تمام. السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
هذا هو المجلس الثاني والعشرون من مجالس السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. نسأل الله تبارك وتعالى أن يقر أعيننا برؤية نبينا صلى الله عليه وسلم، كما آمنا به ولم نره، وأن لا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله. نحن تكلمنا أو انتهينا في المرة الماضية عند من يذكر الهجرة إلى الحبشة، نعم، وكنا توقفنا عند المكيدة الخطيرة التي فكر فيها عمرو بن العاص، سفير قريش إلى النجاشي، لتسليم المطلوبين.
فيعني كان أولاً لا يريد من النجاشي أن يكلمهم، فلما كلمهم النجاشي، وأجاد سيدنا جعفر رضي الله عنه في شرح قضية الإسلام، وفي شرح أوضاع المسلمين في مكة، وخاطب بكلامه هذا رجلاً مسيحياً يفهم معنى عبادة الأوثان والمظالم والأخلاق، وكذلك خاطب رجلاً عادلاً يفهم معنى الظلم والتعذيب والتنكيل، رفض النجاشي تسليم من لجأ إليه من المسلمين.
فسيدنا عمرو بن العاص يعني دخل إلى المرحلة الأخرى الأكبر، وهي قال: والله لأكيدنهم غداً بما أستأصل به خضراءهم. أستأصل خضراءهم تعبير تعرفه العرب بمعنى استأصل وجودهم، استأصل شأفتهم. فحتى أشفق صاحبه في السفارة عبد الله بن أبي ربيعة، قال: لا أقولن له غداً إنهم يقولون إن عيسى بن مريم عبد. فعبد الله بن أبي ربيعة، وهو سفير قريش، قال: لا تفعل، فإن لهم أرحاماً، وإن خالفوا، فإن لهم أرحاماً. لأنه كما قلنا، هذا يا جماعة الخير أمر خطير، لأنه لا يصور المسلمين باعتبارهم خطراً على قريش، بل يصورهم باعتبارهم خطراً على النجاشي، وخطراً على الأمن القومي الحبشي بمصطلحنا المعاصر، ثم إنه يسيء، يعني هي بمثابة الإساءة إلى أقدس الأقداس عند المسيحيين. تمام، فكأنك مثلاً في أمريكا تشتم الآباء المؤسسين أو تهين العلم الأمريكي، كأنك في تركيا تهاجم أتاتورك، كأنك في إيران تهاجم الخميني، يعني المعنى المقدس الذي بنيت عليه الدولة. ف نعم يمكن أن نقول كأنها معاداة للسامية في عصرنا.
لكن سيدنا عمرو بن العاص طبعاً رجل من دهاة العرب، وما كان يقبل على نفسه أن يعود وقد أخفق، تمام، وهيبقى فشل دبلوماسي وإساءة للسمعة الخارجية القرشية، أحاول أن أستخدم المصطلحات المعاصرة لكي نقترب بها من واقع السيرة، ولكي لا تكون السيرة مجرد حكاية بعيدة عن الأذهان. طيب، إذاً دخل إليه وقال: أيها الملك، يعني أريد جولة أخرى من المناظرة، فاستدعاه النجاشي مرة أخرى. شوف هنا عمرو بن العاص فيما بعد رضي الله عنه، لكنه قال له: يا أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. ما قالوش إنهم يقولون إنه عبد، قال إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً؛ علشان تسرح بخيالك، هو لازم هذا خطاب إعلامي، تمام.
لا، الصوت تمام بس مش عامل معك صدى، لا، تمام. طيب، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً؛ بحيث تترك الخيال، يعني زي كده لما تيجي مثلاً لأحد وتريد أن تحرضه، فتقول له: والله فلان ده قال عليه كلام لا، أنا ما أقدرش أكرره، ما أقدرش أقوله. يا عم قال إيه بس؟ لا، لا، مش ممكن، مستحيل يعني لساني لا يستطيع أن ينطق، تمام. إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. ولهذا أنا أؤكد على ما كنا ذكرناه المرة الماضية أنه مساحات العلوم الإنسانية ليست فيها شعوب متخلفه، تمام؛ يعني أصول السياسة والتجارة والاقتصاد، وهذه ليست فيها شعوب متخلفه. أنت ترى في الإمبراطوريات القديمة التي ربما لم تكن متقدمة في العلوم والمعارف التطبيقية أنها أدارت هذه الأمور من علم الاجتماع والسيطرة على الجماهير والخطاب الإعلامي كما تديره الدول المعاصرة، فالإنسان هو الإنسان.
تمام، هذا يشبه مثلاً، أضرب لكم مثلاً أقدم من هذا، هذا يشبه قول فرعون لموسى: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ، اللي هو إيه: قتل رجلاً بالخطأ. طيب فرعون الذي كان يصدر قراراً بقتل الأطفال، قتل موسى بالخطأ ده إيه الجريمة اللي هو مش قادر يقولها؟ "وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ". متصور؟ فالمهم، فسيدنا عمرو بن العاص بلغ من النجاشي في هذه الكلمة، قال: ما تقولون في عيسى؟
طبعاً لما عرف المسلمون، ذكرنا في المجلس الماضي أنهم جلسوا للتشاور، فقالوا: ما نقول للنجاشي غداً إذا سألنا في قولنا عن عيسى؟ فقالوا: والله ما نقول فيه إلا كما علمنا رسول الله. طبعاً نحن الآن نتكلم ونحن نعرف آخر القصة، لكن هذا الخيار في ذلك الوقت هو بمثابة العملية الاستشهادية، لأن الهجوم على المقدس، الهجوم على العلم الوطني، الهجوم على الدستور يساوي مباشرة التسليم والترحيل، تمام. فأنت الآن تخيل مثلاً أن المصريين أو السوريين هياخدوا خطوة تؤدي إلى تسليمهم للسيسي والبشار، وهذا في ذلك الوقت كان بمثابة قرار استشهادي.
فتكلم جعفر رضي الله عنه وقال: ما نقول فيه إلا كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. لو تذكرون في المجلس الماضي، المجلس الأول، أن جعفراً لما تكلم، تكلم وقد دخل على مجلس فيه البطارقة، والبطارقة كانوا قد نشروا مصاحفهم، يعني أناجيلهم، وطالبوا النجاشي بتسليم المسلمين، ولكنهم لما سمعوا الكلام من جعفر، وسمعوا ما قرأ من القرآن الكريم، بكى النجاشي وبكت بطارقته حتى اخضل النجاشي لحيته واختضل مصاحفهم. هذا في اللقاء الأول.
لكن اللقاء الثاني، لما سمعوا هذا الكلام، طبعاً النجاشي لما سمع هذا الكلام، تقول أم سلمة رضي الله عنها، راوية الحديث، قالت: فضرب بيده في الأرض، ضرب بيده في الأرض، تشبه الآن أني أتناول خيطاً من هذا النسيج، تمام. وقال: والله ما عدا عيسى ما جئت به قدر هذا العود. يعني كلامك يتطابق مع ما جاء به عيسى وما قاله عيسى عن نفسه، فنخرج. اللي هو إيه يعني بدا يسود نوع من التذمر، فقال: والله وإن رغمتم. تمام، بعد ذلك سيحدث عليه نوع من التمرد بسبب هذا الموضوع.
لكن هنا يعني ما أحب أن أركز عليه الآن أن المسلمين حين أخذوا هذا الموقف لم يكونوا يعرفون أن النجاشي قد يتسامح مع هذا الكلام، وإنما أخذوه وغامروا في ذلك مغامرة عظيمة، لكن الله تبارك وتعالى لطف بهم. على سياق آخر، ونحن ذكرنا أن هذه كانت معركة دبلوماسية بين قريش وبين المسلمين. على سياق آخر، أبو طالب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل إلى النجاشي رسالة، وفيها على عادة العرب أبيات شعر، فكان يقول فيها: ألا ليت شعري كيف في الناي جعفر، وعمرو وأعدى الأعاد الأقارب. الآن حال المسلمين أن هم في غربة، وعند ملك بعيد، وأعدى أعاديهم مين؟ أقاربهم. ألا ليت شعري كيف في الناي جعفر، وعمرو -أظنه يقصد عمرو بن سعيد بن العاص- وعمرو وأعدى الأعاد الأقارب. وهل نال أفعال النجاشي جعفراً؟ يا ترى مسهم بسوء؟ وهل نال أفعال النجاشي وهل نال أفعال النجاشي جعفراً وأصحابه، أم عاد ذلك شاغب؟ يا ترى ولا يعني الأمور إيه كان فيها ما يعطل هذا وما يشغب.
وتكلم بعدين في مدح النجاشي: تعلم بأن الله أتاك بسطة ومكرمة، فلا يشقى لديك المجانب. وهكذا، وأنك فيض ذو خصال غزيرة، ونحو هذا الكلام الذي مدح به النجاشي، فهي كانت بمثابة المعركة الدبلوماسية بين معسكر المسلمين وبين معسكر النجاشي. طبعاً وهنا رجع عمرو بن العاص ورجع عبد الله بن أبي ربيعة طبعاً وقد أخفقت مهمتهم. تقول أم سلمة: وكنا عند النجاشي بخير دار ومع خير جار، ويعني النجاشي أمر، حتى كنا لا نؤذى، النجاشي كأنه منح لهم هذه الحماية الخاصة.
نعم، أم سلمة زوجة، لا أم سلمة موجودة في الاثنين، نعم، حديث أسماء سيأتي عند العودة إلى الحبشة، سآتي إليه الآن إن شاء الله. طيب، الذي حصل بعد ذلك أن النجاشي طبعاً رد هدايا عمرو بن العاص وقال: اذهبوا، فأنتم سيوم بأرضي، يعني آمنون، من سبكم غر، من سبكم غر، من سبكم غر، والله لا أحب أن لي دبراً من ذهب -يعني جبلاً من ذهب- وأني آذيت رجلاً منكم.
وطبعاً أم سلمة تروي أنه ما لبث الأمر، نشب تمرد على النجاشي بعد هذا الموقف، تقول: فوالله ما حزنا حزناً كحزن هذا، فقد خفنا أن يؤول الأمر إلى رجل غير النجاشي، فلا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرفه، وحصلت معركة، والمعركة أرسلوا فيها سيدنا الزبير بن العوام وكان أحدث القوم سناً، وسيدنا الزبير سبح في النيل، قالت: فنفخ له قربة فجعلها في صدره، عبر النيل لكي يراقب المشهد من بعيد، ثم جاءهم بخبر انتصار النجاشي على من تمرد عليه، وقال: أبشروا، أهلك الله -يعني نصر الله النجاشي- وأهلك عدوه. تقول أم سلمة: فما وجدتنا فرحنا فرحة أشد من فرحنا بذلك في هذا الموطن، وبتنا مع النجاشي في خير دار مع خير جار.
هؤلاء الصحابة كما ذكرنا لم يرجعوا إلا في السنة السابعة من الهجرة، السنة السابعة من الهجرة، تمام، يعني بعد 15 سنة من هذه اللحظة التي نتكلم فيها. ولما رجعوا، أسماء بنت عميس هي زوج جعفر بن أبي طالب، تمام، فلما رجعت ذهبت إلى حفصة، حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تزورها، فدخل عمر على ابنته، فقال: من هذه؟ طبعاً قالت: أسماء بنت عميس. قال: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ يعني التي سافرت في البحر، ثم قال لها: سبقناكم بالهجرة، يعني الهجرة إلى المدينة، فنحن أولى برسول الله منكم. طبعاً الصحابة كانوا يتنافسون على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهر ما في هذه من المواقف، لما سيدنا سلمان رضي الله عنه حفر الخندق، فقال المهاجرون: سلمان منا معشر المهاجرين، ما دلوقت في اختراع عظيم حصل اللي هو الخندق، فقال الأنصار: بل سلمان منا معشر الأنصار، ما هو برضه سيدنا سلمان يحتمل الموقفين، هو هاجر جاء من بلاد فارس لكنه كان قبل أن يأتي النبي إلى المدينة من أهل المدينة، يعني كان عبداً في المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سلمان منا آل البيت.
فالمهم، في إطار هذه المنافسة، غضبت السيدة أسماء بنت عميس فقالت: لا والله، ما أنتم بأحق برسول الله منا؛ لقد كنتم مع رسول الله، يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، ونحن كنا في أرض البعداء البغضاء، ونحن كنا نؤذى ونخاف، ووالله لا أصبر حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعاً راحت السيدة أسماء مغضبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله، زعم ابن الخطاب كذا وكذا. فقال: ما أحد أولى بي منكم، لكم ولأصحابكم هجرة واحدة، ولكم هجرتان، فسموا أصحاب الهجرتين. فتقول السيدة أسماء بنت عميس: فكان يأتيني مهاجرة الحبشة يسألونني عن هذا الحديث، يتوثقون منها.
لكن هنا يعني درس سنأتي إليه: كيف تقول أسماء: "نحن كنا في دار البعداء البغضاء، ونحن كنا نؤذى ونخاف"، وكيف تقول أم سلمة: "فكنا عنده بخير دار عند خير جار"؟ بعد قليل إن شاء الله نفك هذا الاشتباك.
طيب، نحن الآن تقريباً أمام أول حادثة اشتباك سياسي دولي في السيرة النبوية، ولذلك أمامنا يعني مجلس غني وثري بعدد من الدروس، أريدكم أن تشحذوا الأذهان والأسماع، أنا أظن جمعت لكم 16 درساً من هذه الهجرة، صلوا على النبي.
طيب، مما يجب أن أذكره أيضاً أن النجاشي أسلم، النجاشي أسلم ولكنه كتم إسلامه، ولذلك لما مات النجاشي في العام الثامن أو في العام التاسع على خلاف بين الروايات، صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة صلاة الغائب وقال: مات اليوم رجل صالح، قوموا فصلوا على أخيكم أصحمة. أصحمة هذا اسمه، ونحن قلنا إن النجاشي هذا كان لقباً، كما يقال عن ملك مصر فرعون، كما يقال كسرى، كما يقال قيصر، طيب جميل.
الآن أول الدروس: الفكرة، الدين، الرسالة، لا تنتصر إلا بالتضحيات، التعذيب أولاً الذي وقع على المسلمين، ثم الهجرة والتغرب في الأرض، وإلا فكما ذكرنا قبل ذلك أن عادة أعداء الدعوات هم المترفون، لكن لا يمكن أن تنتشر فكرة حتى لو كانت فكرة باطلة وفكرة فاسدة، إلا إذا وجد من يحمل هذه الفكرة، فالآن نستطيع أن نقول إن أمن المسلمين في الحبشة إنما هو جزء من ثمرة التضحية، التضحية بالتعذيب، يعني الصبر على التعذيب أولاً، ثم التضحية بمغادرة ومفارقة البلاد والأهل والبقاء في دار الغربة.
الدرس الثاني، وكنا أشرنا إليه أيضاً، أنه كما يكلف المؤمنون بالصبر والتحمل والثبات على الدين، تكلف القيادة الإسلامية بالبحث عن الحلول، والبحث عن البدائل، والبحث عن الأماكن المناسبة لكي لا يضطهد، لكي لا يقتل المسلمون، لكي لا يفتن المسلمون، يعني العذاب وطول العذاب هذا مما لا يصمد له إلا أفذاذ الناس، فمن واجب القيادة، من واجب المسؤولين، من واجب من جعل الله إليهم أمر المسلمين وأمر هؤلاء الدعاة أن يكون متفكراً دائماً في شؤونهم وفي أحوالهم، فهم كما يلزمهم أن
صبر، يلزم أيضاً القيادة أن تبحث لهم عن البدائل والأماكن. طيب، الدرس الثالث وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك خريطة الأحوال السياسية الموجودة في عصره، وذكرنا أنه من بين زعماء الجزيرة العربية ومن بين من خلفهم من كسرى وقيصر إنما اختار النجاشي، فلا بد لمن تولى أمراً من أمور المسلمين أن يكون عارفاً بهذه الخريطة السياسية المحيطة به وإلا فليس هو على نهج النبي صلى الله عليه وسلم.
الدرس الرابع أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في طليعة من أوذي في سبيل الله، يعني نحن لدينا من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رقية زوج عثمان رضي الله عنه، ورقية هذه ما كان النبي يعذبها ولا يضطهدها ولا اشترط النبي على عثمان أن يبقيها، لم يقل له إلى أين تحمل البنت في الحبشة دار البعداء والبغضاء؛ فأول من أوذي وكان معايشاً لشان المسلمين هم أهل النبي صلى الله عليه وسلم وبنته، وثانيهما جعفر رضي الله عنه، أبو طالب هو الذي يحمي النبي ولكن جعفر هو الذي هاجر وكان سيد المسلمين في الحبشة، فحقي هذا مما يعطينا درساً نرى فيه قرب النبي صلى الله عليه وسلم من أتباعه وأنه لا يستأثر نفسه دونهم بشيء وأنه لم يكن في النعيم ولم يجعل أهله وآله في النعيم بينما وضع هؤلاء في المحنة وفي الفتنة.
وهذا درس يجب أن يتعلمه كل من تولى أمراً من أمور المسلمين، وأنتم تعرفون قول النبي صلى الله عليه وسلم: من بات غاشاً لرعيته حرم الله عليه الجنة، اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه. تمام، فهذا مما ضرب لنا النبي المثل فيه بنفسه صلى الله عليه وسلم.
طيب، ذكرنا أنه لم تكن الهجرة إلى الحبشة مجرد فرار بالدين وإنما كانت تكوين قاعدة جديدة والبقاء في مكان جديد ووضع نواة جديدة وبؤر جديدة للدعوة الإسلامية حتى إذا استؤصل الذين في مكة كان للمسلمين بدائل أخرى، وذكرنا أنه هذا استخلصنا من أسماء الذين هاجروا وفيهم من لم يكن مضطهداً، وذكرنا على رأسهم رقية وعلى رأسهم جعفر وأبو حذيفة عتبة بن ربيعة لم يكن يعذب، وذكرنا أيضاً كان ممن سيهاجر إلى الحبشة أبو بكر رضي الله عنه ولم يكن يعذب، كان مبرزاً في قومه لولا أن أجاره ابن الدغنة كما ذكرنا في المرة الماضية.
الدرس السادس، هذا درس خطير، نحن ذكرنا أن أصحاب الحبشة حين عادوا عادوا في سنة كم؟ سبعة من الهجرة سيدنا جعفر بعد فتح خيبر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. طيب، سيدنا جعفر مات سنة كم؟ في السنة الثامنة من الهجرة في غزوة مؤتة، يعني الآن لو حاولنا أن نتخيل أنفسنا هذا الرجل الذي ظل مهاجراً في الحبشة 15 سنة وقد خرج إليها دون أن يضطهد، يعني الطبيعي أن هو بعدما عاد واستقرت الدولة الإسلامية أنه يرتاح شوية، يأخذ مكافأة نهاية خدمة، يعتبر من المحاربين القدامى ولا من المناضلين القدامى، لكن لا، حياة المسلم كلها جهاد، فلم يعش جعفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عام واحد، عاماً واحداً عاشه مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرج قائداً في غزوة مؤتة وهو صاحب الموقف الشهير لأنه كان القائد الثاني في غزوة مؤتة هو أنه حمل الراية بيمينه فقطعت، فحملها بيساره فقطعت، فأمسكها بعضديه فضرب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة.
تمام، الدرس السابع وهو الدرس الواضح وهو أن الدين أغلى من الوطن، الدين أغلى من الوطن وأغلى من الأهل وأغلى من القرابة وأغلى من العصبية، أغلى من القبيلة، وأنت ترى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم تركوا مكة وهي أقدس بلاد الله وأحب بلاد الله إلى الله وإلى رسوله وهي وطنهم وأحب البلاد إليهم، وخرجوا منها، خرجوا منها لماذا؟ حفاظاً على دينهم، فراراً بدينهم، نجاة من أن يفتنوا في دينهم.
يا جماعة الخير، نحن في أيامنا هذه نحتاج إلى التأمل في هذا الدرس حاجة عظيمة؛ لأننا الآن نعيش في زمن تقسم الناس فيه إلى أوطان، إلى بلاد، إلى دول، وصار الانتماء الأول الذي يربى الإنسان في الإعلام وفي التعليم وفي الثقافة هو الانتماء إلى إيه؟ لدرجة أن هذا حقيقة، الانتماء إلى الدولة وإلى الوطن هذا أثار مشاكل كثيرة وشبهات كثيرة جداً جداً جداً، بل أكاد أقول إنه ثلاثة أرباع المشكلات الفكرية المعاصرة في الحالة الإسلامية تعود إلى هذا التبديل الذي حصل بين قداسة الدين وقداسة الوطن.
يعني مثال بسيط جداً، الآن أنت كم مرة سمعت في حياتك "تجديد الخطاب الديني"؟ كم مرة؟ هل سمعت مرة "تجديد الخطاب الوطني"؟ أبداً، لأنه الآن صار مطلوباً من الدين أن يتكيف مع مصالح الوطن، مع مصالح الدولة، طبعاً في بلادنا مع مصالح السلطة مع مصالح الحاكم، بس حتى لو عندنا يعني هنسى دلوقتي أننا عندنا أزمة، حتى لو كان الذي يحكمنا عادلاً لكنه في إطار وطني علماني، أيهما أقدس في ضمير المسلم الدين ولا الوطن؟ يعني الآن إذا وجدنا ولدنا في دولة غربية والدولة الغربية فعلاً مهتمة بتقديم خدمات لمواطنيها ودولة علمانية لا تفرق بين المواطنين، أيهما أقدس عند المسلم الدين أم الوطن؟ يجب أن يكون الدين، لكن حقيقة قداسة الوطن تضخمت جداً جداً جداً في أذهاننا حتى علت على الدين، يعني بكل بساطة الآن تجد شبهة قوية في مسألة الردة، يقول لك: لماذا يقتل المرتد؟ ما هو ده نوع من الخيارات الشخصية، نوع من الحرية الشخصية، هو والله اقتنع بأنه الإسلام مش كويسة، اقتنع بأن المسيحية مش كويسة، خلي في حرية اعتناق الأديان، حرية التفكير، حرية التعبير، فلذلك حد الردة يثير مشاكل عند كثير من الناس.
لكن إذا قيل له: الخيانة العظمى أو التجسس لصالح العدو عقوبته الإعدام، تجد هذه العقوبة مقبولة، طيب لماذا هذا رفض ولماذا هذا قبل؟ يعني لماذا لم يخطر في الأذهان أن والله الجاسوس ده مارس حقه الفكري الطبيعي؟ أنا كمصري مثلاً وجدت أنه إسرائيل دولة ديمقراطية ودولة فيها حقوق إنسان، ما أنا حر، سواء كنت غلط ولا كنت صح، سواء كنت ضل ولا ما كنتش ضل، يعني الفكرة أنني عندي حرية شخصية وشايف أنه من مصلحة مصر أنها تكون تحت الهيمنة الأمريكية ولا تحت الهيمنة الإسرائيلية ولا تحت الهيمنة السعودية حتى، يعني مش مهم دلوقتي، لكن أنا إذا أمسك بمتجسس لصالح دولة أخرى وحكم بالخيانة العظمى والاعتراف أن هذا من حرية الرأي والتفكير والتعبير والموقف، لأنه قداسة الوطن قداسة الدولة لم تعد محل شك، تمام، صارت مسلمة، فلذلك صار الإعدام أو القتل، الخيانة العظمى أو التجسس هذه ردة وطنية لو نحن حابين نقرب المسائل، ردة عن الولاء للوطن والانتماء للوطن.
بلاش الآن، مثلاً كما ترون في مؤسسة تكوين التي صدرت، تجد كثيراً من الناس يقول لك: طب وأنت خايف ليه من تكوين؟ يعني هم مجموعة من الملحدين ولا مجموعة من العلمانيين قادرين على تخويف المسلمين؟ هل الإسلام ضعيف؟ هل الإسلام هش؟ هل الإسلام لا يقوى على محاربة مجموعة من الكتاب؟ القائل بهذا إذا أسست مؤسسة في بلده -وخليني أضرب المثل بمصر مثلاً- إيه رأيك لو حصلت مؤسسة في مصر ممولة من تركيا تدعو إلى إعادة مصر تحت السيادة التركية؟ ماذا يكون رد فعله؟ هيقول مصر مش قوية، مصر مش ضعيفة مش هشة، مصر لن تتأثر بهذا؟ مش هيقول كده، سيراه خطراً حتى وإن كان المتكلمين موضوع ليس له أفق.
ماذا لو خرجت جماعة تنادي بإعادة الملكية وإعادة الأمير أحمد فاروق أو الملك أحمد فاروق ليعود إلى عرش مصر باعتباره الملك الشرعي الذي حصل على أبيه انقلاب عسكري في يوليو 52؟ هل يتسامح مع هذا ويقال الجمهورية دولة قوية ومصر خطت خطوات عظيمة في سبيل المستقبل ومحدش في مصر يقبل الدعوة إلى الملكية فبالتالي سيبوهم يعملوا اللي هم عايزينه؟ هل إذا أحرق أحدهم العلم المصري في ميدان التحرير سيخرج الوطنيون ليقولوا يعني هو مجرد حرق قطعة قماش لن يؤثر في وطنية المصريين ولن يخدش انتماء المصريين ولن يؤثر على مصر العظيمة؟ لا يحدث كل هذا، لماذا؟ لأنه حقيقة يا جماعة الخير حصل مع طول الأمد الذي نحن فيه، حصل تحويل من قداسة الدين إلى قداسة الوطن قداسة الدولة، فصار كل ما يمس الدولة أو يخدش الدولة أو يعرض الدولة للخطر مفهوم أن يعاقب صاحبه بأشد العقوبة، لكن لما هان الدين صار الذي يمس الدين ويهاجم الدين يقال حرية رأي وحرية تعبير، هل الدين ضعيف لكي لا يصمد أمام من تكلم؟ ردوا على الفكر بالفكر، هذه خطيرة جداً جداً جداً، وأنا أقول لك ربما ثلاثة أرباع المشاكل الفقهية أو الشبهات الموجودة في واقع المسلمين عائدة إلى هذا، أنه مركز القداسة انتقل من الدين إلى الوطن، فلذلك يقبل ما يمس بالدين ولا يقبل ما يمس بالوطن.
هذا يعني، وبالمناسبة، ولكي من منكم تعرض لبعض الشبهات أو إذا سمعت حكماً فقهياً استغربته، اعملوا اختباراً عملياً هذا، انقل هذا الحكم الفقهي إلى الوطن، ستجد أنه مقبول سواء في ذهنك ضميرك أو في ذهن المعاصرين، يجب أن تعرف أنه الفقه الإسلامي أنتجته أمة ممكنة، الفقه كما صنعه علماؤنا عبر 1000 سنة و1100 سنة و1200 سنة، هذا الفقه أنتجته أمة ممكنة، ما كانش الفقيه مهزوماً نفسياً، ما كانش لديه فكرة أخرى غير الفكرة الإسلامية غالبة عليه وتحدد اتجاهاته أبداً، فلذلك أنتج فقهاً ممكناً، الأمة المهزومة الآن لا تفهم هذا الفقه الممكن، لا تستوعبه وتستشعر، أنا في يعني هذا أمر مهم في غاية الأهمية، هذه الهجرة إلى الحبشة تخبرنا أن الدين أغلى من الوطن وأن الدين فوق الوطن، تمام، بارك الله فيكم.
طيب، الدرس الثامن، إحنا كنا كل ده في الدرس السابع، وبالمناسبة مما يعجبني في هذا، حقيقة أنا اختلط علي الآن الأمر، هل القائل بهذا هو الشيخ سعيد النورسي أم الشيخ سعيد بيران؟ والله أعلم، لا أدري، لكنه أحد الذين حوكموا أمام المحاكم التركية هنا في زمن الجمهورية في البدايات، فكان يحاكم لأنه كان يأمر بالحجاب أو لأن زوجته لم تنزع الحجاب ونحو ذلك، فكان القاضي يقول له: طب يعني إيه المشكلة في الحجاب؟ ما هي قطعة قماش. فقال له: هذا العلم الذي وراءك قطعة قماش، ما رأيك لو أزلناه وجئنا بعلم أمريكا أو علم اليونان وكلاهما قطعة قماش؟ هذه حقيقة من الحكايات التي تفصل لك أين ذهب مركز القداسة، تمام، كلها قطعة قماش لكن المعاني والدلائل التي توصل إليها مختلفة تماماً الاختلاف.
الدرس الثامن وهو أن نفهم هذه الجاهلية التي تطارد الخارجين عنها ولا ترتاح لفرار منها ولا لافلاتهم من يدها، قال تعالى: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. وضرب الله لنا مثلاً بقصة سيدنا موسى: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ. أول ما هرب بنو إسرائيل: إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ. حتى لما وجد أمامه معجزة ضخمة البحر صار يبساً، والله أنا مش متصور يعني أنا لكن الله إذا طمس على القلوب، تخيل البحر أمامك تحول إلى طريق يابس، ولكن هذه النفس الجاهلية والطغيان الجاهلي أمر باتباعهم، اللي هو حتى لو مش ناوي تؤمن، يعني تفكر، يعني مظهر غريب مشهد غريب معجزة، يعني لما تشوف مظهر غريب قف قليلاً، لا، ولكنه مضى وتبعه جنوده، برضه ما فيش، الجنود هؤلاء، إلا الجنود العاملين في أجهزة الأمن والجيش، هؤلاء أبعدوا الناس عن الهدى مع الأسف فعلاً، يعني أقصد إذا كانت قيادتهم سيئة ومضلة أبعد الناس، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: يكونن من بعد أقوام لا يستنون بسنتي ولا يهتدون بهديي، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن لهم جابياً ولا عريفاً، لا يشتغل في الجهاز المالي ولا في الجهاز الشرطي الأمني والعسكري، الجابي المال العريف الجهاز الأمني العسكري، الجندي تتكون نفسيته على طاعة الأوامر، هذا شيء في غاية الخطورة، فهو فرعون أمر باتباعهم، فَأَتْبَعُوهُمْ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ.
فهنا أنت ترى شيئاً من طباع الجاهلية وأن الجاهلية لا ترضى بأن تفلت منها، ولذلك لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم تآمر الناس عليه، تآمر أهل قريش عليه لكي يقتلوه، وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ.
طيب، المهم الدرس التاسع وهو هذا درس يطول بنا قليلاً يا جماعة، ركزوا معانا فيه، وهو جواز دخول المسلمين في جوار غير المسلمين وفي حماية غير المسلمين، طبعاً هذا درس واضح في أن المسلمين خرجوا من مكة ودخلوا إلى جوار الحبشة، والحبشة صاحبها غير مسلم، طيب هذا يعيدنا من جديد إلى مسألة اضطرار الداعية في كل زمان ومكان إلى الاستفادة من قوانين الجاهلية التي يعيش فيها؛ لأن أي داعية لا يمكن أن يبدأ من الصفر، أي داعية لا يستطيع أن ينفلت من واقعه، الداعية موجود تحت واقع قائم مهيمن عليه.
مسيطر عليه، لا يستطيع أن ينفلت منه، فلذلك يستفيد الداعية من القوانين الموجودة حتى وإن كان هو لا يؤمن بها. وذكرنا أن من ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفادة من قوانين الجاهلية العصبية القبلية؛ فإن النبي كان في حماية بني هاشم، هذا قانون عصبي قبلي، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم المسلمين أن الحق فوق العصبيات: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ وهذا يعطيك، هذا سؤال الصحابي يعطيك التغير الذي حصل عند المسلمين؛ لأنهم كانوا قبل ذلك يفهمون هذه الكلمة على ظاهرها.
تمام، وذكرنا لكم قول الشاعر: وأحياناً على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا، لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا. الجاهلية القديم كان مع قومه بلا تردد، وكما قال دريد بن الصمة: فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم أو أنني غير مهتدي، وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد. فالصحابي مع تعليم النبي لهم فهموا، قالوا يا رسول الله ننصره ظالماً فكيف ننصره مظلوماً؟ قال: بأن تمنعه من الظلم. إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنه كان يعلم صحابته ألا تتغلب عليهم العصبية، إلا أنه استفاد من قانون العصبية الموجود في الجاهلية. والنبي استفاد من قانون الجوار، ودخل في جوار المطعم بن عدي، ودخل أبو بكر في جوار ابن الدغنة، وهنا هذه أحد القوانين الأخرى، وأنهم دخلوا في جوار غير المسلمين وهاجروا إلى بلاد غير بلاد المسلمين.
لكن هنا يا جماعة الأمر يحتاج إلى وقفة، إلى وقفة عظيمة وإلى حرص عظيم وإلى يعني تنبه شديد؛ لأن الحياة في ديار الكفار فتنة، الحياة في ديار الكفار فتنة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أنا بريء ممن أقام بين أظهر المشركين، والأصل أن الإقامة في ديار الكفار منهي عنها، هذا الأصل، الأصل هو النهي عن الإقامة في ديار الكافرين. لماذا؟ هنا نأتي إلى حل الإشكال الذي كنت ذكرته لكم قبل ذلك، وهو التوفيق بين حديث أم سلمة رضي الله عنها وبين حديث أسماء بنت عميس. أم سلمة تتكلم عن المستوى السياسي، فأقم عنده بخير دار عند خير جوار، فالمستوى السياسي يعطي لهم الحماية، زي كده لما يبقى عندك الجنسية دلوقتي، لكن المستوى الشعبي ربما تجد فيه العنصرية، ربما تجد فيه العنت، ربما تجد فيه المشاكل. يعني صحيح ربما المستوى السياسي يمنحك حق الإقامة، لكن المستوى الشعبي ليس كل الناس على ما أراد الملك، ده شيء طبيعي، فقالت ونحن كنا نؤذى، هذا هو الأذى ونخاف، أول ما يحصل أي توتر في العملية السياسية، في انتخابات جديدة، في انقلاب عسكري، إيه اللي بيحصل في عالم المهاجرين؟ الخوف.
تمام، هي تقول هذا لسيدنا عمر وهو يقول لها سبقناكم إلى رسول الله، فيقول له: لا، كان معكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعهم ويعظ جاهلهم. شوف يعني شوف برضو الصحابة لما افتقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى مكان رسول الله في قومه، الجائع يذهب إلى رسول الله كما في حديث أبي هريرة المشهور، تعرض يعني كنت جائعاً، والحديث المشهور سيدنا أبو هريرة غلبه الجوع فتعرض لأبي بكر يسأله عن آية، فأجابه عنها، يقول: وإني لا أعلم جوابها، ولكن يعني علشان بس يقول لي تعال أعزمك ولا حاجة، قال: فلم يفهم ما بي، فتعرض إلى عمر فكان كذلك، قال: فتعرضت إلى رسول الله فقال: تعال يا أبا هريرة. لما سيدنا أبو بكر تغافله هو وسيدنا عمر رضي الله عنه، سيدنا أبو بكر قال ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب أمر فأقبلت إليك، شوف لما اثنين من الصحابة تحدث بينهما خصومة، فعرفنا في وجه رسول الله الغضب، وقال: هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فخشي أبو بكر فقال: يا رسول الله أنا كنت أظلم، أنا كنت أظلم. ثم أقبل عمر، سيدنا عمر راجع نفسه فذهب إلى بيت أبي بكر فلم يجده فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا هذا الجو الموجود في المدينة فقده الذين كانوا في الحبشة، فلذلك كيف تكون أولى برسول الله؟ أنتم كان معكم رسول الله يطعم جائعاً ويعظ جاهلاً، لكن إحنا كنا في أرض البعداء البغضاء ونحن كنا نؤذى ونخاف. فحتى الإقامة في ديار الكافرين حتى لو كان النجاشي حاكمها لا تخلو من العنت والمشقة، لا تخلو من العنت والمشقة. لكن الآن في زماننا هذا صار الأمر أصعب بكثير، طبعاً أنا أفهم أنه إحنا عالمنا العربي الآن وعالمنا الإسلامي يلقي بفلذات أكبادهم في بلادنا من الاستبداد والطغيان والوحشية، لكن يا جماعة يجب أن ننتبه؛ لأن أكثر الذين هاجروا إلى، بص الإقامة في ديار الكفر لا شك تؤدي إلى ضعف في الدين، لا شك، لا شك تؤدي إلى الضعف في الدين، نادر من الناس من يفلت من هذا التأثير، نادر، نادر. إذا كان المسلم في عالم المسلمين إذا لم يتخذ له صحبة صالحة يوشك أن يهلك ويضل، فكيف ببلد أنت تفتقد فيها صوت الأذان، تفتقد فيها معاملة الإسلام، تفتقد فيها المجتمع الإسلامي!
ولذلك من أمكن له، يعني مسألة الانحرافات التي تحدث للمهاجرين إلى ديار الكفار دي مسألة مشهودة ومعروفة وكلكم تعرفونها، وأشد من ذلك ما يحصل للأبناء، الأبناء يخرجون في مجتمع غير مسلم أصلاً، فيكون الإسلام والكفر بالنسبة إليهما خياران، والكفر أغلب؛ لأنه يراه في الشارع وفي المدرسة وفي الإعلام، ونادراً أن يوجد في الجيل الثالث مسلم، الجيل الثالث اللي هو جيل الأحفاد ندر أن يوجد فيه مسلم، الأصل فيه أنه لا يصير مسلماً وأنه يدخل في الكفر، هذه إحصائيات ووقائع لمن أراد أن يتتبعها. فلذلك حقيقة الإقامة في ديار الكفار فتنة، ولأجل هذا يجب أن نتأمل في أمر أن جواز الإقامة في ديار الكفار لضرورة للأضرار، إنما هو مشروط بأن لا تحدث الفتنة في الدين، مشروط بألا تحدث الفتنة في الدين.
وحقيقة يعني طبعاً ما يحدث في عالمنا الآن، سآتي لكم إلى قصة من الحبشة أيضاً، لكن أريد أن أقول إنه لو نحن الآن نتكلم عن الغرب فالأمر الآن صار أمراً خطيراً جداً، لماذا؟ لأنه الآن بعض الدول الغربية تلزم الأطفال بأن يتعلموا ما ينافي الإسلام، تلزمهم، ما يوجد في مناهج التعليم، ما يوجد في تدريس الجنس، ما يوجد في مسألة أن الأسرة الطبيعية يمكن أن تتكون من رجلين ومن امرأتين ومن رجل وامرأة، هذا يجبرون على تدريسه، أحياناً يزيد الأمر إلى أن الأسرة التي تعلم أبناءها وبناتها معاني الشرف هي بهذا تكبل حريتهم، وبعض القوانين تتيح لهذه البلاد أن تسلب الأولاد، يعني تابعوا ما يحدث في السويد من خطف أولاد المسلمين ومن يعهدوا بها إلى أسر من الكفار، وتحدث مآسي فظيعة جداً جداً، فهذه لا ينطبق عليها ما كان ينطبق على الحبشة، يجب أن نتفهم هذا وأن نتأمل وأن نعيه جيداً، يعني ليست كل بلد يمكن الهجرة إليها الآن، يستدل في الجواز بأن النبي صلى الله عليه وسلم أو بأن أصحابه هاجروا إلى الحبشة، لا، البلاد التي لا يستطيع فيها المسلم أن يقيم دينه خلاص قد فات منها هذا الجواز.
بل أشد من ذلك، وأنا رأيت هذا حتى في المنتسبين إلى حركات إسلامية مع الأسف الشديد، أحياناً الشاب ينمو وقد انتمى إلى هذا البلد، انتمى انتماءً بمعنى، الآن هناك موجة قوانين جديدة في التي في تجنيس المهاجرين ثم في تجنيد المهاجرين، يعني أن يكون المصري والسوري والعراقي واليمني جندياً في الجيش الألماني وفي الجيش الهولندي. أنا رأيت من نشأ هناك، يعني كان أبوه مثلاً من قيادات العمل الإسلامي قديماً فذهب إلى هناك ونشأ في فرنسا، فلما جمعنا مجلس وسُئل: الآن إذا فرنسا ستحارب قوماً من المسلمين هل تدخل إلى الجيش الفرنسي؟ يقولك: آه طبعاً، ويقولها وهو لا يتخيل أنه بهذا يخالف الدين، يرى أن طاعة الحكومة الفرنسية جزء من الدين، وهذا ضياع يا جماعة الخير، هذا ضياع، خطر شديد. من كان يعرف أنه ذاهب إلى دولة فليكن حريصاً في غاية الحرص، منتبهاً غاية الانتباه إلى ما قد يصيب نفسه وما قد يصيب أبناءه من بعده حين إذا نشأوا في هذه البلاد.
فالخروج إلى الحبشة، الخروج إلى ديار غير إسلامية، مشروط بعدم التنازل عن الدين، وأدل دليل على ذلك أن جعفراً رضي الله عنه حين سُئل عن قوله في عيسى، حين وقعت المناقضة بين الهجرة وبين الأمن وبين التفريط في الدين، ماذا اختاروا؟ اختاروا الدين، وأن يسلموا مرة أخرى إلى مكة وأن يعذبوا مرة أخرى في مكة. يعني حقيقة من كان في بلد وهو مخير بين التسليم إلى السيسي ولا إلى غيره وبين البقاء في هذه البلد على هذا الشرط الذي يأخذه منه دينه ويسلب منه دينه، فالأولى أن يرجع على أن الله تبارك وتعالى وسع في هذا، فما في الناس الآن من هو مضطر إلى هذين الخيارين المرين، وإنما كما قال تعالى: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، وكما قال تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا. فهذا أمر يجب الانتباه إليه.
طيب، طبعاً يجب ألا ننسى في كل الأحوال، هذا هو الدرس العاشر، يجب ألا ننسى أنه الهجرة في حد ذاتها تمحيص وفتنة، الحياة الدنيا كلها فتنة، الحياة الدنيا كلها اختبار، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وقال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ، فالهجرة كلها فتنة، الحياة كلها فتنة، والهجرة أيضاً فتنة. ومن أليم ما وقع هنا أن أحد الذين هاجروا إلى الحبشة من المسلمين وكان اسمه عبيد الله بن جحش ذهب إلى الحبشة وتنصر هناك ومات كافراً. ولذلك طبعاً أولاً يجب ألا يطمئن المرء لنفسه أبداً، ولذلك كان عامة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقال الله تبارك وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وقال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
أنت وكم رأينا في حياتنا هذه سبحان الله من كان مجاهداً، يعني هو الآن ينفذ ذروة سنام الإسلام، ثم انقلب به الحال فإذا هو يعمل جاسوساً وعميلاً لأجهزة غربية ولاجهزة محلية، يرتكب أحط ما يرتكب الإنسان، انقلب من ذاك إلى هذا، فالإنسان لا يأمن نفسه حتى في الهجرة. ونحن هنا إحنا طبعاً في تركيا نرى مشهداً من ذلك، كم مسلم مؤمن متدين جاء إلى هنا فضاع وانحرف وانحل، وأعرف بعضهم قد ألحد، طبعاً فضلاً عن الذين ذهبوا في أوروبا، في النهاية هنا تركيا دولة مسلمة، الأذان فيها قائم والدروس فيها قائمة، ولا يضار أحد إذا طلب العلم أو طلب الدين، لكن في أوروبا حصل هذا وحصل في تركيا، وكم من بنات المسلمين من انحرفت في ذات الوقت الذي التزم وتدين فيه أتراك على يد العرب المهاجرين! فالله تبارك وتعالى يقلب القلوب والأبصار. فالآن أنت ترى رجلاً من المهاجرين إلى الحبشة تنصر ومات على النصرانية كافراً، وكانت زوجته هي أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، فلما تنصر هذا ومات تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، أبو سفيان صخر بن حرب الزعيم القرشي المشهور.
طيب، الدرس الحادي عشر، طبعاً من لم يسجل فمؤكد سينسى، أنا نفسي سأنسى إذا لم أكن وضعتها أمامي على هذا الترتيب، فلذلك كانوا يقولون: العلم صيد والكتابة قيده، قيد صيودك بالحبال الواثقة. وطبعاً هذا نص بليغ، الجماعة الغربيين عمليين كانوا يقولون: الحبر الضعيف خير من الذاكرة القوية، لكن هذه الكلمة العملية المختصرة زينها صاحبنا الشاعر قديماً بقوله: العلم صيد والكتابة قيده، قيد صيودك بالحبال الواثقة.
طيب، الدرس الحادي عشر، هذه وقفة أخرى يا جماعة الخير عند مسألة التضحية والكفاءة. الآن المفترض أن المسلمين هاجروا إلى الحبشة لماذا؟ المفترض نجاة من الأذى والاضطهاد والتعذيب صح، فمن كان رئيسهم؟ جعفر بن أبي طالب، الرجل الذي لم يضطهد ولم يؤذ ولم يعذب. هنا نرجع مرة أخرى إلى أنه فارق بين الصبر والتضحية والصمود والثبات والصلابة، بين كل هذا وبين الكفاءة والموهبة. كنا تعرضنا لذلك لما ذكرنا أن بلال بن رباح، بلال بن رباح لم يتول شيئاً في أعمال المسلمين فيما بعد، مع أنه كان أكثرهم صبراً وصموداً، كانت عليه نفسه في سبيل الله، بينما تولى الأعمال من أسلموا قبل أشهر، يعني سيدنا عمرو بن العاص تولى قيادة سرية فيها السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بعد إسلامه بأربعة أشهر، سيدنا خالد بن الوليد أول معركة دخلها معركة مؤتة لما مات القادة الثلاثة سلم إليه المسلمون القيادة وقادهم ورجع بهم، أبو ذر من السابقين الأولين ومن الدعاة المتحمسين كما ذكرناه لما قال للنبي: ألا تستعملني يا رسول الله؟
رسول الله قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة. وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: إني أوصيك، لا تولين على اثنين، ولا تقومن على مال يتيم. هذا أبو ذر من السابقين الأولين، أبو بكر لم يعذب كما عذب بلال، ولكنه كان وزير النبي الأول، وكان خليفته من بعده. يعني يجب أن نتخلص من وهم شاع في الحركة الإسلامية حقيقة، وهو أنه هذا الرجل لما له من تاريخ، ولما له من تضحية، ولما له من ثبات ينبغي أن يتسنم مركز القيادة أو الزعامة، هذا أمر وهذا أمر.
الآن نحن نرى النبي صلى الله عليه وسلم جعل على قيادة المهاجرين إلى الحبشة رجلاً لم يؤذَ ولم يضطهد، مع أنه الأصل أنهم كانوا خرجوا فراراً من الأذى والاضطهاد. واضح؟ طيب، وطبعاً نحن إذا تأملنا منهج الإسلام في مسألة الرجال، ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في تولية الرجال للأعمال، سنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولي أوثق الأكفاء وليس أكفأ الموثوقين، يعني إذا نحن الآن في أزمة بين الثقة وبين الكفاءة، بين أهل الثقة وبين أهل الكفاءة، تأملنا مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ونهجه، سنرى أنه كان يولي أهل الكفاءة فيولي منهم أوثق، لا يولي أهل الثقة ويولي منهم أكفأهم، فالمعيار الأول هو معيار الكفاءة لهذه المهمة، ولذلك ندر أن يخطئ رسول الله عاملاً على عمله.
ندر، هذه أمور نادرة، شذرات، بل من الصحابة من لا نعرف لهم في السيرة كلها إلا موقف واحد حين ولاه النبي على مهمة أو حين بعثه النبي إلى سرية، هكذا هذا دليل على عظمة كفاءة النبي صلى الله عليه وسلم في معرفة الرجال وفي البصر بالرجال. فالآن نحن إذا تأملنا جعفر رضي الله عنه، ماذا كان يملك جعفر من مؤهلات؟ ماذا كان يملك جعفر من مؤهلات السفارة؟ أولاً قلنا إنه صاحب فصاحة وبلاغة وبيان، وهذا واضح جداً في الحديث الذي سردنا، ثانياً أنه كان جميل الصورة، والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث قال: أشبهت خلقي وخلقي، فكان جميل الصورة جميل الخلق، وفوق ذلك أنه كان قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم فهو ابن عمه، يعني نستطيع أن نقول سفير رفيع المستوى تمام، مش من الصف الثاني أو الثالث من الدبلوماسيين، مش مساعد نائب وزير الخارجية، لا، يعني هذا الرجل سفير رفيع المستوى فكان قريباً، ولذلك كان تعبيره عن الإسلام عند النجاشي موضع ثقة لأنه ابن عم صاحب هذه الرسالة تمام. فهنا وقفة، يعني حادثة الحبشة هذه توقفنا على أن النبي اختار أكفأ الناس حتى ولو لم يكن مضطهداً تمام.
طيب، الدرس الثاني عشر وهذا درس خطير، وهو جواز أن تسكت عن الحق ولكن ليس جائزاً أن تنطق بالباطل، يعني جعفر في الجلسة الأولى مع النجاشي لما قال له: هل عندك شيء مما جاء به؟ ماذا فعل جعفر رضي الله عنه؟ تلى القدر المشترك الذي يعظمه المسلمون والنصارى معاً، وهو زكريا ويحيى، فهو نطق بالحق، ما جاش من أول مرة وراح أثار مسألة عيسى عليه السلام، يبقى جواز أن تسكت عن الحق.
احنا برض يعني من المؤسف ومما لا يفهمه كثير من الناس، أحياناً تشعر أن بعض المتدينين تجار عداوات، اللي هو يا جماعة مين هنا نتخانق معاه؟ والله اللي هو فلان، فلان ده عنده واحد واثنين وثلاثة، وعلان عنده واحد واثنين وثلاثة، وعلان عنده واحد واثنين وثلاثة، ولا تجلس معه مجلساً أو حتى لا يدخل عندك في تعليق على السوشيال ميديا إلا ويلتقط الخطأ والخطأ من كل المسيرة الدعوية لهذا الشيخ أو لهذا العالم أو لهذا المجاهد، وهكذا. ففي ناس سبحان الله كأنها تجار صفقات العداوة، اللي هو يا جماعة أين العدو الساكن كي نهجه؟ الآن جعفر بن أبي طالب عارف من اللحظة الأولى أن هؤلاء الناس يرون أن عيسى إلهاً، ولكنه لم يفتح هذا الموضوع.
طيب لما فتح هذا الموضوع لم ينطق بالباطل، وهذا برض يعني كما فيه درس لجماعة تجار الصفقات وتجار العداوات، فيه درس أيضاً لمن يطلق عليهم المحنكين وأصحاب الواقعية السياسية، واللي هو يعني لا ترد يد لامس، واللي هو كلما سئل عن شيء التمس الجواب الذي يرضى عنه السائل. إيه ده يا جماعة؟ ما هو إذا كان المسلم متوافقاً مع كل الناس فلماذا هو مسلم أصلاً؟ يعني إذا كنت أنا سأذهب إلى الغرب وأقول له والله الإسلام فيه حريات وفي حرية تعبير وفي حق تملك وفيه مجادلة بالتي هي أحسن، وأخذت من الإسلام ما يوافق الغرب، ورحت عند الشيوعيين والله ده الإسلام فيه تكافل وفيه حقوق فقراء وفيه حقوق عمال، الشيء الطبيعي، أنت إلى ما تدعو؟ لماذا لا تدخل في ديننا؟ يعني إذا كنت أنا دائماً سأذهب إلى النصارى وأقول له نحن نعظم عيسى ونعظم مريم ونعظم موسى ونؤمن بالإنجيل، طب أنت مش مسيحي ليه؟
هذه موازنة مهمة جداً جداً جداً لعالم الدعاة، يعني أحكي لكم مثلاً مما آلمني بعض الترجمات التي صدرت في بعض ترجمات القرآن الكريم التي صدرت في الغرب، جاء المترجم عند قول الله تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، راح عامل هامش يقول: نعم ورد هذا النص في القرآن الكريم، لكن رسول الله لم يضرب امرأة قط كما ورد في الحديث الصحيح. ماذا فعل هذا المترجم؟ أنا متأكد أنه أراد خيراً، يعني نيته خير، لكن ماذا فعل؟ اعتذر عن الدين، يعني رأى أن هذه الآية لا تناسب المزاج الغربي، فوضع لهم في الهامش ما يناسب المزاج الغربي. يا جماعة الخير، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، أنا مش جاي أقول للناس اللي هم عايزين يسمعوه، لست في برنامج "ما يطلبه المستمعون" ولا "ما يطلبه المشاهدون"، إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، أنا أعرض دين الله كما هو، كما هو، ليس أعرضه كما يهوى.
أيوه صحيح خاطب الناس على قدر عقولهم، لكن أنا إذا الآن أترجم القرآن الكريم هل سأخجل من القرآن الكريم أو أعتذر أو أعلق؟ فأنت ترى هنا في عمل المسلمين سيدنا جعفر، أيوه بالتأكيد هو لم يكسب عداوة النجاشي، لم يبادر إليها، لم يشعرهم بأنهم على باطل، لكنه حين سئل لم يعتذر عن دينه، وأكيد المسلمين في الحبشة ما كانوا عايشين كل واحد حبشي معدي بهم أنت على ضلالة، أنت ترى أن عيسى إله، ما فيش كده، فالذي يجوز أن تسكت عن الحق، لكن لا يجوز أن تنطق بالباطل. والشيخ الطريفي فك الله أسره كان له كلمة جميلة يقول: يجب على الدعاة أن يبينوا الدين ولو لم يعمل به، كي لا يخرج أقوام يقولون ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، ما هو الدين ينقص ويختفي إذا كل من خاف شيئاً كتم حقاً. ولذلك ثبت الإمام أحمد في المحنة وقال: إذا سكت العالم ونافق الجاهل أو نافق الضعيف، فمن أين يعرف الناس؟ من يعلم الناس؟ فهنا درس في الدبلوماسية الإسلامية، درس للدعاة المسلمين، أي صحيح أنك لا تبادر بالعداوة، لا تفتح كل الجبهات، ولكن إذا وضعت في موضع البيان لا يجوز لك أن تتأخر وتتخلف عن البيان.
طيب، طبعاً أيضاً مما يدخل في هذا أن المسلمين لم يكونوا يسجدون للملك، طبعاً كان من البروتوكول أن الذين يدخلون إلى الملك يسجدون، فكان المسلمون لا يسجدون، وأراد سيدنا عمرو أن يحرجهم قال: لا تسجدون للملك، ما تعرفوش البروتوكول يا جماعة، ينفع كده؟ لا تسجدون للملك، لا تعظموني؟ وعندكم استهانة بمقام رئيس الجمهورية تمام، ازدراء للرئاسة، وهكذا، قالوا: قد علمنا نبينا ألا نسجد إلا لله، فالإنسان إذا أريد على الباطل فإنه لا يستجيب له تمام.
طيب، الدرس الثالث عشر هو الفارق بين العدل والظلم، وبين الحق والباطل. شوف الحق، الحق لا يقهرك عليه، لكن الباطل يفعل. العدل يحفظ لك حق الخلاف معه، ويحفظ لك حقك وإن خالفته، لكن الظلم والجور والباطل لا يفعل. يعني الآن ماذا كان سيحدث لو أن النجاشي لم يكن عادلاً؟ إيه الخيارات التي أمام المسلمين؟ والله إما أن تدخلوا في ديني وإما أن أسلم، مرة أخرى لكن النجاشي حتى وإن لم يستطع أن يعلن إسلامه، لم يسلمهم، هذه مسألة مهمة وفارقة. ولذلك لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، الإسلام لا يقهر الناس عليه، لكن الباطل يفعل، الجاهلية تفعل تمام.
والآن طب ما أريد أن أدخل هنا، يعني كثير من الناس مثلاً يتصور أن العلمانية لا تفعل، لا تقهرك عليها، غير صحيح، العلمانية تترك لك فقط بيتك وزاوية مسجدك، العب هناك، أو يعني اعمل اللي أنت عايزه هناك، أما في الشارع، أما في القوانين، أما في الحياة، فأنت مضطر إلى الالتزام بالقوانين، يعني لا تقبل العلمانية وجود قوانين خاصة بأهل الأديان المختلفة، دولة واحدة، سيادة واحدة، مرجعية واحدة، سلطة قضائية واحدة، دستور واحد وقوانين واحدة، فهذا هو الإكراه. لكن المسلمين حين كانوا سادة هذه الدنيا وحين كانوا أهل هذه الحضارة، كانوا يسمحون لغير المسلمين بأن يتقاضوا في أمورهم إلى قضاتهم، إلا أن يطلب هؤلاء أن يتقاضوا إلى المسلمين، فماش، فهذا فارق مهم بين الحق والباطل.
ولذلك حقيقة يا جماعة الخير، في عبارة مشهورة تقول: العدل في ضمير القاضي وليس في نص القانون، القاضي العادل لو وجد أمامه قانون معوج يستطيع أن يخرج الحكم العادل، يكيف القانون، القاضي الظالم الفاسد مهما وضع أمامه من قانون عادل أو حتى من شريعة الله تبارك وتعالى، فإنه يغيرها ويبدلها ويكيفها ويضل بها ويظلم تحت اسمها. ومما يتعلق بهذا أيضاً، وهذا يجب أن نفهمه في حياتنا، دستور علماني مع شخص مسلم صاحب مبدأ، الحال عنده أفضل من دستور ينص على الشريعة مع واحد فاسد، لأنه هذا الحاكم المسلم صاحب المبدأ يستطيع أن يستخرج العدل حتى من النصوص العلمانية، لكن هذا الفاسد صاحب المصلحة يستطيع أن يفسد حتى باسم الشريعة الإسلامية. وهذه من الأمور التي فهمها وفقهها يؤثر جداً في قراءتنا للواقع المعاصر، وفي رؤيتنا لأحوال الأمم وأحوال الدول وأحوال الملوك والحكام وهكذا، فانظر إلى النجاشي رغم أن عنده يعني هيمنة لدين باطل، إلا أنه استطاع حتى تحت هذا الوضع أن يستخرج الأمان للمسلمين، وانظر إلى بلاد تحكم بالإسلام والمسلمون فيها ما بين قتيل وطريد وسجين، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ.
وبالمناسبة النظام العالمي مبني على تنصيب أصحاب المصالح، لأجل هذا والله يا جماعة، والغربيون لهم كتابات كثيرة جداً في خطورة الشخصية صاحبة المبدأ. في كتاب لطيف ومشهور، في كتاب اسمه "الاغتيال الاقتصادي للأمم"، اعترافات قناص اقتصادي، كتاب مشهور ألفه "جون بيركنز" أحد الخبراء الاقتصاديين في الشركات اللي هي الشركات المتعددة الجنسيات كما يسمونها، يقول أنه النظام الاقتصادي العالمي مبني على الفساد الشخصي لرئيس البلد، يجب أن يكون فاسداً، لأنه إذا كان فاسداً تستطيع المنظومة الدولية، النظام المالي العالمي أن تدخله في صفقة، لأن الصفقة المطروحة هو أن هذا الرئيس وزمرته يكونون من الأثرياء الأغنياء، لكن سيب البلد، يعني البلد تعيش في فقر، لكن أنت تكون من النخبة العالمية.
فحتى لو وجد الرئيس غير الفاسد، الرئيس الذي يريد نهضة بلده، هذا يعد خطراً على النظام العالمي، هو ذكر هذا وذكر أن الغرب لديه ثلاثة خطوات للتخلص من أصحاب المبادئ، وذكر طبعاً الاغتيالات التي نفذوها في أمريكا اللاتينية وبنما وإكوادور وتشيلي، وباكستان ضياء الحق، قال هناك ثلاث خطوات: الخطوة الأولى هي الانقلاب العسكري، الرئيس إذا لم يقبل هذه الصفقة بيحصل عليه انقلاب عسكري، طيب إذا أفلت من الانقلاب العسكري وكان قادراً على السيطرة على الجيش، فالخطوة الثانية، طيب إذا كان يؤمن نفسه بشكل جيد، الخطوة الثالثة هي الاحتلال. ولذلك حتى تجد إذا برز زعيم تجد أغلب المحللين الغربيين يتكلمون في تحليل نشأته الاجتماعية وتحليل شخصيته، والرجل ده كان ابن قرية ولا ابن مدينة، ابن حارة ولا ابن "كمباوند"، شكل علاقاته إيه؟ يعني ما القيم التي تسيطر عليه؟ لأنه هذا يحدد مدى تجاوبه مع المطلوب منه تمام.
فهذا مما يتعلق بالدرس الذي ذكرناه الآن. الدرس الرابع عشر وهو مما لا يذكر عادة وهو متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لأحوال المهاجرين في الحبشة، يعني النبي كان في مكة والنبي كان في المدينة وكان لديه دولة، ولكنه لم يفتأ يذكر ويتابع أخبار أهل الحبشة. بالمناسبة كثير من، لا أقول كثير، نحن قلنا من ذهب إلى الحبشة كانوا حوالي 100، الهجرة الثانية هؤلاء الـ100 عاد منهم 33 إلى مكة وهاجروا إلى المدينة، يعني ليس كل من ذهب إلى الحبشة بقي إلى السنة السابعة للهجرة، عاد منهم بعضهم قبل الهجرة إلى المدينة وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الذين عادوا من الحبشة مثلاً السيدة سودة بنت زمعة وزوجها سكران بن عمرو، ولما توفي عن السيدة سودة زوجها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكرنا قبل قليل لما مات عبيد الله بن جحش عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم يتزوجها وجهزها إليه النجاشي، النجاشي هو الذي أعطاها مهراً وهو الذي جهزها بجهازها وأرسلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
الدرس الخامس عشر وهو ما نتعلمه في شأن النجاشي، النجاشي حاكم مسلم لكن لم يستطع تطبيق.
الشريعة، بل هو كما يعني أورد عنه ابن هشام في السيرة، أنه لما يعني في بعض التمرد الذي حصل عليه، ماذا فعل؟ يعني بتشبيه بسيط أنه كتب أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، ووضعها عند كتفه الأيمن، وضعها عند كتفه الأيمن.
فلما تمردوا عليه خطب فيهم وقال: يا معشر الحبشة، ألست أولى الناس بكم؟ قالوا: نعم، ألم أعدل فيكم؟ قالوا: نعم، كيف كانت سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فلماذا يعني ما تفعلون؟ قالوا: قد غيرت دينك، وقلت إن عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول إنه الله وأنه ابن الله، قال: وهو عندي هنا كما هنا؛ فأشار بنوع من التعريض والتورية إلى عقيدته في عيسى.
والإمام السهيلي في كتابه الروض الأنف يقول: وهذا مما نعرف معه أنه لا يجوز للمسلم الكذب ما دام في المعاريض مندوحة، تمام؟ ففعل النجاشي هذا مما استفاد منه العلماء أنه ليس كل الحكام المسلمين ممكنين، وليس كل الحكام المسلمين يملكون أن يطبقوا كل الشريعة لظروف كثيرة، بقى من ضغط دولي، من بيئة داخلية، من يعني قوم حديث عهد بإسلام، من قوم حديث عهد بجاهلية.
وهذا مما يدخل فيه ما كان في عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وأنه رغم أنه قيل الخليفة الخامس الراشد، إلا أنه لم يستطع أن يعيد الإسلام كله كما كان في زمن الراشدين، فيعني درس النجاشي هو هذا الدرس الذي يوازن به حال الحاكم، يعني لا يستوي الذي أراد الحق فأخطأ أو قصر عنه أو أبطأ عنه بمن أراد الباطل فأصابه، ولازم تبقى فاهم الحاكم الذي يخرج المجتمع من جاهلية إلى نور، لا يستوي مع الحاكم الذي يأخذ المجتمع من النور إلى الجاهلية، حتى وإن تشابهت أفعاله، يعني المسار مختلف، فيجب أن يفقه هذا في شؤون هذه الحياة.
طيب، الدرس السادس عشر والأخير، وهو أن أحداً لا يعلم الغيب. نحن سنرى أن سيدنا عمرو بن العاص الذي كان عدو المسلمين الأول في الحبشة، سيسلم ويكون من قادة المسلمين الكبار، ويستعمل دهاءه وعبقريته وذكاءه في نصرة المسلمين. وسيدنا عمر بن الخطاب لما قيل له إن عمرو بن العاص يحاصر بيت المقدس وفيها أرطبون الروم، واحد من القيادات المشهورة بالذكاء والدهاء، ولسيدنا عمرو معه قصة جميلة إن طال بنا يعني العمر نحكيها لكم، فسيدنا عمر كان يقول: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، تمام؟
فتعرفون كقول القائل: لا يسلم الخطاب إلا إذا أسلم حمار الخطاب، ما كانش حد متصور أن سيدنا عمر يمكن أن يسلم، فلا أحد يعلم الغيب، ولا تدري لعل الله تبارك وتعالى يحدث بعد ذلك أمراً. طيب من الطريف طبعاً في قصة سيدنا عمرو أنه الصحابي الوحيد فيما أعلم الذي أسلم على يد تابعي.
خلص الوقت، أترك حلها إلى المرة القادمة إن شاء الله، كيف أسلم سيدنا عمرو وهو صحابي على يد تابعي؟ أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي