بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الإخوة الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذه الدنيا على طاعته أن يجمعنا في الآخرة في جنته ودار كرامته ومستقر رحمته. هذا المجلس الثامن من مجالس السيرة النبوية.
وهذه المجالس كما ذكرت وأكرر أيضاً هي محاولات للوقوف على السيرة النبوية باعتبارها منهج إصلاح. فنحن نتوقف مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نحاول أن نفهم وأن نتلمس كيف صنع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإعجاز التاريخي الذي قدمناه، وذكرنا أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم قصة نجاح بشري في التاريخ. فسائر الناس، سائر الأبطال، سائر الزعماء، سائر الشخصيات المشهورة، إما أنهم نجحوا في إقامة دولة أو نجحوا في توريث دين، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد نجح نجاحاً مطلقاً في كلا الأمرين؛ فقد ترك ديناً عظيماً وأسس كذلك حضارة عظيمة.
وصلنا في الحلقة الماضية أو في المجلس الماضي إلى فترة النبي صلى الله عليه وسلم في صباه وفي نشأته الأولى وفي مطلع شبابه، وذكرنا أن الله تبارك وتعالى أعده للرسالة في هذه الفترات بأمرين: الأمر الأول هو رعي الغنم، وذكرنا أن العمل في رعي الغنم يكسب النفس بعض الأمور التي هي ضرورية لكل داعية؛ فالغنم أشبه شيء بالبشر في أنه كائن ضعيف، وأنه كثير التفلت وكثير الشرود، يحتاج للحماية ويحتاج للصبر ويحتاج للرفق. وراعي الغنم أيضاً، كما في حديث نسيت أن أذكره في المرة الماضية، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: الفخر والخيلاء في أهل الإبل، والتواضع والسكينة في أهل الغنم. فيورث رعي الغنم تواضعاً وسكينة، وهذه من الأمور التي يحتاجها كل من يتصدى لسياسة الناس.
ثم ذكرنا عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة، وأن التجارة أيضاً هي من أهم المهن التي تورث صاحبها حسن فهم للنفوس، وحسن تقدير لمعادن الناس؛ فلا يتيسر هذا لمن يعمل في الأعمال المكتبية، أو لمن يعمل في الوظائف، أو لمن انقطع في مسائل الزرع أو مسائل الصناعة يتعامل مع الأمور المادية. إنما المهنة التي تتعامل مع النفوس وتستطيع أن تعرف متى تفاوض ومتى تنقطع عن المفاوضة، من الذي يساوم ومن الذي يترك، وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعم قوماً هم أصلاً أهل تجارة لو لم يكن تاجراً ناجحاً. كذلك ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى الصدق والأمانة ومحاسن الأخلاق لو لم يختبر عملياً في هذا المجال الذي ينظر فيه الصدق والأمانة، مجال التجارة؛ لأن التاجر ضرورات عمله -لا أقول ضرورة هنا بالمعنى الشرعي، ولكن أقول كثيراً من حرصه على المكسب- يجنح به إلى ارتكاب بعض الكذب والمراوغة وكذلك المماطلة ونحو ذلك من الأخلاق السيئة. فكان لا بد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتاجر في قوم تجار، فيفهم طبائع النفوس، ويتزعم قوماً هم أصلاً أهل تجارة، ويضرب فيهم المثل الأعلى للتاجر الصادق الأمين.
طيب، فاليوم نستكمل نشأة النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة ما قبل البعثة. ذكرت في المرة الماضية أن مرحلة ما قبل البعثة مرحلة مهمة لأمرين: الأمر الأول لأن النبي استدل بها على صدقه ونزل ذلك في كتاب ربنا في قوله تعالى: قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ. فاستدل النبي على صدقه بالفترة التي قبل أن يبعث فيها. والأمر الثاني أنه يجب أن نستلهم نحن هذه الفترة لكي نقتدي كيف يكون المصلحون وكيف نستطيع صناعة المصلحين إن صح التعبير. فلذلك ينبغي أن ننظر إلى حياة النبي قبل البعثة ونحن نستحضر هذا، نتأمل كيف صنع الله تبارك وتعالى نبيه وكيف هيأه لكي يقوم بأمر هذه الرسالة.
النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة ما قبل البعثة نستطيع أن نرصد له ثلاث مشاركات كبرى أو ثلاث أحداث كبرى قبل أن يدخل إلى مرحلة الرسالة. هذه الأحداث الكبرى هي مشاركته في حرب الفجار، والمسألة الثانية هي مشاركته في حلف المطيبين أو حلف الفضول، والمسألة الثالثة هي تحكيمه في النزاع الذي وقع بين قريش لدى بنائهم الكعبة. هذه أبرز ثلاثة مواقف كانت في فترة شباب النبي صلى الله عليه وسلم ورجولته، بخلاف مسألة زواجه من خديجة رضي الله عنها، هذه مسألة شخصية أكثر من كونها حضوراً عاماً في المجتمع الجاهلي.
لكن لم تأتِ من طريق صحيح، أوردها أهل السير، تعرفون هذا مما يحسن الإشارة إليه هنا. نستطيع أن نقول إن العلماء الذين كتبوا تراث النبي صلى الله عليه وسلم ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول أهل الحديث، أهل السنة، أهل الأثر، والقسم الثاني أهل المغازي والسير. الجماعة بتوع أهل الحديث هؤلاء كانوا في غاية القوة والشدة والصرامة، لا يقبلون عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القول المسند المتصل بالسند؛ لأنهم يأخذون الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك معاييرهم الصارمة الشديدة لم ينفلت منها من الأحداث إلا مقدار قليل، هو مقدار الأحاديث الصحيحة التي تجدونها في كتب السنة. طبعاً هذه المعايير لو وضعت على أي تاريخ لفني التاريخ؛ لأن لا توجد أحداث في التاريخ نستطيع أن نصل إليها برواية الصدق، الضبط العدل عن الضبط العدل من مبتدأ السند إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، هذا مش ممكن.
القسم الثاني قوم تخففوا من هذه المعايير الصارمة لأنهم أرادوا حكاية أيام النبي ومغازيه وسيره، فهؤلاء رووا بالسند أحياناً ولم يرووا بالسند أحياناً أخرى، تخففوا في أن يسقطوا الرجال الذين سمعوا منهم، فلذلك يشتهر عند أهل المغازي والسير ما لا يقبله علماء الحديث. طبعاً ورد عند علماء الحديث أجزاء كبيرة من السيرة النبوية، لكن اشتهر عندهم ما لم يتفلت من أهل الحديث، ولذلك يوجد في تاريخنا من يوصف بأنه إخباري، علامة، إمام في المغازي، منكر الحديث؛ تمام، هذه شخصية تخصصت أو برزت أو نبغت في رواية المغازي والسير، لكن عندما يروي الحديث لا نقبل روايته.
هذه بعض الشخصيات، وطبعاً أشهر راويين للحديث والسير هما ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة المشهورة التي هذبها واختصرها فيما بعد ابن هشام التي نعرفها بسيرة ابن هشام، والرجل الثاني هو محمد بن عمر الواقدي، ومحمد بن عمر الواقدي كان قاضياً في العصر العباسي، محمد بن عمر الواقدي هذا ممن يشتهر بأنه يؤخذ منه في المغازي والسير ولا يؤخذ منه الحديث، فهو متروك الحديث.
فمشاركة النبي في حرب الفجار مما جاء عند ابن إسحاق وجاء عند، طبعاً يجب أن أذكر الفرق هنا، محمد بن إسحاق لا شك أنه إمام صدوق، لكنه كثيراً ما يدلس. يعني إيه يدلس؟ يعني ينقل الخبر بواسطة مع إسقاط الواسطة؛ يعني أنا مثلاً أقول حدثني أبي بكذا، لكن أكون قد سمعت هذه الرواية من أخي وليس من أبي، هذا اسمه عند المحدثين تدليس؛ أوهمت السامع أنني أخذته من أبي مباشرة. طبعاً المدلس لأنه صدوق -ليس المدلس كذاباً- لأنه صدوق لا يقول حدثني أبي وإنما يقول رويت عن أبي؛ كلمة "عن"؛ حين نعرف أن الراوي مدلس لا نأخذ منه إلا أن يقول حدثني أو أخبرني أو أنبأني. هو المدلس صادق ليس كذاباً، فهو إذا قال حدثني فقد صرح بالسماع منه، فنأخذ الرواية التي فيها التصريح بالسماع، لكن إذا قال "عن" فلان دون أن يصرح بالسماع عرفنا أنه هنا أسقط الراوي الذي سمع منه مباشرة فلا نأخذ منه، فلذلك تقرأون في كتب الحديث: وأما فلان فقد روى هذه الرواية وهو مدلس وقد عنعن، يعني هو مدلس وهذه الرواية مروية بالعنعنة، أو يقولون مدلس وقد صرح بالتحديث هنا، صرح بالتحديث يعني الرواية دي مقبولة. ده محمد بن إسحاق بن يسار، طبعاً هذا إمام في المغازي، بعض إمامين أو أكثر فقط هم الذين شككوا فيه في صدقه، لكن الحقيقة أن العلماء قبلوه، بخلاف محمد بن عمر الواقدي، محمد بن عمر الواقدي هذا اتفقوا على تركه ويأخذون منه ما يتعلق بالأخبار التي لا يترتب عليها أحكام؛ لأن محمد بن عمر الواقدي كان رجلاً بحاثة، وكان أحياناً يذهب بنفسه لمعاينة مواقع الغزوة لكي يستطيع وصفها، وكان صاحب كتب وصاحب علم، فبالتالي يقولون لا بأس أن نأخذ منه عدد الجيش، ألوان الرايات، الموقع الجغرافي، الأمور التي تكتمل بها القصة لكن لا ينبني عليها العمل أو الفهم أو العلم، تمام، واضح؟
طيب، إذاً مشاركة النبي في حرب الفجار هذه وردت عند ابن إسحاق وعند الواقدي، ولكن لم ترد في كتب السنة، وخلاصة الكلام أنه هذه حرب وقعت بين قريش -عائلة النبي صلى الله عليه وسلم، قبيلة النبي- وبين كنانة من جهة، وبين هوازن من جهة أخرى، وكانت حرباً أيضاً ما روي فيها يدل على أنها حرب من حروب الجاهلية؛ واحد قال للآخر أتجير على كنانة؟ قال نعم، وأجير على كل الخلق، أنتم عارفين العرب كانوا، كحرب البسوس، اللي هو لو قلت مثلاً فلان هذا في حمايتي أو في ذمتي فجاء رجل فقال "وتحميه مني؟" يعني تجير علي، فهذا هو الأصل الذي اندلعت به المعركة. ولكن سميت معركة الفجار لأنهم بينما هم يتقاتلون دخلوا الحرم فقاتلوا في الحرم، فلهذا سميت حرب الفجار. ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم مشاركته في هذه الحرب كان أنه ينبل عن أعمامه، ينبل عن أعمامه؛ بعض العلماء قال إنه يتقي عنهم السهام، وبعضهم قال يعد لهم السهام، تمام، النبال التي هي السهام، وكان ذلك بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، فهذه مشاركة النبي في حرب الفجار.
الحدث البارز الثاني هو مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول، أو حلف المطيبين. وردت، وهذه كان رجلاً من اليمن من زبيد كان تاجراً، أعطى لرجل من كبار قريش اسمه العاص بن وائل السهمي من بني سهم، والعاص بن وائل هذا أبو عمرو بن العاص، وكان رجلاً ظلوماً فجحد الزبيدي حقه، فوقف الزبيدي على جبل بمكة يهتف بمظلمته، فاجتمعت ثلاث قبائل -اختلفت الروايات في حضورهم أو لا- فالروايات الثابتة هي: بنو هاشم أسرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو زهرة أسرة من أم النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو تيم أسرة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن أبا بكر تيمي، نحن ذكرنا نسبه في الحلقة الأولى من هذا المجلس، ثم ذكرت بعض الروايات أنه كان معهم بنو أسد وبنو أمية وبنو مخزوم على خلاف في حضور هؤلاء أو في غياب هؤلاء. تعاقدوا في الحرم وكان ذلك في الشهر الحرام في ذي القعدة على أن يكونوا يداً واحدة في مكة على الظالم حتى يأخذوا المظلمة منه للمظلوم، وانعقد هذا الاتفاق في دار عبد الله بن جدعان، وهذا كان شيخ تيم، شيخ قبيلة تيم، وهذا ثابت بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت. تمام، يعني إذا كان هناك ضعف في شهوده حرب الفجار، فشهود حلف الفضول هذا ثابت في الصحيح.
وهنا نحتاج إلى وقفة في قول النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً بداية يجب أن نعرف أنه مهما ذكرنا أن المجتمع مجتمع جاهلي فلا يخلو المجتمع من حق ومن خير، بل ذكرنا أنه كان من أسباب مناسبة العرب لنزول الرسالة أنهم كانوا أكثر الأمم في هذه الخيرية وأكثرهم في مسألة نجدة المظلوم ومسألة دفع الظالم، أنفةً من أن يستبد بهم أحد، فيعني حين نصف المجتمع بأنه مجتمع جاهلي لا يعني ذلك أن كل ما فيه كان جاهلياً. الأمر الثاني أنه المسلم ينبغي أن يحرص على أن يثبت ويرسخ ويعظم من بذور الخير حتى في المجتمعات الجاهلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت، وقال: ما أحب أن لي به حمر النعم. فإذاً يكون مما يحرص عليه المسلم أنه يكون متعاوناً ومتحفزاً وموجوداً في كل ما يمكن أن يرفع الظلم وأن ينشر العدل.
لكن هاهنا وقفة، وهذه وقفة مهمة وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت. وهنا فارق ما بين صاحب الدعوة والرسالة وما بين الآخر، دعني لا أصفه الآن. صاحب الدعوة والرسالة ماض في دعوته ورسالته، يعني النبي لم يترك دعوته ورسالته لكي يقول للناس: تعالوا ننشئ أحلافاً على غير قاعدة الإسلام تنشر العدالة، يعني المسلم دعونا نتخيل عالماً غير الذي نحن فيه.
الآن المسلم لا يحرص على أن يصنع هو الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو منظمات حقوق الإنسان، لكن إذا دعي إليه يقدر ويجيب إذا كانت فعلاً هذه المنظمات ستقوم بهذا الدور. يعني صاحب الدعوة الأصل أنه منطلق في دعوته، في فكرته، في رسالته، لا أن يترك الحق الذي هو عليه لكي يحاول الالتقاء مع الباطل ومع الجاهلية في أحلاف جزئية. ولذلك النبي لم يدعُ هو إلى حلف خارج الإسلام، وإنما ذكر أنه إذا دعي إليه في الإسلام أجاب.
واضح، ويعني مما يقوله الشيخ حازم أبو إسماعيل فرج الله عنه وفك أسره، كان يقول: الإسلام لا يتقبل سياقات الجاهلية، ولا يبعث أفراده لكي يمتن ويرسخ ويملوا سياقات الجاهلية. يعني الإسلام لا يبعث أبناءه لكي يكونوا أفراداً في سياق صنعته الجاهلية، وإنما الإسلام يصنع السياق، الإسلام يصنع السياق، هذا أمر يجب التنبه إليه. واضح أيضاً، إذاً فهذا حضور النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب وحضوره في السلم، وهو مما يهيئه صلى الله عليه وسلم لكي يقود الناس فيما بعد حرباً وسلماً.
وكذلك أن يحضر النبي صلى الله عليه وسلم في دار عبد الله بن جدعان يدل على حضوره في مجتمعه؛ لأن الإنسان المهمل أو الإنسان المنبوذ أو الإنسان الضعيف غالباً ما يغيب عن حضور هذه المشاهد. يعني الآن حين يحدث اتفاق بين دولتين أو بين مجموعة من الدول، من الذي يحضر؟ أهل الرأي وأهل الكلمة وأهل النفوذ، لا يحضر فيها الهامل العاطلون المهمشون. وأنتم تعرفون الشاعر القديم قبيلة تيم بأنهم: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود. هم لو غابوا الأمر بيقضى عادي ما فيش مشاكل. طب افرض حضروا؟ برضه ما حدش بيقول لهم رأيكم إيه، ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهوده. ومن أراد أن يمدح، يعني كما قال شاعرهم في مدح كليب: إن بئت أن النار بعدك أوقدت واستبكي المجلس وتحدثوا في أمر كل عظيمة لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا. ده دليل على إيه؟ مدح مكانته، بيقول له يعني أيامك، يعني يرثيه فبيقول له إنه أيامك راحت، وإنه ما شاء الله بقى في مجلس ينعقد بعدك وتكلم إيه، كما نقول في المثل المصري: القوالب نامت والمصاص قامت، وتحدث في أمر كل عظيمة لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا. تمام، فحضور النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المشاهد بالذات، مشهد عبد الله بن جدعان أو هذا حلف الفضول، دليل على حضوره في مجتمعه وعلى أن قومه كانوا يعني يحرصون على سماع رأيه وعلى وجوده صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثالث الذي مثل حضور النبي فيه، نستطيع أن نقول مكانة كبيرة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان في حادثة بناء الكعبة، إعادة بناء الكعبة. الكعبة أصابها حريق قديم حتى تصدعت جدرانها، ولكن القوم لم يجرؤوا على هدمها وإعادة بنائها لما يرون لها من القداسة. فوقع سيل، وأنتم تعرفون مكة في بطن وادي، يعني إذا حصل سيل فالسيل يتجمع في هذا الوادي، فوقع سيل فتصدعت منه جدران الكعبة فصار بناؤها من الأمور الضرورية التي لا يمكن تأجيلها الآن.
فعزم القوم على إعادة بناء الكعبة وتزعم في هذا الوليد بن المغيرة المخزومي سيد بني مخزوم، وذكرنا أن طبعاً برضه بنو مخزوم هؤلاء، ذكرنا أن منهم رجلان كبيران سيواجهان النبي صلى الله عليه وسلم ويجد منهما الأذى الشديد، وهما الوليد بن المغيرة الذي نتكلم عنه الآن وابن أخيه عمرو بن هشام بن المغيرة الملقب بأبي جهل. تمام، كلاهما مخزومي. فالوليد بن المغيرة هذا رجل كان واسع الثراء، حتى قيل في وصفه كانت قريش تكسو الكعبة في سنة، يعني كسوة الكعبة يشترك القرشيون في نفقتها سنة، ثم يكسوها هو في السنة التالية وحده. فهذا رجل يعني ستيف جوبز مثلاً إيه العالم المعاصر أو اسمه إيه؟ نسيت اسمه، بتاع مايكروسوفت، اسمه إيه؟ بيل جيتس، تمام.
فالوليد بن المغيرة تزعم القوم في إعادة بناء الكعبة، ولكنهم اشترطوا على أنفسهم ألا يدخلوا في هذا البناء مالاً من حرام، لا يدخلوا فيه مهراً لبغي ولا يعني لا يدخل فيه الحرام الذي كان منتشراً والذي تحدثنا عنه سابقاً، فإن العرب كان انتشر بينهم الزنا وانتشر بينهم الربا والميسر، فهم لمعرفتهم بأن هذا بيت الله وللقدس التي كان يتمتع بها، ألزموا أنفسهم ألا يبنوا هذا البيت إلا بالمال الحلال. وهنا تحدث المفاجأة، كل ما في قريش من الأموال الحلال لم يستطيعوا به بناء الكعبة، والكعبة بناء بسيط ساذج، يعني بناء ليس بناء ضخماً، ليس كلا، إنما هو إيه أربعة جدران، ولكنهم عجزوا عن نفقته.
فتأمل في المجتمع الذي غلب عليه الحرام حتى صار المال الحلال لا يستطيع إقامة أربع جدران. مأساة، مأساة أن يشهد المجتمع على نفسه بأن كل أمواله من الحرام وأنه ما فيه من الحلال لا يستطيع إقامة أربع جدران. ولعل هذا كان من إشهاد الله لأنفسهم على أنفسهم، يعني يذكرني ذلك بما حصل في حادثة الفيل، أشاهدهم الله على ضعفهم في حادثة الفيل، وأن هذه الأصنام الموجودة حول الكعبة لم تستطع أن تدفع عن الكعبة ولا أن تحميها. والآن أشاهدهم الله على ما هم فيه من الفساد الذي لم يستطيعوا معه أن يبنوا أربع جدران بأموال حلال، فالمجتمع يشهد على نفسه بأنه في حاجة إلى الإصلاح.
فهنا يعني اجتمع القرشيون فصار كل قوم يأخذون جانباً من الكعبة، حتى جاءت اللحظة الأخيرة وهي لحظة وضع الحجر الأسود مكانه. طبعاً هم لم يستطيعوا بناء الكعبة فتركوا مساحة فارغة التي هي مساحة حجر إسماعيل، هذه مساحة من الكعبة ولكنهم لم يطيقوا بناءها فبقيت هكذا شاهدة على ما كان فيه المجتمع القرشي من المال الحرام حتى هذه اللحظة.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمع القرشيون اختلفوا على وضع من الذي ينال شرف وضع الحجر الأسود مكانه. وطبعاً إحنا في عالم أو في مجتمع عربي يحب الفخر، بل في مجتمع عربي تندلع بينه الحروب من أجل ناقة. طب يعني إذا كانت من أجل ناقة، الناقة دي زي سيارة مثلاً، فيعني لكي نتصورها الناقة دي أمر زي سيارة في مجتمعنا المعاصر، هي بالنسبة للأغنياء الذين يمتلكون 100 ناقة و1000 ناقة ليست شيئاً، تمام. لكن أيضاً لا تندلع حروب بين الأقوام أو بين العائلات علشان سيارة، صح ولا لا؟ ما حد شاف قبل كدة حرب اندلعت علشان سيارة. فالعرب الذين كانت تندلع فيهم الحروب من أجل ناقة، هذه الناقة التي يمكن للكريم فيهم ابتغاء الفخر أن يذبح ناقة وعشر نياق ومائة ناقة لكي يقال عنه كريم، هو إذا اعتدي على ناقته ربما أشعل حرباً. طيب إذا كانت ناقة تشعل حروباً فكيف بالحجر الأسود؟ من سيضع الحجر الأسود؟ لا شك أنها ستكون مفخرة أبد الدهر هو وقبيلته، وكذلك من حرم أو منع أو غلب على وضع الحجر الأسود فستكون منقصة يعير بها آخر الدهر. أهل العرب عندنا كلهم شعراء ولا يمكن أن تفلت هذه الواقعة من شعرهم. أنتم تعرفون ذكرنا مسألة أنه العرب كانوا يهتمون جداً بالشعر، ولذلك قيل الشعر ديوان العرب لأنهم يخلدون به أحداثهم.
ويعني مثلاً من الأمور الطريفة التي يمكن أن نذكرها هنا، رجل من بني نمير شاعر بني نمير لما هجاهم أحد بني كليب، فماذا قال؟ قال: ولولا أن قال هجا نميرا ولم نسمع لشاعر جوابا رغبنا عن هجاء بني كليب وكيف يشام الناس الكلاب. هو يعني ضرورة بس إن أنا إيه أرد، وإلا فإنكم لا تستحقون الرد. فهنا وقع النزاع الذي كان يمكن أن يفضي إلى حرب بين قبائل قريش على من الذي يضع الحجر الأسود، فما اهتدوا في ذلك إلى حل وكادوا يتنازعوا حتى حكم بينهم أسن القوم، أسن القوم كان أخو الوليد بن المغيرة المخزومي اسمه شيبة، لو لم تخن الذاكرة الآن. فحكم قال: نحكم أول داخل إلى البيت فهو يحكم بيننا، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: رضينا بالأمين حكماً. وأيضاً حين تسمع هذه الكلمة من العرب تشعر بالفعل أن العرب كانوا مقدمين على حرب، وتشعر أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بشخصه كان مظنة الحكمة. تمام، يعني الأمور ذاهبة إلى حرب لدرجة أنهم شعروا بالارتياح أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم. فماذا فعل النبي؟ فعل ما تعرفونه جميعاً طبعاً، تعرفونه دون هذه الحالة التي كانت محيطة به، وهو أنه وضع ثوبه صلى الله عليه وسلم ووضع عليه الحجر الأسود، وجعل يعني أمسك صاحب كل قبيلة بطرف الثوب حتى رفعوه جميعاً إلى حذاء مكانه، فأخذه النبي ووضعه، وبذلك اشترك الجميع في حمله ووضعه، وكان هذا بمثابة نزع فتيل الحرب، وهذه مأثرة كبرى أيضاً عند العرب، يعني الذي يتدخل لنزع فتيل نزاع كانت هذه من مآثر العرب، أنه فلان هذا هو الذي يعني أوقف الحرب أو فلان هذا هو الذي منع الحرب. ولذلك كان هذا مما يعني عظم من حضور النبي صلى الله عليه وسلم ومن مكانته بين قومه، وكان هذا وعمر النبي صلى الله عليه وسلم 35 سنة، أي قبل البعثة بخمس سنوات.
تمام، طيب إذاً هذه الأمور الثلاثة التي تدل على حضور النبي في مجتمعه، طبعاً هناك أمور كثيرة أخرى نحن لا نلتقطها لأنها تفاصيل يومية لم ترد يعني لم تكن حادثة كبرى، ولكن نستشف من قول خديجة رضي الله عنها لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وجاء نزل من الجبل يرجف ويقول دثروني دثروني زملوني زملوني، فقالت خديجة: لا تحزن والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر أو على نوائب الحق.
هذه كانت أظهر صفات النبي صلى الله عليه وسلم، السيدة خديجة لخصت هذه الصفات في هذه الخمسة. النبي يصل الرحم، هذا أمر مشهور ومعروف، فصلة الرحم هذه تدل على حضور اجتماعي قوي، مش بس الرحم. النبي يحمل الكل، يعني يساعد الضعيف، الكل هو الضعيف، وهنا يحمل الكل يعني تحمل على معناها الحسي أنه كان النبي يساعد الضعفاء من الناس في قضاء مصالحهم، أو تحمل على المعنى المعنوي أن النبي كان يعين المحتاجين، تمام. وتقري الضيف، طبعاً إحنا في زمننا المعاصر هذا صلة الرحم فيها أزمة لكن موجودة، لا شك أن الذي يصل رحمه ويقوم بهذا الواجب هو أرفع في أعين الناس وأحب إلى الناس ممن لا يصل رحمه. يحمل الكل هذه أيضاً ضعفت في زمننا هذا لكن موجودة، الذي يساعد، وتقري الضيف هذه ضعفت كثيراً في زماننا هذا. إقراء الضيف يعني إكرام الضيف، وإقراء الضيف هذه أيضاً كانت مسألة عظيمة جداً عند العرب. تمام، وذكرنا قبل ذلك أنه العرب إنما مدحوا، ومدحوا، وأطالوا في مدح من يقري الضيف.
تمام، ذكرت قبل ذلك قول حاتم الطائي لزوجته لما كانت تلومه على أنه كلما يعني صار عندهم بعض الغنم أو بعض النياق أو بعض الشياه ذبحها، تقول له: إذا ما أصابنا سرماية بعد هجمة تكون عليها كابن أمك أسودا. يعني شبهت كرمه بالوباء بالطاعون، كلما تجمع لديهم غنم يذبحه لإضافته، فهو يقول: ألم تعلمي أني إذا الضيف نابي... بني الضيف نزل بي، وعز القرى وكنا في زمن جدب وما فيهوش أكل. أقري السديف المسرة. يعني أطعمهم سنام الجمل السمين، يعني أفضل أكلة يمكن أن يجدها العربي في ذلك الوقت. وحسان بن ثابت لما مدح جبلة بن الأيهم، فمدحه بأنه إيه، قال وهذه من أفضل أبيات العرب، قال: يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل. يعني يقول هؤلاء القوم كرماء لدرجة أنه كلابهم لم تعد تنبح على الناس لأنه الناس إيه رايحة جاية، رايحة جاية. يغشون حتى ما تهر كلابهم، لا يسألون عن السواد المقبل، لا يسألوا من المقبل من الآتي، كل الذي يأتي يطعم. ومسألة طبعاً إكرام الضيف هذه كان عار لو أن الرجل نزل به أحد ولم يكرمه كان عاراً. ومما يقال في ذلك مقولة مالك بن الأشتر، هذا رجل تعرفون لما أنا أقول مثلاً إيه، أو كما يقال في اللهجة العامية المصرية يعني: أنا ما أبقاش راجل أو ما أبقاش إنسان محترم أو أكون أنا أبقى، أو ما يبقاش ما عنديش أصل لو عملت كذا. فأبي هذا الرجل بهذا المعنى كان يقول: بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس... لو لم أشن على ابن حرب غارة لا تخلو يوماً من ذهاب نفوس. يعني بيقول أنا إذا لم أحارب ابن حرب، هذه الأبيات لها قصة لا وقت الآن لروايتها، إذا أنا لم أحارب ده، أن تذهب النفوس فأنا أبقى وما عنديش أصل، بقيت وفري يعني يعني كنت بخيلاً وانحرفت عن العلا، ولقيت أضيافي بوجه عبوس. وهذا هو الشاهد الذي أريد، وكمان ما كنتش بأقري الضيف، شوف هو جمع في العار بين إيه؟ بين البخل والانحراف عن العلا وأن يقابل أضيافه بالوجه العبوس.
فالسيدة خديجة تقول: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر، أو على نوائب الحق، يعني من احتاج مساعدة. طبعاً هذه الخمسة تدل على حضور واسع للنبي صلى الله عليه وسلم في مجتمعه، وهي تشير أيضاً أيها الإخوة الأحباب إلى أمر مهم، وهو أن الناس لا يقتنعون بصاحب الفكرة أو صاحب الدعوة.
أو صاحب الرسالة لو لم يكن له فيهم آثار عملية، يعني الناس لا تقتنع بمجرد الكلام النظري مهما كان كلاماً منطقياً محكماً، قدر ما تتأثر بالسلوك العملي. إنه هذا حاضر في المهمات، وهذا موجود عند، يعني في وقت طلب المساع، عند الحاجة، عند المرض، عند السفر، وهنا يجب أن نعلم أن كل صاحب فكرة وصاحب دعوة مضطر، مضطر إلى تقديم هذه الآثار العملية. يعني حتى من أراد التنصير، حتى من أراد التنصير، كيف يدخل المنصرون إلى الناس اللي في أفريقيا وفي آسيا؟ كيف يدخلون إليهم بهذه الإغاثات الإنسانية وهذه المنظمات الخيرية وتوزيع الطعام وتوزيع الأدوية والمستشفيات المتنقلة؟ ويأتي الأوروبي من بلاده لكي يذهب إلى أدغال أفريقيا وإلى أدغال آسيا يقدم الطعام ويقدم الدواء، لابد أن يرى المدعو، لابد أن يرى الجمهور أثراً عملياً للدعوة التي سينطق بها صاحب الفكرة وصاحب الرسالة.
حتى الطغاة والمستبدين والمستكبرين والجبابرة والظلمة والسفاحين لابد أن تصنع لهم أجهزة إعلامهم مواقف إنسانية، صح؟ لابد أن يكون الرئيس راعي الرياضة والرياضيين، وراعي الفن والفنانين، وراعي الفقر والفقراء، ومزيل النكبات، وهو وربما الحكومة تقرر قراراً وبعد كدة الرئيس هو الذي يلغي هذا القرار إنسانية منه، يعني بالنهاية الوجه الإنساني ضرورة من ضرورات صاحب الفكرة وصاحب الدعوة، وهذا مما يدل على أن الناس لا تقتنع بمجرد الآية الكلام النظري والمنطق النظري. فكان من أهم ما يدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى حضوره في مجتمعه هذه الخمسة التي لخصت بها خديجة رضي الله عنها حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
بقي إذاً في حياة النبي فيما قبل البعثة أن نشير إلى أمرين: أن الله تبارك وتعالى صانه عن أدران الجاهلية، صانه عن عبادة الأوثان وصانه عن حتى مس الأوثان، وكان النبي يتضايق وتعرف الكراهة في وجهه إذا حلف باللات والعزى. وروى عنه خادمه زيد بن حارثة رضي الله عنه أنه قال: كنت أطوف مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في الكعبة الأصنام، وذكر إساف ونائلة، وكان صنمين، قال: فكان الناس يمسحونهما، فلما مررت مع النبي مسحته، فنهرني. فكان سيدنا زيد تشكك هل نهره النبي لمسح الصنم أو لشيء آخر؟ قال: فقلت إذا طفت لمسته حتى أتبين ما يقول، فلما طاف بهما فلمسهما، قال النبي: ويحك ألم تنهَ؟ قال: فوالذي أكرمه بالوحي والرسالة ما مسست صنماً، ولا مس النبي صنماً حتى أكرمه الله بما أكرمه به.
وذكرنا في المرة الماضية أنه كان يتجنب ما كان عليه أهل الجاهلية من الأدران، وذكرنا مسألة أنه حماه الله وصانه مما يلتبس بسن الشباب من اللهو، وأنه لما أراد أن يحضر عرساً أصابه النوم فما أيقظه إلا حر الشمس، فلما أراد أن يكررها أصابه النوم فعلم أنه مصروف عن هذا. وكذلك في أما في بناء زمزم أو في بناء الكعبة، يعني روايتان، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينقل الحجارة مع قومه اللي هم بنو هاشم، فقال له عمه العباس: لو أتقيت الحجر بثوبك، يعني هو كان يحمل الحجر على كتفه، ولم يكن العرب يرون عاراً في التعري، وأحياناً كانوا يطوفون بالبيت عراة ما عدا القرشيين، وهذا مما ذكرناه في شأن الجاهلية. فقال: لو أتقيت الحجر بثوبك، فرفع النبي ثوبه فغشي عليه، فذهبوا إلى عمه أبي طالب وقالوا له: أدرك ابن أخيك فقد غُشي عليه، فجاءه فوجده قد استفاق، فقال: ما شأن هذه الغشية؟ قال: رأيت رجلاً في ثياب بيض يقول: استر عورتك، فغُشي علي، وما رُؤي بعد ذلك صلى الله عليه وسلم عرياناً. وقال ابن عباس وهو راوي هذا الحديث -والحديث عند أحمد بسند صحيح-: قال: فكان هذا أول ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي، من شأن الوحي، فكأنه هذا كان أيضاً نوعاً من التمهيد. لكن حتى هذه العادة الجاهلية غير المستنكرة بين الجاهليين عصمه الله تبارك وتعالى منها.
وكان إذا قُدّم إليه طعام تافف منه إذا شك أن يكون قد ذبح على الأنصاب، يعني ذبح للأصنام، فصانه الله أيضاً من هذا. ولذلك فكانت حياة النبي قبل البعثة يعني نستطيع أن نقول كانت حياة نظيفة، حياة الداعية الذي لا مطعن عليه في شيء حصل قبل ذلك. طبعاً أنتم تعرفون أهل المدن قد لا يعرفون تواريخ بعضهم، لكن أهل القرى وأهل العشائر لا يختفي فيهم التاريخ، لأن هذه تكون مسرات وتكون معرات تماماً. ويعني أمي حفظها الله وقد أدركت أهل قريتنا، يجتمع في أذهانهم تاريخ القرية وتاريخ رجالها ونسائها وأنسابهم، ويعيّر الرجل بمن ظهر في عائلته ولو بعد 40 سنة تماماً، وهذا إلى وقت قريب، يعني إلى وقت أن تضخمت المدن وكثر أهلها فنسي الناس بعضهم بعضاً. لكن طبعاً حين تضخمت المدن الآن جاءنا شيء آخر اسمه يوتيوب وفيسبوك وتيك توك وأشياء، فلا تجد صاحب موقف إلا وتُلتقط عليه الكلمات التي يمكن أن تُستخدم مطعناً فيه، بل في برامج كثيرة قائمة أصلاً على التقاط تناقضات الإعلاميين أو أخطائهم.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم ذو نُظافة سمعة، لا يُسلب بشيء، لا يُسلب بشيء حتى في الجاهلية، وهذا أيضاً من تمام تهيئة الله له لأمر الرسالة. لأنه تصور كدة أن النبي سيبعث في الأربعين، أنا أفترض أتصور -بلا خلينا نخرج من الحظر الشرعي- أي إنسان خرج على الناس بدعوة في الأربعين، تعظم من شأن العفة والطهارة، وقد كان صاحب سوابق أيام شبابه، فأول ما يقال: إيش بعدما انطفأت شهوته أو بعدما قضى أيامه وبانت، جاء يدعونا إلى العفة؟ هذا أول ما يقال. أو كان رجلاً غنياً ثم صار من أوساط الناس وعند الأربعين صار يدعو إلى العدالة الاجتماعية، أول ما يقال: أنت بعد ما افتقرت تدعو الناس إلى العدالة الاجتماعية؟
فإذاً طهارة تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم، كان من، طبعاً الناس في هذا متفاوتون، والله تبارك وتعالى يقبل التوبة، ومن كان ألمّ بشيء ثم تاب فيجب أن يدعو إلى الخير الذي تاب إليه واهتدى، ولا ينبغي أن يقيده ما كان فيه قبل ذلك من المعاصي أن يدعو إلى ما هو فيه الآن من الطاعة، بل حتى الإنسان إذا كان يعصي ينبغي أن يداري معصيته وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. هذا كلام مضطرد عند العلماء، يعني عند علماء التحقيق: أن الإنسان حتى لو أنه يقوم بمعصية ما، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكنه يستتر ما استطاع بمعصيته، لا يصرفه التقصير الذي هو فيه عن الخير الذي يدعو إليه. لكن الآن نحن نتكلم في شأن آخر، نحن نتكلم في صدق الداعية، الشخص المؤهل للدعوة، أيهما أفضل؟ أن يكون شخصاً قد قارف من المعاصي والسيئات والذنوب ثم انقلب داعية، أم أن يكون طاهر الذيل من هذه ثم يدعو؟ لا شك أنه الأكمل هو أن يكون طاهر الذيل ثم يدعو، لأن هذا لا يدع له مَثلبة أو مطعناً يُنفذ إليه منها.
ذكرنا إذاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في نشأته الجاهلية، وذكرنا أنه لقب بالصادق الأمين، وبقي أن نروي قصته صلى الله عليه وسلم مع خديجة رضي الله عنها، وهذا آخر ما نتكلم فيه قبل نزول الوحي. السيدة خديجة رضي الله عنها هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، وهي نستطيع أن نقول الزوجة الثانية في قرابة النسب منه، يعني بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أبعد في النسب منه إلا السيدة أم حبيبة؛ لأن أم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان، رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد مناف بن قصي، والنبي هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأما خديجة فتلتقي مع النبي في قصي، طيب.
السيدة خديجة قدمنا أنها كانت ذات مال، وأنها كانت تزوجت قبل النبي برجلين، وأنها صارت تعطي الناس أموالها ليتجروا فيها، فكان ممن تعاملت معهم في هذا الأمر هو نبينا صلى الله عليه وسلم وقت أن كان تاجراً، وأرسلت معه غلامها يعني القائم على شؤون تجارتها واسمه ميسرة. فميسرة هذا لما صحب النبي صلى الله عليه وسلم واتجر النبي معه وعاد وقد ربح وبارك الله له في هذه التجارة، ويقال ربحت خديجة أكثر مما ربحت في غيره، حتى أنها أعطته أكثر أو ضعف ما كانت قد وعدته به، يعني ضعف النسبة التي كانت مقررة، ثم روى لها غلامها ما وجد من محمد صلى الله عليه وسلم من الخلق والصدق والأمانة وطيب المعشر، فرغبت أن تتزوجه. ما ورد من تفاصيل زواج السيدة خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم ورد من طرق ضعيفة، يعني هل هي استشارت صديقة لها وهذه الصديقة ذهبت للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هي كلمته بنفسها ورضي النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف كانت الخطبة وكيف كان العقد؟ وهل الذي عقد عليها أبوها خويلد أم كان عمها عمرو بن أسد؟ هذه وردت من روايات ضعيفة، وهي على كل حال تفاصيل ليس فيها ما يترتب عليه شيء، ولكن الأشهر أو المشهور بين أهل السير والمغازي أن خديجة رضي الله عنها رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، وجرت في هذا الأمر بينهما صديقة لخديجة، والنبي كان يخشى ألا تقبل خديجة لما هو فيه من قلة المال، إلا أنه لما عرف أنها تقبل بهذا رغب أيضاً في ذلك، وطبعاً يعني كما يقول بعض علمائنا، فتزوجها وأصابت به بركة يغبطها عليها الأولون والآخرون. كانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم.
الأمر المشهور هنا هل ماذا كان عمر السيدة خديجة؟ عمر السيدة خديجة الرواية المشهورة فيه هي رواية الواقدي، وكان عمرها 40 سنة والنبي كان في الخامسة والعشرين من عمره. الرواية أصح منها رواية ابن إسحاق، وهي أن خديجة كانت في الثامنة والعشرين من عمرها ولم تكن في الأربعين، وهذه أقرب؛ لأن خديجة رضي الله عنها أنجبت للنبي صلى الله عليه وسلم كل أولاده إلا إبراهيم، فهي أنجبت ستة من ولد النبي صلى الله عليه وسلم، أنجبت له من الأولاد القاسم وعبد الله، وأنجبت له من البنات زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ويصعب أن تنجب المرأة بعد الأربعين ستة من الأبناء، نعم هو مش مستحيل لكن يصعب. فنحن إذا كنا نرجح بين الروايتين عقلاً فرواية ابن إسحاق أقوى من رواية الواقدي، ذكرت الفرق بينهما، ورواية الثامنة والعشرين أقرب إلى التصديق فيما يخص أنها أنجبت بعد ذلك ستة أبناء، فالأرجح أن عمر خديجة رضي الله عنها كان 28 سنة.
طبعاً الآن في عالمنا المعاصر ولأن المسلمين مغلوبون ومهزومون، فمسألة كثرة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور التي يطعن بها أعداء الإسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك يحلو لكثير من المسلمين أن يميلوا إلى رواية الأربعين؛ لأنها تزيد في طهر النبي صلى الله عليه وسلم وفي انصرافه عن معنى الشهوة وهو في الخامسة والعشرين يتزوج من امرأة في الأربعين. على أن هذا أيضاً ليس ضرورياً وليس حتمياً؛ لأنه كون النبي في الخامسة والعشرين ويتزوج أكبر منه في الثامنة والعشرين، وكونه صلى الله عليه وسلم يعيش معها هذه السنين دون أن يتزوج عليها، لأن النبي لم يتزوج على خديجة حتى ماتت، وخديجة ماتت في السنة العاشرة من البعثة، يعني هي قضت مع النبي صلى الله عليه وسلم كام؟ 25 سنة تماماً. النبي بُعث في الأربعين وتزوج وهو في الخامسة والعشرين، يعني قضت معه قبل البعثة 15 عاماً ثم 10 أعوام بعد البعثة، فهي حتى لو كانت في عمر الثامنة والعشرين، فإذا أضفنا 25 سنة عاشتها مع النبي على أن عمرها كان في الثامنة والعشرين، فنحن نتكلم في الثلاثينات. فإذاً النبي بقي معها حتى هذا العمر دون أن يتزوج عليها في مجتمع لا يأنف الناس فيه لا من كثرة الزوجات ولا من كثرة الإماء ولا حتى من الزنا، فلا يخدش عفاف النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كان عمر السيدة خديجة في الثامنة والعشرين.
واضح؟ طيب. فإذاً والنبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا أنه لم يتزوج على خديجة وبقية زوجاته، إذاً نتوقف هنا. طيب، كنا سنحتاج وقفة مع مسألة زيجات النبي صلى الله عليه وسلم ولكن نؤجلها إن شاء الله إلى المرة القادمة. الخلاصة هنا أن خديجة رضي الله عنها كانت من كُمّل النساء، وسيظهر دور خديجة رضي الله عنها بعد نزول البعثة، ولكن ظهر من فضل خديجة حديث أو حديثان قبل البعثة: الحديث الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم سُمع وهو يقول لها: والله يا خديجة لا أعبد اللات ولا أعبد العزى، فقالت له: دعك من اللات ودعك من العزى، فإذاً فقد كانت أيضاً مفارقة ومخالفة لما كان فيه قومها من الجاهلية، ورضيت بما عليه زوجها من هذه المفارقة. والأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، يعني في إرهاصات النبوة وهذه سنأتي لها إن شاء الله في المرة القادمة، قال لها: يا خديجة، إني أرى ضوءاً وأسمع صوتاً وأخشى أن يكون قد مسني جنون، فقالت: قرّ عيناً يا ابن أخي، ثم ذهبت.
إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فورقة هذا كان يقول لئن كان ما يقول حقاً فهذا هو الناموس الذي جاء موسى عليه السلام، هذا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في أحمد وهو بسند صحيح، ولذلك روى ابن هشام في السيرة أن ورقة بن نوفل كان يتحين في النبي أنه هو النبي المرسل.
وقال في ذلك شعراً يقول: لججت وكنت في الذكرى لجوجاً، لهم طالما بعث النشيج نشيج البكاء، ووصف من خديجة بعد وصف، لقد طال انتظاري يا خديجة ببطن المكتين على رجائي حد حديثك أن يكون له خروجاً، وأن محمداً سيسود فينا ويخصم من يكون له حجيجه.
فأيضاً إذا يعني كانت مخايل النبوة على النبي صلى الله عليه وسلم أول من أدركها أو أول من التقطها هو زوجة خديجة رضي الله عنها، طبعاً لو لم تكن امرأة كاملة من النساء لكان تصرفها تصرفاً آخر على نحو ما هو يعني معروف في سير كثير من المصلحين، في المرة القادمة إن شاء الله نستكمل الحديث عن إرهاصات النبوة وعن وقفة مع زيجات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل الوحي، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي