بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ، سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ.
أَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَنْ يَرْزُقَنَا جَمِيعًا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ. مَا زِلْنَا مَعَ هَذِهِ الْأَكَادِيمِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ أَكَادِيمِيَّةِ زَادٍ وَمَادَّةِ الْحَدِيثِ، وَمَعَ الْحَدِيثِ الْحَادِي عَشَرَ.
حَدِيثُنَا الْيَوْمُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ كَبْرٍ». قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
نَقِفُ وَفَقَاتِ مَعَ مَعَانِي الْكَلِمَاتِ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ؛ قَوْلُهُ: «مِثْقَالَ ذَرَّةٍ» أَيْ زِنَةَ ذَرَّةٍ، وَالذَّرَّةُ فِي الْمَشْهُورِ صِغَارُ النَّمْلِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِذَا وَضَعْتَ يَدَكَ فِي التُّرَابِ ثُمَّ رَفَعْتَهَا، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِمَّا لَصِقَ مِنَ التُّرَابِ ذَرَّةٌ. هُنَا أُنَبِّهُ الْمُصَنِّفَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْخَطَأَ الْفَاحِشَ تَفْسِيرُ الذَّرَّةِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَوِ السُّنَّةِ بِالذَّرَّةِ فِي اصْطِلَاحِ الْكِيمْيَائِيِّينَ، فَهَذَا اصْطِلَاحٌ مُعَاصِرٌ لَيْسَ مَعْرُوفًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَقَوْلُهُ: «مِنْ كَبْرٍ»، الْكِبْرُ فِي اللُّغَةِ العَظَمَةُ وَالتَّجَبُّرُ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ عَرَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». يُحِبُّ الْجَمَالَ أَيْ يُحِبُّ التَّجَمُّلَ وَيُحِبُّ أَنْ يَتَجَمَّلَ الْإِنْسَانُ فِي ثِيَابِهِ وَفِي نَعْلِهِ وَفِي بَدَنِهِ وَفِي جَمِيعِ شُؤُونِهِ. بَطَرُ الْحَقِّ أَيْ رَدُّهُ وَعَدَمُ قَبُولِهِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الِاسْتِصْغَارِ. غَمْطُ النَّاسِ أَيْ ازْدِرَاؤُهُمْ وَاحْتِقَارُهُمْ.
أَقُولُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مِنَ الدُّرُوسِ الشَّيْءُ الْكَبِيرُ؛ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ كَبْرٍ. هَلِ الدُّخُولُ هُنَا أَوِ الْمَنْعُ أَبَدِيٌّ أَوْ حَتَّى يُنَقَّى؟ هُنَا يَعْنِي لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَتَّى يُنَقَّى مِمَّا عَلِقَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَانِ وَمِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا الْإِسْلَامُ. وَلِذَلِكَ هُنَا حِينَمَا قَالَ مَثَلًا: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَلَا هُوَ يَدْخُلُ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُنَقَّى.
لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ كَبْرٍ. أَوَّلًا الْجَنَّةُ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَنَا وَإِيَّاكُمْ بِحِفْظِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى. أَنْتَ حِينَمَا تَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الْجَائِزَةِ؛ لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى يَرْضَى اللَّهُ عَنْكَ، فَإِذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ. طَيِّبٌ، إِشْ الْجَنَّةُ؟ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا.
فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَأَلَ الْعَبْدُ اللَّهَ الْجَنَّةَ قَالَتْ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْ أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَعَاذَ الْعَبْدُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ مِنْ أَهْلِي». تَبْقَى حَاضِرَةً عِنْدَكَ كُلَّ يَوْمٍ. الْأَمْرُ الثَّانِي: الْجَنَّةُ كُلُّ مُنَغِّصَاتِ الدُّنْيَا لَا تُوجَدُ دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ -اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا- نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فِيهَا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا -مَا فِي مَوْتٍ- يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فِيهَا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا -ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً- يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فِيهَا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا -مَا فِي مَرَضٍ- أَنْ تَسْعَدُوا فِيهَا فَلَا تَشْقَوْا أَبَدًا -مَا فِي شَقَاءٍ- يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، حَتَّى نَوْمٌ فِي الْجَنَّةِ مَا فِي نَوْمٍ، فِي الْجَنَّةِ نَوْمٌ؟ مَا فِيهَا النَّوْمُ مِنْ تَعَبٍ، الْجَنَّةُ مَا فِيهَا تَعَبٌ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، نَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.
وَهُنَا يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ...». تَعَالَوْا بِنَا نَتَكَلَّمُ فِي الْقَلْبِ. الْقَلْبُ هَذَا الْقَلْبُ لَهُ أَحْوَالٌ، وَيَنْبَغِي نَهْتَمُّ بِالْقَلْبِ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». هَذَا الْقَلْبُ الَّذِي كَقَبْضَةِ الْيَدِ، إِنْ صَلَحَ قَلْبُكَ صَلَحَ كُلُّ الْجَسَدِ، وَإِنْ فَسَدَ قَلْبُكَ فَسَدَ كُلُّ الْجَسَدِ. وَلِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ».
تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ». هَلْ نَتَوَقَّعُ أَنْ يَزِلَّ قَلْبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لَا وَاللَّهِ، إِنَّمَا يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ أَهَمِّيَّةَ الْقَلْبِ، أَهَمِّيَّةَ هَذَا الدُّعَاءِ. الْإِنْسَانُ يَنْبَغِي أَنْ يَنَْتَبِهَ لِأَنَّ الْفِتَنَ كَثِيرَةٌ، فِتَنٌ كَثِيرَةٌ تَعْصِفُ، كُلَّمَا جَاءَتْ فِتْنَةٌ رَقَّقَتِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، فِتْنَةٌ فَأَكْبَرُ فَأَكْبَرُ. هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؟ يُصْبِحُ الْمَرْءُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا. إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
إِذًا دَائِمًا يَا عَبْدَ اللَّهِ وَيَا أَمَةَ اللَّهِ، الْإِنْسَانُ يَدْعُو بِإِشْ؟ اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ. لَا تَرْكُنْ إِلَى عِلْمِكَ وَلَا إِلَى شَهَادَتِكَ وَلَا إِلَى تَارِيخِكَ الْقَدِيمِ وَلَا إِلَى حَوْلِكَ وَسُلْطَتِكَ وَقُوَّتِكَ، لَا، أَرْكُنْ إِلَى اللَّهِ، أَرْكُنْ لِلَّهِ دَائِمًا، وَاسْأَلِ اللَّهَ الثَّبَاتَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ هَذَا الْقَلْبَ إِمَّا أَنْ يَمْرَضَ وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ وَإِمَّا أَنْ يَحْيَا حَيَاةً قَوِيَّةً، فَالْقُلُوبُ ثَلَاثَةٌ: قَلْبٌ حَيٌّ إِيمَانٌ وَيَقِينٌ وَعِلْمٌ، وَقَلْبٌ سَقِيمٌ مَرِيضٌ يَعْنِي مَرَّةً إِلَى أَهْلِ الْيَمِينِ وَمَرَّةً إِلَى الْيَسَارِ مَرَّةً، إِذَا جَاءَهُ الْخَيْرُ قَوِيَ، وَإِذَا ذَهَبَ الْخَيْرُ وَجَاءَ الشَّرُّ ضَعُفَ، هَذَا مَرِيضٌ مِسْكِينٌ تَتَنَاوَشُهُ الْأُمُورُ، وَقَلْبٌ مَيِّتٌ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، كَارِثَةٌ.
لِذَلِكَ الدُّنْيَا تَحْتَاجُ قَلْبًا سَلِيمًا، قَلْبًا نَظِيفًا، الْقَلْبُ حَيٌّ، وَفِي الْآخِرَةِ كَذَلِكَ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. الْقَلْبُ السَّلِيمُ الَّذِي عُمِرَ بِالدِّينِ وَبِالْإِيمَانِ وَبِالْقُرْآنِ وَبِالسُّنَّةِ وَبِالْحَسَنَاتِ، قَلْبٌ سَلِيمٌ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، عَرَفَ الْحَقَّ فَاتَّبَعَهُ وَالْبَاطِلَ فَأَنْكَرَهُ.
لِذَلِكَ أَحِبَّتِي فِي اللَّهِ هَذِهِ الْقُلُوبُ ثَلَاثَةٌ، لَابُدَّ أَنْ تَحْرِصَ أَنْ يَكُونَ قَلْبُكَ سَلِيمًا دَائِمًا، حَافِظْ عَلَيْهِ، أَصْلِحْهُ، أَبْعِدْهُ عَنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، خَاصَّةً أَنَّ الْكِبْرَ، لِأَنَّ الْكِبْرَ كَالسَّرَطَانِ، أَوَّلُ مَا يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ يَنْتَشِرُ فِي الْجَسَدِ، لِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ: ذَرَّةٌ مِنْ كَبْرٍ، إِيَّاكَ أَنْ يَدْخُلَ الْكِبْرُ هَذَا، أَبْعِدْ عَنْكَ، أَبْعِدِ الْكِبْرَ عَنْ قَلْبِكَ، لِأَنَّ الْقَلْبَ الْكِبْرَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ انْتَشَرَ، يُصْبِحُ الْمُتَكَبِّرُ مُتَكَبِّرًا فِي هَيْئَتِهِ وَفِي وَجْهِهِ وَفِي نَظْرَتِهِ وَفِي تَسْعِيرِ خَدِّهِ وَفِي مِشْيَتِهِ، مُتَكَبِّرٌ، هَذَا لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ كَبِيرٌ، نُوَاصِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا الْفَاصِلِ، وَنَعُودُ إِلَيْكُمْ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ». لِلْعِلْمِ كَالْأَزْهَارِ فِي الْبُسْتَانِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ، سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ.
مَا زِلْنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ التُّحْفَةِ النَّبَوِيَّةِ، قُلْنَا وَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ كَبْرٍ». قُلْنَا الْقَلْبُ هُوَ سَيِّدُ الْجَوَارِحِ، وَيَنْبَغِي أَنْ نَعْتَنِيَ بِالْقَلْبِ، فَلَا يَدْخُلَ إِلَى قَلْبِنَا أَوْ إِلَى قُلُوبِنَا إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، حَتَّى يُصْبِحَ قَلْبًا إِشْ؟ سَلِيمًا، قَلْبًا حَيًّا، قَلْبًا يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ فَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ وَيَفْعَلُهُ، وَالْمُنْكَرَ فَيَبْتَعِدُ عَنْهُ.
الْقَلْبُ يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ، ثُمَّ قَضِيَّةُ إِشْ يَا أَحْبَابِي؟ التَّحْذِيرُ مِنَ الْكِبْرِ، الْكِبْرُ كَمَا قُلْتُ لَكُمْ كِبْرٌ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَرَطَانٍ، سَرَطَانٌ يَتَسَلَّطُ عَلَى الْقَلْبِ، إِذَا وَصَلَ الْقَلْبَ انْتَشَرَ فِي الْجَوَارِحِ كُلِّهَا. سَرَطَانُ الْجَسَدِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْجَسَدِ أَتْلَفَ الْجَسَدَ، وَالْكِبْرُ كَذَلِكَ إِذَا وَصَلَ الْقَلْبَ أَتْلَفَ الْقَلْبَ وَأَتْلَفَ الْجَوَارِحَ.
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَتِ الْوَفَاةُ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا ابْنَيْهِ وَقَالَ لَهُمَا: إِنِّي أَمْرُكُمَا بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكُمَا عَنْ اثْنَتَيْنِ؛ أَمْرُكُمَا بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ اثْنَتَيْنِ؛ أَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ، يَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. الشِّرْكُ مَعْرُوفٌ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَالْكِبْرُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحَذِّرُ ابْنَيْهِ: أَبْعِدُوا عَنِ الْكِبْرِ.
وَأَمْرُكُمَا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَبِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَوْ وُضِعَتْ فِي كَفَّةٍ وَالسَّمَاوَاتُ فِي كَفَّةٍ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا دُعَاءُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ -حَدِيثٌ صَحِيحٌ-.
لَكِنْ انْظُرْ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ كَيْفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخَافُ عَلَى ابْنَيْهِ مِنَ إِشْ؟ الشِّرْكُ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَحْتَاجُ، الْكِبْرُ كِبْرٌ يُؤَدِّي بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بَلْ أَغْلَبَ الْأَوْقَاتِ يُؤَدِّي وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ إِلَى كَوَارِثَ، الشِّرْكُ فَالْكِبْرُ كَمَا قُلْتُ مَرَضٌ خَطِيرٌ.
وَالْكِبْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِوَاحِدٍ فَقَطْ، الْكِبْرُ مَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مِنْ أَسْمَائِهِ الْمُتَكَبِّرُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ». إِذًا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَنْ يَتَكَبَّرَ، أَنْ يَتَكَبَّرَ، حَتَّى قَرَأْتُ حَدِيثَ أَبِي دُجَانَةَ حِينَمَا أَخَذَ الْعِصَابَةَ الْحَمْرَاءَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَأَخَذَ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَخَذَ يَمْشِي مُتَكَبِّرًا فَقَالَ: «هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فِي هَذَا الْمَكَانِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعِيفٌ.
إِذًا الْكِبْرُ كَارِثَةٌ، يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ»، الذَّرُّ نَمْلٌ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ بِأَقْدَامِهِمْ وَأَظْرَافِهِمْ. النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا أَحْبَابِي سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ عَلَى خِلْقَةِ أَبِينَا آدَمَ -يَعْنِي الْمِتْرُ كَمْ فِي ذِرَاعٍ؟ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، يَعْنِي عِشْرُونَ مِتْرًا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِتْرًا- وَالْمُتَكَبِّرُونَ يُحْشَرُونَ كَالذَّرِّ كَالنَّمْلِ، مَا أَحَدٌ يَرَاهُمْ، مَا أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، مَا أَحَدٌ يَشْعُرُ بِهِمْ. تَخَيَّلْ أَنْتَ صَاعِدٌ عَلَى عِمَارَةٍ خَمْسَةِ أَدْوَارٍ أَوْ سَبْعَةِ أَدْوَارٍ، هَلْ تَرَى النَّمْلَ الَّذِي فِي الشَّارِعِ؟ مَا تَرَاهُ، وَالدَّوَابُّ كَذَلِكَ لَا يَرَوْنَ، يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ احْتِقَارًا لَهُمْ، احْتِقَارًا لَهُمْ.
ادِّعَاءُ شَيْءٍ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ، لِذَلِكَ نَقُولُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ نَنَْتَبِهُ؛ لَا نَتَكَبَّرُ بِمَاذَا نَتَكَبَّرُ؟ وَعَلَى مَاذَا نَتَكَبَّرُ؟ أَمَّا يَقُولُ أَحَدُ السَّلَفِ -تُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَتُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- يَقُولُ: عَجِبْتُ لِمَنْ يَتَكَبَّرُ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ، تَتَكَبَّرُ عَلَى إِشْ؟ خَرَجَ مِنْ مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ.
الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ كَانَ أَمِيرًا رَحِمَهُ اللَّهُ بَشَرٌ، فَدَخَلَ يَوْمًا بِسُلْطَانِيَّةٍ لِلسُّوقِ وَمَعَهُ الْحَاشِيَةُ وَالْحَشَمُ، فَالنَّاسُ انْزَاحُوا لِحَتَّى يَمْشِيَ هَذَا الْمَوْكِبُ إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَقَفَ أَمَامَهُ قَالَ: أَنْتَ مَا تَعْرِفُنِي؟ مَا تَعْرِفُ مَنْ أَنَا؟ أَعْرِفُكَ؛ أَوَّلُكَ نُفْطَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَمَا بَيْنَهُمَا تَحْمِلُ الْعَذِرَةَ، وَأَطْبَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَا إِلَّا أَنْتَ يَا أَبَا سَعِيدٍ. مَعْلَيْشُ نَتَكَبَّرُ عَلَى مَاذَا؟ أَوَّلُكَ نُفْطَةٌ مَذِرَةٌ وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ وَمَا بَيْنَهُمَا تَحْمِلُ الْعَذِرَةَ!
إِذًا الْكِبْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ فَقَطْ، لَوْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَبَّرُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَتَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ النَّاسِ تَوَاضُعًا، يَقُولُ: «آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ» -حَدِيثٌ صَحِيحٌ- آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَهُوَ مَنْ؟ رَسُولُ اللَّهِ. وَلِذَلِكَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ فَقَالَ إِشْ؟ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]. بِعَبْدِهِ، مَا قَالَ بِرَسُولِهِ، لَا، لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ. الشَّرَفُ شَرَفٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ كَمَا قَالَ: أَوَّلُ مِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهَا * وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثريا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي * وَإِنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
شَرَفٌ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَغَيْرُكَ عَبْدٌ لِلشَّيْطَانِ وَلِلْبَقَرِ وَلِلْفِئْرَانِ وَلِلصَّرَاصِيرِ حَتَّى.
إِذًا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ مَنْ وَطَأَ الثَّرَى يَقُولُ: «أَنَا آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ». نَتَقَبَّلُ نَحْنُ؟ أَعْطَاكَ اللَّهُ مَالًا، أَعْطَاكَ اللَّهُ جَمَالًا، أَعْطَاكَ اللَّهُ مَرْتَبَةً أَوْ كُرْسِيًّا أَوْ كَذَا، يَشْرَبُ مِنْكَ فِي لَحْظَةٍ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ يَظُنُونَكَ فِي التُّرَابِ.
اللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي وَأَخَوَاتِي وَأَبْنَائِي وَبَنَاتِي، نَحْذَرُ مِنَ الْكِبْرِ، عَلَى مَاذَا؟ بَسْ قُول لي عَلَى مَاذَا؟ وَاللَّهِ مَا نَمْلِكُ شَيْئًا. لِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَمْشِي مُتَبَخْتِرًا فِي حُلَّتِهِ مُرَجِّلًا شَعْرَهُ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، يَوْمَ السَّاعَةِ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ مُتَبَخْتِرًا عَلَى إِشْ؟ بِمَاذَا؟ لِذَلِكَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
الذَّرُّ إِلَى النَّمْلَةِ، أَوْ قِيلَ: تِلْكَ الْهَبَاءُ الَّتِي تُرَى فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ إِذَا دَخَلَهَا ضَوْءُ شَمْسٍ، حِينَمَا أُدْخِلُ كَذَا خُرُومَ الشَّمْسِ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ، تَظْهَرُ حَبَّاتٌ طَائِرَةٌ فِي الْهَوَاءِ كَذَا فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ، هَذِهِ الذَّرَّةُ.
بَعْضُ النَّاسِ الْكِبْرُ وَتَصْعِيرُ الْخَدِّ هَا وَالْكَلَامُ الْفَمُ الْمَعْوَجُّ وَبِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ الَّتِي فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الْكِبْرِ عَلَى إِشْ؟ وَاللَّهِ سَتُوضَعُ فِي التُّرَابِ رَغْمًا، التُّرَابُ رَغْمًا عَنْ أَنْفِكَ وَلَا قَبِلْتَ؟ طَبْعًا.
الصَّحَابَةُ لَمَّا سَمِعُوا هَذَا الْكَلَامَ خَافُوا وَخَشَوْا فِي شَيْءٍ فِي نُفُوسِهِمْ، هَذَا الرَّجُلُ وشْ يَقُولُ؟ ظَنَّ أَنَّ الْكِبْرَ شَيْءٌ فِي نَوْعٍ مِنَ التَّجَمُّلِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا، أَنَا أُحِبُّ أَكُونَ فَأَبِي طَيِّبٌ طَيِّبٌ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْحِيحًا لِهَذَا الْمَفْهُومِ الْخَاطِئِ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». نُوَاصِلُ مَعَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا الْفَاصِلِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه. لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه وأعلمهما، لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد.
ويعرف العامي الأعلم بإخبار الثقة وبالمشاهدة، كأن يرى أحدهم يذعن له العلماء، وبالقرائن كأن يرجح ما لأحدهما دون الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة أحدهما في هذه الفتوى، ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال، كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة. وهكذا وإذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه أخذ بالأيسر، لأن هذا موافق ليسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة، ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه ولا أن يتتبع رخص العلماء. قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.
وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها فلا تنقض الفتوى الأولى، لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. فاتبع العلماء الربانيين، واحذر الجهلاء وأصحاب الهوى. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
قال صلى الله عليه وسلم يصحح المفهوم: «إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس». إن الله جميل؛ من أسماء الله سبحانه وتعالى الجميل. الله سبحانه وتعالى جميل في ذاته، وجميل في صفاته، وجميل في أفعاله، وجميل في أقواله. جميل، لذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة».
أيها الأحبة، هل يوم من الأيام جلستم وتفكرتم مع أنفسكم، يعني كيف سننظر إلى الله سبحانه وتعالى؟ النظر إلى الله هذه من أعظم النعيم في الجنة، أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. يقول أحد الصحابة: يقول كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى البدر، إلى القمر ليلة البدر، ثم قال: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته». الله أكبر، «فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». إن استطعتم ألا تغلبوا صلاة الفجر وصلاة العصر. انظر: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيتها».
إذاً، هذا يثبت ايش؟ النظر إلى الله سبحانه وتعالى. بعض الفرق تقول لك: لا يمكن النظر إليه. ما دام ثبت في الحديث، ها، انتهينا. النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء الصحابة يقول: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه. نور.
ولذلك في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». لا إله إلا الله، حجابه النور لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. إذاً، أن نرى الله في الدنيا مستحيل، لكن النظر في الجنة.
ولذلك يا أيها الأحبة، أعظم نعيم في الجنة، أعظم نعيم على الإطلاق، النظر إلى وجه الرحمن. وعامة أهل الجنة ينظرون إلى الله مرة في الأسبوع، كل جمعة، يوم المزيد. وأعظم أهل الجنة نظراً هم من ينظر إلى الله سبحانه وتعالى غدوة وعشية، ينظر إلى الله عز وجل مرة في الصباح ومرة في العشاء، هذا أعظم شيء، نعيم عظيم يا أحبابي.
ولذلك يحدثنا القرآن عن قصة وقعت لموسى عليه السلام، فإن موسى عليه السلام لما أنس بالله وسمع كلام الله اشتاقت نفسه أن ينظر إلى ربه ومولاه، وما الذي حدث؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]. خلاص، حتى لا تأخذ شيئاً في نفسك، انظر إلى الجبل، وهذه من رحمة الله، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143].
مباشرة هذا الجبل في لحظة أصبح رماداً تراباً. أي صوت، أي انفجار في هذه اللحظة؟ قال أهل العلم: تجلى له كخرم الإبرة. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143]. الله أكبر، موسى يسقط صريعاً. فلما أفاق بعد فترة قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]. خلاص. اللهم صل على محمد وعلى موسى وعلى جميع الأنبياء.
إذاً، نعيم الجنة يا أحبابي؛ أعظم نعيم في الجنة النظر إلى وجه الله. إن الله جميل في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعال، وفي كلامه يحب الجمال. الله يحب الجمال؛ أن تلبس أحسن الثياب، يكون ظاهرك جميل وباطنك جميل، أن تكون ملابسك، مظهرك، لحيتك، شعرك، أسنانك، رائحتك جميلة، وكذلك أفعالك، وأخلاقك، وسلوكك، وتعاملك، ومشاعرك جميلة. إن الله جميل يحب الجمال. كن جميلا في كل شيء يا عبد الله تر الوجود جميلاً كما يقولون.
لكن بعض الناس يا إخواني عنده خير ولا يرى عليه أثر ذلك. إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. ولذلك إن الله جميل يحب الجمال، كن جميلاً حتى يحبك الله عز وجل.
لكن ليس هذا المقصود من الحديث، الحديث عن الكبر؛ قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق رد الحق، كارثة. وغمط الناس احتقار الناس. كيف ترد الحق؟ إذا جاءك الحق يجب عليك أن تأخذه. بعض الناس يقول له هذا هذا حرام، قال: يا اخي حرام، امتحنتونا حرام حرام! إيش حرام حرام؟ ما أحد يستطيع أن يحرم أو يحلل شيئاً بغير أمر الله.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم على نفسه المغافير، على نفسه ما هو على أمته، على نفسه، عاتبه الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1]. ليش؟ هو رسول الله يا إخواني، فلا يظن إنسان أن باستطاعته أن يحلل حراماً أو يحرم حلالاً. رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يستطيع، فكيف بغيره؟
إذاً، لا يجوز لك يا عبد الله ويا أمة الله، إذا جاءك الأمر الذي لا يوافق هواك ورغبتك، ترده. الكبر بطر الحق؛ رد الحق. إن رددت الحق كان الله له معك تعامل آخر.
شوف، يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة يأكلون، فكان أحدهم يأكل بشماله. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بيمينك». لأن الرجل يعني قال: ما استطيع. قال: «لا استطعت». ما منعه إلا الكبر، يقول الراوي: فما رفعها إلى فيه، أصابها الله بالشلل. رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك كل بيمينك، تقول ما أستطيع؟ لذلك رد الحق كارثة، و﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
إياك أن تتكبر على الله أو على رسول الله أو على الخلق. الكبر على الله أن ترد دين الله، كارثة. الكبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تقبل كلامه ولا أمره ولا نهيه. الكبر على الناس أن تتكبر عليهم وأن تظهر هذه الأخلاق الرديئة والسلوك الرديء، لا، ما يجوز.
لذلك أيها الأحبة، الكبر كارثة يؤدي إلى الفساد والخسران. الكبر بطر الحق؛ رد الحق. وماذا بعد الحق ايش يا إخواني؟ إلا الضلال. فإذا رددت الحق هتقع في الضلال مباشرة. بطر الحق وغمط الناس؛ احتقار الناس.
ما يجوز لك لما حلت مشكلة بين بلال وبين أبي الدرداء، بلال وأبي ذر، وقال له: يا ابن السوداء، تعايرني بأمي! والله لأرفعن أمرك إلى رسول الله. فلما جاء الخبر غضب صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية». ديننا أبيض وأسود؟ لا، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على التراب وأقسم على بلال أن يطأ بقدمه على رأسه تأديباً له، يرفض بلال وينكب عليه ويحتضنه، ما في الكلام هذا عندنا أبدا.
التواضع مطلوب؛ من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه. إذاً نحذر من الكبر، والعياذ بالله، يعمي، يعمي، يوبق صاحبه ويهلك صاحبه. جاء في الحديث: «إن في النار عنقاً، أقرب عنق لها عيناً تبصر بهما، وأذنان تسمعان بهما، ولسان تكلم به، أعدها الله لثلاثة: لمن جعل مع الله إلهاً آخر، وللجبارين والمتكبرين، وللمصورين». حديث صحيح.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء. نسأله أن يحفظ قلوبنا من الأمراض، وأن يحفظ أجسادنا من الأعراض، وأن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يرزقنا وإياكم العافية في الدنيا والآخرة. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان. وتريد سهلاً والسنة للعلم كالأزهار في البستان.
د. موفق كدسة الغامدي