يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد السنة، فما لنا من ربنا...
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفتح علينا جميعاً، وأن يرزقنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.
لقاء يتجدد مع مادة الحديث الشريف في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد. اليوم نقف مع الحديث السابع عشر، هذا الحديث عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي زيادة في الحديث: «فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ». هذا ليس معنا هنا في المقرر، لكن هذه زيادة في الحديث عند أهل السنن.
راوي الحديث هو الصحابي الجليل ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، بل إحدى ريحانتيه عليه الصلاة والسلام، سيدا شباب الجنة الحسن والحسين. هذا الراوي هو الحسن بن علي بن أبي طالب، أمه فاطمة وأبوه علي وجده محمد صلى الله عليه وسلم. قال المصنف هنا: وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة. كان حليماً فاضلاً، وأضيف كذلك: وكان كريماً سمحاً. ولي الخلافة بعد أبيه عدة أشهر، ثم تنازل لمعاوية رضي الله عنه وأرضاه، وصان الله بذلك جماعة المسلمين، وتوفي عام خمسين من الهجرة.
دعونا نقف قليلاً مع هذا الرجل، مع هذا العلم الحسن بن علي. ولد في الخامس عشر من رمضان من سنة ثلاث من الهجرة، ومات في الخمسين من الهجرة، عاش قرابة سبعة وأربعين إلى ثمانية وأربعين سنة. خامس الخلفاء الراشدين، ولي الخلافة بعد أن استشهد علي رضي الله عنه وأرضاه، وكان ذلك في الكوفة، وولي الخلافة في الكوفة بعد أبيه رضوان الله عليهم أجمعين.
كان يحبه صلى الله عليه وسلم حباً شديداً، وكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ». ونشهد الله سبحانه وتعالى أننا نحبهما الحسن والحسين رضي الله عنهما وأرضاهما. النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام وهو شاب صغير طفل صغير ينظر إليه عليه الصلاة والسلام ويقول: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». وفعلاً رضي الله عنه وأرضاه لما رأى الخلافة احتدمت، وولي الخلافة عدة أشهر، لم يكمل سنة، لكن لما رأى أن الخلاف سيكبر بين المسلمين، وأن القطر سيستشري بين المسلمين، ومعاوية رضي الله عنه وأرضاه في الشام وهو في العراق، والناس متقاتلة والناس محتقنة، فسبحان الله تحققت فيه نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، وحدث هناك بينه وبين معاوية رضي الله عنه وأرضاه اتصالات انتهت بأن تنازل رضي الله عنه وأرضاه بالخلافة لمعاوية على أن يكون هو بعد معاوية، لكنه توفي رضي الله عنه وأرضاه في الخمسين من الهجرة ولم يتمكن من أن يلي خلافة المسلمين.
حقيقة ماذا نقول في ريحانتي النبي صلى الله عليه وسلم؟ لكن اسمحوا لي بوقفة، وهذه وقفة أرسلها إلى الروافض، لماذا الاهتمام الكبير بالحسين رضي الله عنه وأرضاه مع أنه الصغير، وإغفال الحسن؟ إنه حينما تنظر إلى أئمة الشيعة الذين يزعمون أنهم أئمتهم وهم منهم براء، وهم يجعلون علي بن أبي طالب هو الإمام الأول عندهم ثم الحسن والحسين، لكن كل كلامهم وتمجيدهم ونواحهم وضربهم على أنفسهم وجلدهم لذاتهم والعزاء عندهم الحسين والحسين والحسين؛ طيب أين الحسن؟ وأيهما أفضل الحسن ولا الحسين؟ الذي جاء في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ». ما قال ذلك عن الحسين مع أن الحسين أيضاً أخوه وأيضاً هو سيد من سادات شباب الجنة، لكن أنا أعجب لماذا هذا الاهتمام الكبير جداً بالحسين وإغفال الحسن؟ ولذلك كثير من المؤرخين يقولون إن سبب ذلك أن الحسين رضي الله عنه وأرضاه تزوج مجوسية أسلمت، فهذا الحب وهذا التمجيد وهذا الثناء وهذا البكاء لأجل هذه القضية، ثم بعد ذلك يزعمون ما يزعمون.
لا شك أن الحسين وأن الحسن ظُلما، لكن مهما كان هذا لا يؤدي أن نغلو فيهما أبداً. لا نغلو فيهم أبداً، هم سيدا شباب أهل الجنة، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا لهما، والنبي صلى الله عليه وسلم يحبهما وهما أحفاده، سبطاه رضي الله عنهما. وبالتالي أيها الأحبة، الواجب على الأمة الإسلامية حب الصحابة جميعاً، أن نحب الصحابة كلهم صغيرهم وكبيرهم، ونتقرب إلى الله بحبهم. ولا يجوز لكائن من كان أن يقدح في عدالة الصحابة مع ما حدث بينهم من مشاكل أو حروب أو اختلاف وجهات نظر أو اختلاف بالسيف حتى؛ هم بشر ليسوا معصومين، لكن حقهم علينا أن نحبهم، أن نثني عليهم، أن نترضى عنهم، أن ندافع عنهم، أن نعادي كل من يقع فيهم، نعادي كل من ينتقص الصحابة أو يسب الصحابة أو والعياذ بالله يلعن الصحابة، كائناً من كان. والله لو كان ابن الواحد فينا ولا أبوه، لو كان الوالد الإنسان منا أو أبوه هو الذي ينتقص الصحابة لأبغضناه في الله وعاديناه في الله.
الصحابة عرض لا يمكن المساس به أبداً، هؤلاء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم كلهم عدول، حتى المخطئ فيهم عدل لأنه صحابي، أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل هم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. فليعلم هذا القاصي والداني أنه لا يجوز الانتقاص في أقل واحد من الصحابة أبداً، ما يجوز، بل ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره والعياذ بالله وإخراجه من الدين. لذلك علينا أن نحترمهم، وأن نترضى عنهم، وأن نجلهم، وأن ندعو لهم، وأن نغض الطرف عن أخطائهم إن وقعت؛ فهم بشر لكن يتميزون أنهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها. فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا». والمرأة التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة وغير المعتدة وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن، وأما التلميح بإبداء الرغبة في الخطبة فمباح إلا الرجعية؛ فلا يجوز التلميح لها. قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ [البقرة: 235].
تستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة وقد ذكر له امرأة أراد خطبتها: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا». وقد ذكر الفقهاء لجواز النظر إلى المرأة المخطوبة شروطاً، منها: أن يكون الخاطب عازماً على الخطبة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، أن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، أن ينظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه والكفين، ألا تكون المرأة متبرجة أو متطيبة. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها. ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتف بالنظرة الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها؛ لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه.
وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير إذنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره. فإذا فُسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا؛ لأنها في حكم المهر موهبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها، خاصة إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد. نعود مرة أخرى أيها الأحبة إلى حديثنا، يقول الحسن رضي الله عنه وأرضاه: حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي جوامع الكلم، وهذا من جوامع الكلم، وهذا حديث من أعظم الأحاديث التي يقوم عليها الإسلام. دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قاعدة الورع، قاعدة في عدم الوقوع في الوساوس أو الشكوك أو التردد. ديننا دين اليقين، ديننا دين الوضوح والثبات، ولذلك أيها الأحبة دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، الإنسان دائماً يقدم اليقين على الشك.
من أخطر ما يُبتلى به الإنسان في حياته الوسوسة، والوساوس أيها الأحبة هذه تتسلط على العقل، فإذا وصلت الوساوس إلى العقل عاش صاحبها عيشة سوء، عيشة دمار، عيشة ألم، عيشة تخبط. الناس نائمون وهو لا ينام، الناس مرتاحون وهو لا يرتاح، الناس مطمئنون وهو قلق، الناس يعيشون في أمن وأمان واطمئنان وهو في تردد وشك وحيرة وخيبة. يقول ابن القيم رحمه الله: رأيت بعض العلماء أو أحد العلماء ممن ابتلي بالوسوسة ينغمس في نهر دجلة للوضوء، ثم يخرج ثم يعود مرة ثانية يقول: لا، الماء لم يصل إلى كل الأعضاء. يعني الإنسان ربما يصل إلى حد عدم التكليف، يرتفع التكليف عنه.
لذلك يقول أيها الأحبة، مما يواجهه الدعاة وطلبة العلم الآن كثير من الناس يشتكي من قضية الوسواس، والوسواس يبدأ بشيء بسيط جداً، فإذا تابعه الإنسان يبدأ يسحبه يسحبه حتى يجعله ينغمس في الوسواس كاملاً. بعض الناس يا أحبابي يبدأ يتوضأ قبل الأذان، يبدأ يتوضأ ولا ينتهي من وضوئه إلا بعد الصلاة؛ تخيلوا صلاة الظهر والآن بين الأذان والإقامة ثلث ساعة، فيبدأ هذا المسكين يتوضأ قبل الأذان، فيؤذن الظهر ويظل يتوضأ ويعيد ويتوضأ ويعيد، وتقام الصلاة ويصلي الناس وأخونا لا يزال ما انتهى من وضوئه! مسكين، كيف حياته؟ يعني بالمناسبة هذا نوع فقط من الأنواع. بعض الناس يريد أن يصلي فيبدأ يقول: الله... الله أكبر... الله... ويظل يمكن الإمام يركع وهو ما زال يقول: لابد أن تتوافق النية مع القول! يا الله لهذا المستوى؟ الوسواس كارثة مصيبة تجعل الإنسان في حيرة من نفسه، وبعض الناس ربما يركع ركعتين ثم بعد ذلك يقطع صلاته ويعيد تكبيرة الإحرام. حقيقة مما مر علينا من تجارب وأمور خطيرة جداً.
بعض الناس يبدأ يوسوس في قضية الجنة والنار، قابلت قبل أيام بسيطة طالباً في الجامعة في مرحلة الدكتوراه في تخصص علمي، ومسكين كان يحب القرآن كثيراً ثم ترك القرآن، لماذا؟ قال: لأن القرآن يتكلم عن الجنة والنار وأنا أخشى أن أكون من أهل النار، فأصبح حتى القرآن يخاف يقرأه، أقول له: اذهب إلى مكة، يقول: أخاف أذهب إلى مكة. كيف بدأ؟ يقول: قبل ستة أشهر ما كان عندي شيء أبداً. الوسواس، يمكن يقول بعضكم ما علاقة الوسواس بهذا الحديث؟ لا، هذا الحديث مما يساعد الإنسان على الابتعاد في الوقوع. يعني هو فيه فوائد كثيرة، لكن يهمني كثيراً جداً يا أحبابي ويا أبنائي وبناتي قضية أن الإنسان دائماً يكون عنده حصانة.
الوسواس يبدأ خطوة صغيرة، يتوضأ مرة فيعيد الوضوء أو يكرر الوضوء مرة مرتين، المرة الثالثة الشيطان يسحبه ويبدأ يسحبه شوي شوي، ويبدأ يجلس في الحمام وفي دورة المياه أو في مكان الوضوء بالدقائق الطويلة وربما الساعات الطويلة. لذلك لو تسألني إيش علاج الوسواس قبل أن ينزل بالإنسان؟ أخبر صلى الله عليه وسلم قال: «وَلْيَنْتَهِ». إذا جاءك الشيطان في أي وسوسة في صلاة أو في طهارة أو في عبادة لا تتبع هذا الفكر، لا تتمادى معه. قال صلى الله عليه وسلم: «وَلْيَنْتَهِ». خلاص، بمجرد أنه جاك الوسواس اتركه. جاني أحد الإخوة الذين وقعوا في هذا الوسواس وهو مسكين من الذين يبدأ الوضوء قبل الصلاة قبل الأذان وينتهي بعد الصلاة، قلت: يا أخي يعني أريد أن أخرجه من هذا الذي هو فيه، متفقنا، قلت: خلاص، مرة واحدة وجاك الشيطان وقال لك أنت ما توضيت، قل: أنا في ذمة الشيخ موفق، أنا ترى أتقبلها أمام رب العالمين يوم القيامة. وبحمد الله بعد فترة أصبح الحمد لله أقل، يعني يبدأ قبل الأذان ويخلص قبل الإقامة، وشوي شوي الحمد لله انتهى.
الشاهد لا تعطي الشيطان مجالاً، لا تحاول أن تتابع الشيطان في وساوسه، لا باقي قليل هنا، لا باقي قليل هنا، لا يمكن المنطقة هذه ما وصلها الماء؛ لا، خلاص انتهيت من وضوئك انطلق، انتهيت من صلاتك لا تلتفت، انتهيت من أي عمل لا تحاول أنك تعيده مرة وثنتين وثلاث؛ هذا يفتح عليك باب الوساوس بشكل كبير جداً. لذلك الإنسان إذا ابتلي بالوسوسة نقول: الله يعينك.
نقول الحمد لله أن ترى الطب النفسي تقدم واكتشفوا أن هناك إنزيماً يزيد الإحساس بهذا أو يقلله. لكن أنا أقول احرص بارك الله فيك أن تتبع الهدي النبوي؛ الهدي النبوي الذي يقول: إذا جاءك مثل هذه الأمور لا تلتفت إليها. وإنما ابتعد عنها، خلاص جتك الوساوس لا تلتفت لها، لا تتابعها، لا تتعقبها، وإنما اضرب بها عرض الحائط. لماذا؟ حتى لا تهلكك. والله يا أحبابي مما رأينا ومما قرأنا، هذا الباب مؤلم جداً، بعض الناس يجلس يبكي، بعض الناس ربما يؤدي به إلى أمور لا أريد أن أتكلم بها الآن، لكن القضية لماذا؟ لأنه بدأ في الوسوسة بداية بسيطة، فسحبه الشيطان أكثر فأكثر، وربما بعضهم ترك الصلاة، وربما بعضهم أسقط، قال خلاص أنا من أهل النار، وأمور كثيرة جداً، والسبب متابعة هذه الوساوس.
لو أننا ركزنا على هذا الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» انتهت القضية. توضأت مرة واحدة، انتهيت خلاص. صليت؟ لا تقعد تلتفت، لا أنت الفاتحة ما قرأتها في الركعة الثانية، لا أنت في الركوع ما قلت سبحان ربي العظيم، لا أنت في السجود ما قلت سبحان الله، ويبدأ الشيطان. ولذلك الحل في الوسوسة كما قلت، أولاً: العلم الشرعي مطلب. الأمر الثاني: عدم التمادي، لا تتمادى مع هذه الوساوس أبداً. بمجرد أن تلحظ نفسك أنها جتك مرة أو مرتين أو ثلاث، لا تعد إلى ذلك.
يمكن ما تستقبل، ويمكن الصلاة فيها شيء؛ لا، مقبولة بإذنه تعالى. وأعطِ نفسك إيحاءً إيجابياً أنه الله سبحانه وتعالى سيقبل صلاتي وسيقبل عملي؛ لماذا؟ حتى لا يجرك الشيطان وأنت ما تدري، أنت في غفلة. لذلك أقول يا أحبابي، أبنائي وبناتي، إخواني وأخواتي: ننتبه من التمادي في مثل هذه الأمور، فعواقبها وخيمة، وكم مر علينا من مواقف وقصص وألم وأحزان رأيناها من كثير من الشباب والشابات، وسمعنا بها، وكان أمراً حقيقة مؤلماً جداً. القضية تبدأ بشيء بسيط جداً، يبدأ شوية شوية ويسحب الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكم في المستشفيات النفسية والعيادات النفسية، وغير الذين في البيوت لا أحد يعلم بهم، والقضية وساوس بسيطة تبدأ ثم تكبر. العلاج: لا تتابع الأفكار السيئة أبداً، اتركها، اضرب بها عرض الحائط، إن شاء الله عون بإذن الله سبحانه وتعالى. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال؛ فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع.
ويوقر مفتيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ، ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى: ﴿فَلَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أحبتي في الله، «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، بمعنى دائماً ابنِ حياتك على اليقين، لا تبنِ على الشك، ابنِ حياتك على الطمأنينة لا تبنِها على التخبط. كما قلت قبل قليل، الإنسان قد يفتح على نفسه جبهات ما هو مرتاح فيها أصلاً، ولذلك الإنسان يكون ورعاً، والورع بمعنى أنه يترك شيئاً كثيراً من الحلال أو من المكروهات حتى لا يقع في الحرام. وكان بعض السلف يضعون بينهم وبين المكروهات بعض المباحات، يتركونها حتى لا يقعوا في المكروهات أو المحرمات. الإنسان أيها الأحبة كلما كان صاحب ورع كلما كان أبرأ لنفسه وأبرأ لدينه وأصدق لربه سبحانه جل في علاه.
حديث النواس بن سمعان أن الحلال بين وأن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه». هناك شيء واضح جداً، حلال بين وحرام بين، لكن في أمور مشتبهة، هذه الأمور المشتبهة ما موقفي وموقفك منها؟ صاحب الدين، صاحب الورع، صاحب التقى، عليه أن يبتعد عن هذه المشتبهات، نبتعد لماذا؟ لأن فيه استبراءً لنفسه، فيه حماية لنفسه، فيه بعد عن احتمالية الوقوع في الخطأ.
أنا لا أقول عن الوسوسة، لا، هناك شيء فيه اشتباه، هذه أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». مثلاً أضرب مثالاً: فترة من الفترات قبل أن يكون للتدخين حرمة يقينية، كان هناك من العلماء من يقول التدخين مكروه، لكن الآن مع التطور العلمي وظهور كثير من اليقينيات والحقائق عن التبغ وأن هذه المادة تحريمها يقيني، يمكن يجي ناس يقولوا أنت تبالغ، أنا أقول لا أبالغ. الذي يقرأ الإحصائيات العالمية والداخلية كذلك، وكمية الأموال التي تحرق مليارات، مليارات تحرق، وتصدر هذه المليارات إلى اليهود؛ مصانع التبغ العالمية بيد اليهود، والمواد التي تصنع منها، إذا كانت السيجارة فيها أربعة آلاف مادة كيميائية خطيرة.
يعني كانوا يقولون حوالي ثلاثمئة وخمسين أو أربعمئة مادة مسرطنة. قبل فترة قالوا: والله هو مشتبه، قبل أن يكون يقينياً، الآن أمر مشتبه، لا، ما دام مشتبه أن أتركه، لماذا الإنسان يستبرئ نفسه؟ الآن لو قدم لك كوبين من العصير، هذا فيه أمر مضر، وهذا سليم ما فيه شيء، وأنت ما تعرف الذي فيه سوء، أنت نفسياً تقول: والله يا أخي ما أبغاها كلها، شيلها، ليش؟ خايف على نفسك. وكذلك خف على نفسك يا عبد الله، الوقوع في المحرمات أمر متردد فيه، اترك.
وابن معبد رضي الله عنه وأرضاه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جئت تسأل عن البر؟» فاجأه صلى الله عليه وسلم بهذا السؤال. طبعاً ابن معبد جاي يسأل عن البر، فالنبي فاجأه: «جئت تسأل عن البر؟» قال: نعم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك». بعض الناس يتصل عليّ يقول: يا شيخ إيش حكم المسألة الفلانية؟ أقول له: أنت إيش رأيك؟ يقول لي: يا شيخ والله النفس فيها شيء، قلت: بس، وصلت، ما دام أنت نفسك فيها شيء.
طبعاً يا إخواني، أي نفس؟ النفس الصالحة الصادقة، أما واحد عنده نفس منحرفة تقول له استفت قلبك؛ يعني مثلاً جاءني واحد والعياذ بالله مدمن مخدرات وقال: يا شيخ إيش حكم المخدرات؟ تقول استفتِ قلبك؟ والله قلبي وش بيقول؟ يقول مرحبا وأهلاً! لا، لا، النفوس السليمة، الطباع السليمة، الضمائر الحية هي التي تعطيك هذا الحكم. سبحان الله الفطرة يا أحبابي! الفطرة تميل مع الحق، قد يجدك إنسان يسألك سؤالاً، أول ما تقول: أنت إيش رأيك؟ يقول: يا شيخ والله النفس فيها شيء. بس أنا ودي أستفتي، ما دام النفس فيها شيء أعلم أن هذا أمر فيه شيء لا يجوز.
إذاً الإنسان أيها الأحبة، ميزه الله وأعطاه الله عز وجل هذه الفطرة التي تميل مع الحق مع الخير، فابتعد عن الشر وإن أفتاك الناس وأفتوك، «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». الله سبحانه وتعالى زود كل واحد فينا بفطرة سليمة وعنده حس أخلاقي، حس إيماني، سبحان الله. هذا الإنسان في كل إنسان الآن، يعني لو أنك مثلاً إنساناً لا يتناول مثلاً أمراً حلالاً، فإن نفسه تكون مطمئنة أصلاً، لكن لو رأيته يتناول أمراً محرماً أو أمراً مكروهاً تجده يختبئ، لا يحب أن يراه الناس، لماذا؟ لأنه أمر مكروه محرم.
ولذلك أذكر موقفاً مع أحد الدعاة يقول: جاءني رجل شايب كبير في السن، يا شيخ إيش حكم التدخين؟ قلت له: حرام. قال: كيف حرام؟ الله يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. قال: من قال لك إنه خبيث؟ ريحة الدخان عندي أحسن من العود والعطر. قلت له: يا أخي بس يضر بالناس. قال: كيف يضر بالناس؟ أنا لي عشرين سنة أدخن ما مت، وأروح له يمين وأروح له يسار، وهو مصر، مصر إلى أنه...
قلت له: طيب، لو دخلت البيت الآن ووجدت ابنك يأكل مثلاً خبز وعسل، تغضب؟ قال: لا ما أغضب. قال: طيب، لو دخلت البيت الآن ووجدت ابنك يدخن، تغضب ولا ما تغضب؟ يغضب. قلت له: ليش؟ قال: ما هو طيب، مو طيب. يقول، بنفسه اعترف أنه ما هو طيب. الإنسان دائماً بعض الناس يبالغ في نفسه، لكن لما تأتي عند بعض الأمور يضعف. يقول فعلاً عاهدني أنه لا يدخن بعد ذلك اليوم. إذاً: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
أنت الآن صليت الظهر وأنت شاك، هي أربع ولا ثلاث؟ إيش اليقين عندك؟ الثلاث. إذاً تبني على ثلاث وتأتي بالرابعة. مثلاً وأنت تصلي ما أنت عارف هل أنت ركعت أو سجدت سجدة ولا سجدتين؟ تبني على اليقين، لا والله اليقين واحدة، إذاً تبني وتأتي بالثانية وتسجد سجود السهو. وهكذا أيها الأحبة، دائماً نبني حياتنا على اليقين؛ حتى أولاً نستبرئ لأنفسنا، نبتعد عن الشبهات، لا نقع في الوساوس والمحرمات والأمور التي والعياذ بالله قد تفتك بعقول الناس. ترى الوسوسة بلاء.
ولذلك الإنسان دائماً يسأل الله عز وجل أن يعافيه، وأن يعافي أبناءه، وأن يعافي أبناء المسلمين، وأن يعافي شباب المسلمين من هذه الوساوس النكراء، يصبح الإنسان صحيح هو سوي لكنه غير سوي، صحيح الجسد ما شاء الله والعافية ما شاء الله، لكن العقل في عالم آخر. ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، نسأله عز وجل أن يرزقنا الأمن والأمان في بلادنا وفي جميع بلاد المسلمين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي