تسجيل الدخول

حديث: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!) المحاضرة 17 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولقاء يتجدد في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف. اليوم أيها الأحبة مع الحديث الخامس عشر، وهو حديث مصعب بن سعد رضي الله عنه، قال: رأى سعد رضي الله عنه وأرضاه أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» أخرجه البخاري.

رأى سعد رضي الله عنه وأرضاه من هو سعد؟ هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، خال النبي صلى الله عليه وسلم، أن له فضلاً على من دونه. هنا في صاحب المصنف أو صاحب الكتاب قال: رأى له فضلاً من دونه وعلى من دونه، أي شجاعةً وكرمًا وسخاءً، وليس كبراً ولا غروراً ولا عجباً حاشاه رضي الله عنه وأرضاه.

أيها الأحبة، دائماً أكرر هذا وأذكر هذا وسأكرر أيضاً أن الصحابة رضوان الله عليهم جيل منتقىً، انتقاه الله سبحانه وتعالى من الخلق. نظر الله عز وجل إلى قلوب العباد والخلق، فوجد أن أعظم قلب في قلوب الخلق قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فاختاره لحمل الرسالة، ونظر إلى الخلق فنظر فوجد أن أفضل القلوب بعد قلوب الانبياء عليهم الصلاة والسلام هي قلوب الصحابه، فاختارهم لرفقة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته.

ولذلك هذا الجيل جيل مختار، جيل منتقىً، وما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الحكيم أن يختار لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم أي خلق أبداً. نحن هذه في معاملاتنا البشرية نختار لشركاتنا ومؤسساتنا وأعمالنا المتميزين، ولله المثل الأعلى، فاختار ربنا سبحانه وتعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم هؤلاء الرجال، اختار جيلًا مميزاً، ولذلك نحن ندين الله عز وجل أن أعظم الخلق بعد الأنبياء والرسل هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الصحابة يتفاوتون فيما بينهم، ولذلك العشرة المبشرون بالجنة يختلفون عن غيرهم، مع أن كلهم صحابة، لا، لكن هؤلاء عشرة بشروا بالجنة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك العشرة يتفاوتون فيما بينهم صفوة من صفوة من صفوة. سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه يقول صلى الله عليه وسلم: «هذا خالي، فليرني كل منكم خاله» لأنه من بني النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان سعد رضي الله عنه وأرضاه رامياً، فكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يرى رميه ويقول: «ارم سعداً، فداك أبي وأمي». الله أكبر! انظر إلى المنزلة التي حواها هذا الرجل سعد بن أبي وقاص: «ارم سعداً، فداك أبي وأمي». ما سمعنا بهذه العبارة إلا مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه. وكان في يوم أحد إذا رمى، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطاول ينظر أين يقع نبل سعد رضي الله عنه وأرضاه، وكلما مر أحد الصحابه قال: «انثر كنانتك لسعد» رضي الله عن سعد وعن الصحابه اجمعين.

فهو كما قلت من العشرة المبشرين بالجنة، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له: اللهم سدد رميته وأجب دعوته. الله أكبر، اللهم سدد رميته وأجب دعوته. وهو أول من رمى في الإسلام بسهم، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن أكون مستجاب الدعوة، فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود» فكان مستجاب الدعوة رضي الله عنه وأرضاه.

ولذلك لم تذكر له أي واقعه في الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين، فقد اعتزل الفتنة وجلس لوحده في منطقة بعيدة عن الفتنة حتى لا يأتيه شيء من هذه الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنه وأرضاه.

طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم هو يؤسس للأمة المنهج الصحيح، ويربي الأمة على المنهج الصحيح، ولذلك الناس قد تختلف رؤاهم، وتختلف موازينهم، وتختلف أحوالهم في المعاملة فيما بينهم، لكن هنا دور النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجه، أن يصحح، أن يربي، أن يسدد. ولذلك أحبتي في الله الموازين الحقيقية تؤخذ من مشكاة النبوة.

الموازين الحقيقية تؤخذ من ميزان النبوة؛ لأن البشر يا أحبابي موازينهم ما هي معصومة، لكن الميزان النبوي هو المعصوم، ولذلك قال: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم». اه، إذاً ينبغي أن ننتبه، القضية ما هي قضية مظاهر، القضية قضية جواهر، ولذلك الناس قد ينغرون بمظاهر الأشخاص.

مر معنا حديث حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس معه أحد الصحابة، فمر رجل عليه أثارة الغنى والدنيا، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله، هذا حري إن قال أن يسمع له، وإن شفع أن يشفع، وإن نكح أن يزوج. فسكت صلى الله عليه وسلم، ومر آخر ضعيف من عامة المسلمين يظهر عليه آثار الفقر، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله، هذا حري إن قال ألا يسمع له، وإن شفع ألا يشفع، وإن نكح ألا يزوج. فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض من ذلك».

إذاً نحن نحتاج إلى التسديد النبوي. معايير البشر مختلفه متباينه لا تنضبط، لكن المعيار النبوي منضبط لأنه معيار معصوم، ولذلك مر معنا كثير من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما يتتبعها الانسان تظهر له الصورة الحقيقية للموازين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَىٰ صُوَرِكُمْ وَلَا أَمْوَالِكُمْ وَلَكِن يَنظُرُ إِلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ﴾. هذا هو الميزان الحقيقي، ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

تدرون من المفلس؟ المفلس منا من لا درهم له ولا متاع. لا، المفلس في الميزان النبوي يختلف: من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال بصلاة وصيام وصدقة، فياتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فقذف في النار. إذاً الميزان الحقيقي ناخذه من أين؟ من مشكاة النبوة.

إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم. هذا أيضاً ميزان؛ في عرف البشر يختلف، عرف البشر إذا أحببت إنسان أكرمته ونصرته وحميته وأغنيته وجعلته يرفل بكل متع الحياة، هذا مقياس بشري غير صحيح، المقياس الحقيقي ما جاء في الكتاب والسنة: إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. إذاً هذا هو الميزان الحقيقي، إذاً ينبغي أن تكون هذه موازين واضحة وواقعية.

يقول صلى الله عليه وسلم: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». نحن في موازيننا خلوف فم الصائم رائحة فضاء وخواء المعدة من الطعام، كلنا يستقذر ويستقبح وينفر منها، لكن عند رب العالمين لا أطيب من ريح المسك؛ لأنها متولدة من طاعة.

لما تصدق النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ولم يبق منها إلا كتفها، فيقول لعائشة رضي الله عنها وأرضاه: «كم بقي من الشاة؟» قالت: يا رسول الله، ذهبت كلها ولم يبق إلا كتفها. فقال: «لا، بقيت كلها إلا كتفها». الله أكبر، هذا هو الميزان الحقيقي! نحن كبشر غير معصومين ننظر بنظرة مغايرة، لكن النبي يسدد هذه النظرات، وهذا الذي فعله مع سعد رضي الله عنه وأرضاه.

فلما رأى أن له فضلاً سعد رضي الله عنه وأرضاه -وسعد بشر غير معصوم رضي الله عنه وأرضاه- هنا جاء التوجيه النبوي. التوجيه النبوي جاء فقال: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم». ولذلك أيها الأحبة علينا دائماً أبداً أن نكون متصلين بالقرآن والسنة، ناخذ منها المفاهيم، وناخذ منها العبر، وناخذ منها التوجيه، وناخذ منها الدروس؛ لأن الإنسان يا إخواني إذا وكل إلى فكره وإجتهاده الأصل أنه يضل.

«إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده». ولذلك الإنسان دائماً يسأل الله التسديد والاعانة، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهدني وسددني».

وقد حث الشرع على تيسير الخطبة، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها». والمراه التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة وغير المعتدة وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب، ويحرم التصريح بخطبة المعتده من وفاه أو من طلاق رجعي أو بائن، واما التلميح بابداء الرغبه في الخطبه فمباشرة يجوز التلميح لها. قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235].

ويستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: «انه أجرى أن يؤدم بينكما». وقد ذكر الفقهاء لجواز النظر إلى المرأة المخطوبة شروطاً، منها: أن يكون الخاطب عازماً على الخطبة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، أن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، أن ينظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه والكفين، ألا تكون المرأة متبرجة أو مطيبة.

ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها، ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتف بالنظرة الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها؛ لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه.

وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير إذنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره.

فاذا فسخت الخطبة فان للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا؛ لأنها في حكم المهر أو هبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها، خاصة إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وعودة أخرى إلى لقائنا.

إذاً أيها الأحبة، تكلمنا في قضية الموازين الحقيقية. الميزان الحقيقي هو الميزان النبوي أو الذي جاءنا من القرآن والسنة. هنا النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى قضية: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم». يا إخواني، في عرفنا وفي عرف الناس وفي عرف العقلاء الذين عاشوا الحياة أن النصر يأتي مع القوة، ويأتي مع الشدة، ويأتي مع الجبروت. هذا ليس ميزاناً مضطرباً أبداً، قد يكون عند غيرنا، لكن نحن لا شك أن القوة لها موقعها ولها أثرها، لكن نحن كمسلمين معنا رب قوي سبحانه جل في علاه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. ولذلك الله سبحانه وتعالى هو القوي سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]. ولذلك أحبتي في الله الله سبحانه وتعالى القوي ينصر عباده كيفما شاء، وبأي وسيلة، وبأي طريقة، وبأي جند؛ لأنه هو قوي عزيز، وهو كذلك عزيز حكيم، وبالتالي الله سبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء.

من ذلك: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم». أيوه يا إخواني، ترى نحن كمجتمع مسلم حتى الضعفاء لهم مكانة. يمكن غيرنا من الأمم الفقراء والمساكين لا قدر لهم، يستعملون كعبيد ويسخرون كعبيد، لكن نحن كمسلمين لا، هذا المسكين وهذا الفقير له مكانة عند الله سبحانه وتعالى. «رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره». الله أكبر! أشعث أغبر ذو طمرين، يعني طمرين معه إزار ورداء من أردأ الأشياء، الطمرة هي القماش المهترئ الذي ما له قيمة، ذو طمرين، لكن لو أقسم على الله لأبره الله سبحانه وتعالى! إذاً القضية ما هي قضية مظاهر، قضية جواهر.

وبالتالي لما ننظر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كيف تعامل مع هذه الشريحة، انظروا كيف يزكيهم. لماذا يا إخواني الضعفاء والمساكين أرَق قلوباً، أقرب إلى الله؟ هؤلاء منكسرون، متعلقون بالله الحي القيوم الذي قد فتح أبوابه للناس، فأول من بادر إليه هؤلاء الضعفة والمساكين. الضعفاء والمساكين يا إخواني هم المبادرون دائماً إلى الخير، لذلك حينما ننظر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينما صدع بالدعوة، أغلب من تبعه من الضعفاء والمساكين والفقراء، وهذه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى.

ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين». معيار حقيقي: يدخل فقراء أمتي قبل أغنيائهم بخمسمائة عام. الله أكبر! خمسمائة عام، وأصحاب الجدة وأصحاب الغنى واقفون في عرصات يوم القيامة يحاسبون على النقير والقطمير، والفقراء والمساكين والمحتاجون والمعوزون يتلذذون في الجنة. خمسمائة سنة، نصف قرن... عذراً، خمسمائة سنة، خمسة قرون! خمسة قرون!

وبالتالي أحبتي في الله الفقراء لهم قيمتهم ولهم اعتبارهم في الإسلام، إياك إياك أن تنالهم، هؤلاء مقربون من الله.

يقول صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر» متفق عليه.

إذاً أهل الجنة كل ضعيف متضعف، الله أكبر، لكن لو أقسم على الله لأبره. ويقول صلى الله عليه وسلم: «احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم».

الجنة يا إخواني، اسمعوا من في النار ومن في الجنه؛ أما الذين في النار فالجبارون والمتكبرون، وأما الذين في الجنة فالضعفاء والمساكين. فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، وليما علي ملؤها، يعني لا تختصم أنت يا الجنة سأملأك باهلك، وأنت أيتها النار سأملأك باهلك.

هذا قسم من الله ووعد من الله سبحانه وتعالى، لكن الشاهد أيها الأحبة أن أهل الجنة هم الضعفاء والمساكين؛ حتى لا يفتخر الإنسان بماله ولا بمنصبه ولا بجاهه ولا بملكوت ولا بشهادته ولا بقبيلته ونسبه، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

قال صلى الله عليه وسلم: «قمت على باب الجنة» -اسمعوا- «قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين». الله أكبر، عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون، أصحاب الجد أصحاب المال محبوسون، ليش؟ يحاسبون، لكن هؤلاء المساكين على أيش يحاسب؟

يعني أنا أضرب لك مثالاً الآن، لو إنسان ذهب إلى المطار يريد أن يسافر ومعه عشرون شنطة، وواحد معه شنطة صغيرة في يده؛ أبو شنطة صغيرة ايش يسوون؟ يدخل من الجهاز تفتيش وعلى الطائرة يجلس، وأصحاب الشنط لا؛ اجلس، وكشف وتفتيش وأمور كثيرة.

إذاً هذا يعني هذا مثال قريب لذلك، أيها الأحبة نحرص، ما هو نحرص على المسكنة، لا، نحرص على احترامهم، إذا أعطاك الله مالاً أو جاهاً أو سلطاناً احرص على هؤلاء، إياك أن تؤذيهم، تراهم لهم مكان عند رب العالمين، قد يكون في الدنيا لا شيء، لكن عند رب العالمين مكانتهم عظيمة.

فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أيها الأحبة، ما زلنا مع هذا الحديث الأجوبة، أنا أسميه أجووبة حقيقة، لأن هذا الحديث وأمثاله ينبهون ويوقظون الناس من سباتهم، من غفلاتهم، خاصة حينما تتسلط الدنيا وموازين الدنيا ومعايير الدنيا في التعامل بين الناس.

يا أحبابي، نحن لنا تراث مجيد، لنا إرث من نبينا صلى الله عليه وسلم الذي ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم. لذلك ينبغي أن نستقي كل أخلاقيات وسلوكياتنا وموازيننا ومعاييرنا من الكتاب والسنة إذا أردنا أن ننجو، وأما إذا الإنسان أراد شيئاً آخر فعل على هواه، لكن نحن كمسلمين لا كمؤمنين لا ينبغي أن تكون المعايير مستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لذلك أيها الأحبة، الناس عقولهم قاصرة مهما أوتوا من ذكاء وعبقرية، لكن يظلون قاصرة عقولهم. كان هناك امرأة سوداء تقم المسجد، تقوم على نظافة المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فماتت، فالصحابة رضوان الله عليهم غسلوها وكفنوها ودفنوها.

النبي صلى الله عليه وسلم افتقدها، انظر يا أيها الأحبة، ترى المجتمع الإسلامي ما فيه طرف ووسط، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم المحمل بأعباء الأمة افتقدها، فسأل عنها. قالوا: يا رسول الله ماتت. قال: «لما لم تؤذنوني؟ لما لم تخبروني؟».

يعني الصحابه ظنوا أنها يعني ضعيفة مسكينة، يعني تقوم على خدمة المسجد ونظافة المسجد، لن يؤبه بها. رسول الله صلى الله عليه وسلم لا، يعلمنا؛ النبي يسأل عنها ويغضب، لما لم تخبروني؟ فيذهب صلى الله عليه وسلم إلى قبرها -هي معروفة، ما حد يعرفها حتى الكتب والتراجم ما حد يعرف اسمها، ما هي، لكن النبي يعرف أن لها دور في المجتمع ولها مكانة، وإن كان لا يؤبه لها، لكن عند الله لها مكانة- فيذهب إلى قبرها ويصلي عليها في قبرها صلى الله عليه وسلم.

وليعلم الأمة كيف تحترم الضعيف المسكين والفقير، يعلم الأمة كيف يحترمون بعضهم البعض، لا كبر ولا غطرسة ولا مراء ولا عجب، لا، نحن ينبغي فعلا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحand لاخيه ما يحب لنفسه».

لذلك هكذا كان صلى الله عليه وسلم يؤسس هذه المبادئ العظيمة. كان هناك صحابي جليل اسمه جليبيب، صحابي اسمه جليبيب، أسود اللون، فقير، مسكين، ضعيف، لكنه كان عند الله بمكان.

يوم من الأيام جليبيب في السوق، وإذا بشخص يمسكه من خلفه ويضمه إلى صدره ثم يرفعه في الهواء ويقول: من يشتري العبد؟ من يشتري العبد من الظالم والمضموم؟

أما الظالم فهو رسولنا صلى الله عليه وسلم سيد البشرية، النبي صلى الله عليه وسلم يضم هذا الرجل إلى صدره ويرفعه ويقول: من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟

جليبيب لما أدرك أنه رسول الله أخذ يحك ظهره في صدر النبي صلى الله عليه وسلم ويبتسم ويقول: يا رسول الله والله إنك إذاً لبضاعة كاسدة!

انظر أيها الأحبة، قمة الهرم في الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم يمسك هذا الصحابي الضعيف المسكين ويضمه إلى صدره -من منا يفعل هذا؟- ويداعبه ويلاعبه ويمازحه: «من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟».

يا إخواني، في أحد لما دعي الجهاد تقدم جليبيب رضي الله عنه وأرضاه وقاتل قتالاً عظيماً، قاتل قتالاً عظيماً. الصحابة بعد انتهاء المعركة يتفقدون الجرحى والمساكين والشهداء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفتقد أحداً؟ أفتقدون أحداً؟».

قالوا: لا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأفتقد أخي جليبيب». الله أكبر، الله أكبر! «أما أنا فأفتقد أخي جليبيب».

فذهب صلى الله عليه وسلم يبحث عن حبيبه جليبيب، وإذا به يجده قد قتل سبعة وكتل، فأخذه صلى الله عليه وسلم ووضعه على فخذه الشريف وقال: «هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه». اللهم صل على رسول الله، اللهم صل على رسول الله. أرايتم؟ أسمعتم أنتم؟ «هذا مني وأنا منه». الله أكبر!

أحبتي في الله، هكذا كان صلى الله عليه وسلم، وهكذا حتى أصحابه. عمر رضي الله عنه وأرضاه في بعض الفتوحات لما جاءه المبشر بفتح بعض البلدان فيقول: من قتل؟ فيقولون: قتل فلان واستشهد فلان وفلان وفلان. وقال: وأناس لا تعرفهم يا أمير المؤمنين.

فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: إن كان عمر لا يعرفهم فرب عمر يعرفهم، إن كان عمر ما يضيرهم وما يضيرهم ألا يعرفهم عمر، لكن رب عمر هو يعرفهم سبحانه جل في علاه، يعلمهم سبحانه جل في علاه.

ولذلك أحبتي في الله، هذا ميزان ينبغي أن ينتشر في المجتمع حتى نبتعد عن الاحتقار والازدراء والكبر والغطرسة، ويسود روح الألفة والمحبة، ورب هذا الضعيف المسكين الذي لا يؤب له، النصر ياتي من عنده، وجاء في حديث بدعائهم وخشوعهم وإخلاصهم.

ولذلك إذا رايت مثل هؤلاء الفقراء والمساكين انكسرت قلوبهم، مر عليهم، احسن إليهم، تقرب منهم: لا تنسني يا فلان من دعائك. دعهم يدعون لك ويستغفرون لك، أنت ما تدري. الله أكبر!

يقول صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير عباد الله؟» اسمع: «ألا أخبركم بخير عباد الله؟ الضعيف المستضعف ذو الطمرين، لو أقسم على الله لأبره». إذاً أحبتي في الله ميزان أعظم من موازين الذهب.

الناس يضربون الأمثله في الموازين بميزان الذهب، لا، هذا اعظم من ميزان الذهب، هذا ميزان النبوة، هذا ميزان نبوي رباني فيما بيننا؛ كيف نتعامل؟ كيف نحسن إلى بعضنا البعض؟ وأن القضية ما هي قضية مظاهر وصور وأشكال ومناصب، لا، القضية قضية حقائق جواهر، قضية قضية داخلية: إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

المظاهر هذه ينغر بها أهل الدنيا، المظاهر ينغر بها أهل الترف والمال، لكن في النهاية تكون وبال عليهم، أما الموازين الحقيقية لا، الموازين النبوية: «تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولحسبها -أو لنسَبها- فاظفر بذات الدين تربت يداك». هذا الميزان الحقيقي.

الناس عشان المال والسمعة والقبيلة والعائلة ها لا، لكن قال: «فاظفر بذات الدين». ما أجمل أن تجتمع كلها، لكن التأكيد: «اظفر بذات الدين تربت يداك». اللهم صل على رسول الله. هل تنصرون وترزقون؟ حتى الرزق تبغى الرزق، ترى المساكين سبب، أحسن إليهم، تصدق عليهم، تقرب إليهم، ألا بضعفائكم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر!

نصل إلى ختام لقائنا أيها الأحبة، نلتقي إن شاء الله في اللقاء القادم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتجاوز عنا وأن يسددنا وأن يلهمنا رشدنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.