تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - حديث: (من نفس عن مؤمن كربة....) (2)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً والسنة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. ما زلنا مع الحديث الشريف، ومع كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، وما زلنا مع الحديث التاسع عشر، وهذا الحديث تكلمنا عنه في اللقاء الماضي، وكما قلنا أيها الأحبة، هذا الحديث فيه من التوجيهات العظيمة والكريمة والجميلة ما الله به عليم، وكما تعلمون أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.

أعيد قراءة الحديث ثم نواصل من حيث انتهينا. يقول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»، ثم قال: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» رواه مسلم.

تكلمنا عن النقطة الأولى: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. وتكلمنا عن النقطة الثانية: ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. وتكلمنا في النقطة الثالثة: ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

نكمل الحديث أيها الأحبة، قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». تكلمنا أيها الأحبة في اللقاء الماضي وقلنا إن الإسلام دين تكامل ودين شمولي، والعلاقات الاجتماعية مهمة في الإسلام، كما أن عندنا علاقات تعبدية مع رب العالمين، نحن لنا علاقات اجتماعية بيننا وبين بعض، فلا نهملها. ثم أيضاً نبهنا إلى قضية صنائع المعروف، وأن الإسلام حثنا وأمرنا وندبنا وحفزنا إلى اصطناع المعروف: «عليكم بصنائع المعروف فإنها تقي مصارع السوء»، ولذلك هذه في الدنيا، فكيف في الآخرة؟ والقواعد عندنا المطردة أيها الأحبة أنه كما تدين تدان، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، والجزاء من جنس العمل. هذه قضايا مهمة جداً ينبغي أن ننتبه لها في حياتنا.

نحن أيها الأحبة في هذه الدنيا إنما نعمل للآخرة، نعمل لرضا الله سبحانه وتعالى. نريد كل ما يقربنا من رب العالمين، كل صغيرة وكبيرة، على المسلم أن ينتهز الفرص قدر ما يستطيع؛ لأن هذه الفرص ستقربه من الله سبحانه وتعالى، وتجعله دائماً مع الله سبحانه وتعالى في الليل وفي النهار، وفي السر وفي الجهار. «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». إذاً الله سبحانه وتعالى، ثق تماماً يا عبد الله، وثقي تماماً يا أمة الله، أنه ما دمنا في عون إخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات أن الله سيعاملنا بالمثل، الله سيعاملنا مثل ما نعمل، طبعاً بما يليق بالله سبحانه وتعالى. فإذا أنا نفعت أخي المسلم، سعيت في حاجته، سعيت إلى قضاء ما يريد أو ما يحتاج، أعنته على أمور دينه ودنياه، ثق تماماً أن الله عز وجل سيكون معنا في عوننا.

وإذا أنت الضعيف أعنت أخاك المسلم، فثق أن الله القوي سيعينك، أن الله القادر سيعينك، أن الله الحكيم سيعينك، أن الله سبحانه وتعالى الكبير الواسع، أن الله الغني، أن الله المجيد، أن الله العظيم سيكون عوناً لك، سيكون معك أينما كنت. لماذا؟ لأنك قدمت لنفسك، لأنك بذلت لنفسك ولإخوانك المسلمين. «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». وفي الحديث: «الخلق عيال الله»، أي أن الله يعولهم سبحانه جل في علاه، وأحب الناس إلى الله من سعى إلى هؤلاء الخلق الذين خلقهم، فسعى في نفعهم ومنفعتهم والقيام على شؤونهم. ولذلك هذا أمر لازم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

يمكن أنا أو أنت ونحن ضعفاء نقدم شيئاً يسيراً، شيئاً لا يكلفنا شيء، ليس بالكبير، لكنه عند الله عظيم. المرأة البغي من بني إسرائيل التي سقت كلباً يلهث، يأكل الثرى من شدة العطش، هذا مع كلب نجس أكرمكم الله والملائكة، فسقت هذا الكلب فشكر الله لها وغفر لها وأدخلها الجنة. الرجل الذي أزاح غصن شوك من طريق المسلمين، فشكر الله له وغفر له وأدخله الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إني لأراه الآن ينغمس في الجنة». وقس على ذلك، وقس على ذلك. «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

طبعاً أخيه يا إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي ليست القضية قضية أخ النسب فقط، لا سواء النسب أو الدين، إنما المؤمنون إخوة. فأنا كمسلم وأنت كمسلم أو مسلمة نسعى إلى خدمة ونفع إخواننا المسلمين، نسعى إلى خدمتهم وقضاء حوائجهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولأن أمشي في حاجة أخي المسلم أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً» المسجد النبوي، واعتكاف المسجد الصلاة فيه بألف صلاة، والمعتكف منقطع عن الدنيا لله عز وجل، ومع ذلك تمشي في حاجة أخيك المسلم أحب إليه من أن يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده شهراً كاملاً. إذاً الإسلام يأمرنا بصنائع المعروف، «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وفي رواية «أنفعهم» بإطلاقها، «وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تسد عنه جوعاً، أو تقضي عنه ديناً».

إذاً هذه كلها محفزات لنا، كلها مرغبات أن الإنسان ينبغي أن يحرص على ماذا؟ على النفع المتعدي، على أن يكون في عون إخوانه المسلمين، وألا يحقر من المعروف شيئاً أبداً ولو شيئاً يسيراً، أنت لا تعلم ما هي الحسنة التي ستكون سبباً في دخولك الجنة، يمكن شيء بسيط جداً، يمكن سلام تلقيه، ابتسامة تلقيها، صدقة صغيرة تخرج من يدك. إذاً أنت كمؤمن وأنت كمؤمنة لا بد أن نستشعر وأن نستصحب صنائع المعروف في حياتنا، وانوِ هذه النية منذ أن تصبح إلى أن تمسي؛ انوِ أن تكون نافعاً لإخوانك المسلمين والمسلمات. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفات الطاهرات، وتحبيب الفتاة في ارتدائه سهل يسير، لكنه يحتاج إلى بضع خطوات. منها أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر، فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها. أن يغرسا في ابنتهما نبتة المراقبة والخشية، ويرسخا في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتشمة المطيعة لأوامره. أن يظهرا إعجابهما بالحجاب، وذلك بالحديث عنه كثيراً أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه. الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق. أن يمنح الوالد والأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن، إذ ينبغي أن تكون محجبة أثناء ذلك، مما يعودها ارتداء الحجاب. استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضات الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ما زلنا أيها الأحبة الأفاضل مع هذا الحديث العظيم والتوجيهات النبوية الشريفة الكريمة العظيمة: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

قال صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». يا سلام، يا سلام، يا سلام! كم تكلمنا عن العلم وطلب العلم أيها الأحبة سابقاً، والآن سنتكلم وأيضاً سنتكلم عنه أيضاً لاحقاً؛ لأن طلب العلم قضية عظيمة في ديننا. العلم له مزية، يكفينا شرف أن من أعظم صفات الله المذكورة في القرآن العلم، هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، وهو العليم سبحانه، وهو العلام، وهو العالم سبحانه. وبالتالي الله مدح العلم والعلماء في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

ولذلك العلم مطلب عظيم، وأول آية في كتاب الله تدلنا على العلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. فالعلم أيها الأحبة، العلم يرفع بيتاً لا عماد له، والجهل يهدم بيت العز والكرم. ولذلك العلم من أعظم القضايا التي ينبغي أن نصرف فيها أوقاتنا وهممنا وأموالنا وحياتنا. ولذلك يقول الشافعي رحمه الله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم.

ولذلك فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. أنت حينما تتابع هذه القناة المباركة، حينما تتابع هذه الأكاديمية وأشباهها ممن يبذل العلم للناس والتوجيهات والمحاضرات والدروس، هذه أيضاً هي طرق لطلب العلم. «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، وفي رواية: «سلك الله به طريقاً إلى الجنة». أنت ما هي هذه القضية في حياتك بعد رضا الله إلا أن تدخل الجنة؟ فإذا رضي الله عنك أدخلك الله الجنة، إذاً العلم من أقصر الطرق للجنة.

ولذلك الله عز وجل مدح العلماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، أشد الناس خشية لله من هم؟ العلماء؛ هم الذين يخشون الله أشد خشية لأنهم أعرف الناس بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يليق به وما لا يليق به. فتجد أن العبادة تختلف، التقوى تختلف، الرجاء يختلف، الخوف يختلف، التعلق واليقين بالله يختلف عندهم. لذلك العلماء لهم مكانة، «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد»، «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض والنمل في جحرها والحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير».

إذاً العلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». ذهابك إلى الجامعة مثلاً، أو إلى المدرسة، أو إلى حلقة علم في بيت، أو في مسجد، أو في ملتقى، أو في معهد، لا بد أن نستشعر أننا الآن نذهب لطلب العلم. بل ذهابك الآن إلى هذا الجهاز الذي أمامك، هذه الشاشة، وجلوسك الآن واستماعك لهذه المحاضرة وأشباهها هو أيضاً من هذا القبيل. أنت الآن جئت لتطلب العلم، هذه القناة وأشباهها تريد أن تتعلم، كان بإمكانك أن تضع أي قناة ثانية ولو كانت من المباحات، أنت طلبتم أن تنظروا الآن إلى هذه القناة وأشباهها من القنوات الإسلامية الهادفة لطلب العلم والتزود، هنيئاً لكم، هنيئاً لكم أيها الأحبة! ولذلك احرصوا أن نستشعر هذه النية دائماً، نريد طلب العلم.

يمكن الذهاب إلى المدارس خاصة عند الأبناء، الذهاب إلى المدارس قد يكون فيه شيء من الملل، يأتي الشيطان، لكن لما تستشعر أنك في طريقك للجنة وإيابك كأنك في طريق إلى الجنة، وجلوسك في المدرسة أو في الجامعة أو في المعهد كأنك في روضة من رياض الجنة، ماذا تريد بعد ذلك؟ لذلك العلم يرفع، العلم ينفع، العلم من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على العبد. «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. لذة العلم لا تعدلها لذة، والله ما تعدلها لذة، لذة العلم. لكن مساكين من حُرم الإنسان؛ من حُرم هذه اللذة حُرم خيراً كثيراً، فالعلم ينفعك ويرفعك في الدنيا ويرفعك في الآخرة.

ثم يقول الحديث: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». يا سلام! «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله»، وفي رواية: «ما اجتمع قوم في مجلس يتلون كتاب الله ويتذاكرونه بينهم». مجلس سواء كان في المسجد أو في غير المسجد، والجلوس في المسجد أعظم، بيت من بيوت الله، وبيوت الله يا أحبابي هي أعظم المجالس. يقول صلى الله عليه وسلم: «أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق». ولذلك القرب من المسجد قرب من كل خير، وجود المسجد في الحي أو قرب البيت من أعظم النعم على الإنسان، يسمع أذان الله خمس مرات في اليوم والليلة، يعينه على الصلاة، يعينه على الحضور مبكراً، يعينه على المكث في المسجد، يعينه على سماع الخير، سماع الخطى في البيوت للنساء، سماع الدروس والصلوات. فعلاً المسلم يحرص أن يسكن بجانب المساجد.

وهنا التحفيز: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»، إذاً عندنا اجتمعت الآن أكثر من مزية؛ أولاً المساجد والجلوس فيها، وقراءة القرآن، ومدارسة القرآن.

كلها نور على نور، المساجد نور والقرآن نور وحلق الذكر نور، والملائكة تحفهم والرحمة تغشاهم والسكينة تنزل عليهم، وتأتي مزية عظيمة أن الله في الملأ الأعلى يذكرهم. يذكرهم، كم له من الأجر! خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة يوماً من الأيام، فقال: «ما الذي أجلسكم في المسجد؟»، قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمد الله على ما منَّ به علينا من الهداية للإسلام.

فقال: «آلله ما أجلسكم إلا هذا؟»، قالوا: والله ما جلسنا إلا هذا. وفي الثالثة قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل يخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة». الله في عليائه يباهي بأولئك النفر الذين جلسوا في المسجد، يباهي بهم الملائكة. أي كرامة هذه؟ ذكرهم الله فيمن عنده في الملأ الأعلى. لابد أن نستشعر هذه المعاني، مهما طال بك المكوث في المسجد والجلوس في المسجد وسماع مجالس الذكر والقرآن والمحاضرات التي تتكلم في هذه الأمور العظيمة وفضل القرآن ومكانة القرآن وعلم القرآن وما يُستنبط من القرآن.

استشعر أنها في موازينك، وأن الله يباهي بك الملائكة، وأن الملائكة تحفك، والرحمة تغشاك، والسكينة تنزل عليك. لابد أن نستشعر هذا، وحينما نستشعر هذا ستكون نفسياتنا مختلفة وقلوبنا مختلفة وعقولنا مختلفة وردود أفعالنا كذلك مختلفة.

القرآن كلام الله تعالى، وخير زاد يقدمه الوالد لولده؛ فإنه سبيل الهداية والاستقامة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]. وهناك أفكار ووسائل تعين المربي في ربط النشء بكتاب الله تعالى؛ منها الإكثار من قراءة القرآن أمام الأبناء، فالقدوة من أقوى المحفزات في توجيه السلوك. تحفيزهم من خلال سرد وشرح الآيات والأحاديث في فضل قراءة القرآن وحفظه، وإلحاقهم بحلقات تحفيظ القرآن؛ فهي تدخل الطفل في تنافس مع أقرانه، وتعينه على ضبط القراءة والتجويد، وتربطه بالمسجد والبيئة الصالحة.

قص ما ورد في القرآن الكريم من قصص بأسلوب سهل ومشوق، فالحكي محبب إلى الأطفال ويسهم في تعلقهم بالقرآن، كما ينمي الرصيد اللغوي القرآني لديهم. أهدِ ولدك مصحفاً؛ فحب التملك غريزة يمكن استثمارها بشكل إيجابي يجعله مرتبطاً بمصحفه الخاص يقرؤه ويقلده متى شاء. التشجيع بالمكافأة والتحفيز على المشاركة في المسابقات؛ فقد يعجز الطفل عن الحفظ بمفرده، لكن ربما يكون منافساً قوياً وحافظاً متقناً إذا كان الأمر في شكل جماعي خصوصاً إذا رصدت بعض الجوائز. استعمال الوسائل الحديثة في الحفظ فهي تلبي رغبتهم في استعمال هذه التقنيات التي غالباً ما توظف في أشياء أخرى، ويستحسن أن يكون بها خاصية تسجيل القراءة والاستماع إليها ومعرفة أخطاء القراءة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به أُلبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتان لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. ما زلنا مع هذا الحديث ومع خاتمة الحديث، يقول صلى الله عليه وسلم: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». وهذه رسالة إلى فئة في المجتمع يعتمدون على قضية النسب: أنا من آل البيت، أنا سيد، أنا كذا. أنت من آل البيت، أنت على عيني وعلى رأسي، وأنا أقدمك على غيرك من الناس، ولك محبة زائدة عن غيرك من المسلمين؛ لكن كونك بهذا الصفة وهذا النسب لا يدل على أنك قد ضمنت الجنة.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا صفية بنت عبد المطلب، سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد»، الله أكبر! هل هناك أقرب للنبي صلى الله عليه وسلم من فاطمة؟ ومع ذلك يقول: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً». إذاً المرضى الذين يعتمدون على نسبهم وعلى أصولهم وعلى أنهم عرب وغيرهم عجم، وعلى أنهم قبائل وغيرهم غير ذلك، انتبه قف، «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». إذاً العمل هو المطلب، العمل لا النسب.

يقول صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى». الناس كأسنان المشط. ينبغي أن ننتبه لما ينتشر عند البعض من التعظيم من أجل السلالة أو النسب. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. أنا حينما ضربت هذا المثال لا انتقاصاً؛ بل آل البيت على رؤوسنا ونحبهم ونتقرب إلى الله بحبهم. مثال: أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وهما في النار؛ أشراف العرب أعمام النبي صلى الله عليه وسلم في النار. صهيب الرومي، سلمان الفارسي، بلال الحبشي في الجنة؛ هؤلاء ما نسبهم؟ بينما سادات قريش أبو جهل وأمية بن خلف وغيرهم في نار جهنم والعياذ بالله. هؤلاء دخلوا على العرب بفضلهم، وعبد الله بن مسعود لم تكن له مكانة ولا نسب في العرب ومع ذلك نال ما نال.

إذاً ديننا ما فيه تقديس، ما فيه كهنوت. هناك من يريد إدخال الكهنوتية في الإسلام، سواء عند الاثني عشرية أو غيرهم، لا، نحن ما عندنا الكلام هذا. بعض غلاة الصوفية ليس الصوفية على إطلاقهم، بعض الغلاة عندهم هذا الأمر، تقديس للأشخاص تقديس مطلق، وتقبيل اليد وتقبيل الركبة وتقبيل القدم، والنفث في الماء يشربونه ويتباركون به، وأمور ما أنزل الله بها من سلطان. رجعنا إلى قضية التقديس البغيض، ما وافق الكتاب والسنة أخذنا به وما لا فلا، وبالتالي ما عندنا تقديس للأشخاص أبداً. ديننا واضح، كتاب الله سبحانه وتعالى واضح بين، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم واضحة وبينت.

أما قضية الاعتماد على النسب وترك العمل أبداً، هذا يرد عليهم «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». أن ابن فلان وآل فلان والسيد فلان والشريف فلان والعربي فلان لا؛ الأمر قضية عمل وقضية بذل. وكما قلت أنا لا أنتقص أحداً ولا يجوز لنا الانتقاص لأحد إلا بالدليل، لكن أن نصل إلى قضية الكهنوتية التي عند غيرنا، لا، الإسلام يمنعنا من ذلك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ونفسي عليه الصلاة والسلام.

لا تطروني، ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إطرائه؛ لما دخل عليه رجل فانتفض قال: «هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد». وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب دائماً أن يقول: «عبد الله ورسوله». ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1]. فكلمة عبد تشريف، ما هو عبد للدنيا، بل عبد لله. إذاً إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى الناس عن إطرائه، «قولوا بقولكم أو ببعض قولكم» هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.

لكن ما ينتشر عند العوام من الطوام التي نسمعها بين الفينة والأخرى، أو نقرأها، الذين يدعون الولاية ويدعون الكرامة ويدعون أشياء، هل فعل الصحابة الكرام ذلك؟ هل فعلها علي بن أبي طالب وهو علي؟ هل فعلها الصحابة الصادقون والتابعون وتابعيهم الذين يقول عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»؟ إذاً أيها الأحبة ننتبه، لا نعتمد على النسب والمكان، بل بعد توفيق الله على العمل، «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». صدقوني أن هذا الحديث يحتاج إلى وقفات كثيرة جداً.

أختم بملحظ مهم جميل جداً ينبغي ألا نغفله، ما فينا إنسان يسلم من الهم والغم، وأقدار الدنيا كثيرة. ماذا نصنع؟ نلتفت لفلان وفلان؟ لا، القرآن والسنة قد كفلا لنا علاج الهم والغم، وصدقوني أن في كتاب الله وسنة رسول الله ما يغنينا عن أي شخص آخر. أعطيكم هدية عظيمة جداً، حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في السنن، وهذا مهدى لكل مسلم ومسلمة، لأنه ما فينا واحد إلا وأصابه هم أو حزن.

قال صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانهما فرحاً». الصحابة لما سمعوا الحديث قالوا: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها».

هذه الكلمات، أيما أحد أصابه هم أو حزن يقول هذه الكلمات يبدل الله همك وحزنك فرحاً وسروراً، يبدل الله حالك من حال إلى حال أطيب وأجمل وأكمل. هذا ليس فقط حديث، دعاء ذي النون: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه، إذا كان الله عز وجل أنقذه من بطن الحوت.

ويقول صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس: «ألا أخبرك بكلمات تقولينهن عند الكرب؟»، قالت: بلى يا رسول الله، قال: «قولي: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً». مقولات عند الكرب، كان صلى الله عليه وسلم إذا أهمه شيء قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث». أحاديث كثيرة وردت، كان صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر أو حزبه أمر فزع إلى الصلاة. الدعاء والاستغفار، من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. إذاً أحبتي في الله، نملك كنوزاً كثيرة، لكن أين الذين يبحثون عنها؟ الصلاة على رسول الله.

إذاً وصلنا إلى خاتمة لقائنا، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.