خلاص السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الأحباب، وهذا هو المجلس الثاني عشر من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
توقفنا في المجلس الماضي عند أول من أسلموا، وذكرنا بأن أول من أسلموا كانوا أربعة، هم الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: خديجة بنت خويلد زوجته، وعلي بن أبي طالب وهو ربيبه صلى الله عليه وسلم، وزيد بن حارثة وهو مولاه وصاحبه وصديقه، وأبو بكر رضي الله عنه. وذكرنا أن الدرس الأول الذي نستفيده من هذا هو أن هؤلاء إنما شرفوا بهذه المكانة، وبأنهم كانوا أول السابقين إلى الإسلام، لأنهم كانوا إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ثلاثة منهم هم الذين اختاروا وبادروا إلى صحبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا عن خديجة، وكما ذكرنا عن زيد بن حارثة في القصة المشهورة، وكذلك أبو بكر رضي الله عنه.
وهذا الدرس هو درس: أنت حيث تضع نفسك. فمن أراد الصلاح، من أراد الآخرة، من أراد النجاة فإنه يعرف أين يضع نفسه. وكذلك من أراد المال فإنه يعرف أين يضع نفسه، أيضاً من أراد الجاه يعرف أين يضع نفسه، من أراد النساء يعرف أين يضع نفسه؛ فكل إنسان يختار حين يختار صحبته هو يختار مصيره. وهذه من الأمور التي يعرفها الناس بطبعهم، من أراد شيئاً أراد أهله وحرص على صحبة أهله. فمن أراد أن يكون إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم -طبعاً قبل أن يعرفوا أن هذا هو النبي- لكن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقترب منها أو لم يكن يحب أن يقترب منها إلا من كان على مثل ما كان عليه النبي من العظمة ومن الاستقامة، فهذا أمر مهم.
ونأتي إن شاء الله بعد قليل إلى التفنيد في مسألة هؤلاء الذين أسلموا والسابقين الأولين من الإسلام، ولكن قبل ذلك هناك وقفة مع الآية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثاني ما نزل من القرآن الكريم. طبعاً هنا وقع خلاف بين العلماء هل كان ثاني ما نزل من القرآن الكريم بعد اقرأ باسم ربك هل كانت سورة المدثر؟ وهي فيها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. أم كانت سورة المزمل؟ وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا.
على عادتنا في هذه المجالس لن ندخل في مسألة الخلاف، ولكن الذي نستفيده سواء كان ما نزل سورة المدثر أو ما نزل سورة المزمل، فالشبه في كلا الأمرين أن الله تبارك وتعالى تغيرت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال لخديجة رضي الله عنها: مضى عهد النوم يا خديجة. لا شك أن الإنسان الذي يحمل رسالة، يحمل فكرة، يحمل دعوة، يحمل هم التغيير، يحمل هم الإصلاح، هذه مهمات لا ينفع معها الكسل، لا يستقيم معها الفتور، لا يحصل معها كثرة الأكل وكثرة الشرب وكثرة النوم وكثرة التمتع. الإنسان صاحب الهم يتحول.
والنبي صلى الله عليه وسلم وقع له ما ضربه لنا مثالاً واضحاً فيما بعد أياماً كان في المدينة حين جاءه رجل من الأعراب، فتعشى هذا الرجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي يقدم له وعاء اللبن فشربه، فزاد له ثانية فشربه، فزاد ثالثة فشربه، حتى بلغ سبعة أوعية. فلما أسلم في اليوم التالي وتعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم قدم له وعاء اللبن فشربه، فلما جاء يقدم له ثانية قال: شبعت. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء. الإنسان حينما يحمل الهم ويكون مندفعاً إلى رسالة أو إلى إصلاح أو إلى مهمة كبيرة فإنه يكون له، فإن همه هذا يصرفه عن متع الحياة الدنيا.
ومن هنا ترى أنه إذا نظرنا في آيات سورة المدثر، المدثر يعني المتغطي: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ (هذه مهمة)، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (العبادة)، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (لأن العبادة، ثيابك هنا ذكر العلماء أنه قد يحمل معناها على الثياب -الملابس- وقد يحمل معناها على القلب أي وقلبك فطهر)، أياً ما كان فالإنسان أمام مهمة لتطهير جسده ظاهراً وباطناً، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (يعني اهجر الباطل)، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (يعني لا تقدم من الإحسان ما تستكثر معه)، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (يعني هو بعد كل ده كمان ستجد من المعاناة والتعب ما يحملك على أو ما تكون مكلفاً معه أن تصبر). طيب، يبقى هذه مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في الناس.
لو أتينا إلى سورة المزمل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، قيام الليل نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه، ورتل القرآن ترتيلاً. وسيأتي معنا في آخر آية في سورة المزمل أن السابقين الأولين أقل ما كانوا يقومونه من الليل ثلث الليل، أقل ما كانوا يقومونه من الليل ثلث الليل حتى تورمت أقدامهم. وكان هذا في حقهم واجباً، يعني قيام الليل في بداية الدعوة لم يكن نافلة، لم يكن مستحباً، لم يكن تطوعاً، كان واجباً. ولذلك فالسابقون الأولون تعرضوا حقيقة لتربية -بمصطلح هنا يمكن أن نسميها- تربية قاسية. أنت متصور نحن الآن في الشتاء لو حددنا ثلث الليل كم ساعة؟ تقريباً أربع ساعات، أربع ساعات هذا أقل ما يقومون، وربما قاموا ثماني ساعات. طبعاً هذه مساحة لا يبلغها أحدنا، ولا في رمضان ولا في غيره، فلك أن تتخيل أن أناساً كانوا يقومون الليل كله هكذا. وكان هذا التكليف الذي نزل إليهم من الله تبارك وتعالى، إلى أن خفف عنهم بعد سنة، بعد سنة نزل التخفيف وجعل له نافلة، وذلك في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ، وذكر الله أن سيكون فيكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم في سورة المزمل، نحن الآن قيام الليل كان واجباً على النبي وعلى الصحابة، وظل قيام الليل واجباً على النبي حتى مات، من خصائص النبي على أمته أنه كان قيام الليل في حقه واجباً. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، معناها أي هذه النفوس التي تنشأ وتربى في الليل هي أقدر على تحمل هذه الرسالة. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا. يعني المتشابه بين كلا الصورتين الأمر بالصبر، وأن النبي وأصحابه السابقين الأولين كانوا في مهمات إما لإعداد أنفسهم إيمانياً وروحياً، وكذلك في التحلي بهذه الأخلاق مع الناس. فعمل النذير، عمل الرسول، عمل النذير يتطلب أخلاقاً قوية، وكذلك يتطلب أخلاقاً قوية مع الناس، ويتطلب إعداداً قوياً مع النفس.
طيب، الآن لو حاولنا أن نتمثل أو حاولنا أن نحلل شخصيات السابقين الأولين إلى الإسلام، نحن ذكرنا أنهم يتفقون في قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم. لكن انظر أيضاً كلهم هؤلاء السابقين الأولين يتميزون بقدر هائل من العزم والاختيار والجراءة والاستقلال. خديجة رضي الله عنها نعرف أنها كانت تاجره وكانت عاقلة، كانت شريفة من أهل مكة، وأنها التي بادرت إلى الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هذا معهوداً كثيراً في العرب. طيب علي رضي الله عنه، وهذا سيثبت لنا فيما بعد كثيراً، يعني صحيح النبي هو الذي أخذه من أبيه أبي طالب، ولكن علي رضي الله عنه كما سيثبت معنا فيما بعد كان أيضاً ربيب بيت النبوة، وكان على قدر هائل من الجراءة والاستقلال، وكما نراه مثلاً في موقف إسلام أبي ذر، كيف أنه التقط أن أبا ذر رجل ضيف غريب، وكيف قام بخطة لإدخال أبي ذر على النبي صلى الله عليه وسلم لا تلفت الأنظار، يعني كان يتمتع بحس أمني، وكان هذا وهو في الثانية عشرة من عمره، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تركه في فراشه وأدى الأمانات وذهب إلى المدينة ماشياً، وستكون لسيدنا علي بطولات كثيرة.
زيد بن حارثة، هذا مسألة الاختيار والاستقلال والجراءة ظاهرة فيه جداً، وذلك حين اختار النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون عبداً مع النبي صلى الله عليه وسلم على أن يرجع إلى أهله أبيه وعمه وأن يكون فيهم حراً. وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، أبو بكر سيدنا أبو بكر هذا شخصية ضخمة، والوقوف أمام سيدنا أبي بكر وقوف لا يشبع منه أحد. سيدنا أبو بكر يا جماعة الخير لو نحن حاولنا نفكك إلى المصطلحات المعاصرة التي عندنا، فسيدنا أبو بكر ده كان خمس وزارات في بعض أو خمس مؤسسات كبرى مع بعض. ناخدهم واحدة واحدة: سيدنا أبو بكر كان تاجراً، تاجراً دي مؤسسة مالية، واحد غني ومعاه فلوس، ولا ريب ولا شك أنه كل حركة دعوة، كل حركة تغيير، كل دعوة إصلاح لا شك تحتاج إلى المال، فبداية كده سيدنا أبو بكر كان تاجراً.
الأمر الثاني: سيدنا أبو بكر كان أعلم قريش بأنسابها وأيامها، أكثر من في قريش معرفة بأنسابها وأيامها، يعني تاريخها، فاحنا معانا كده كمان وزارة ثقافة، ده أعلم واحد في هذه المنطقة بالأنساب وبالتوحيد واضحة أمامه، وكان ألفاً محبباً يألفه الناس ويحبون الجلوس إليه. تاجر معه أموال، عنده ثقافة، وكان صاحب مجلس والناس يحبون أن يجلسوا إليه، ادي كده مؤسسة إعلام وعلاقات عامة. صح ولا لا؟ وأنت دلوقتي قاعد مع واحد اجتمع فيه الحسن، أخلاقه طيبة وحسنة، وعنده علم، حسن الحديث، أعلم قريش بالأنساب والأيام، وعنده مجلس، وكان أبو بكر رضي الله عنه بعد ذلك المؤسسة الخامسة نقدر نقول جهاز مخابرات، لأنه إذا اجتمع لديك العلم بالأنساب والعلم بالأيام والعلاقات العامة، فمعلوم أو صورة المجتمع معلومات المجتمع خريطة المجتمع صارت واضحة أمامك. هذا رجل تحتاجه كل دعوة، إنك تلاقي واحد عارف المجتمع وعارف أشخاص وعارف تواريخ العائلات وعارف ترابطهم وعارف خناقهم وعارف مشاكلهم وعارف مداخيلهم، وفوق كل ده ألفاً محبباً الناس تأنس إليه وتقبل عليه، وفوق كل ده تاجر ومعه أموال، هذا أفضل ما تحتاجه أي دعوة من الدعوات أو أي حركة من الحركات، أي حزب من الأحزاب.
زاد عليهم أبو بكر بكل هذا شدة إيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة ونظر وتردد إلا أبا بكر. فماذا يمكن أن تطلبه حركة أو دعوة أو حزب في شخصية أكثر من شخصية سيدنا أبي بكر؟ ولذلك أبو بكر رضي الله عنه في اليوم التالي لإسلامه جاء بخمسة من العشرة المبشرين بالجنة، إحنا رجل فاهم الخريطة، عارف مين اللي ينفع تروح وتدعوه إلى الإسلام، فجاء في اليوم التالي بخمسة هم: عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، خمسة من العشرة المبشرين بالجنة في ميزان سيدنا أبي بكر. ولذلك أبو بكر رضي الله عنه أعظم الأمة إيماناً، وأنت مهما عملت لن تبلغ قدر شيء من الصحابة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فوالله لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
طيب ده واحد من الصحابة، لأنه نحن مثلاً نحن في مصر حسنات أهل مصر هي في ميزان سيدنا عمرو بن العاص وجيش الفتح، فكيف يمكن أن يطال أحد من أهل مصر إيمان عمرو بن العاص؟ ما هو أصلاً هو جزء منه، هو فرع في حسناته. طيب فانت دلوقتي لما بتتكلم عن أبي بكر وفي ميزانه الخمسة من العشرة المبشرين بالجنة. طبعاً أحد أهم الإخفاقات التي صاحبت تجارب الحركات الإسلامية حقيقة هي افتقادها لمثل أبي بكر سواء رجلاً أو مجموعة. هذه معروفة ومضطر، بل مسألة أن التجربة الإسلامية أو الحركة الإسلامية يكون عندها جهاز معلومات أو جهاز مخابرات مفقودة في أغلب هذه التجارب، لذلك كانت الحركات تؤتى من مأمنها.
إحنا دلوقتي لو شبهنا هذا التشبيه، دلوقتي اثنين ملاكمين واحد منهم مغمض العينين والثاني مفتوح العينين لمن الغلبة؟ عايزة كلام؟ طيب تصور لو أنه كان الملاكم الضخم مغمض العينين والملاكم الضعيف مفتوح العينين، لمن الغلبة؟ برضه للضعيف مفتوح العينين، صح؟ كيف يكون الوضع لو كان الضعيف هو اللي مغمض؟
العينين وهو هذا مصيرنا في هذه الحياة. اللي احنا شايفينه دلوقتي ده يعني مصير الأمة الذي نحن فيه هو معركة بين أمم الكفر المسلحة بأجهزة المخابرات وبمراحم وبعمل المستشرقين، والأمة الضعيفة التي لا تعرف عن عدوها شيئاً.
فنحن في حالنا هذا، طبعاً فيما بعد، ربما نأتي وأحكي لكم عن المجهود الهائل الذي بذله المستشرقون وبذله الجواسيس لكي يعرفوا مداخل أمتنا وأدغالها ومساربها، وكيف أن هؤلاء الناس ضحوا بحياتهم أحياناً؛ يعني كثير من هؤلاء الجواسيس غرقوا في بحيرات أفريقيا، ومرضوا بالذباب الذي كان موجوداً في تلك الأدغال، وقتلهم قطاع الطرق في الجزيرة العربية، ولكن هذا المجهود هو الذي استطاعوا به أن يرسموا الخرائط وأن يعرفوا العائلات. ومن فتح منكم مثلاً كتاب مثل الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية، أنا بدي مثال وأنت تشوف كيف كان عملاء الإمبراطورية البريطانية في وقتها يصنفون الشخصيات من زعماء هذه القبيلة: وهذا الرجل ماذا يحب؟ ماذا يكره؟ كيف يمكن الدخول إليه؟ من الذي يمكن أن يُستمال بالمال؟ من الذي يمكن أن يُستمال بالجاه؟ من الذي يمكن أن يُستمال بمجرد الخضوع وإظهار الخضوع له؟ تمام، هذا استطراد مني، لكن أردت أن أقول إنه لا يكاد ينتبه أحد ممن رأيتهم إلى أن شخصية سيدنا أبو بكر كانت هذه المؤسسات مجتمعة، رجل صاحب مال، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر. فشخصية كان عندها مال، كان عندها علم، أعلم قريش بأنسابها وأيامها، كان لديه مجلس مألوف يألفه الناس، وكان صاحب علاقات كما ذكرنا. ثم كان الخريطة واضحة، خريطة المجتمع واضحة، جميل. طيب، سيدنا أبو بكر رضي الله عنه هؤلاء الخمسة الذين أتى بهم من العشرة المبشرين بالجنة.
في ذات الوقت إحنا دلوقتي وإحنا بنتكلم عن السابقين الأولين إلى الإسلام، في ذات الوقت كانت قد أسلمت بنات النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً النبي كما نعرف رزق بسبعة من الأولاد، وهم ثلاث من الذكور وأربع من الإناث، الثلاثة من الذكور: إبراهيم، القاسم، وعبد الله، وهؤلاء من خديجة، إبراهيم رزقه في آخر حياته صلى الله عليه وسلم من جاريته مارية القبطية، والذكور جميعهم ماتوا وهم في الصغر قبل أن يبلغوا الحلم، والبنات الأربعة هم الذين عاشوا وأسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجميعهم أيضاً مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة، فهي ماتت بعده بستة أشهر. إذاً أسلمت بنات النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ الإسلام ينتشر، لكن بدأ ينتشر على هذا النحو، إحنا ذكرنا أن هذه المرحلة تسمى مرحلة الدعوة الخاصة، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتقي من أفراد المجتمع من يرى أنه مؤهل لكي يحمل هذه الرسالة. يعني النبي في هذه الفترة إذا استخدمنا مصطلحات العصر كان يكون فريق العمل، كان يكون فريق العمل، تمام؟ وهذه أحد المشكلات أيضاً التي نحتاج أن ننتبه إليها فيما بعد، أنت حين تدعو إلى مكارم الأخلاق، وحين تدعو إلى الالتزام بالدين، وحين تدعو إلى إصلاح النفس وتزكية القلب، هذه دعوة عامة يسمعها كل الناس، لكن حين تبدأ عملاً تريد به إصلاح الواقع، إصلاح المجتمع، فأنت لا تدعو كل الناس، وإنما أنت تدعو من يمكن أن يكون حجر زاوية وعموداً من الأعمدة، جزءاً من فريق العمل الذي يطور فيما بعد هذه الحركة وهذه الدعوة وهذه الرسالة.
فلذلك لو أن دعوة الإسلام يا جماعة الخير -أقول لكم على شيء- لو أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول أعلن هذه الدعوة ولم نقض ثلاث سنين في بدايتها، كنا سنتصدى لتطلق وتبث لكل الناس، وهو الإسلام فعلاً لكل الناس، لكن أن كون النبي صلى الله عليه وسلم قضى ثلاث سنوات وهو ينتقي بعض الناس انتقاءً، دل هذا على ماذا؟ على أنه في هذه اللحظة لم يكن يدعو إلى الإسلام العام، وإنما صار يدعو إلى أو صار يكون فريق العمل، الثلة الأولى، النواة الأولى، النواة الصلبة، تمام؟ وسنرى أنه مما تميز به السابقون الأولون أنه لم يرتد منهم أحد في أي وقت من الأوقات، بل وهؤلاء قد كانوا فيما بعد حين فتحت عليهم الدنيا، وحين جاءتهم الغنائم وجاءتهم الأموال وجاءتهم الكنوز، كانوا أزهد الناس في الدنيا، لأنه كثير أيضاً من التجارب يكون الرجل معك في الدعوة، معك في الإصلاح، حتى إذا فتح له باب من الدنيا هرع إليه وانقلب على ما كان منه. طبعاً الأمثلة التي يمكن أن نضربها الآن أمثلة كثيرة جداً جداً جداً، كم من أناس بدأوا حياتهم صالحين بل مصلحين، وهم الآن -أنتم عارفين محمود عباس كان موجوداً في حركة إسلامية الأول- محمود عباس أبو مازن، ما حدش يتخيل كده، صح؟
ففريق العمل، الأنوية الأولى، الأعمدة الأولى، هذه تحتاج إلى قدر خاص في انتقائها، أولاً قدر خاص من النظر، ثم إلى قدر خاص من التربية والتزكية والبناء الإيماني والروحي، وإلا فكثير من الدول، كثير من الحركات انهارت حين أشير إليها بالإغراء. أنا أحكي لكم، كان في تجربة -أو ليست تجربة هي كانت دراسة- لمؤسسة راند الأمريكية، دراسة خطيرة جداً، هذه الدراسة أظن -إذا لم تخن الذاكرة- نشرت في 2012 أو 2013، ماذا تقول هذه الدراسة؟ عنوانها كيف تنتهي الجماعات الإرهابية، تمام؟ بتقول إيه؟ بتقول إنه 30% من الجماعات الإرهابية تنتهي حين تدخل في العملية السياسية، يعني نفتح للجماعة دول مسار سياسي، أول ما نفتح مسار سياسي فهيبقى عندهم الخيار: يكملوا مجاهدين ولا يدخلوا في السياسة؟ ثلث التجارب تقول إن الجماعة دول لما يتفتح لهم مسار سياسي بيدوبوا في العملية السياسية ويمكن التحكم فيهم ويمكن التفاهم معهم والمسألة تنتهي. ثلثهم الثاني ينتهي باغتيال القيادات، دول جماعة بيرفضوا إغراء المدخل السياسي، طب لما يرفضوا إغراء المدخل السياسي فالوسيلة التي -طبعاً هم عملوا تجربة على من بعد الحرب العالمية الثانية- حوالي 50 سنة الحركات دي كيف انتهت، مسلمة وغير مسلمة بالمناسبة، مش بتكلم على حركات إسلامية هنا، بتكلم على حركات المقاومة في عموم العالم: اغتيال القيادات، وأما النصر العسكري بمعنى أننا نستطيع الانتصار عليها عسكرياً، ف 7% بس الذين استطعنا الانتصار عليهم عسكرياً، حركات المقاومة لا تنتهي بالانتصارات العسكرية أو بالحرب التقليدية. طيب تعال كده نشوف ثلثين الحركات بتنتهي إما بالدخول في العملية السياسية وهذا إغراء الدنيا لأن هو بيسحب إلى إغراء السلطة والرئاسة والإصلاح السهل، أو باغتيال القيادات.
ولذلك بقدر ما تحتاج كل الحركات إلى قدر هائل من التربية والإعداد الإيماني الذي يمنعها من الوقوع في الإغراءات، بقدر ما تحتاج أيضاً إلى قدر عالٍ من تأمين القيادات والكفاءات، لأنه حقيقة يا جماعة الخير القائد الذي يذهب لا يأتي بعده مثله، من الخرافات المنتشرة قول السموأل وإن كان جاهلياً: إذا مات منا سيد قام سيد، قول لما قال الكرام، فلا حقيقة، القائد الذي يذهب لا يأتي بعده مثله، هذه تجربة، وطبعاً دلوقتي الاغتيالات صار علماً يكتب فيه كتب وأوراق بحثية، وسنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما اهتم بالجانب التربوي والإعداد الإيماني بقدر ما اهتم بالكتمان والسرية والتخفي، كلا الأمرين مداخل تنهار بها حركات التغيير والإصلاح، فسنرى النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وقد كلف أصحابه بقيام الليل لمدة سنة، القيام الطويل هذا بقدر ما كان أيضاً يتخفى ويحميه أصحابه، وظل النبي صلى الله عليه وسلم تحت الحراسة حتى المدينة حتى نزل قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فصرف الحرس، لكن سنأتي في السيرة إلى أنه حراسة النبي صلى الله عليه وسلم كانت إحدى المهمات الأساسية التي قام بها الصحابة، طبعاً كانت في مكة في ظل عصبة بني هاشم، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم وسنأتي لذلك في المجالس القادمة إن شاء الله: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، وما كان لي من طعام إلا شيئاً يواريه إبط بلال. واستفادة النبي من عصبة بني هاشم سنأتي إليها إن شاء الله وهي كانت طوال الفترة المكية، لكن الذي أريد الإشارة إليه هنا الأعمدة التي قامت عليها الدعوة الإسلامية، يعني كما يقول شيخنا الشيخ حازم أبو اسماعيل حفظه الله وفك أسره، لازم نفهم أنه سيرة النبي وسيرة صحابته لم تكن سيرة دراويش. الشيخ حازم بيقول إحنا تصورنا عن النبي في جانب مفقود، إحنا متصورين النبي ده والله كان واحد حلو كده وسمح وبشوش وبيضحك ورحيم ولطيف وكلامه حلو وننسى ما كان لدى النبي صلى الله عليه وسلم من الكفاءة والعبقرية وإدارة الأمور وخوض المعارك والتنبه للمزلق، هذه أمور مفقودة لا يكاد يعرف بها أغلب الناس، زي ما إحنا دلوقتي إيه تصورنا عن أبي بكر مثلاً؟ أغلب الناس إذا سألت إيه تصورك عن أبي بكر سيذكر رقته ونحافته وقوة إيمانه وكثرة بكائه، وينسى أن سيدنا أبو بكر ده كان راجل فاهم خريطة المجتمع الجاهلي لدرجة أن هو يعرف يجيب في اليوم الثاني للدعوة أفضل خمسة من الناس، وسنرى كيف سيستعين به النبي صلى الله عليه وسلم، النبي حين كان يقدم إلى القبائل فكان يرافقه في هذه أبو بكر، وأبو بكر كان يسأل القوم: ممن أنتم؟ يقولون القبيلة الفلانية، أمن أصلها أم من لوازمها؟ يعني أصل القبيلة ولا من الحتة اللي حواليها؟ طيب من أبناء فلان أو من أبناء فلان أو من أبناء فلان إلى أن يدري يستطيع أن يزن مدى نفع هؤلاء للدعوة.
أهلاً بالأستاذ، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين أسس الدعوة أو حين بدأ الدعوة إنما كان يبدأها لا باعتباره داعية درويشاً يدعو إلى حسن الأخلاق ويدعو إلى مكارم الأخلاق ولكنه بدأها كرجل دولة، رجل سياسة، رجل إدارة، كفاءة، تمام؟ طيب إحنا قلنا في الأيام التالية بدأ المسلمون يأتون فكان من أوائل من أسلموا سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد، ذكرت سيدنا أبا سلمة قبل ذلك، من يتذكر؟ سيدنا أبا سلمة بن عبد الأسد كان أخا النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، إحنا قلنا أول من أرضع النبي صلى الله عليه وسلم كانت جارية لأبي لهب وكان معها ولدها اسمه مسروح، وأرضعت معه حمزة وأبا سلمة بن عبد الأسد، تمام؟ وكان هو أيضاً ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم برة بنت عبد المطلب، سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد وأسلمت معه زوجته أم سلمة وهي التي ستصير فيما بعد أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. طيب ممن أسلم سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، وسيدنا أبو عبيدة هذا الرجل نستطيع أن نقول الرجل الخامس في تاريخ المسلمين بعد الأربعة من الخلفاء الراشدين، أمين الأمة، وأسلم سعيد بن زيد، وسعيد بن زيد هذا ابن عم عمر بن الخطاب سعيد بن زيد، وكان زوج أخته فاطمة بنت الخطاب، وهؤلاء هم الذين سمعهم عمر حين أسلم وهم يتهامسون بالقرآن، وكان معهم سيدنا خباب بن الأرت كان يقرئهم القرآن الكريم، وأسلم كذلك عبد الله بن مسعود، وأسلم بلال بن رباح، وأسلم عمار وأمه وأبوه، أبوه ياسر وأمه سمية، وأسلم صهيب الرومي، وجملة عددهم ابن هشام في السيرة حتى بلغوا أربعين رجلاً، هؤلاء هم الذين يعرفون بالسابقين الأولين، تمام؟ أول من أسلموا السابقين الأولين.
في إشاعة مشهورة نحتاج أن نتوقف عندها وهو أنه أغلب السابقين الأولين هؤلاء كانوا من العبيد والضعفاء والأرقاء، هذه إشاعة غير صحيحة، ساكت، هذه إشاعة غير صحيحة، يبلغ مجمل هؤلاء الضعفاء الأرقاء العبيد 13 من 40 فقط، إذاً 13 من 40 لا يمكن أن يقال لا أغلبهم ولا أكثرهم ولا معظمهم، صح؟ طيب لأنه حقيقة هذا الكلام في يعني فيه جانب حق وفيه جانب باطل، خليني خلينا نوضح هذه المسألة، تعرفون حديث هرقل لما جاءته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى أبي سفيان، فأرسل جنوده لكي يأتوا إليه، فأتوا بواحد من هؤلاء العرب الذين منهم هذا النبي، فجاؤوا بأبي سفيان، فهرقل سأله قال: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: ضعفاؤهم. قال هرقل: وهم أتباع الرسل. طيب كيف؟ ما هو يعني كيف نجمع بين القولين؟ هل الضعفاء هم أتباع الرسل؟ وبين أن الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين لم يكن أغلبهم من الضعفاء؟ هنا كلمة الضعفاء في ذهن هرقل غير كلمة الضعفاء كما تقع في ذهننا الآن.
من المعروف ومن المشهور ومن الثابت بالحقائق القرآنية أن مجموعة السادة والأثرياء والمترفين هؤلاء أعداء الرسل، تمام؟ مجموعة السادة المترفين الأثرياء هم عادة أعداء الرسل، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا. هم الجماعة دول دائماً محتاجين الأحوال تبقى على ما هي عليه، أي حركة تغيير، أي حركة إصلاح، أي دعوة الجماعة دول ضدها رأساً، وكذلك الفقراء المطحونون هؤلاء لا يستطيعون أصلاً أن يفكروا خارج غرائزهم اليومية، يعني ده واحد لا تطلب منه شيئاً لأنه هو محتاج إلى الطعام والشراب فخره اقعد هناك، تمام؟ هؤلاء الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من طبقة الأثرياء، لم يكونوا من طبقة الأثرياء لكن.
لكنهم لم يكونوا أيضا من العبيد ومن الفقراء ومن الأرقاء؛ لأننا سنجد في أوائل من أسلموا أناساً من كبار البيوت. هنجد مثلاً سيدنا عثمان بن عفان، وهذا رجل من بني أمية. أبو سلمة بن عبد الأسد الذي ذكرناه، هذا رجل من بني مخزوم، ومخزوم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل، يعني الجماعة المنافسين لبني هاشم. سنجد منهم عثمان بن مظعون، وعثمان بن مظعون كان من بني جمح، وهم أيضاً يعني قوم كبار. سنجد أيضاً من بين من أسلموا في البداية؛ ذهب عني بعضهم الآن لكن سأتذكر.
الخلاصة أنه هؤلاء طبعاً سنجد مصعب بن عمير، سيدنا مصعب بن عمير كان مترفاً، وسنأتي لتفسير هذا لأن سيدنا مصعب بن عمير كان أنظف فتيان قريش من الثياب ومن العطور، وكانت مشيته تعرف بالعميرية.
فالقصد، نعم سعد بن أبي وقاص كان من زهرة، عبد الرحمن بن عوف أيضاً كان من زهرة، فأيضاً هذه قبائل كبيرة. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان من بني عبد شمس. فهؤلاء كانوا فعلاً من عائلات كبيرة لكن كانوا صغاراً يا جماعة الخير. أكبر واحد في اللي إحنا بنتكلم عليهم دول من السابقين الأولين كان سيدنا أبو بكر، كان 38 سنة. سيدنا عبد الرحمن بن عوف كان 30 سنة، الزبير بن العوام كان 13 سنة، سيدنا طلحة بن عبيد الله كان 12 سنة، سيدنا سعد بن أبي وقاص كان 17 سنة. فإحنا صحيح هؤلاء لا يمكن أن ينسبوا إلى الأثرياء أو إلى المترفين، يمكن من وجهة نظر المترفين أن ينسبوا إلى الضعفاء، لكن هم في حقيقتهم لم يكونوا من عائلات فقيرة ولم يكونوا من عائلات واطئة.
لكن طبعاً نرجع إلى القول بأنه يوجد في نفوس هؤلاء العبيد والموالي الذين أسلموا معادن، نفوسهم تهيئهم وتؤهلهم لحمل هذه الدعوة. يعني أنت حين ترى رجلاً مثل بلال بن رباح، أو مثل عمار بن ياسر، أو حتى مثل صهيب الرومي، صهيب الرومي رجل تاجر غريب، اعتبره كده إيه مستثمر لاجئ في مكة. أنت حين ترى رجلاً مثل بلال بن رباح وهو عبد عند أمية بن خلف، الطبيعي أن هذا العبد إذا سمع بدين نشأ في قريش هيقول إيه؟ وأنا مالي! يعني حد فينا كناس موجودين في تركيا، فاهمني؟ حتى فوارق يعني لو طلع حزب جديد في تركيا دلوقتي حد فينا هياخد باله أصلاً؟ يعني لو تم إنشاء حزب جديد داخل الساحة السياسية، كم واحد هياخد باله من الجماعة اللاجئين في تركيا؟ ما حدش صح ولا لا؟ فضلاً عن أن يكون يعمل خادماً، واحد بيعمل خادم، واحد عبد. لكن أن يوجد عند بلال بن رباح من اليقظة والفهم والذكاء، وأن يزن هذه الأمور ثم أن يكون عنده من قوة الشخصية ومن الجرأة والاستقلال ما يجعله من السابقين الأولين إلى الإسلام؛ شخصية عظيمة طبعاً، لا يتوقع من مثل بلال أن يفعل هذا.
طيب واحد زي سيدنا عمار بن ياسر، عمار بن ياسر كان مولى، يعني ملحق، يعني ناس تابعين لبني مخزوم، الموالي أناس يتبعون بالولاء لقبيلة أخرى. طيب عمار بن ياسر وأمه سمية وأبوه ياسر، هؤلاء أيضاً ما الذي يجعلهم من السابقين الأولين إلى الإسلام؟ الناس دي اللي دخلها في معركة مع قريش؟ لماذا يتعرض لمخالفة القانون بمصطلحاتنا المعاصرة؟ أنت دلوقتي مثلاً، يعني مع فارق التشبيه، هذا يشبه يا جماعة الخير لو إحنا دلوقتي بنقيس على نفسنا كلاجئين في تركيا، يشبه مثلاً إنك لو عملت القصة دي هتتكنسل الإقامة أو اللي خد جنسية هتتسحب الجنسية، حد ممكن يقدم على حاجة زي كده؟ أنت أصلاً بتتعذب لغاية لما تجيب الإقامة. فهؤلاء الناس مش بس كانوا متعرضين لسحب الإقامة ولا سحب الجنسية، ناس كانوا متعرضين للخروج على الدولة وأن يكونوا إرهابيين.
فبالنهاية هؤلاء الشخصيات التي كانت موجودة من الأرقاء والضعفاء والعبيد إنما كانوا يعبرون بإيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم عن نفسيات عظيمة جداً، وعن شخصيات حرة ومستقلة، وعن شخصيات جريئة ولديها عزم شديد في التخلي أو في التفوق على أوضاعها المالية والاجتماعية. طبعاً هذا لا بد أن يكون متوفراً في كل السابقين الأولين، لكن يتوفر في العبيد والأرقاء بشكل أعلى. يعني أنت مثلاً رجل زي سيدنا عثمان بن عفان من بني أمية من بني عبد شمس، طب سيدنا عثمان من المعروف أن بني هاشم... يعني أنت دلوقتي لو تصورت شأن الجاهلية وحاولت تتخيل أنك موجود في مجتمع قريش، شأن الجاهلية هذا العائلات فيها تتنافس على المكارم وتتنافس على السيادة، ما إحنا قلنا إن العرب لم يكونوا يخضعون لرئيس، فالحكم بينهم كان حكم ائتلافي، حكم عائلات، الناس تحافظ على هذا التوازن وتدفع عن نفسها المعرة وتستجيب إلى نفسها المكارم بما تفعله من مناقب. والكلمة المشهورة كلمة أبو جهل: تنافسنا وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا تحاذينا الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي، فأنى يكون لنا ذلك؟
طيب أهو نفس نفسية أبو جهل دي هي النفسية الطبيعية الموجودة في مكة. واحد زي عثمان بن عفان من بني أمية وبينهم وبين بني هاشم من النزاع والتخاصم والمنافسة كثير، ما الذي يحمله على أن يندرج تحت رجل من بني هاشم؟ من طبيعة الرواد الأوائل، من طبيعة السابقين الأولين، من طبيعة المؤسسين، أن لهم القدرة على التجرد والاستقلال، وأن يكون عندهم العزم في تنفيذ ما اقتنعوا أنه الحق. نفس الكلام أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، أبوه سيد بني عبد شمس وهو بكر من أولاده، يعني المفروض ده الزعيم القادم لبني عبد شمس، مش بس يسلم، يسلم ويُسلم معه ولده بالتبني سالم مولى أبي حذيفة، وتأكيداً في الصلة بينهما يعتقه ويتبناه ويجعله ولده. فلا بد أن تنظر في مثل هذا إلى الرجل، إلى هذه الشخصية العظيمة الكامنة في نفس أبي حذيفة. وطبعاً يا جماعة الخير كل هؤلاء السابقين الأولين تعرضوا لمواقف هائلة، هائلة، الحمد لله الذي عافانا من فتنتها. يعني واحد زي أبو حذيفة هذا مات أمامه في بدر أبوه وأخوه وعمه، يعني أمر رهيب، أمر رهيب فعلاً أن الإنسان ينقسم بين حق هو يؤمن به ويعتقده وبين أن يعادي بهذا الحق كل البيئة التي هو فيها، وأن يدفع الثمن الخطير من نفسه ومن تضحياته. فعادة السابقين الأولين هكذا؛ أن لهم القدرة على نقد الذات، نقد التاريخ، نقد التجربة، وأن يكون لهم القدرة على الاستقلالية والجرأة والعزم.
طيب في مسألة السابقين الأولين معلومة مهمة يجب أن ننتبه إليها، النبي صلى الله عليه وسلم بماذا وعد السابقين الأولين؟ يعني الطبيعي أنت لما ينشأ أي حزب، أي حركة، أي دعوة، أي حاجة، ما الذي يغري بالانتساب إليها؟ مش أي واحد بيجي بيكلمك بيديلك مزايا، بماذا وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بالجنة. يعني مش كفاية أن كل واحد فيهم سيتخلى عما هو فيه أو سيتعرض لما عنده من المتاعب والمصاعب لما سيأتي له، ولكن أشد من ذلك أنه كمان ما لكش أي حاجة في الدنيا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد أحداً إلا بالجنة. وهنا نأتي إلى معنى خطير جداً بل هو أصعب المعاني كلها، وهو معنى التجرد والإخلاص، وأن تؤمن بالحق لا لشيء إلا لأنه الحق، وأن تعمل له لا انتظار أجر ولا فراراً من مغرم، بل حقيقة الحق هو الذي سيأتي لك بالمغانم، والمغارم عنك بالمغانم.
ومسألة الإخلاص هذه مسألة صعبة، لأن النفس تطلب شيئاً. أنتم عارفين النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل وسأله عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ السؤال حتى الراجل مش فاهم، يعني الراجل مش متصور أن دول مش هيبقوا في سبيل الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الإخلاص أصعب شيء على النفس، أصعب شوف، إذا الإنسان لم يداخله رياء داخله عجب، ولذلك يروى عن سيدنا عبد الله بن مسعود قال: لو أعلم أن سجدة واحدة خُلصت لله تبارك وتعالى لتمنيت الموت. طبعاً هذه حساسية عالية جداً، الإنسان كلما ارتقى في الإيمان كلما ارتقى في الحساسية، وسيدنا عمر كان يسأل سيدنا معاذاً: هل سماني رسول الله لك في المنافقين؟ وده سيدنا عمر. فالحقيقة يجب أن ننتبه أيضاً إلى أنه من صفات السابقين الأولين هو ما عندهم من الإخلاص والتجرد، هؤلاء قوم حملوا لواء دعوة يعرفون أنهم يواجهون بها الشرق والغرب بدون أي مكاسب. لذلك يأتي السؤال؛ كل واحد يحتاج أن يسأل نفسه: هل لو كان موجوداً في مكة في ذلك الوقت كان النبي سيختاره أو سيفكر في دعوته؟ ما هذا هو الدرس المستفاد. بلاش، هل لو ظهر الآن المجدد كما قال رسول الله: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا، أو ظهر المهدي الذي ينتظره بعض الناس، طبعاً المهدي ينتظره المسلمون لكن الله أعلم متى زمانه، لكن القصد هنا: أنت هل لديك من الصفات، من المواهب، لديك من مجاهدة النفس، لديك من الأخلاق، لديك من المعدن النفيس ما يشعر معه المصلح أن قد تكون من جنده أو من أوائل من كان معه؟ وهذا برضه اختبار صعب، ما هو إحنا سماع القصة بيبقى لذيذ، لكن أن تحولها إلى نفسك وتقول: يا ترى أنا لو كنت موجوداً في ذلك الوقت كان النبي سيفكر فيّ أو كان أبو بكر سيفكر في اختياري؟ طيب حتى لو هو فكر في اختياري، أنا كان سيكون سهلاً أن أتخلى عما أنا فيه من وجود العائلة ووجود المكانة، وأن أخضع لرجل من بني هاشم اللي بينا وبينهم عداوات، وقد تكون مؤامرة هاشمية وكده؟ يعني الإنسان صاحب المصالح ده بيفضل يفكر كثير قبل ما يخضع للحق، هذا إن خضع له. فالتأمل في شخصيات السابقين الأولين إلى الإسلام يجعلنا نعرف كيف وصل إلينا هذا الدين، وصل إلينا على أكتاف رجال، ويجعلنا نفهم لماذا امتدحهم الله تبارك وتعالى في قوله: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ.
بقي في مسألة السابقين الأولين برضه معلومة مهمة، ودي معلومة ترتبط بمعنى الإخلاص اللي إحنا ذكرناه. السابقون الأولون ليست مجموعة أغلقت وانتهت، وإنما قالوا: ليست العبرة بمن سبق، إنما العبرة بمن صدق. ولذلك سنرى أن رجلاً سيأتي بعد هؤلاء بست سنين، صدقه يرفعه إلى الرجل الثاني في الإسلام هو سيدنا عمر، سيدنا عمر لم يكن من أوائل من أسلموا، سيدنا عمر متى أسلم؟ في السنة السادسة من البعثة، لكن صدقه رفعه هذه المراتب حتى صار الرجل الثاني في الإسلام بعد سيدنا أبي بكر. والله تبارك وتعالى يخبرنا عن عباده المقربين فيقول: ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ. سيظل بيننا من يرتفعون بأعمالهم إلى رتبة المقربين، فليست العبرة بمن سبق دائماً، ولكن العبرة بمن صدق، هذه مسألة مهمة. فحتى لو لم ندرك زمن النبوة، حتى لو لم ندرك شيئاً من هؤلاء السابقين الأولين، فإنه يمكن بمجاهدة النفس، ويمكن بهذا الإعداد وهذه التربية وهذا العزم أن ندرك شيئاً من ذلك.
معلومة ثانية مهمة في مسألة السابقين الأولين ترتبط أيضاً بالإخلاص، وهي أن من السابقين الأولين من لم يتولَّ أي قيادة قط في دولة المسلمين. يعني سيدنا بلال بن رباح، النموذج الأعظم في الخروج من كل القيود البشرية؛ الفقر والرق والعبودية وحتى التعذيب، لم يتولَّ شيئاً، لا قاد سرية ولا تولى أمر مال، ولا كان والياً على مدينة ولا كان قاضياً على قوم، لم يتولَّ شيئاً. في الوقت الذي سنجد فيه أن جماعة من المتأخرين الذين أسلموا بعد صلح الحديبية في سنة سبعة للهجرة -يعني بعد عشرين سنة من اللحظة اللي إحنا بنتكلم فيها دي- بمجرد ما يسلم يتولى إمارة سرية وإمارة جيش، زي سيدنا خالد بن الوليد وسيدنا عمرو بن العاص. فالحقيقة يا جماعة الخير، السبق اللي إحنا بنتكلم عليه هذا، السابقون الأولون أمر لا ينافي مسألة المواهب والقدرات البشرية. يعني مش علشان سيدنا بلال وسيدنا عمار وسيدنا خباب أسلموا مبكراً وعذبوا وضحوا في سبيل الله، تكون محجوزة لهم المناصب في أوقات النصر والتمكين، لا، وارد جداً ما يحصلش. سيدنا عمار بن ياسر ظل إلى آخر عمره أيضاً لم يتولَّ شيئاً وكان في الستين من عمره، يعني سيدنا عمار مات في معركة صفين المشهورة. سيدنا أبو ذر الغفاري -سنأتي إن شاء الله لقصته- يعتبر من السابقين الأولين إلى الإسلام، مش بس من السابقين الأولين إلى الإسلام، ده واحد بالمصطلح المعاصر شم ريحة إن في نبي في مكة، شم ريحة إن في نبي في مكة فأرسل أخاه ليستطلع الأمر، فأخوه رجع له بجواب لم يرضِه، راح واخد نفسه هو وسافر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وظل يتحين أن يدخل عليه، إن شاء الله نتكلم في قصته.
إسلامه، حتى دخل إلى النبي في وقت التخفي والسرية، وسمع من النبي وأسلم، وجاهر بالقرآن عند قريش في ناديها وضربوه ليموت، ورجع إلى قبيلته غفار، فأسلم نصف القبيلة، وقال له النبي: كن مع قومك حتى تسمع بي، فإن سمعت بي فأتني، يعني عند الهجرة ائتني إلى المدينة. أبو ذر الداعية الخطير الموهوب ده الذي أسلم على يده من جلسة واحدة، يعني من جلسة واحدة مع النبي أسلم على يده نصف القبيلة، وزي ما بقول لك كده كانت عنده من الجرأة والمبادرة والتضحية والشجاعة أن يسمع عن النبي فيأتيه. أبو ذر ده كله لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: استعملني يا رسول الله، النبي قال له إيه؟ إنك ضعيف، وإنها يوم القيامة خزي وندامة.
فالسبق هؤلاء السابقون الأولون لو لم يكونوا على هذه الدرجة العالية جداً جداً جداً من الإخلاص ما كان يمكن أن يكونوا من السابقين الأولين. والأمر الثاني أن قيادة النبي وكفاءة النبي وسياسة النبي لم تجعل لكل من عُذِّب أو لكل من ضحى أو لمن سبق أن يعطيهم من الغنائم غنائم المناصب والقيادات ومثل هذه الأمور بعد أن تتمكن الدولة؛ المسألة متعلقة بما لدى كل فرد وإنسان من الموهبة والقدرات والإمكانيات. ولذلك ذكرت لكم أن سيدنا عمرو بن العاص، سيدنا خالد بن الوليد تولوا قيادة جيوش بعد شهور من إسلامهم لما كانوا يتمتعون به من الكفاءة، لكن في النهاية لن يبلغ عمرو بن العاص ولا خالد بن الوليد من السبق مثل ما كان لبلال بن رباح ولأبي ذر وعمار، فالمراتب في السبق هي في أصلها مراتب أخروية وليست مكاسب ومناصب دنيوية. تمام يعني أرجو أن يكون هذا واضحاً.
طيب، الآن النبي صلى الله عليه وسلم إحنا إذا تتبعنا هؤلاء السابقين الأولين من الإسلام فسنجد أنهم انتشروا في بطون قريش كلها، فسنجد سيدنا أبا بكر من تيم، سيدنا عثمان من بني أمية من بني عبد شمس، سيدنا علي من بني هاشم، صهيب ده من خارج مكة خالص من الروم، بلال حبشي من خارج العرب، عمار أبو حذيفة ذكرنا أنه كان من بني عبد شمس، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، عبد الله بن مسعود كان من خارج قريش، كان من هذيل، سيدنا سعد بن أبي وقاص كان من زهرة. إذاً السابقون الأولون حقيقة لم يكونوا أبناء قبيلة واحدة ولا أبناء عائلة واحدة، وهذا أول ما يرفع عن الإسلام أنه دعوة قبلية أو دعوة عشائرية أو دعوة عائلية، بل امتدادهم أيضاً خارج قريش يرفع عن الإسلام أنها دعوة قرشية.
وطبعاً هذه قد تبدو الآن معلومة بسيطة، لكن لو رجعنا إلى ٣٠-٤٠ سنة للوراء أو ٥٠ سنة أيام عظمة القومية العربية المعلومة دي كانت معلومة مهمة وفارقة، لأنه إحنا عشنا في زمن الستينات عصر القومية ممكن مشايخنا هنا يكونوا أدركوها، عصر القومية العربية، عصر القومية العربية ده بيقول إيه؟ بيقول إنه أبو جهل وأبو لهب أقرب إلينا من سلمان الفارسي ومن صهيب الرومي ومن بلال الحبشي، والإسلام هذا دين العرب، والإسلام هذا هو تعبير عن طموحات العرب، وأنشد شاعرهم: هبوني عيداً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهمي سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
فعلاً الجماعة كانوا كفاراً، أبد، وكان شعار حزب البعث: آمنت بالبعث رباً لا شريك له، وبالعروبة ديناً ما له ثانٍ. كفر كفر فظيع جداً، فهؤلاء كان مما يُجاب به أو يعني مما يُظهر فساد فكرتهم هذه إنه الإسلام، طبعاً إحنا عندنا سلمان الفارسي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: سلمان منا آل البيت. وأبو لهب يصدق فيه ما قاله الله تبارك وتعالى أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، إن شاء الله تبارك وتعالى بيكلم مين في هذه الآية؟ سيدنا نوح قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قال: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. هذا يا جماعة الخير أيضاً ليس بالأمر السهل، ولكن مع الأسف أننا الآن لا نستوعبه حق استيعابه. القوم والعائلة والعصبة والعشيرة في ذلك الوقت ليست مجرد علاقات فاترة كالعلاقات التي عندنا الآن، القوم هؤلاء كانوا هوية، كانوا جنسية، يعني كانوا جواز سفر، كانوا إقامة، كان وجود الإنسان إذا تبرأ منه قومه لم يعد له وجود. الله أكبر الله أكبر.
طيب إذاً هذا الأمر نستكمله إن شاء الله في المجلس القادم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي