بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.
ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد، هذه الأكاديمية المباركة، ومع اللقاء الخامس في مادة الحديث الشريف.
ومعنا في هذا اللقاء حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه، يقول: قلت: يا رسول الله، أخبرني أمراً في الإسلام لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم». اخرجه مسلم.
ايها الأحبه الأفاضل، وقف سريعاً مع معاني المفردات: قوله (قل آمنت بالله)، أي حقق كلمة التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وامتنع عن كل ما ينافي العقيدة الصحيحة والإيمان الكامل.
(ثم استقم)، أي على طاعة الله، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. هنا يقول صاحب الكتاب: والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم والدين القيم من غير اعوجاج أو ميلان عنه.
ويشمل فعل الطاعات الظاهرة والباطنة وترك النواهي. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ يقول: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قالوا: قد أسرع إليك الشيب، قال: «شيبتني هود وأخواتها». اخرجه الترمذي وحسنه الألباني رحمه الله عليه.
أيها الأحبة الأفاضل، كما مر معنا سابقاً، أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، ولذلك هذا الحديث من جوامع الكلم. هذا الحديث اشتمل على الدين كله.
هذا الصحابي رضي الله عنه يقول: أخبرني أمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً غيرك. يعني يريد إجابة أو توجيهاً أو نصيحة من النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ هذه النصيحة حتى يلقى الله سبحانه وتعالى. فقال صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم».
هذا الحديث أيها الأحبة يمثل أيضاً آية من كتاب الله سبحانه وتعالى. وقال العلماء: كل القرآن جاء في سورة الفاتحة، وسورة الفاتحة تمثلت في آية واحدة، ألا وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فإياك نعبد هو الإيمان، وإياك نستعين هو الاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى.
أحبتي في الله، قل آمنت بالله ثم استقم. آمنت بالله، ما هو الإيمان؟ نحن نقرأ في الكتب كثيراً: الإيمان قول باللسان، تصديق بالجنان، عمل بالاركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. لكن ما هي حقيقته؟
ولذلك، الإيمان هو التصديق الجازم. التصديق الجازم الذي لا يخالطه ريب ولا شك بالدين كله، وخاصة الأمور الغيبية. فإذا قيل: الإيمان، لا تقول مباشرة: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، لكن هذه الأوصاف الثلاثة على ماذا تنطلق وعلى ماذا تنطبق؟
ولذلك نقول: الإيمان هو التصديق الجازم بكل ما لا ريب فيه ولا شك، بكل ما جاء في الكتاب والسنة، وهو يشتمل على القول باللسان، تصديق بالجنان، عمل بالأركان. بمعنى أن الإيمان لابد أن يستقر في قلبك، ويظهر على لسانك، ويظهر على جوارحك.
والإيمان كما مر معنا يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكلما زاد عمل الإنسان زاد إيمانه، ﴿وَزَادُوهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله نقص إيمانه.
إذاً، الإنسان يؤمن.. طيب، أهم القضايا التي يؤمن بها: أركان الإيمان السته ويليها أركان الإسلام الخمسة، وكلها مترابطة لا تنفك عن بعضها. الإيمان بالله، والإيمان بالله يقوم على أربعة أركان: الإيمان بوجوده سبحانه..
طيب، يسال إنسان يقول: هل هناك أحد لا يؤمن؟ نعم، هناك كثر لا يؤمنون بالله أو أنه موجود، خاصة الملاحدة أو أصحاب اللوثة الفكرية والعقلية، هؤلاء لا يؤمنون بوجود الخالق سبحانه وتعالى، وأشهر واحد منهم فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] كما يقول.
فإذاً، أركان الإيمان بالله: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، الإيمان بتوحيد الربوبية، الإيمان بتوحيد الألوهية، الإيمان بالأسماء والصفات، إيمان جازم يقين ما فيه شك ولا ريب.
ثم بعد ذلك الإيمان بالملائكة، وعالم الملائكة عالم عجيب عظيم.
النوع الثالث: الإيمان بملائكته وكتبه. الكتب، وأن الله أنزل كتباً كثيرة، ذكر لنا في القرآن خمسة أو ستة: القرآن، والتوراة، والانجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى (قيل هي التوراه وقيل غيرها، على خلاف عند العلماء)، نؤمن بها كلها إيماناً مجملاً، وبالقرآن إيماناً تفصيلياً.
ثم الإيمان بالرسل، وأن الله عز وجل أرسل رسلاً كثر، ذكر في القرآن خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، جاء في بعض الآثار أن عدد الأنبياء والرسل مئة وأربعة وعشرون ألف نبي ورسول.
