تسجيل الدخول

المحاضرة 24 - وصايا لطلبة العلم ومراجعة على الأحاديث

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علمٍ نافعٍ، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوالِ ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان، زادٌ زادُ أكاديميةٍ، ينبوعها صافٍ ليروي غلةَ الظمآن، والسمةُ السنةُ الغراءُ شارحةٌ له فهماً لنا من ربنا وحيانِ، بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. أحبتي في الله، ها نحن في اللقاء الأخير في هذا الفصل الدراسي، الفصل الثاني. وحقيقة عشنا معكم لقاءات قرابة ثلاثة وعشرين لقاءً في هذه الأحاديث المتنوعة العظيمة الكريمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء.

لا شك أن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، والتي ينبغي أن نهتم بها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي». ولذلك السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع. بعض الناس قد يوغل والعياذ بالله في الغواية، ونسمع عن بعض الدعوات أنه بيننا وبينكم القرآن، هؤلاء القرآنيون ما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. طيب أين السنة؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يأتي رجل متكئ على أريكته، يقول: بيني وبينكم القرآن، ما وجدنا فيه حلال أحللناه وما وجدنا فيه حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه».

ولذلك الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. نسمع ما بين الفينة والأخرى بعض الدعوات التغريبية أو الدعوات الخاطئة، الدعوات التي لا تليق بالمسلم، قضية أنه هذه كتب صفراء وكتب عفى عليها الزمن ونحن أبناء الجيل الواحد والعشرين، والكلام الفاضي الذي نسمعه من بين وقت وآخر، وعدم الجدية في أخذ مصدر التشريع من السنة. ونقول: لا، سبحانه وتعالى حينما تكفل بحفظ القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فالذكر يحفظ الدين، والدين كثير منه ليس في القرآن؛ تأتي السنة شارحةً مبينةً موضحةً، ولذلك الله عز وجل كفل حفظ القرآن وحفظ السنة حتى يبقى الدين كاملاً ليس فيه نقص، وبالتالي سنة النبي صلى الله عليه وسلم محفوظة، ولا يجادل في ذلك إلا إنسان مريض أو به أذى في رأسه، نسأل الله العافية والسلامة.

نأخذ مراجعة سريعة في هذا اللقاء على الأحاديث التي مرت معنا. وحقيقة صدقوني، بعض الأحاديث لو قلت لكم يحتاج إلى أربع وعشرين حلقة وهي عدد الحلقات التي أخذناها في هذا الفصل، لكان قليلاً فيها. أليس هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس هذا كلام المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ بلى، وبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وجوامع كلمه صلى الله عليه وسلم أن يقول الحديث الواحد أو الكلمة الواحدة وفيها من العبر ما الله به عليم.

أول حديث تكلمنا فيه حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذن، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته». وهذا الحديث القدسي فيه من الفوائد ما الله به عليم، وكيف أن الله عز وجل يدافع عن أوليائه. ثم يبين أن أعظم الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه الفروض والواجبات، ثم تأتي بعد ذلك النوافل والسنن والمستحبات، ثم تأتي قضية لوازم المحبة، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذن.

الحديث الثاني حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها؛ قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، نحن ضعاف ولا بد أن نستكثر. تقالوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». إياكم والغلو، إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ولذلك علينا أن نتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة.

الحديث الثالث حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه، قال صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها في النار، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي». حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة، الناس يتقحمون في النار ويتركون هدي الرسول صلى الله عليه وسلم. والنبي -كناية على شدة حرصه- آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون مني. كارثة والله حينما نخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونترك هديه، النتيجة وخيمة.

الحديث الرابع حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: «يأتي على الناس زمان الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر». وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من ورائكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم»، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: «بل منكم». ولذلك يأتي على الناس سنوات فيها ابتلاء فيها فتن، فالذي يتمسك بدينه سيبتلى، لكن النتيجة نتيجة عظيمة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

تعالى أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم، فنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ما زلنا مع استعراض سريع لما أخذناه في هذا الفصل. الحديث الخامس حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أدخل الجنة؟ قال: «نعم». قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً. أيها الأحبة، عندنا أركان الإسلام، ما هناك عذر لإنسان أن يتركها أبداً، التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، حج البيت الحرام، هذه قضايا مسلمة. فقال الرجل: صليت الصلوات المكتوبة، طبعاً لا يصلي الإنسان إلا إذا كان مؤمناً بالله سبحانه وتعالى، صمت رمضان، أحللت الحلال وحرمت الحرام، هذا الدين كله أن تحل ما أحله الله، وأن تحرم ما حرمه الله، أدخل الجنة؟ قال: «نعم». قال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص. يا ليتنا نقوم بهذه الأمور، يا أحبابي الجنة بإذن الله تعالى حسن ظن بالله سبحانه وتعالى، هكذا أدخل الجنة قال: «نعم»، أحللت الحلال وحرمت الحرام، هذه القضية الرئيسية عند كل مسلم ومسلمة، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، خلاص البيع حلال والربا حرام، انتهينا، وهكذا الدين كله أيها الأحبة، ولذلك حديث عظيم جداً، وأن الإنسان ينبغي أن يحرص على الأركان أكثر من غيرها؛ لأن الأركان هي عماد الدين، إذا سقط ركن انهدم الدين، فإذا جاءت الأركان جاء كل ما يكملها بإذن الله سبحانه جل في علاه.

الحديث السادس حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وعظم الصلاة وفضل الصلاة، الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، يعني احتوت على قضية الصلاة ركن من أركان الإسلام، الصوم ركن من أركان الإسلام، الجمعة أيضاً من الصلاة، من حافظ على هذه الأمور كانت مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تحضره صلاة مفروضة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما بينها وبين التي قبلها، وذلك الدهر كله». فالإنسان يحرص، وأنا هنا أكرر قضية الصلاة، الصلاة صلة بينك وبين الله، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر، فنحرص بارك الله فيكم على هذه القضية، الصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته لما فاق من غيبوبته ماذا قال؟ «أصلى الناس؟ أصلى الناس؟». القضية الكبرى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والهاجس الكبير الذي قاله بعد أن فاق من إغماءته، أصلى الناس؟ قضية ما هي سهلة، ليت قوم يعلمون، ليت الشباب يعلمون بهذه القضية، الذي يفرط في الصلاة والذي يضيع الصلاة، أين أنت من دين الله عز وجل؟ الصلاة صلة، العبادة الوحيدة التي فرضت في السماء السابعة، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة.

الحديث السابع حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف». هؤلاء ثلاثة حق على الله أن يعينهم، رجل مجاهد في سبيل الله، مو في سبيل الشيطان ولا في سبيل الدنيا ولا في سبيل الهوى، لا في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، إنسان كان مملوكاً فاتفق مع مولاه أن يعتقه نظير مبلغ محدد، هذا سيعينه الله عز وجل، والناكح الذي يريد العفاف، إنسان يخشى على نفسه من الفتن فيريد أن يعف نفسه، حق على الله أن يعينه. إذاً هذه قضايا مسلمة لابد أن نأخذها بالتسليم المطلق، ما هو ممكن لا، تسليم مطلق، نسأل الله أن يعين المجاهدين في كل مكان، وأن يسددهم وأن ينصرهم على عدوهم وعدو الله سبحانه وتعالى، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا من الفتن.

الحديث الثامن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». إن الدنيا حلوة خضرة لا شك، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، كيف تتعامل مع الدنيا هذه؟ هل تعشقها وتحبها وتسكر بحبها حتى الثمالة، أم تأخذها بقدرها وتعلم أنها فتنة، وأن الإنسان ينبغي أن يتخفف منها، وأن يجعلها قنطرة للآخرة، جسراً للآخرة، معبراً للآخرة؟ لا تركاً لها، حلوة خضرة لكنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فينظر كيف تعملون في الدنيا، لكن انتبه، انتبه لابد أن تحسن العمل في الدنيا، إقامة شرع الله، دين الله، أمر بالمعروف، نهي عن منكر، النصيحة، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كل هذا لابد أن يكون مستحضراً.

فاتقوا الدنيا واحذروها. احذروها، طبعاً ما قال اتركوها، لا، احذروها. تعاملوا معها بحذر، تعاملوا معها بحذر كبير وبتقوى كبيرة، اجعلوها مزرعة للآخرة، اعملوا الصالحات، ابتعدوا عن السيئات، بادروا بالأعمال. الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً.

فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، خطورة النساء كالدنيا، تعامل مع المرأة بحذر، فتنة بني إسرائيل في النساء، ولذلك الآن مع الأسف القنوات ومواقع الإنترنت والجوالات فيها فتن عظيمة. فاتقِ الله في نفسك، لا تتبع النظرة، النظرة الأولى لك والثانية عليك، والنظرة المحرمة كارثة، تدمر الإيمان وتدمر القلب، ومع الأسف أعداء الإسلام فتحوا لنا هذه الأمور على مصراعيها، فما يحفظك منها بعد الله سبحانه وتعالى إلا تقواك وورعك والمراقبة لله سبحانه وتعالى.

فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، نعم بعض الناس ربما يواجه فتناً كثيرة لكن ما يقدر يواجه فتنة النساء، ولذلك احذر تسلم، اتقوا الدنيا واتقوا النساء، هذه قضية خطيرة جداً في هذا الزمان، كما قلت لكم القنوات الفضائية الآن بالآلاف، مواقع الإنترنت بالملايين، إذا ما نقول اللهم سلم سلم نقف ثم نواصل بعد الفاصل بإذن الله تعالى.

عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي بل هو مستمر إلى آخر العمر، قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل.

وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات، قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم 40 سنة، وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من 50 سنة، فاطرح عنك الكسل واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ما زلنا مع مراجعة سريعة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث التاسع: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. أحسن التعامل مع الدنيا، لا تمل إليها كثيراً، احذرها، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، لا تشرق بحبها، اتقوا الدنيا واتقوا النساء، ولذلك امتثل ابن عمر للنصيحة: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك، بادر بالأعمال.

الحديث العاشر: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». طريق الجنة محفوف بالمكاره، بما تكرهه النفس، النفس تحب الانفلات، ولذلك حفت النار بالشهوات؛ الانفلات، المحرمات، الشهوات، الهوى، التفلت من الدين. ولذلك تريد الجنة؟ اصبر وصابر ورابط واتقِ الله، راقب الله سبحانه وتعالى، أما النار فمفتوحة شهوات؛ نوم، كسل، غفلة، إعراض، كفر، شرك، نسأل الله أن يعافينا وإياكم، وهذا من الأحاديث العظيمة التي ينبغي للإنسان أن ينتبه لها.

الحديث الحادي عشر: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه». قد أفلح من أسلم، المسلم مفلح في الدنيا وفي الآخرة، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]. نعم، أن تكون عبداً لله هذه أعظم نعمة، كونه والعياذ بالله أن يكون الإنسان عبداً للشيطان ولا عبداً للبقر ولا عبداً للأصنام. ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا، دخولي تحت قولك يا عبادي، وأن صيرت أحمد لي نبياً. قد أفلح، فلاح في الدنيا وفلاح في الآخرة، من أسلم ورزق كفافاً، حتى الدنيا لا تطغى عليه، ما يكفيه هو وأهله، وقنعه الله بما آتاه، رزق القناعة في الدنيا، أما في الدين لا، ما في قناعة، الدين ينبغي أن تكون طماعاً جشعاً في الأعمال الصالحة، ما تكتفي، أما الدنيا فاقنع حتى لا تسحبك إلى الدون والعياذ بالله.

الحديث الثاني عشر: حديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» متفق عليه. من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، من نعم الله أن الله يرزقك العلم والفقه. «وإنما أنا قاسم والله يعطي»، ولن تزال هذه الأمة -هذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن دلائل النبوة- أن هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم طائفة منهم، لا يمكن أن يخلو زمان من هذه الطائفة المنصورة، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله. فالإنسان يثق بالله ويحسن ظنه بربه ومولاه، وأن هذا الدين محفوظ بأمر الله سبحانه وتعالى.

الحديث الثالث عشر: عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي زيادة: «ولو بكلمة طيبة». إذاً سيكلمك الله، أعد لنفسك هذا الموقف، تنظر يمينك ما قدمت، يسارك ما قدمت، النار تلقاء وجهك. طيب ماذا أعمل؟ قال: «فاتقوا النار»، يعني دائماً اعمل، اعمل ولو شيئاً يسيراً، لا تبخل على نفسك، «فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، يعني لا يمر عليك يوم وأنت غافل وأنت كسلان، لا تمر عليك لحظة ولا ساعة وأنت غافل، اتقِ، وقال: «ولو بكلمة طيبة». كلمة طيبة ما نستطيع عليها؟ كلمة طيبة، ولو أن تذكر الله أو تسبح أو تهلل أو تقرأ قرآناً، إذاً الإنسان يبادر، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، بادر، اتقوا النار ولو بشق تمرة، المبادرة.

الحديث الرابع عشر: حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: إن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال صلى الله عليه وسلم: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». إذاً كيف نحيل العادات إلى عبادات بالاحتساب والنية؟ حديث عظيم جداً فيه من الخير الكثير ما لا يعلمه إلا الله.

الحديث الخامس عشر: عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». ماذا نقول في هذا الحديث؟ كل جملة تحتاج إلى كلام، لكن فيه خير عظيم جداً، الذكر وما أدراكم الذكر، سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض، فضلاً عن الصلاة نور، الصدقة برهان، الصبر ضياء، القرآن حجة لك أو عليك. «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، إما تبيعها للرحمن أو تبيعها للشيطان والعياذ بالله.

الحديث السادس عشر: حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها صدقة، قال: والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» متفق عليه. ولمسلم: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». كل سلامى، كل مفصل عليه صدقة، ولذلك الأعمال كثيرة، والإنسان لا يكسل ولا يبخل، قل يعني حتى لو كانت قضية مشيك إلى الصلاة، ذكرك لله سبحانه وتعالى، وهلم جراً.

الحديث السابع عشر: عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، دائماً الصدق طمأنينة والكذب ريبة والعياذ بالله، حديث من أمهات الأحاديث.

الحديث الثامن عشر: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه». وصلة الرحم من أعظم العبادات، كما أن قطيعة الرحم موجبة للعنات، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].

الحديث التاسع عشر: حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله في من عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».

الحديث العشرون: حديث سهل بن سعد الساعدي، قال صلى الله عليه وسلم: وجاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس».

الحديث الحادي والعشرون وهو آخر الأحاديث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». هذه ثلاث أهداف رئيسية في حياتك لما بعد موتك، أردت أن يجري عليك العمل في القبر انتبه لهذه الثلاثة: صدقة جارية، علم ينتفع به، ولد صالح يدعو له. بهذا نكون قد وصلنا أيها الأحبة إلى ختام لقاءاتنا في هذا الفصل الدراسي، ومع قبس من النبوة ومن مشكاة الرسالة من كلام سيدنا وحبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، ونسأله سبحانه وتعالى أن يحفظنا جميعاً من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل شر وفتنة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.