تسجيل الدخول

حديث: (سددوا وقاربوا وأبشروا...) المحاضرة 22 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد في مادة الحديث الشريف، ومع هذه الأكاديمية المباركة أكاديمية زاد.

واليوم في الحديث التاسع عشر، وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحداً عمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة». متفق عليه.

قوله: «سداد»؛ السداد هو الصواب، أي اقصدوا الصواب بفعل القربات دون غلو ولا تقصير، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض والهدف ولم يخطئه. وقوله: «وقاربوا»؛ أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملل فتتركوا العمل فتفرطوا. وقوله: «وأبشروا»؛ أي إذا قمتم بما أمرتم به من سلوك سبيل السداد فابشروا بالثواب الجزيل. وقوله: «يتغمدني الله منه برحمة»؛ أي ألبسنيها ويغمدني بها، ومنه قولهم: أغمَدتُ السيف؛ إذا جعلته في غمده وسترته به. قوله: عمله، أي إن دخول الجنة والتمتع بنعيمها لا يحصل للعبد بمجرد العمل، بل بفضل الله وإحسانه، فهو الذي وفق العبد للعمل الصالح وأعانه على فعله وامتن عليه بقبوله وتفضل بالمثوبة.

النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك من خير إلا ودل الأمة عليه، ولا شر إلا وحذر الأمة منه؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. سبحان الله العظيم، النبي صلى الله عليه وسلم حرصه على هذه الأمة لا يوصف، ما ترك من خير إلا ودلنا عليه، ولا شر إلا وحذرنا منه، ولذلك يقول: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنه، وأنا آخذ بحُجُزِكم من النار وأنتم تفلتون مني».

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم وصفه الله عز وجل بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. رحمة للبشر وللجنس وللجماعات والبهائم والجبال والسماوات والأرضين والعالم، كل العوالم رسولنا صلى الله عليه وسلم رحمة لها، ولذلك هذه العوالم لا تبقى إلا إذا بقي دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا زال دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فسدت السماوات والأرض وقامت القيامة.

ولذلك يقول هنا: «سددوا وقاربوا وأبشروا». سددوا؛ يعني افعلوا الخير قدر استطاعتكم، افعلوا الصواب قدر استطاعتكم، جاهدوا أنفسكم بالأعمال الصالحة، جاهدوا أنفسكم بكل ما يرضي الله سبحانه وتعالى، اقصدوا الأعمال، لا تركنوا للدنيا، لا تركنوا للغفلة، لا تركنوا للشيطان.

وقاربوا؛ يعني كذلك لا تحملوا أنفسكم ما لا تحتمل، لا تحمل نفسك الشيء الكبير فتمل، بعض الناس يا إخواني قد يحمل نفسه شيئاً لا يطيقه، قد يتحمله فترة بسيطة لكن لا يستطيع الاستمرار فيه أبداً، ولذلك عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا. ولذلك أحبتي في الله، الإنسان لابد أن يكون صاحب حكمة، صاحب حكمة في العمل وصاحب حكمة في الاستمرار. الإنسان يا إخواني، القضية ليست قضية كثرة؛ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2] لا ليبلوكم أيكم أكثر عملاً.

فاذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا وأبشروا»، اعملوا الأعمال واجتهدوا في أدائها واجتهدوا في كل ما يقربكم من الله سبحانه وتعالى، لا تحملوا أنفسكم ما لا تحتمل يا إخواني، النفس ضعيفة، النفس ضعيفة وقد يؤثر فيها الشيء الذي أنت لا تنتبه له. أذكر كلمة جميلة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه يقول: إن للنفس إدباراً وإقبالاً، بمعنى نفسك قد تأتيك يوم من الأيام مقبلة على الطاعات على العبادات على القربات، طيب كيف تتعامل معها؟ ونفسك هي هي قد تجبرها يوم أنت فيها نفور فيها ملل فيها سأمة، طيب كيف تتعامل معها؟ اسمع النصيحة من هذا الرجل العظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: إن للنفس إقبالاً وإدباراً، فإن أقبت –أي أحبت الخير– فعليكم بالنوافل، النوافل متى يأتي بها الإنسان؟ النوافل ما يأتي بها إلا بعد الفرائض، فمعنى كلامه عليكم بالفرائض والنوافل ما دام النفس مقبلة، حملها وخلها تعمل وخلها تصلي وتصوم وتذكر الله وتدعو الله وتتصدق وكل الأعمال الصالحة وهي مقبلة. وإذا أدبرت –كلت، أصابها الملل والسأمة– فعليكم بالفرائض، شفت نفسك يعني شديدة، نفسك ملولة، نفسك يعني ما هي متحملة، انتبه خلاص، أعطها الفرائض بس، أعطها الفرائض لأنها لابد أن تتغير النفس، فإذا أعطيت الفرائض وما حملتها هدات النفس، سياتي يوم ستعود لك، هذه حال المؤمن.

ولذلك أيها الأحبة، نحذر القلوب إذا كلت عميت، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولكن يا حنظلة ساعة وساعة». أما انك تحمل نفسك تحمل نفسك بعد ذلك هذا الوضع لا يستتب لك، قد ينكسر الحال والقوة تذهب وتخور القوة، لا خليك إنسان معتدل في عباداتك وفي طاعاتك وفي قرباتك حتى تمشي. «سددوا وقاربوا وأبشروا». فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

روي أن مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. أنه الإيثار؛ أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب البذل والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمه ويدل على الصفاء والنقاء. امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة، منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبه بين الناس، البعد عن صفات الشح والأثرة من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار. فهنيئا لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ما زلنا مع الحديث الشريف؛ الحديث فيه وصايا: قوله: «سددوا» يعني اعملوا الصالحات وسابقوا للأعمال الصالحة وصوبوا أعمالكم. «وقاربوا» بمعنى المقاربة، عدم تحميل النفس ما لا تحتمل، لا تحمل نفسك الشيء الذي ما تستطيعه.

بعض الصحابه في أول حياتهم كان عندهم نشاط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعني تمسح لهم الأعذار، يا رسول الله أنا استطيع أكثر من هذا، أقرأ القرآن في أربعين؟ قال: «لا». قال: يا رسول الله استطيع؟ قال: «في ثلاثين». قال: استطيع؟ قال: «في أسبوع». قال: استطيع؟ قال: «في ثلاث أيام». قال: استطيع في أقل من ذلك؟ قال: «لا، أفضل من ثلاثة أيام» وكما جاء في الحديث.

الشاهد أن الصحابة بعضهم يعني كان يتندم أنه لم يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت في قراءة القرآن أو في الصيام أو أو أو. بذلك يا إخواني، الإنسان في شبابه عنده قوة للعمل، للبر، للتضحيه، للثبات، لكن بكرة ستكبر وتخور قواك، إذا كيف تفعل؟ وكان الصحابة لا يحبون أن يفارق شيئاً فارق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا يا إخواني، الخير في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاه والسلام: «سددوا وقاربوا وأبشروا».

الله أكبر، كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره التشاؤم. «أبشروا»، أنتم تتعاملون مع ملك الملوك، أنتم تتعاملون مع الرحمن الرحيم، أنتم تتعاملون مع الخالق الرب الكريم، قال: «وأبشروا». كلمة «أبشروا» هذه يا إخواني من رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني الكثير، تعني الكثير حينما يقول صلى الله عليه وسلم: «أبشروا». البشارة سواء كانت بثواب الأعمال أو برحمة أرحم الراحمين، أو بلطف الله فيك، أو بتوفيق الله لك، أو بحفظ الله لك، أو... كثيرة جداً، يكفي أن الذي قال أبشر هو المعصوم صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ما يقول شيء من تلقاء نفسه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].

ولذلك قال: «سددوا وقاربوا وأبشروا»، يعني أنت خذ من الأعمال ما تطيق واستعن بالله سبحانه وتعالى وأبشر. أبشر، ترى الجنة لا هي بعملت ولا هي بقوتك، قال: «وأبشروا فانه لن يدخل الجنة أحداً عمله». في حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: «اعملوا واعلموا أنكم لن تدخلوا الجنة باعمالكم». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته».

سمعتم أيها الأحبة؟ طبعا هذا الكلام حينما أقوله ليس مدعاه للكسل ولا للغفلة ولا للركون للدنيا ولا لاتباع الهوى، لا، إنما نقول هذا الكلام أن الإنسان يجتهد قدر استطاعته ولا يحمل نفسه ما لا تحتمل ولا يظن أنه سيدخل الجنة بعمله، لا والله، إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، الذي ما عبد الله أحد مثله، يقول أنا عملي يا محمد صلى الله عليه وسلم لا يدخلني الجنة؟ أحبط؟ لا، ما تحبط، بل تثق بالله، تثق بالله.

طيب، إذا كان عمل رسول الله لا يدخل الجنة، طيب كيف ندخل؟ لا، نحن ندخل، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن كذلك في معيته بإذنه تعالى بفضل الله ورحمته. طيب أعمالنا بلاش، اعمل خلاص؟ لا لا، انتبه، العمل سبب وليس ثمن، العمل ايش يا إخواني؟ انتبهوا لهذه الكلمه، أعمالنا سبب لدخول الجنة وليست ثمناً للجنة، واضح العبارة؟ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32] سبب، أما الثمن لا والله، ما أحد يستطيع أن يقدم ثمن الجنة، والله من الخلق ما يستطيع أحد أن يقدم ثمن الجنة، الجنة ما لها ثمن أبداً، ما لها ثمن، الجنة دخولها برحمة أرحم الراحمين، أعمالنا سبب بس، سبب لدخول الجنة، أما الثمن لا.

ولذلك كما جاء في بعض الآثار أن راهباً من بني إسرائيل عبد الله قيل أربعين وقيل خمسمائة سنة، فقال الله له: ادخل الجنة برحمتي. قال: لا يا ربي، عملي وين راحت أعمالي هذه؟ شوف الإنسان وجداله، فقال الله سبحانه وتعالى: زنوا أعماله أمام نعمة البصر بس، فرجحت نعمة البصر وطاشت أعماله في تلك السنين كلها، فقال الله: اذهبوا به إلى النار. قال: لا يا ربي، برحمتك، برحمتك يا رب برحمتك. فأدخله الله الجنة.

انتبهوا، أعمالنا ليست ثمناً للجنة، وإنما هي ايش؟ سبب. ولذلك حتى يعني نعرف، النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه وعد بالجنة وهو من أهل الجنة، والله سبحانه وتعالى جعله في الفردوس الأعلى والحور العين، ومع ذلك كيف كان يعبد الله يا إخواني؟ هل اتكل على رحمة الله؟ هل اتكل على وعد الله؟ أبداً، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان. والله يا إخواني أنا أقرأ في حديث حذيفة: صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل، قال: فافتتاح القرآن وافتتح البقرة، قلت يركع عند المائة، فمضى، عند المائتين قلت يركع بها، فافتتح آل عمران، وفي رواية النساء ثم آل عمران ثلاث سور، يقول يقرأ مترسلاً، لا يمر باية رحمة إلا سأل الله من فضله، ولا باية عذاب إلا استعاذ بالله من عذابه، ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم بكل خشوع، فلما انتهى من هذه الطوال قال: فركع. طيب، كم عندك البقرة وآل عمران والنساء؟ كم ساعة يبغى لها؟ قال: فركع، فكان ركوعه قريبا من قيامه، كم ركع النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم رفع، فكان رفعه قريباً من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده قريباً من قيامه. الله أكبر، الله أكبر، وحذيفة يصلي معه صلى الله عليه وسلم، كم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ شيء عجيب.

تنظر إلى صيام النبي صلى الله عليه وسلم، عجب عجاب، يمكث الأيام الطويلة يسردها سرداً، صائم لله سبحانه وتعالى. الصحابة أرادوا أن يفعلوا مثله، قال: «لا تستطيعون، إنما أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني». فكان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقولون لا يفطر، وربما أفطر حتى قالوا لا يصوم، زيادة في العبادة.

النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة كان يعطي عطاء عظيماً جداً، يأخذ بيد أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه ويقول: «يا أبا ذر، أترى أحد؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «والذي نفسي بيده، لو كان عندي مثل أحد ذهباً».

ما أحببت أن يمر علي ثلاثة ليالي وعندي منه شيء، إلا شيء أدخره للدين، أحط 3 كيلو ونصف في 7 كيلو ونصف، يقول: لو كانت عندي ذهب -وهو المعصوم الذي لا ينطق إلا بتوجيه الرب سبحانه وجل في علاه- لو عندي مثل أحد ذهب، يقول: ما أمسكت ثلاثة أيام. من يفعل مثل هذا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقول: حتى أنا عملي لا يدخلني الجنة إلا أن يتغمدني الله برحمته. سمعنا أيها الأحبه، أن يتغمدني الله برحمته. إذا الإنسان يا إخواني لا يعني ينغر بعمله، والله عز وجل يقول: ولا تمن تستكثر، انتبه، لا تمن على الله عملك مهما فعلت، لا تمن. في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «لو أن عبداً يجر على وجهه منذ أن ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله لحقره يوم القيامة» حديث صحيح. لو أن عبداً يجر على وجهه منذ أن ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله في طاعة الله لحقره يوم القيامة. إذاً مهما فعلنا ترى أعمالنا لا قيمة لها أمام رحمة الله وفضل الله وجنة الله.

يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عينية ونقدية، وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد أي مسابقه، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟ الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول: أن يكون ثمن البضاعة حقيقياً، بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز. الشرط الثاني: ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط، كان يشتري حليباً أو عصيراً وهو لا يحتاج إليها، لكن ليحصل على الجائزة ثم يريقه ولا يستفيد منه، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه، فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس» فذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». فإن كان يستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا باس.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته أيها الأحبة، أحبتي الأفاضل، ما زلنا مع هذه الدرة النبوية: «سددوا وقاربوا وابشروا، فانه لن يدخل الجنة أحداً عمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» متفق عليه. احبتي في الله، اريد أن أنوه إلى قضية وابشروا، من المهم جداً جداً جداً المسلم أن يححسن ظنه بالله تعالى. حسن ظنك بالله، الله الذي خلقك، الله أرحم الراحمين، أكرم الأكرمين، أجود الأجودين، الله الذي يقول: «رحمتي تسبق غضبي» سبقت غضبي، الله أرحم بنا من أمهاتنا، من أنفسنا يا إخواني. لا ينبغي للانسان دائماً أن ينظر إلى جانب الترهيب أكثر من جانب الترغيب، لا يا إخواني، لذلك حسن الظن مطلب واجب، أن تححسن ظنك بالله. يا اخي، إذا ما حسنت ظنك بالله، تححسن ظنك بمن؟

أذكر كلمة لابن المبارك رحمه الله، ايش يقول؟ يقول: والله لو خيروني من أن يحاسبني ربي أو يحاسبني أبي، لاخترت أن يحاسبني ربي. لذلك أيها الأحبة، يجب أن نتعامل مع الله عز وجل معاملة شفافة صادقة، نغلب دائماً حسن الظن به سبحانه وتعالى. يا إخواني، الله عز وجل يقول: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]، ما يفعل الله بعذابكم؟ فالاصل في الله الرحمة والتجاوز والمغفرة واللطف والحلم والكرم، هذا الأصل في الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي، أنا عند ظن عبدي بي؛ إن ظن بي خيراً فله، وإن ظن بي شراًّ فله». ماذا تريد أكثر من هذا؟ ماذا تريد أكثر من هذا؟ لذلك يا إخواني المؤمن العاقل المتعلم دائماً يغلب ماذا؟ حسن الظن بالله سبحانه وتعالى.

ابشروا، هكذا يقول لك النبي صلى الله عليه وسلم: ابشروا. فيجب علينا يا أحبابي أن نحسن ظننا بالله، طبعا حسن الظن بالله مع حسن العمل، لا يجيني واحد وهو منحرف وهو مقصر وهو مضيع، يقول: أنا أحسن ظني بالله. يا اخي، إن أحسنت ظنك بالله أن تؤدي الواجبات التي عليك، أدي الواجبات التي عليك، ثم حسن ظنك بالله، ستجد أن الله عز وجل أعظم مما تتوقع. يا إخواني ترى عقولنا قاصرة، أفهام قاصرة، توقعاتنا قاصرة، الله سبحانه وتعالى أعظم وأكرم وأحلم وأفضل مما يقع أو يقع في نفوسنا وعقولنا وفي أفكارنا. لذلك أيها الأحبة، لا بد للإنسان دائماً أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى مهما فعلت يا ابن آدم. يا اخي، الله سبحانه وتعالى يا إخواني أعطانا عذرنا، فقال: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم». إذاً ذنوبنا مهما كثرت فرحمة الله أعظم من أي ذنب تقترف، إلا الشرك، لأن الله حكم أن الشرك لا يغفره الله، لكن ايش؟ يغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

ولذلك الإنسان أيها الأحبة يؤمل في الله خيراً، يؤمل في الله خيراً. يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: لو نادى منادي يوم القيامة: كلكم يدخل الجنة إلا واحد، لحسبته أنا. ولو نادى منادي: كلكم يدخل النار إلا واحد، لحسبته أنا. حسن ظنك بالله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يا عبد الله ويا أمة الله، علينا دائماً أن نستحضر الحب والخوف والرجاء. المحبة سماها شيخ الإسلام رحمه الله ركائز العبودية، ركائز العبودية، وسماها في في موطن آخر محركات القلوب. دائماً استحضر حبك لله سبحانه وتعالى، وأن حبك لله اعظم من كل شيء، الحب الصادق، الحب الذي يحرك الإنسان للعبادة والعمل، يحرك الإنسان للخوف من الله والرجاء لما عند الله سبحانه وتعالى.

فاذا جاء الحب الصادق الخالص لله، وجاء الخوف من الله الخوف الإيجابي، الخوف الذي يجعلك تعمل وتسابق إلى مرضاة ربك، ألا يغضب عليك، والرجاء لما عند الله سبحانه وتعالى، رجاء رحمته، رجاء جنته، رجاء لطفه، رجاء فضله، رجاء انعامه. إذا جاءت هذه الأمور الثلاثة، عاش الإنسان في جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة. ولذلك هذه الأمور الثلاثة لابد أن ننتبه لها، جانب الحب وجانب الخوف وجانب الرجاء، هذه الأمور الثلاثة لابد للمسلم دائماً وأبداً أن يستحضرها.

أن تكون محباً لله حبا صادقاً، حباً مطلقاً، حبا لا يوازيه حب في الدنيا أبداً إلا لله سبحانه وتعالى. حب يجعلك فعلاً تستميت في إرضاء ربك سبحانه وتعالى، تفعل المستحيل من أجل محبوبك. والله رأينا من يحبون الدنيا وشيء من الدنيا يستميتون من أجلها، ويجاهدون من أجلها، ويضحون بالغالي والنفيس من أجلها؛ هذا يحب فتاه، وهذا يحب منصباً، وهذا يحب تجارة، وهذا يحب لوناً، وهذا يحب كذا. وتجد الواحد منهم يتحمل المشاق من أجل هذه التوافه، فكيف بحبنا لله سبحانه وتعالى؟ كيف بحبنا لله سبحانه وتعالى؟ رضي الله عن معاذ وهو في سكرات الموت يقول: يا ربي، غم غمك، وعزتك وجلالك تعلم أني أحبك. الله أكبر! يحبهم ويحبونه.

فإذاً الحب الصادق الذي فعلاً يحرك الإنسان، يحرك قلبه، يحرك جوارحه، يحرك لسانه لكل ما يرضي محبوبه سبحانه جل في علاه، هذا مطلب كبير جداً. وكذلك الخوف، الخوف المحمود لا الخوف المذموم، الخوف المذموم يقعدك عن الخير، يقعدك عن حتى عمارة الحياة، لكن الخوف المحبوب الخوف الذي يدفعك إلى أن تتقي غضب حبيبك، إلى أن تتقي سخطه، إلى أن تتقي عذابه، إلى أن تسعى إلى إرضائه سبحانه جل في علاه، هذا خوف يجعلك تعمل وتعمل وتعمل وتعمل حتى لا تقع فيما يغضب حبيبك.

وكذلك الرجاء الذي يجعلك تبحث عما عند ربك سبحانه، رجاء رحمته، رجاء رضوانه، رجاء مغفرته، رجاء توفيقه، رجاء انعامه، رجاء تفريج الكربات منه سبحانه وتعالى. وهكذا وهكذا وهكذا، هذه الأمور الثلاثة لا بد أن تكون عندنا مترابطة في قلوبنا، ستظهر آثارها وثمارها على القلوب وعلى الألسن وعلى الجوارح، فتعيش في جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة. ولذلك تأتي رحمة أرحم الراحمين لا يوازيها شيء، والله لا يوازيها شيء، رحمة أرحم الراحمين ﴿إِلَّا أَن يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ﴾. هذه الرحمة التي تفضل الله بها علينا: «إن رحمتي تسبق غضبي، إن رحمتي سبقت غضبي».

يقول صلى الله عليه وسلم: «إن لله مائة رحمة، أنزل منها جزءاً واحداً يترحم بها الخلق، الخلق كلهم يتراحمون برحمة واحدة، واستبقى عنده تسعاً وتسعين رحمة لعباده يوم القيامة». يا إخواني، تسع وتسعون رحمة، وين عقولنا بس؟ وين استشعاراً؟ رحمة واحدة وزعها الله على الخلائق كلهم؛ الانس والجن والعجم والحجرات والحشرات والطيور وكل الخلق كلهم رحمة واحدة، واستبقى عنده تسعة وتسعين رحمة لعباده المؤمنين يوم القيامة. يا إخواني، إذا كان إبليس -عاذ بالله- يوم القيامة يرفع رأسه لعل ايش؟ أن تصيبه رحمة من رحمات الله، وهو إبليس، كيف أنا وأنت من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمدنا برحمته، وهو أرحم الراحمين سبحانه جل في علاه.

وصلنا إلى نهاية اللقاء، نسأل الله عز وجل أن يرحمنا واياكم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.