تسجيل الدخول

حديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) المحاضرة 23 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أسعد الله أيامكم ولا أراكم إلا كل خير. ولقاء يتجدد مع أكاديمية زاد ومع مادة الحديث الشريف. معنا اليوم أيها الأحبة الحديث العشرون، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». الله أكبر! لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.

شرح المفردات وسبب الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». المراد بالمؤمن الممدوح الكامل، الذي أوقفَتْه معرفتُه وتجربتُه على غوامض الأمور حتى صار يحذر مما سيق. وأما المؤمن المغفل فقد يلدغ مراراً. هل في مؤمن مغفل؟ نعم، الناس تتفاوت يا إخوان في عقولها؛ قد يكون إنسان مؤمن صالح، إنسان تقي نقي، لكنه عنده غفلة، كما يسمونها غفلة الصالحين.

وقال بعضهم: الحديث لفظه خبر ومعناه أمر، أي ليكن المؤمن حازماً حذراً لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى. سبب الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسَرَ أبا عزة الشاعر يوم بدر، رجل من كفار قريش أُسِر يوم بدر اسمه أبو عزة، وكان هذا شاعراً، فمَنّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه حين شكى حاله وفقره وحاجته، وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه، وأطلقه صلى الله عليه وسلم، فلحق بقومه بقريش، ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسره النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فسأل المنَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين». وقال له: «والله لا تمسح عارضيك بمكة وتقول سخرت بمحمد مرتين». ثم أمر به فقتل، لا اله إلا الله.

أيها الأحبة، هذا الدين من عظمته جاء ليصلح لنا أمور الدين وأمور الدنيا، وجاء كذلك ليصلح لنا أمور الأخلاق وأمور كذلك المكتسبات الأخرى، بمعنى أنه حتى أمور الدنيا الأخرى المتعلقة والمعاملات والأخبار والتعامل بين الناس، جاء الإسلام ليضبطها لك يا إخواني. هذا الدين، الله سبحانه وتعالى يقول عن القرآن: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، وبالتالي لا تظن أنه يمكن أن يكون عندنا خلة أو نقص أو زلل أو قلة في شأن من شؤون الحياة. ابداً، لا والله! لا والله! كل ما يحتاجه المسلم في حياته، في بيعه، في شرائه، في تعامله، في معاملته مكفول لنا من الله فيه جواب وكتاب وصواب.

ولذلك أحبتي في الله، على الإنسان فعلاً أن يعتز بدينه وعقيدته وشريعته. اليهودي لما جاء إلى أحد الصحابه يقول: علمكم نبيكم حتى قضاء الحاجة؟ قال: نعم؛ حتى كيف تجلس وكيف تستقبل القبلة وتستدبرها وتستنجي وكيف تدخل وكيف تخرج، يعني حتى الأمور الدقيقة جداً في حياتنا بينها لنا الشارع الكريم. هل هناك دين مثل هذا يا إخواني؟ هل هناك شريعة مثل هذه الشريعة؟ لا والله ما في.

هنا النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة مبدأ عظيماً جداً في التعامل الأخلاقي والرقي الأخلاقي والتعامل بين الرجال والتعامل في في الحياة المجتمعات: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». انتبه، أنت كمؤمن ينبغي أن تكون عاقلاً ذهناً فقيهاً، لا تكن غافلاً ولا مغفلاً ولا مستغفراً. ينبغي فعلاً يا إخواني الإنسان المؤمن أن يكون فيه كل صفات الكمال البشري الممكنة؛ بمعنى أنه المسلم ينبغي أن يكون فعلاً صاحب رقي في التعامل، في المعاملة، في الأخذ وفي الرد، وفي الجواب وفي الكتابة وفي المعاملة، أن تكون لك مكانتك شخصيتك الاعتبارية في المجتمع، لست إمعة يا إخواني. لما رأى عمر رضي الله عنه وأرضاه رجل يمشي متماوِجاً قال: ما هذه المسكنة؟ أماتك الله! خلك رجال، خلك إنسان واعي. ترى الدين ما هو دروشة، يعني بعض الناس يقول: المطاوعة ذول مساكين على قد عقولهم، ذولا ما هم فاهمين. من قالك ما هم فاهمين؟

لكن بعض الناس إيش يعني يريد؟ يعني أن يكون المطاوعة أو الملتزمون على شاكلته من قلة الأدب أو قلة الفهم في المعامله. لا لا! الحمد لله المطاوعة وصلوا كل مكان بفضل الله سبحانه وتعالى، ووصلوا إلى اعظم المنازل وأعظم الشهادات وأعظم الوظائف. الحمد لله، ديننا يا إخواني ما هو دين دروشة، انتبهوا! ديننا ما هو دين الدراويش والخبل وذولا المتقطعة والسفهاء. لا لا، ديننا دين القوة، العلم، المرجلة، الفتوة، العقل، النبوغ، الرقي. هذا الدين، هكذا يأمرنا ديننا يا إخواني.

أما التماوت والمسكنة والتذلل والخشوع المصطنع ورثة الحال، لا، ما هي في ديننا هذه. المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. كن قوياً في دينك، قوياً في عقلك، وقوياً في شهادتك، وقوياً في مالك، وقوياً في فكرك، وقوياً في تعاملك، وقوياً في أخلاقك، وقوياً في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، وقوياً في الدعوة إلى الله، وقوياً في كل باب من أبواب الحياة. هذا مطلب، وحينما اقول القوة ليست القوة الغير منضبطة ولا القوة الهوجاء، لا، القوة المحكمة؛ إنسان يكون قوياً وحكيماً في كل باب من أبواب الحياة.

لذلك عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما رأت بعض الشباب الذين يمشون متماوتون، منكسي الرؤوس متبذلين في هيئتهم وملابسهم، قالت: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء شباب من المتنسك. دراويش! من الأخير دراويش! بعض الناس يظن أن الدين والالتزام التماوت وتكسر وتخشع وتبذل وبذاذة من الإيمان، وثيابه لا يغسلها وشماغه ما يغسله. لا لا لا لا، انتبه لا! هذا كله مخالِف لهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم. رسولنا صلى الله عليه وسلم إذا مشى وإذا تكلم وإذا قاتل وإذا عَلِم وإذا استقبل وإذا تصدق وإذا أكرم وإذا كذا؛ منتهى الكمال البشري لنا فيه أسوة وقدوة صلى الله عليه وسلم.

قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة، ولا أرهب ناراً، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أفعَل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسل في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، التدرج إلى معاصي جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قله ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.

كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفله عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والاكثار من الكماليات والمرفقات. النجاة والفلاح: فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتلي وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعينه عند الفتور والكسل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهْنَ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أعود لموضوعنا أيها الأحبة، الإسلام دين الشهامة والقوة والمكانة والرفعة والذكاء والعبقرية، ما هو دين التكاسل والدروشة. لذلك عائشة رضي الله عنها لما رأت شباب يمشون منكسين الرؤوس قالت: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء شباب من المتنسك. قالت رضي الله عن عمر: رحم الله عمر؛ كان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أكل أشبع، وكان خيراً منهم.

هذه عزة المسلم، هذه عزة المسلم! لذلك أيها الأحبة، المسلم لابد أن يكون قدوة؛ قدوة في الخير، في معالي الأمور، قدوة في كل أمر يرفع الرأس. لذلك هذا الدين فالدين ترى يا إخواني ما هو تماوت ولا غفلة، لا! الدين دين قوة، قوة، قدوة، مكانة. يعني يصبح الإنسان فعلاً يقتدى به في كل شيء. صح، صاحب الدين لازم يكون قدوه في الكرم، في العلم، في الشهامة، في النخوة، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المنكر، في الدعوة، في إقامة شرع الله، في كل أمر محبب، ويكون الإنسان فعلاً له سهم كبير في الإسلام.

أما الغفلة والتغافل لا لا! وهذه قضية مهمة جداً جداً جداً ينبغي للمربين أن تنبه لها. يقول صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز». احرص، المؤمن حريص؛ أنا ممكن أكون أنا ممكن أتسامح وأغفر وأتجاوز، لكن في وقت لا، لازم أنا أخذ حقي كاملاً؛ لأنه هذا حقك، ليس عنواناً لك بل لدينك أنت ولشخصيتك لحياتك وهديك والتزامك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

يا إخواني، كل هذه معاني نستقيها من هذا الحديث: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين». يكون ذكياً، فطناً، نبيهاً، حريصاً. نعم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». إذاً الصفات العظيمة ينبغي أن تكون في المسلم العظيم. ولذلك أيها الأحبة، هذا ديننا، ديننا هكذا يأمرنا، ديننا هكذا يأمرنا أن نكون قدوة، أن نكون أمة، الواحد يكون فينا أمة بنفسه فكيف بالآخرين!

إذاً، شرعنا، ديننا، عقيدتنا، شريعتنا لا يمكن أن تدلنا على التماوت والتغافل والغباء، لا لا لا! لكن أقول أيها الأحبة، الإنسان يكون حكيماً ما يكون غبيا، لا. لكن قد قد يستغبي الإنسان لكن ما يكون غبي، قد يتغافل الإنسان لكن ما يكون مغفل. في اوقات الإنسان يا إخواني يكون إيش؟ يكون هناك عنده نوع من ايش؟ التغافل وليس الغفلة. غفلة لا لا نريدها مهما كانت، لا نريدها. الغباء مهما كان لا نريده. لكن أنت كحكيم في تربيتك، في توجيهك، في دعوتك، قد تستخدم أسلوب التغافل أو التغابي. حتى اسمعوني في هذه العبارة: ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي.

بعض الأوقات يا إخواني، الإنسان قد يستغبي نوعاً ما لإمرار أمر، لكن ما هو غبي. قد يتغافل لإمرار أمر، لكن ليس مغفلاً. ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، عبد الله بن عمر كان إذا رأى من بعض عبيده وأمائه الدين والصلاح يعتقهم، فكان كل واحد فيهم يحاول ايش؟ يجي يصلي قدام ابن عمر، ويصوم قدام ابن عمر، ويسارع إلى المسجد قدام ابن عمر، فإذا رأى منهم ابن عمر هذا اعتقهم. فقال: يا ابن عمر إنهم يعني يتصنعون! فيقول: أو يخدعونك؟ قال: من خدعنا بالدين انخدعنا له. هو يعرف، لكن من باب المساعدة لهم. الشاهد كما قال الإمام أحمد رحمه الله: التغافل تسعة أعشار العقل.

التغافل ماهوب الغفلة انتبهوا! التغافل بمعنى أنك قد ترى أمر ما يعجبك وما تقره، ولو وقفت يمكن تتخذ أسلوب قوي جداً في التعامل وفي ردة الفعل، لكن ممكن تسوي نفس انك ما شفت، ما انتبهت، ما رايت وأنت عارف الموضوع كله. لماذا؟ لأن عندك حل آخر، عندك مرحلة ثانية، عندك طريقة أخرى؛ يمكن هذا أخطأ لأول مرة، يمكن هذا أخطأ ما كان يقصد. وهكذا وهكذا أيها الأحبة.

ففرق بين التغافل والغفلة. إسلامنا ما فيه غفلة، ما في غباء، غير مسموح فيه لأنه يعارض كل النصوص الشرعية. لا، ما في، لكن في ايش؟ مبدأ ايش؟ التراحم، التغافل، حتى الإنسان ايش يأخذ بيد إخوانه لعل وعسى، وهكذا من قبيل التربية، التحفيز، التوفيق، وهكذا. فالتغافل مهم يا إخواني في حياتنا، في تربيتنا، حتى في تعاملك مع زوجتك، في بيتك، مع أبنائك، مع موظفيك. التغافل مبدأ مطلوب نوعاً ما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور يطبق هذا، ويعني يخبر الذي أمامه أنه ما انتبه، ما راى، ما علم، وهو عَلِم صلى الله عليه وسلم، لكن من باب ايش؟ من باب التربية والتحفيز وغير ذلك.

فاذا الإنسان، كما قلت لكم يا أحبابي، خاصة المؤمن، يكون أمة ويكون قدوة في كل عمل طيب يرفع الرأس، سواء في الدين أو في الدنيا. هكذا المؤمن يا أحبابي، لابد أن يكون عنده هذا القدر المهم جداً.

قضية ثانية مهمة جداً: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين». يا إخواني، ما فينا انسان معصوم، والمعصية والذنب له أثر عظيم جداً على النفس. الذنب والمعصية، ورحم الله ابن القيم رحمه واسعة حينما أهدانا تلك الدرة العظيمة «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» وله عنوان آخر «الداء والدواء»، وتكلم عن آثار الذنوب والمعاصي، الأثر على الفرد، والأسرة، والمجتمع، والأمة، الأثر على القلب، على البصر، على الرزق، على على أشياء كثيرة جداً، فصل تفصيلاً عظيماً جداً.

لذلك أقول أيها الأحبة، إذا ترضى الإنسان منا، إذا ترضى الإنسان منا وانكوى ببعض الذنوب ووجد آثارها الوخيمة هذه، لابد منها يا إخواني: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]. خذها هذه قاعدة، سنة من سنن...

الله من يعمل سوءا يجزى به عاجلا أم آجلا. وبالتالي أيها الأحبة الإنسان إذا وقع في ذنب أو في معصية أو في أمر مكروه ووجد ألم تلك المعصية وألم ذلك الذنب لا يعود إن كان عنده إيمان خلاص يكفي يكفي يكفي مرة واحدة. والله يا إخواني كتاب الجواب الكافي هذا أنا حقيقة أنصح كل طالب علم وطالبة علم باقتناء هذا الكتاب، فيه تربية، فيه توجيه للفكر والبصر.

انتبه، انتبه! الذنوب والمعاصي آثارها وخيمة كارثية، الذنب أخرج آدم من الجنة، الذنوب أغرقت الأرض في قوم نوح، الذنوب أهلكت الأمم، الذنوب سبب لكل مصيبة وكارثة: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. الذنوب كارثة، أين نذهب؟ لازم نخطي! طيب يا أخي اجعل الخطأ غير مقصود، لا أن تتقصد الخطأ.

ونحن كما قلت بشر سنذنب، لكن اجعل ذنبك غير مقصود، يعني لا تحتال على الذنب لتفعله، لكن إذا نفسك ضعفت ولم تنتبه لحالك فالحمد لله قدر الله ما شاء فعل، لكن أن تحتار حتى تذنب هذه كارثة. لذلك يا إخواني الذي يذنب ثم بعد ذلك يشعر بمرارة الذنب يعود مرة ثانية الإيمان فيه ضعيف جدا، ضعيف. فاصل أيها الأحبة ثم نعود إليكم بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

من صمت نجا، كف عليك هذا: ﴿فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ﴾. توجيهات نبوية كريمة بحفظ اللسان وامساكه عن الشر والأذى، فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده. لذا فإن من كمل عقله أمسك لسانه إلا من خير، فاللسان كالفس إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل، فمن أشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم والدعوة إلى الله تعالى، وإلا فسينشغل بالغيبة والنميمة والكذب وقول الزور ونشر الباطل والقول على الله بغير علم.

ولكلا الانشغال جزاء، قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم». فكل ما خرج منه يرصد ويكتب ويجمع ويحفظ لينشر يوم الدين، فإما خيرا يجازى عليه أجرا وثوابا، وإما شرا يجازى عليه إثما وعذابا. قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذرا من زلات لسانه، فانه مما يورث الندامة يوم القيامة، فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟». قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أعود أيها الأحبة إلى هذا الحديث: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». وذكر المصنف هنا أن سببه الشاعر أبو عزة الذي أسره النبي صلى الله عليه وسلم وعفى عنه على ألا يعود إلى هجاء النبي صلى الله عليه وسلم أو أن يقف في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه أخل بهذا وأسر مرة ثانية وقتل هذا الأفاك.

لعل أحدكم يقول: يا اخي فيها شدة هذه من رسول الله وفيها يعني غلظة ليه ما عفى عنه؟ لا، لست بالغر ولا الغر يخدعني ولست بالخب ولا الخب يخدعني. لذلك أيها الأحبة النبي صلى الله عليه وسلم يضرب أروع الأمثله في التعامل مع الرجال، التعامل في المواقف. المره الأولى النبي صلى الله عليه وسلم لما شك له حاله وضعفه و فقر عياله عفى عنه، وهذه أيضا من مكارم الأخلاق العظيمة؛ عدوك الذي قاتلك تعفو عنه، مع أن الله عاتب النبي صلى الله عليه وسلم في عفوه عن أسرى بدر.

المره الثانية: أمسك بك مره ثانيه وتفعل نفس الجرم وتبغاني أسامحك؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال يعني بكره لو سمحتك تمشي بين قريش وانت ما تمسح خدك ووجهك ولحيتك وضحكت على محمد مرتين؟ النبي ما يقبلها صلى الله عليه وسلم، مكارم الرجال ما يقبلون أن يتكلم فيهم وينتقص من قدرهم. كذلك المؤمن أيها الأحبة تكون له شخصيته الاعتبارية، شخصيته الاجتماعية، شخصيته القيادية، شخصيته في تربية الناس، في تعليم الناس، في المكانة العالية بين الرجال.

يا إخواني الدين ما هو بس في المسجد، الدين ما هو علاقة بس بينك وبين الله، الدين علاقة بينك وبين الله وإقامة شرع الله ومكارم الأخلاق في الدنيا، هذا هو الصح. انظر إلى شخصية النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتعامل مع الناس؛ مع اليهود، مع النصارى، مع المشركين، مع المنافقين، مع الإماء والعبيد، مع من هم تحته، مع زوجاته، قدوة صلى الله عليه وسلم. ولذلك: «لست بالخب ولا الخب يخدعني»، وهذه قضية مهمة جدا في التربية وفي التعليم وفي التوجيه وفي القيادة.

النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قائد في الدنيا، وبالتالي يعلمنا صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل في الصغيرة والكبيرة، حتى أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة مجموعة من الناس قال: «يقتلوا ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة». خلاص هذا دين ما في رحمة، في امور ما فيها رحمة أبدا، وهذا أبو عزة نفس القضية استنفذ حظه، الرحمة لها مواطنها، لكن في مواطن: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]. هذه خلاص أمر، العياذ بالله إنسان زاني محصن ومعترف، هذا يرجم بالحجاره حتى يموت.

يا أخي طريقة وحشية! يا أخي طريقة مقززة! يا أخي فيها وحشة! لا، الذي أمر بها أرحم الراحمين، لأن أثرها في الأمة وفي المجتمع أعظم من هذا بكثير، ولابد من زجر حتى لا يقع الناس في مثل هذه القضية الكبيرة والعياذ بالله الزنا للمحصن، وبالتالي كانت العقوبة شنيعة. ايش تحتاج؟ والله فعلا يا إخواني أنا لا أجامل قضية أنه واحد يوضع في حفرة أو كذا ثم يرجم بالحجاره حتى يقتل فعلا فيها قوة وفيها شيء مؤلم، لكن الجرم أكبر، الجريمة أكبر، وبالتالي تحتاج زجر كبير جدا، لا تختلط الأساب، لا تختلط الدماء بين بعضها، الإسلام جاء ليحفظ هذا الدين والمجتمعات، المجتمع له حرمة، الأعراض لها حرمة، الأنساب لها حرمة، وبالتالي لابد أن نضبط ذلك، دين الله ما في: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

نحن رحماء في مكان الرحمة، النبي صلى الله عليه وسلم في موطن الرحمة لا ترى مثله، لا ترى مثله أبدا صلى الله عليه وسلم يحمل ابنة ابنتة أمامة تموت بين يديه فيبكي، يا رسول الله حتى أنت؟ قال: «الرحمة، ماذا أفعال؟ الرحمة». يموت ابنه إبراهيم في حجره فيبكي صلى الله عليه وسلم بكاء شديدا جدا، الرحمة، لكن بعض الأوقات لا: اقتلوهم ولو كانوا متعلقون بأستار الكعبة، هذا اقتلوه. إذا هناك مواطن فيها الشدة مطلب ومواطن فيها الرحمة مطلب.

كذلك أنت في تربيتك في حياتك الأسرية في حياتك الخاصة في اوقات الرحمة هي المقدمة، الحنان هو المقدم، اللطف هو المقدم، وفي أحيان لا، الحزم الحزم هو المقدم، الرحمة ما تنفع، وبالتالي الإنسان يكون حكيما في تعامله، حكيما في أخذة وعطائه، هكذا ديننا يا أحبابي ديننا ما ترك لنا لا شارده ولا وارده إلا وأبان لنا فيها الشارع الكريم ما ينفعنا وما يعيننا وما يسدد وما يأخذ بأيدينا.

يقول صلى الله عليه وسلم: «ان الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالاسواق جيفه بالليل حمار بالنهار، عالم بامر الدنيا جاهل بامر الاخره». شوف كيف التوجيهات؟ جعظري جواظ، كبر وغلظه وعجرفة و غطرسه لا لا هذا مو ديننا أبدا، جعظري جواظ سخاب بالأسواق بس وقته كله في الأسواق، جيفه بالليل ما عنده لا عبادة ولا طاعه ولا وتر، حمار بالنهار يكدح حمار يشتغل بس يشتغل، عالم بأمر الدنيا؛ الأسهم والعمارات والعقارات والسيارات ما يحتاج، جاهل بأمر الآخرة. هل هذا يليق؟ وين العقل؟

لذلك كما قلت لكم أيها الأحبة هذا الإسلام، هذه عظمة الدين؛ عظمة الدين في أنه شامل لجميع نواحي الحياة، جميع نواحي الحياة؛ علاقتك بربك محفوظة، علاقتك بنبيك صلى الله عليه وسلم محفوظة، علاقتك بالاخرين محفوظة، علاقتك حتى بنفسك أنت محفوظة، علاقتك والله حتى بالعجماوات والحيوانات محفوظة مقررة، وبالتالي أنت تمشي على نور من الله سبحانه وتعالى، تمشي على نور على هدايه على بيان، ليس عندك لا غلو ولا إجحاف في كل الأمور.

التوسط في أمر الدنيا وفي أمر الآخرة، في أمر الخاصة وفي أمر العامة، بل حتى في طلبك للعلم، بل حتى في عبادتك لله سبحانه وتعالى أنت مضبوط فيها منضبط فيها، لا تمشي على هواك أبدا، عندنا من الله نور وعندنا من الله بيان وعندنا من الله سداد في هذا الموضوع. ولذلك قضية لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا إخواني تراها فعلا توجيه نبوي شريف صحيح، أنا أغفر أنا أتجاوز أنا أسامح، لكن في بعض الأوقات لا، أنا أكوي، نعم أكوي حتى يعرف الآخر أننا لسنا بالبلهاء ولا بالأغبياء، لا لا صحيح أنا أسامح مرة اثنتين، لكن بعض الأوقات لا الرحمة أستبدلها بالعقاب بالحزم حتى يكون درس لغيره ولغيره ولغيره.

وبالتالي نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». قد يكون مؤمن عبقري ذكي فطن هذا مطلب، قد يكون مؤمن متغافل، هذا وإن كان مؤمن لكن لابد أن يكون صاحب فكر صاحب ذكاء ويطور فكره وعقله وتعامله وهكذا، إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم. وصلنا إلى نهاية اللقاء، نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين، وأن يغفر لآبائنا وأن يرحم أمهاتنا وأن يصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين ويرحم موتانا وموتى المسلمين. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.