الإيمان باليوم الآخر وما فيه من أمور، بيوم القيامة، يوم البعث والنشر والحساب والصراط والميزان والجنة والنار، إيمان يقيني.
الإيمان بالقدر خيره وشره: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.
إذاً، هذا الإيمان الدين كله: قل آمنت بالله. أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى، وبدين الله، وبشرع الله، وبكل ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقائد.
وانتبهوا أيها الأحبة، باب العقائد لا تدخلها العقول، يعني لا تحاول أن تدخل في العقائد بعقلك: كيف الله؟ كيف صفات الله؟ كيف كذا؟ كيف كذا؟ لا، نحن ما جاءنا في الكتاب والسنة نؤمن به، أمروها كما جاءت، لا نحاول ندخل في الغيبيات بعقولنا، عقولنا لا تتحمل. ولذلك كما فعل الصحابه نفعل، كما كان عليه السلف الصالح نكون عليه. العقائد والغيبيات نؤمن بها يقيناً جزماً، لا شك ولا ريب، دون أن نتدخل في الغيبيات بعقولنا.
ما جاءنا في باب الإيمان نؤمن، أمنا، أمنا، لا نشرك، لا نشرك، اتبعنا، اتبعنا، هذا ديننا، هذا هو المنهج الصحيح.
لذلك لا تجد أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم دخل في الغيبيات بعقله أو حاول يستفسر فيها بعقله، أبدا. ما جاءهم في كتاب الله وسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمنا. أمنا بالتوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يقيناً جزماً.
أمنا بأن الصلاة ركن من أركان الإسلام وتاركها كافر. أمنا أن الزكاة هي الركن الثالث، والذي يجحدها كافر، ومن يمنعها يقاتل. وأمنا، وازداد يقيننا أن الصوم أيضاً ركن من أركان الإسلام، وأن جاحد الصيام كافر، وأنه الذي يتركه تهاوناً فانه يؤخذ على يده. وكذلك الحج لمن استطاع إليه سبيلاً.
إذاً، الإيمان أن نؤمن بعقيدة الإسلام كاملة ظاهرة وباطنة، ثم هذه العقائد منها ما هو قول، ومنها ما هو اعتقاد، ومنها ما هو عمل وفعل، كل ذلك نؤمن به: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
كلمة (قل آمنت بالله)، هذه الكلمه: آمنت بالله، يعني بالله عز وجل، وبصفاته، وما يليق به وما لا يليق به، وأفعاله، وكذا وكذا، إيمان جازم، إيمان جازم لا يتزعزع أبداً.
فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم، فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة».
وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع.
وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهراً في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيراً على قدميه.
فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. ما زلنا أيها الأحبة في هذا الحديث العظيم: (قل آمنت بالله ثم استقم).
قلت: الإيمان، الاعتقاد الجازم بكل ما جاء في الكتاب والسنة، وهو يشتمل على القول والفعل والاعتقاد. من الإيمان أيها الأحبة، من الإيمان: إقامة الدين، إقامة التوحيد، إقامة الشريعة، وكذلك نبذ ما يخالفها.
فانت تؤمن بأن الله واحد لا شريك له، وإذا أنت لا تشرك بالله سبحانه وتعالى، أنت تصرف العبادة كلها لله عز وجل، لأنه المستحق للعبادة، لانه هو الذي أمرك بهذه العبادة، لا تصرفها لغيره أبداً، صغيرة كانت أو كبيرة.
هذا يقودنا إلى قضية ايش؟ ثم استقم.
بعد أن يتأسس الإيمان في قلوبنا، في نفوسنا، في عقولنا، بعد أن يصبح راسخاً رسوخ الجبال الرواسي، بعد ذلك يأتي قضية ايش؟ التفعيل. التفعيل لكل ما في الدين من أوامر ومن نواهي، من عقائد، من ثوابت، من قيم، من أخلاق: (ثم استقم)، أي استقم على هذا النهج، استقم على الصراط المستقيم، استقم على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما أمرك الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم تأتي به، ما نهاك عنه الله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام تنتهي. ليس هناك مجال لأنك يعني تجتهد في أمر.. لا لا لا، خلاص الدين واضح: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
الاستقامة أيها الأحبة هي سلوك الصراط المستقيم والدين القيم من غير اعوجاج أو ميلان، لزوم الصراط المستقيم وسلوك الصراط المستقيم. ويشمل العبادات الظاهرة والباطنة، سواء القولية أو الفعلية أو الاعتقادية، وكذلك باب ايش؟ الترك. ترك الذنوب والمعاصي وكل ما يغضب الله سبحانه وتعالى.
أحبتي في الله، الاستقامة هي العبودية التامة لله سبحانه وتعالى، العبودية التامة لله ظاهراً وباطناً. ولذلك أذكر كلمة جميلة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول عن أعظم محركات: أعظم محركات العبودية لله سبحانه وتعالى، أعظم محركات الاستقامة: أنا كيف استقيم على دين الله؟
يقول هناك محركات: أعظم المحركات للعبودية والاستقامة للعبد على الطاعة يقول: ثلاث محركات رئيسة. هناك ثلاث محركات رئيسية تحرك الإنسان للاستقامة والعبودية لله سبحانه وتعالى، ما هي هذه المحركات الثلاثة؟ ذكرها في الجزء الأول من الفتاوى صفحة 95 يقول: محركات القلوب إلى الله سبحانه وتعالى ثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء.
هذه محركات العبودية، هذه محركات الاستقامة لله. إذا جاءت هذه المحركات الثلاثة تحركت العبودية، تحركت الاستقامة في الإنسان.
ظهرت.. طب ظهرت على ماذا أيضاً؟ ظهرت على ثلاثة أمور: الحب والخوف والرجاء، هذه المحركات الرئيسية تظهر على ثلاثة أمور، ما هي؟ تظهر على اللسان، وتظهر على القلب، وتظهر على الجوارح. بمعنى أن الحب آثاره تظهر على قلبك وعلى لسانك وعلى جوارحك. الخوف أيضاً يظهر على قلبك ولسانك وجوارحك. الرجاء أيضاً يظهر على قلبك ولسانك وجوارحك.
طيب، هل يمكن أن تنفك هذه عن بعضها الثلاثة؟ لا، ما تنفك. لذلك شبه ابن القيم كالطائر الذي له رأس وجناحان، فالرأس قال: المحبة، والجناحان قال: الخوف والرجاء.
بمعنى أنني أنا أو أنت أو أي مسلم، إذا تحققت فيه هذه الأمور الثلاثة المحركات الرئيسية للعبادة والعبودية والاستقامة لله سبحانه وتعالى، جاء الخير بعد ذلك.
لكن أعظم هذه المحركات أيها الأحبة، ما هي أعظم هذه المحركات الثلاثة؟ المحرك الأول، ما هو؟ المحبة.
قال ابن تيمية رحمه الله: اعلم أن محبة الله هي أعظم محركات القلوب لله علام الغيوب. فإذا الإنسان أحب ربه سبحانه وتعالى الحب الصادق الحقيقي الذي ما فيه ميل ولا انحراف ولا حيف، الحب المتوافق مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الحب سيحرك..
قال ابن تيمية رحمه الله كلمة جميلة: المحبة أصل كل عبادة وأساس كل عمل. المحبة أصل كل عبادة ومحرك.. أصل وأساس كل عمل. بمعنى أن أي عمل يعمله المسلم أو المسلمة بداية ينطلق من الحب، فهو أصل كل عبادة وأساس كل عمل.
حتى.. حتى في دنيانا، أنا لو اردت أن أشرب هذا الكوب، الذي يحركني على شربه حبي له وما فيه. لو أردت أن أكتب بهذا القلم، ما الذي يحركني للكتابة بهذا القلم إلا حبي للكتابة؟ هنا معنى كلمة ابن تيمية رحمه الله: أساسه أصل كل عبادة وأساس كل عمل.
فإذا انتقلنا إلى قضية العبودية لله والاستقامة لله، وجدنا أن حبنا لله عز وجل المحرك الرئيسي، المحرك الرئيسي لله سبحانه وتعالى.. للعبودية لله سبحانه وتعالى.
فإذا جاء الحب الحقيقي لله، حينئذ ستتحرك الجوارح الظاهرة والباطنة، سيتحرك القلب، يتحرك اللسان، تتحرك الجوارح الظاهرة لإقامة العبودية والاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى.
ولذلك حب الله عز وجل من ثماره الخوف والرجاء، فإذا أحببت الله عز وجل حينئذ سيتوفر عندك باب الخوف وباب الرجاء، ستخاف من عذاب الله ومن سخط الله ومن غضب الله ومن نار الله، سيأتي الخوف من هذه الأشياء. وسياتي أيضاً الصنف الثالث: الرجاء، أن ترجو ما عند الله، ترجو رحمة الله.
الله ترجو، عطاء الله ترجو، لطف الله ترجو، جنة الله سبحانه وتعالى. إذا، محبة الله هي أعظم محركات القلوب للاستقامة على هذا الدين، ثم استقم. الاستقامة هنا يا أحبابي قضية ايش؟ أن تظهر العبودية عليك.
إذا، المحركات قلنا ثلاثة: المحبة، الخوف، الرجاء. لابد أن تظهر المحبة وآثار المحبة على لسانك وقلبك وجوارحك، وهذا باب كبير جدا. ويظهر الخوف كذلك على لسانك وقلبك وجوارحك، ويظهر الرجاء على قلبك ولسانك وجوارحك. وكل عمل من هذه الأعمال يا أحبابي فيه باب كبير جدا من أنواع العبادات، لكن إن شاء الله أيضا نفصل بعد ذلك إن شاء الله بعد الفاصل نعود إليكم إن شاء الله، وصلى الله على محمد.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تجَلَّىٰ﴾ [الليل: 1-2]. وسوف نُسأل عن الوقت يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه. وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت؛ فقد كان داوود الطائي يَسُفُّ الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فاذا غُلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتاخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات. فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. ما زلنا أيها الأحبه مع هذه التحفة النبوية وهذا التوجيه النبوي: قل آمنت بالله ثم استقم.
مر معنا أيها الأحبة قبل قليل أن أعظم محركات العبودية والاستقامة: المحبة الخالصة لله سبحانه وتعالى، والخوف والرجاء. والخوف والرجاء أيها الأحبة كما قلت لا ينفكان أبدا، لماذا؟ لأن الخوف إذا وجد دون رجاء قد يسبب مشكلة كبيرة؛ لأن الخوف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: خوف قاصر، وخوف معتدل، وخوف مفرط.
فالخوف القاصر الذي يقع للواحد منا إذا سمع آية أو رأى منظرا أو رأى شيئا فإنه يخاف، لكن سبحان الله بمجرد أن يزول هذا التأثير يعود إلى الغفلة، هذا خوف قاصر. الخوف المعتدل هو الخوف الذي يثمر العمل والورع والتعلق بالله سبحانه وتعالى، ويثمر الطاعة والإقبال على الله سبحانه وتعالى. هذا هو الخوف المعتدل المطلوب، أنه ما يكون هناك فرط فيه، بل معتدل؛ فهو يجعل الإنسان يعمل، يجعل الإنسان يؤدي العبادات، يطيع الله سبحانه وتعالى، يحذر الذنوب والمعاصي، يبتعد عن الشبهات والشهوات، هذا هو الخوف المطلوب.
النوع الثالث: الخوف المفرط، وهذا يؤدي والعياذ بالله إلى خلل كبير، يؤدي إلى القنوط، يؤدي إلى الياس من روح الله، يؤدي مثلا بعض الأوقات إلى أن الإنسان يقتل نفسه وينتحر، وبعض الناس فعلا، وهذا نتيجة الجهل، يقول: الله ما يغفر لي، الله لن يرحمني، الله لن يتوب علي، وربما أدى به والعياذ بالله إلى التقاعس في الدنيا وعدم عمارة الدنيا وعدم إقامة الدين، هذا الذي حذر منه. ولذلك الخوف المعتدل هو المطلب، هو المطلوب الأول. القاصر فيه خير لكنه ما يليق بالمؤمن لأنه صاحب غفلة، والخوف المفرط كذلك كارثه. إذاً، الخوف المعتدل مطلوب، وهذا الخوف لا يؤدي بنا إلى القنوط من رحمة الله ولا إلى الياس من روح الله، بل يؤدي بنا إلى إقامة الدين ومراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن.
نأتي إلى الرجاء؛ الرجاء دائما ترجو ربك، ترجو رحمة الله، يعني حتى لو خفت فإنك لا تقنط من رحمة الله، تعلم أن رحمة الله واسعة وأن رحمة الله كبيرة وأن رحمة الله سبقت غضبه، بل سبقت كما قال: «إن رحمتي تسبق غضبي». فبالتالي تجد أن المؤمن بين الخوف والرجاء؛ يخاف من عقاب الله ويرجو رحمة الله. لكن إذا جاء الموت، إذا جاء الموت فإن الإنسان يجعل باب الرجاء أعظم من باب الخوف، في الدنيا لا؛ الخوف والرجاء، وإن كان الخوف يكون أكبر شوي من باب الرجاء، ليش؟ حتى يمتنع الإنسان عن كثير من الذنوب والمعاصي. ولكن إذا جاء الموت خلاص، حينئذ حسن ظنك بربك وافتح باب الرجاء، وأن رحمة الله واسعة، وأن فضل الله عظيم، وأن رحمة الله تسبق غضبه، وأن الله صاحب لطف، وأن الله صاحب فضل، وأن الله عز وجل الأصل فيه الرحمة ليس العذاب.
إذن، هذه الأمور الثلاثة يا أحبابي ينبغي أن ننتبه لها، الدعاة والمصلحون والمربون أنشروا هذه القضايا بين الناس، أن أصل ركائز العبودية، ركائز الاستقامة، ركائز الانضباط على الدين ثلاثة أمور: المحبة والخوف والرجاء. والمحبة لابد أن تظهر الثمار على جوارحك الظاهرة والباطنة؛ قلبك، لسانك، جوارحك، وكذلك الخوف، وكذلك الرجاء، وبالتالي سيستقيم الإنسان، سيستقيم الإنسان فعلا وتركا؛ فعل الطاعات والحسنات والقربات وما يرضي الله سبحانه وتعالى سيكون مسابقا وفاعلا لها، وكذلك ترك الذنوب، المعاصي، الشهوات، الموبقات سيبتعد عنها. لأنني أحب الله سابتعد عن كل ما يسخط الله عز وجل، لأنني أحب الله سافعل كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى، لأنني أخاف من الله ساقيم شرع الله سبحانه وتعالى، لأنني أخاف من الله ساترك ذنوب المعاصي التي نهينا عنها، لأنني أجو ما عند الله ساقيم دين الله عز وجل ظاهرا وباطنا، لأنني أعمل لرضى الله أولا ثم لجنة عرضها السماوات والارض، لأنني أرجو الله سبحانه وتعالى وما عند الله ساترك الذنوب والمعاصي وكل ما نهينا عنه.
ما أعظم العبودية لله عز وجل! ولذلك الله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. كرمنا الله عز وجل بهذا الدين، كرمنا الله عز وجل بالقرآن، كرمنا الله بالسنة، كرمنا الله بهذه الشريعة، ولذلك عرفنا قيمتنا بهذا الدين. الإنسان إذا تخلى عن دينه، تخلى عن عقيدته، تخلى عن قيمه ما هو بانسان، يصبح كالبهيمه والله، يصبح كالحيوان. الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]. ماذا قال؟ أولئك كالانعام. إذا عطل الإنسان العبودية وعطل الاستقامة وعطل نفسه عن هذا الدين، أولئك كالانعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون.
إذاً، الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذا الدين، أكرمنا بهذه الشريعة، ولذلك لا نذل أنفسنا، كان بعض السلف يقول: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك. فالطاعة أيها الأحبة عز، والله عز في الدنيا وعز في الآخرة، والمعصية ذل في الدنيا وذل في الآخرة. لذلك الانسان يريد أن يعيش حياة مستقيمة، حياة ثابتة، حياة هانئة، كيف بالدين؟ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. إذاً، حياة طيبة، هذه الحياة ما تتحقق إلا بالاستقامة، الاستقامة تكون استقامة على الدين، على العبودية الحقة لله عز وجل، من أقرب الناس للتوحيد، من أبعد الناس عن الشرك، كل طريق يؤدي إلى مرضاه الله سواء كان في العقائد أو في الشريعة أو في المعاملات أو في العبادات نأتي به، وكل طريق يؤدي إلى سخط الله إلى غضب الله إلى عقوبة الله نبتعد، ولو كان شيئا يسيرا، لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت يا عبد الله.
إذن، هذا الحديث عظيم جدا شمل الدين كله في كلمتين: آمنت بالله ثم استقم. آمنت بدين الله، بشريعة الله، بما جاء من أوامر ومن نواهي، على العين والراس نقبل؛ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. هذه قضية مسلمة، ثم بعد ذلك ليس الإيمان فقط كلاما، بعض الناس يقول لك: يا اخي أنا مسلم، طيب أين دينك، أين عملك، أين أخلاقك، أين سلوكك، أين توحيدك؟ ما في، إذا كيف تكون مسلما؟ معنى مسلم أنك استسلمت لهذا الدين ظاهرا وباطنا، استسلمت لكل الأوامر والنواهي، استسلمت أن تكون عبدا لله ليس عبدا لشهواتك ولا لنزواتك ولا لرغباتك، لا، أن تقصر نفسك على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قل آمنت بالله ثم استقم.
نكتفي بهذا أيها الأحبة، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي