبدأ تظهر عندك بؤرة قد تثير التوترات والقلاقل، تمام، وإحنا عايزين الأمور تتم بهدوء، فمن غير شوشرة ومن غير كلام كثير سلمهم إلينا، فنحن آباؤهم وقومهم أعلم بعيبهم وأعلى عيناً عندهم. طبعاً النجاشي لأنه كان ملكاً لا يظلم عنده أحد قال: لا والله، لا أسلم قوماً لجؤوا إلي في أرضي واختاروني على من سواي حتى أكلمهم أولاً. وهنا أيضاً ترى أنه حتى أكلمهم أولاً، يعني الأمر بقى قضية عند النجاشي؛ يعني فعلاً استشعر الخطر، وإلا فلو هو لم يستشعر الخطر، هو الآن استقبلهم بدون أن يسألهم ولا قال لهم أنتم دين إيه ولا إيه مشاكلكم، ما قال لهمش حاجة، لكن استشعاره الخطر هذا هو الذي جاء بهم.

طيب تقول السيدة أسماء بنت عميس: فلم ينزل بنا شيء مثل ذلك مصيبة. وأصلاً أنت مجرد ما تتصور أن عمرو بن العاص جاء سفيراً، وعمرو بن العاص معدود من دهاة العرب، فأنت قدام يعني إيه دبلوماسي مخضرم؛ يعني لك أن تتصور طبعاً أنا مش عارف أضرب المثل بمين، ما فيش في العالم العربي الحمد لله دبلوماسيين مخضرمين دلوقتي، بس اعتبر مثلاً كيسنجر مثلاً؛ يعني اعتبر أن الملف ده واخده كيسنجر ورايح لأي حد من دهاة القوم. طيب، قالت: فتشاوروا ماذا نقول؟ طب هنقول إيه؟ ما إحنا فعلاً فارقنا دين قومنا ولم ندخل في دين هؤلاء. فقال: والله ما نقول إلا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب، جاءت المناظرة، النجاشي السؤال المعروف: إيه يا جماعة هذه الجماعة الجديدة ولا هذا الحزب الجديد ولا هذه الحركة الجديدة ولا هذه الفكرة الجديدة ولا هذه البدعة الجديدة؟ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه دين آبائكم وقومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هؤلاء الأمم؟ طبعاً أيضاً البطارقة قبل أن تبدأ هذه المناظرة قالوا: يعني كانوا من أنصار التسليم بدون كلام، قالوا له: يا أيها الملك إنه لم يدخلوا في دينك فيكونوا من رعيتك، يعني هم دلوقتي إيه بالمصطلح المعاصر: يعني هم إيه ما بقوش مواطنين، يعني ما عندهمش الجنسية الحبشية، يعني ليست لهم حقوق المواطنة، ليس لهم حقوق في محاكمة عادلة، هم إيه مش تبع القانون بتاعنا، فسلمهم؛ يعني دلوقتي إحنا علاقات تجارية والدنيا رايحة جاية ببساطة، فلماذا نصنع معهم مشكلة لنا؟ طيب. فقال: تكلم جعفر بن أبي طالب.

طيب، جعفر بن أبي طالب ماذا يقول؟ أنا هنا أود من نفسي وأود من إخواني أن إحنا نتوقف وقفة طويلة جداً جداً جداً أمام هذا الذي سيقوله سيدنا جعفر دلوقتي. يا جماعة اعتبروه اختباراً عملياً الآن؛ إذا أتيحت لك 10 دقائق تصف فيها الإسلام لملك غير مسلم معاصر، ماذا تقول؟ أقول 99% من المسلمين لا يستطيعون أن يقفوا هذا الموقف، أنا مش عايز أقول كم و90% من المنتسبين إلى العلم لا يستطيعون أن يقفوا هذا الموقف الذي يلخص فيه الإسلام. بالتأكيد خطاب جعفر للنجاشي ليس هو الخطاب الصالح لكل ملك؛ لأن كل زمن وكل دولة وكل ملك لها الأمور يعني الحالة التي تنتقي فيها ما الذي ينبغي أن تعرض الإسلام به، ما هي الأمور التي تركز عليها، ما هي المشاكل المعاصرة التي تركز عليها. فـ تحدٍّ ومهم ونعتبره اختباراً عملياً ونعتبره واجباً عملياً، كل واحد إذا رجع أمسك بأوراقه وحاول أن يزور كلاماً، خطبة 10 دقائق لملك من الملوك في موقف من المواقف، اعتبر الآن الجامعات التي تنتفض لأجل غزة، لو أنت حاولت تقول لهم الإسلام أو أهل غزة كيف تحلوا بهذه البسالة والبطولة والصمود، يعني لو حاولت أن تصف لهم الإسلام الذي يصنع هذه المعجزات في غزة ماذا تقول؟ تمام، يعني نتفق أن هذا يكون أحد الواجبات.

طيب، سيدنا جعفر قال: يا أيها الملك -طبعاً خذ بالك سيدنا جعفر مسلم وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة مشركين والنجاشي مسيحي- قال: يا أيها الملك، لقد كنا أهل جاهلية نعبد الأوثان، نعبد الأوثان دي تسمع عند مين؟ عند المسيحي الذي يرى أن عبادة الأوثان ضلال، طبعاً نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونقطع الرحم ونسيء الجوار ونأتي الفواحش ويأكل القوي فينا الضعيف. هذه الكلمات كيف تقع في ذهن المسيحي؟ طبعاً أنا دلوقتي مثلاً لو هكلم بايدن مثلاً يعني مش هينفع أقوله ونأتي الفواحش، هو أصلاً مؤيد للفواحش عادي، مش سكته يعني، قصدي لكن سيدنا جعفر كان يدرك من يكلم. خلاص، فبعث الله فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده ونترك ما كنا عليه من شأن الجاهلية، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار وصلة الرحم، وعدد عليه أمور الإسلام. يبقى كده في جملة السيدة أسماء بنت عميس إيه؟ لم تنقلها، طبعاً السيدة أسماء كانت تروي للصحابة والتابعين ما كانتش عارفة أن في أجيال ستأتي من بعدها مش هتعرف التلخيص العبقري ده كان إيه، يعني كنا نتمنى أن إحنا نسمع الآية التسجيل كامل. قالت: وعدد عليه أمور الإسلام، فعدى علينا قومنا هؤلاء فأذونا، وأن نرجع إلى ما كنا فيه من شأن الجاهلية، وأن نستحل ما كنا نستحل من عبادة الأوثان وأكل الميتة وقطع الأرحام وإساءة الجوار، فلما عدوا علينا خرجنا إلى أرضك أيها الملك فرجونا ألا نظلم عندك. طبعاً خطاب يستحق وقفة تحليلية محترمة، وأهم منه أن هذا الذي اختاره جعفر رضي الله عنه كان ينزل على أذن مسيحي عنده علم من علم أهل الكتاب، عيسى بن مريم عليه السلام.

طبعاً الجماعة الارهابيه دلوقتي اتضح أنها إيه؟ مش مجرد جماعة إرهابية ومش مجرد ملف أمني ومش مجرد أزمة علاقات. فالنجاشي قال: هل عندك شيء مما جاء به؟ برضه سؤاله عالم، أنت مش أي حد يقول لك كلمتين حلوين تروح تقول له إيه؟ يعني آه إيه الحلاوة دي. صح؟ قال: هل عندك شيء مما جاء به؟ فهنا عبقرية أخرى من عبقرية سيدنا جعفر، وهو أنه تلا عليه جزءاً مشتركاً بين الإسلام والمسيحية وهو قصة زكريا عليه السلام زكريا ويحيى، فتلا عليه صدراً سورة مريم: كَهيعص، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. وتلا عليه الآيات التي تتعلق بسيدنا زكريا وسيدنا يحيى، فطبعاً هذا قريب جداً بل هو هو الذي جاء في الإنجيل. تقول السيدة أسماء: فبكى النجاشي حتى اخضل لحيته، وبكت بطارقته حتى اخضل مصاحفهم -كان معاهم المصاحف يعني الأناجيل- ثم قال النجاشي: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، سيوم بأرضي يعني آمنين بأرضي، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، والله ما أحب أن لي دبراً من ذهب -يعني جبلاً من ذهب- وأني قد آذيت واحداً منكم. انطلقوا فأنتم آمنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم.

وهنا طبعاً ثمة عبقرية أخرى يجب أن نستحضرها الآن وهي عبقرية نبينا صلى الله عليه وسلم في أنه اختار من اختار جعفراً، ويا جماعة اختيار السفير ده مش إيه مش أي حد، وسيدنا طبعاً لو تتبعنا سفراء النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنه من سفراء النبي قدر مشترك في سفراء النبي أنهم كانوا حسان الوجوه، سيدنا جعفر كان من أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك في الحديث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أشبهت خلقي وخلقي، فإحنا كنا شايفين يعني صورة مصغرة من نبينا صلى الله عليه وسلم أمام النجاشي. طبعاً انتهت الجولة على خير وكده إيه نقدر نقول أخذ الجنسية الحبشية وصاروا إيه، ممكن حتى نبقى أخذوا الـ VIP مثلاً مش الإقامة الإنسانية والكلام التعبان تمام. نعم، أيوه الجواز الأحمر الدبلوماسي ممتاز.

طيب سيدنا عمرو بن العاص طبعاً سيدنا فيما بعد، هو في هذه الوقت في هذا الوقت كان ما يزال على الشرك، إحنا قلنا سيدنا عمرو ده من إيه من دهاة العرب، فيقول لعبد الله بن أبي ربيعة: قال والله لآتينه غداً بما أستأصل به خضراءهم، قال: وما ذاك؟ قال: أقول له إنهم يقولون إن عيسى عبد. قنبلة حقاً، والله العظيم قنبلة! أنا أحاول أقربها لكم هي طبعاً ليس على هذا، لكن يعني أصغر الحجم، يعني زي كدة مثلاً أنت رايح للرئيس التركي وبتقول له دول بيقولوا على أتاتورك كذا، أو رايح لبتاع إيران وتقول بيقولوا على الخميني كذا، أو رايح، يعني اللي هو أنت بتضرب إيه؟ تضرب الأصل الذي قام عليه لا أقول الدولة بل قام عليه الدين. وطبعاً لما يبقى واحد بيعبد عيسى وشايفه إله ويجي واحد يقول له ده عيسى عبد، أزمة هائلة طبعاً، تدل على شدة ذكاء سيدنا عمرو بن العاص، وتدل على إحسان قريش حين اختاروه سفيراً، وتدل على معرفة سيدنا عمرو بن العاص بالإسلام؛ يعني هو ما زال كافراً فعلاً بس هو واخد باله برضه من إيه الفوارق التي بين المسلمين وبين المسيحيين في الحبشة. طيب عبد الله بن أبي ربيعة نفسه السفير الثاني قال: اتق الله، إن لهم أرحاماً حتى وإن خالفونا، يا جماعة حالتهم تصعب على اللي هو فعلاً حالتهم تصعب على الكافر، أنت واخد بالك السفير الثاني خشي عليهم من المصير، يا جماعة المسألة ضخمة، أنت دلوقتي مش متمرد دلوقتي على دستور قريش ولا على دين قريش، هو الآن وضعك في مواجهة مع دستور الدولة التي أنت فيها، بل مع رأس رأس الدستور، المواد فوق الدستورية اللي بيسموها المواد التي ينص الدستور على أنها لا يمكن تغييرها. فقال: والله لأفعلن. السيدة أسماء بنت عميس تقول: فوالله ما نزل بنا منذ أتينا الحبشة شيء مثل ذلك. واحتاجوا إلى إيه؟ إلى جلسة مشاورة، ولكن الوقت انتهى مع الأسف الشديد. إن شاء الله نستكملها في المجلس القادم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.