بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.
أيها الأحبة، وهذا هو اللقاء الأخير معنا في هذا الفصل الدراسي، الفصل الثالث من أكاديمية زاد الحديث الشريف، ولعلنا أن نأخذ مراجعة سريعة جداً على الأحاديث التي مرت معنا في هذه المادة المباركة. الحديث الأول: حديث النعمان بن بشير قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول، وأهوى النعمان بأصبُعيه إلى أذنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». متفق عليه.
وهذا الحديث أيها الأحبة يبين أن عندنا هناك أمور حلال واضحة جداً، وأمور حرام واضحة جداً، وهناك مشتبهات، هذه المشتبهات لا يعلمها إلا العلماء، لا يعلمها كثير من الناس، من الذي يعلمها؟ القلة وهم العلماء، لذلك أمرنا أن نكون من أهل العلم والتعلم ونطلب العلم، والإنسان أيضاً يحذر من الذنوب والمعاصي، يبتعد عما حرم الله سبحانه وتعالى. ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، ولذلك الإنسان يحذر أيها الأحبة أن يبتعد عن كل ما يسخط الله سبحانه وتعالى، ثم قضية صلاح القلب؛ صلح القلب صلح الجسد، فسد القلب فسد الجسد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الحديث الثاني أيها الأحبة، ألا وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». فعلاً يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم الأدب طبعاً في قبول ما جاء به صلى الله عليه وسلم وأرشدنا إليه، أو حتى في التعامل معه صلى الله عليه وسلم. الشيء المحرم اجتنبه تماماً تماماً، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، والشيء الذي أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، قدر ما تستطيعون، لا تقصروا على أنفسكم. الحرام لا، الحرام قول واحد يجتنبه، وهذه الطاعات قدر ما تستطيع تأتي بها، لا نتكلم عن الفرائض هذه واجبة، لكن الأمور الأخرى الثانية فأتوا منها ما استطعتم، وكذلك قضية عدم الاختلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا كان سبب في اختلاف الأمم السابقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الحديث الثالث: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «يا غلام، إني أعلُمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
وهذا الحديث يا أحبابي من الأحاديث العظيمة والتي فيها توجيهات عظيمة جداً، احفظ الله يحفظك، فعل شرط جواب شرط، احفظ الله تجده تجاهك، وفي رواية أخرى: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، إذا سألت فاسأل الله، إذا استعنت فاستعن بالله، كلها مع الله سبحانه وتعالى. واعلم أن الأمة لو اجتمعت الأمة كلها على أن يضروك بشيء أو ينفعوك بشيء لا يمكن إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليك أبداً، رفعت الأقلام وجفت الصحف، وهذا مما يقوي عقيدتنا ويقيننا بالله سبحانه وتعالى، وكيف نعيش حياة مطمئنة وحياة كريمة وحياة عظيمة في هذه الدنيا وأنت مع إلهك ومع ربك ومع خالقك ومع مولاك القوي القاهر سبحانه جل في علاه، حديث فعلاً يربي فينا المراقبة لله والاستعانة بالله والتوكل على الله سبحانه جل في علاه.
الحديث الرابع معنا أيها الأحبة، حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». ثلاث قضايا مهمة؛ قضية بينك وبين الله، وقضية بينك وبين الناس، وقضية بينك وبين نفسك. اتق الله حيثما كنت، هذه بينك وبين الله، وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، هذه بينك وبين نفسك، وخالق الناس بخلق حسن، هذه بينك وبين الناس. إذا طبقت هذه الأمور الثلاثة في حياتك نجوت، نجوت أول واحد، هذا كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم. الإنسان دائماً يراقب الله، يتقي الله سبحانه وتعالى، كذلك لو قصر أو أذنب أو وقع في زلة أو في خطأ، يا أخي أتبع السيئة الحسنة تمحوها، رحمة الله واسعة، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. خالق الناس بخلق حسن، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به يا عبد الله، كم مر معنا في الأخلاق من أحاديث كثيرة وتوجيهات نبوية عظيمة جداً في باب حسن الخلق.
الحديث الخامس: حديث عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني أمراً في الإسلام لا أسأل عنه أحداً غيرك أو بعدك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم». اللهم صل على رسول الله، آمنت بالله، حقق الاستقامة مع الله سبحانه وتعالى، آمن بكل ما جاءك في العقيدة أو في الشريعة أو في المعاملات أو في العبادات، ثم استقم على هذا الدين العظيم، آمن بالله ثم استقم على هذا الدين. يعني شوفوا يا إخواني التوجيه النبوي البسيط: آمنت بالله، إذا آمنت بالله استقم على الشريعة التي جاءتك من الله سبحانه جل في علاه، التوحيد ثم أقم بعد ذلك الشريعة كاملة، فإن الله سبحانه وتعالى سيحفظك وسيعصمك وسيسددك.
نأتي بعد ذلك أيها الأحبة إلى الحديث السادس، ألا وهو حديث سعد بن هشام رحمه الله قال: انطلقت إلى عائشة رضي الله عنها وقلت: يا أم المؤمنين، انبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. سمعنا معنى خلقه إيش؟ القرآن، بمعنى اقرأ القرآن، انظر ما أحله الله في كتابه فافعله، وما حرمه الله في كتابه فحرمه، كن مع القرآن تالياً مراجَعاً متدبراً مستشفياً مطبقاً معلماً. يا إخوان القرآن، أين نحن من القرآن ولا حول ولا قوة، القرآن شافع مشفع، يقول صلى الله عليه وسلم، وما أحسن مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار.
نواصل ثم نعود إليكم بإذن الله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة، فالاستخدام في طلب العلم ميزات منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا.
ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيح والتحريف، ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة، ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بُعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة، والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم، حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصة, سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء، فلتستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يُعطَ، ومن يتق الشر يوقه».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وما زلنا مع مراجعة سريعة في مادة الحديث، ومعنا الحديث السابع عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة». متفق عليه.
إذاً النية في العمل الصالح مطلب، انو الخير ولو لم تعمله، انو الخير، هم بحسنة فلم تعملها حسنة كاملة، فإن عملتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما في الحديث، فضل الله سبحانه وتعالى يا إخواني. هم بسيئة لا تفعلها خوفاً من الله، فإن عملتها سيئة واحدة، وفي رواية أخرى: «ولن يهلك على الله إلا هالك»، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الحديث الذي بعد ذلك أيها الأحبة، الحديث الثامن: حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله». متفق عليه، وفي مسلم: «وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر». وكلها توجيهات عظيمة جداً، متى ما تمسكت بربك سبحانه وتعالى ولجأت إليه سينصرك، سيسددك، سيأخذ بيدك. ومن يستعفف يعفه الله، من يستغني يغنه الله، من يتصبر يصبره الله. بمعنى أنت وأنا ونحن لا نملك شيئاً لأنفسنا، والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، ثم قضية الصبر «وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر»، لذلك كما يقول عمر: أدركنا خير عيشنا بالصبر. الله أكبر، الله يحب الصابرين، إنما يوفى الصابرون أجرهم، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصبر في غير فتنة ولا بلية.
الحديث الذي بعد ذلك أيها الأحبة، الحديث التاسع: حديث ابن مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». أخرجه البخاري. تكلمنا كثيراً في جانب الحياء أيها الأحبة، وأن الحياء يشمل أموراً كثيرة جداً، وأن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء. لذلك أيها الأحبة الأفاضل الإنسان يطبق، يستشعر معية الله ونظر الله له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا نستحي من الله. قال: «من استحي من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».
وهذا الحديث يبين إذا كان الأمر لا يستحى منه فافعلوا، هذا معنا. والمعنى الآخر أن الإنسان إذا فقد الحياء والعياذ بالله فقد كل مروءة، أصبح يفعل كل ما شاء ولا يستحي من أحد والعياذ بالله.
الحديث العاشر: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». ديننا دين الأخلاق، معالي الأمور، بدأ بك يعني آمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. الكلام كارثة، الكلام كارثة إذا لم ينضبط بالكتاب والسنة، واللسان صغير الجرم عظيم الجرم. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، والجار له حق وأي حق، وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، الضيف له حق وإكرامه كرامة، يجب الإنسان فعلاً أن يحرص على إكرام الضيف قدر ما يستطيع، وهذه من الأمور التي حث عليها الشارع الكريم، ولا يتعذر إنسان ويبتعد عن البخل، ابتعد عن البخل بقدر ما تستطيع، ما هو دين بخل، الإسلام دين كرم وعطاء وبذل، والله الله الكريم يحب الكرماء، والنبي صلى الله عليه وسلم أكرم البشر على الإطلاق، لا تقول لي حاتم الطائي ولا غير حاتم الطائي، أكرم البشر هو محمد صلى الله عليه وسلم.
الحديث رقم أحد عشر: الحادي عشر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
بطر الحق رد الحق وغمط الناس. الكبر مرض خطير، لو دخل منه شيء القلب أفسده، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
على ماذا تتكبر يا ابن آدم؟ عجبت لمن يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين! كيف تتكبر؟ الله يقول: «العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في شيء منهما...» ايش؟ «عذبته، عذبته». الإنسان يعرف قدره يا إخواني، يعرف قدره.
يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يطأهم الناس والدواب بأقدامهم وأظلافهم، كما تدين تدان، كما تدين تدان.
الحديث الثاني عشر، رقم إطعش، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول أو... أو إن لم يكن فيه فقد بهته» رواه مسلم.
والبهتان أعظم من الغيبة. مع الأسف، فاكهة المجالس والغيبة هذه مما يحليها الشيطان على أفواهنا بألسنتنا، نسحب بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الربا بضع وسبعون حوباً، أدناها كأن ينكح المرء أمه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وإن أربى الربا استطالة أحدكم في عرض أخيه المؤمن». لذلك الإنسان ينتبه؛ الغيبة داء خطير.
يقول الحسن رحمه الله: إن الغيبة أسرع إلى دين الرجل من الأكلة؛ من الأكلة إلى جسده. لكن الغرغرينا إذا وقعت العضو خلاص تتلفه والعياذ بالله، ويقول: الغيبة تفعل بدين الرجل أشد مما تفعل الغرغرينا أو الأكلة بجسد صاحبها، ولا حول ولا قوة إلا به. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
بشرى تنازل أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. لا شك أن الرياضة تكسب النشاط والحيوية، وتبني الجسم وتقويه وتحصنه من الإصابة بالأمراض، كما أنها علاج للاضطرابات النفسية والقلق والتوتر، وباب لملء الفراغ في النافع المفيد.
وعلى الجانب الأخلاقي؛ فهي تنمي روح التعاون والمنافسة الشريفة واحترام الآخرين. والأصل في الرياضة الإباحة، أما إذا كانت لأهداف وغايات محمودة كتقوية الجسم، وتنشيط النفس للقيام بالواجبات الشرعية أو مجاهدة العدو، فإنها ترتفع من مستوى الإباحة إلى مستوى الاستحباب.
ولأن الإسلام منهج حياة؛ فقد وضع للرياضة ضوابط تعصمها من الانحراف عن مقاصدها الأصلية: من هذه الضوابط مراعاة المقصد الحسن عند ممارستها؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وجوب ستر العورات والبعد عن مواطن إثارة الغرائز، عدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو يغلب على الظن تحققه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ألا تلهي عن واجب شرعي كالصلاة والصيام، البعد بها عن المكاسب المحرمة كالقمار والمراهنات، عدم الاختلاط بين الجنسين، ألا يغلب عليها التعصب بأن يبنى عليها ولاء أو براء، عدم إيقاع الأذى المقصود بالمخلوقات كاتخاذ الطيور أهدافاً للتدريب أو تعذيب الحيوانات أو التحريش بينها بقصد اللهو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ما زلنا مع هذه المراجعة السريعة في هذه المادة الكريمة. الحديث الشريف؛ الحديث رقم ثلطعش، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين، لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
لا حسد، لا غبطة إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله مالاً وسلط هذا المال على هلكته في الحق؛ بمعنى سلط هذا المال في الخير، الصدقة، في الإصلاح، أيتام، في البر، في كل ما يرضي الله سبحانه وتعالى. إذا رأيت إنساناً أعطاه الله مالاً وسلطه على أهل الخير؛ هذا تغبطه، تدعو له.
ورجل أعطاه الله الحكمة فهو يقضي بها بين الناس، أعطاه الله عقلاً ناضجاً، فكراً رائجاً؛ هذا العقل وهذا الفكر يدعو ويعلم ويصلح ويهدي ويؤلف بين الناس. فعلاً ما كل إنسان عنده عقلية يستطيع أن يصلح فيها، وأن يوفق، وأن يسدد، وأن يجمع القلوب، وأن ينفس الكروب بإذن الله سبحانه وتعالى؛ هؤلاء الذين يغبطون بإذن الله سبحانه وتعالى على هذا الفضل.
بعد ذلك عندنا الحديث رقم أربعطعش؛ الرابع عشر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» متفق عليه.
انظروا إلى من أسفل منكم في الدنيا ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ أجدر ألا تزدروا نعمة الله. يا إخواني، نحن عندنا نعم كثيرة، نعم كثيرة جداً جداً جداً، لكن من الذي يتفكر فيها؟ من الذي يستشعرها؟
دائماً يا إخواني ننظر إلى ما ينقصنا، طيب انظر ايش عندك أنت؟ انظر إلى النعم التي عندك، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. هكذا الإنسان إلا من رحم ربي، ينظر إلى ما فقد. طيب انظر ماذا تملك؟
يأتي رجل للنبي صلى الله عليه وسلم... أسف، إلى أحد السلف يشتكي من حاله وفقره، قالت: أتباع لي عينك بمئة ألف؟ قال له: لا. طيب أذنك بمئة ألف؟ قال له: لا. قال: لسانك، يدك، قدمك؟ قال: سبحان الله، عندك مئات الأوف تقول أنا فقير!
هذي المشكلة أن بعض الناس ما عنده استشعار لنعم الله عليه، ليش فلان وفلان؟ طيب أنت سبحان الله، والله بعض الناس من يملك المليارات لكنه ما عنده عافية، ويتمنى أن ينفق كل ملياراته من أجل العافية ما يستطيع. لذلك الإنسان يكون عاقل، ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14]. أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم شكر نعمه.
الحديث الخامس عشر؛ الخامس عشر، عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلاً على من دونه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟».
كما قلت لكم يا أحبابي، هذا الدين شامل كامل، حتى الضعفاء والمساكين لهم قيمتهم، لهم اعتبارهم؛ إن لم يكن عندنا فعند رب العالمين. في الحديث: «يا محمد، إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين». فحب المساكين، «وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون».
المساكين لهم قيمة، مكانة، ﴿رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ﴾. ولذلك الإنسان يا إخواني لا يحتقر أحداً، القضية ما هي قضية مظاهر، قضية جواهر.
نعم، الحديث السادس عشر، عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه، متفق عليه. المؤمن للمؤمن كالبنيان، البناء لا يتخلى عن نفسه أبداً عن بعض أبداً، البناء هو مكون من أبعاض، وهذه الأبعاد مترابطة متشابكة، لا يمكن أن تنفك أبداً، وبالتالي هكذا المؤمن.
لذلك قضية النفرة، التدابر، التنابز، التناحر؛ هذه ما هي في مجتمع المسلمين أبداً، وإذا وجدت فلا يسمى مجتمعاً مترابطاً. المؤمن للمؤمن كالبنيان يعينني وأعينك، تقف معي وأقف معك، أما التدابر والتنابز والغل والحقد لا ما هي في المجتمع المسلم أيها الأحبة.
الحديث السابع عشر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». الله أكبر! المؤمن للمؤمن كالبنيان، وهذا ايش؟ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». أنت تحب لنفسك الجنة أحبها لي، تحب لنفسك الغنى أحبه لي، تحب لنفسك الستر أحبه لي، وكلنا نحبه للآخرين.
هكذا الإيمان يصنع، أما أنا ومن ورائي الطوفان! ما هي أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم ولا أخلاق المسلمين.
الحديث الثامن عشر، عن أبي ذر قال: قيل يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن». وهذا من فضل الله وألطاف الله علينا يا أحبابي؛ أنك تعمل العمل الصالح لله سبحانه وتعالى، وإذا يظهر عند الناس، والله فلان سوى كذا، والله فلان سوى كذا، والله ما شاء الله تبارك الله، هذا كما قلت من عاجل بشرى أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من عاجل بشرى المؤمن.
أما يأتيك الثناء من الناس، أو تجد الأثر هذا في نفسك وفي حياتك وفي قلبك، أو ترى حتى ربما في المنامات من البشائر لهذا العمل الذي قمت به، وبالتالي يا إخواني الله سبحانه وتعالى يكرم عباده بأشياء إما في قلبه، أو بنفسه، أو في المجتمع، أو من المنامات، أو غير ذلك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل أعمالنا جميعاً.
الحديث التاسع عشر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا وأبشروا؛ فانه لن يدخل الجنة أحداً...» لن يدخل الجنة أحداً عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته».
الله أكبر، الله أكبر! أعمالنا سبب للجنة وليست ثمناً، الثمن ما يملكه أحد إلا الله سبحانه وتعالى، ثمن الجنة بيد الله، لكن نحن أسباب نقدمها لله سبحانه وتعالى، إن أدخلنا الجنة فبفضله ورحمته، وإن دخلنا النار والعياذ بالله فبعدله، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم من نار جهنم ومن غضب الرحمن إنه على كل شيء قدير.
آخر حديث معنا أيها الأحبة؛ الحديث العشرون، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». المؤمن يكون ذكياً، كيساً فطناً، وإن كان هذا الحديث فيه ضعف بل بعضهم يقول إنه موضوع، لكن المؤمن بالذكاء يعرف كيف يتعامل مع الناس، كيف يأخذ الحق ويعطي الحق، كيف يتعامل مع الناس في المجتمع، كيف يكون قدوة وكيف يكون أمة، وما يجعل أحداً يكذب عليه أو يستغفله والعياذ بالله، بل هو الذي قد... قد يتغافل بعض الأوقات لكن ليس مغفلاً أبداً، ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغافل.
أيها الأحبة الفاضل، وهكذا جئنا إلى ختام لقائنا معكم في هذا الفصل الدراسي، الفصل الثالث، ومر معنا أحاديث كثيرة وعظيمة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وصية لنفسي وإياكم: أولاً أن نحفظ هذه الأحاديث، وهي من الزاد الذي يبقى معك، وكما قالوا من حفظ المتون حاز الفنون. وبالتالي أيها الأحبة، طالب العلم وطالبة العلم لابد أن يكون لهم شأن في الحفظ، طالب علم لا يحفظ ما يُسمى طالب علم، إنسان يعني نقول متسلطاً للعلم، لكن طالب العلم يحفظ، يحفظ المتون، يحفظ القرآن قبل ذلك، السنة، يحفظ كلام السلف الصالح، يحفظ المطولات، الأشعار العلمية والقصائد العلمية، ما ثبت حتى يكون عنده زاد معه أينما ذهب، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك أنا أوصيكم، أوصيكم بحفظ ما مر معنا في هذه المادة، كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هناك كلام أعظم من كلام الرسول إلا كلام رب العالمين. فلما تحفظ القرآن أو شيء من القرآن والسنة أو شيء من السنة، وتيجي في أي مجلس، تعلم الناس، تدعو، تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر؛ تصبح أنت نور أينما ذهبت أينما ذهبت. تفضل يا شيخ، كلمة، تفضل يا فلاننا، أفيدينا، وهكذا يصبح الإنسان عنده مكنة، عنده زاد، هذا الزاد أينما ذهب هو معه، ما يحتاج أني بحضر ولا ما أحضر، خلاص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذه، نقرأه، نعلمه للناس، يحفظونه ونذكرهم به.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يا إخواني نعمة عظيمة، أن توفق إلى حفظ السنة أو شيئاً من السنة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. الله الله أيها الأحبة في الثبات على طلب العلم، والثبات على الدعوة، والثبات على الإصلاح وخدمة هذا الدين العظيم.
والله الذي لا إله إلا هو إن هذا الدين منصور بنا أو بغيرنا، ولكن من الذي يجعل نفسه في هذا في هذا الطريق يخدم دين الله سبحانه وتعالى وينال هذا الشرف؟ وإن دين الله مخدوم يا اخي الكريم، والله مخدوم، لكن أنت أحشر نفسك مع الصالحين، مع الطيبين، مع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، مع المصلحين عما فسد من الناس.
أسأل الله عز وجل أن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي