تسجيل الدخول

حديث: (تلك عاجل بشرى المؤمن) المحاضرة 21 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

ولقاء يتجدد في مادة الحديث الشريف، واليوم مع الحديث الثامن عشر. هذا الحديث من رواية أبي ذر رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تلك عاجل بشرى المؤمن». رواه مسلم.

نقف أيها الأحبه مع شرح المفردات، قوله: «تلك عاجل بشرى المؤمن». أي عاجل بشرى المؤمن أن يعمل العمل الصالح لله تعالى فيه، لا يرجو به غير وجه الله، فيطلع الناس عليه فيثنوا عليه، فيسره ذلك ويستبشر به خيراً.

أيها الأحبة الأفاضل، هذا الحديث من جوامع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رداً على هذا السؤال. الصحابة رضوان الله عليهم خافوا أن تذهب أجورهم: يا رسول الله، أحدنا يعمل العمل الصالح يريد به وجه الله يخفيه، لكن هذا العمل سبحان الله يظهره الله عز وجل، فيحمد الناس أصحاب هذا العمل، ما في شيء يا رسول الله؟ هل هذا يجوز؟ ما يجوز؟ يذهب من أجرنا؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم طمأنهم وقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».

أيها الأحبة الأفاضل، لا شك أن الأصل في الأعمال الإخفاء. أنت تعامل من؟ أنت تريد وجه من من عملك هذا؟ لمن؟ هل هو للناس؟ للسمعة؟ للإطراء؟ ليحب الثناء؟ ليحب الذكر؟ هذه كارثة بكل ما تعنيه الكلمة، كارثة! ولذلك الإنسان لابد أن يبتغي بععمله وجه الله سبحانه وتعالى.

ولذلك هنا قضية المجاهدة للنفس؛ لا شك يا إخواني وأخواتي الكريمات أن الشيطان يأتي للإنسان حتى يعني يحب أن يذكر بين الناس: فلان فعل، فلان سوى، فلان أمر بالمعروف، فلان نهى عن المنكر، فلان تصدق، وفلان كذا. والشيطان يحليها في النفوس، لكنها كارثة! هل بشر يملكون نفعاً أو ضراً؟ والله لو مدحك الخلق كلهم وغضب الله عليك ما ينفعك شيء! والله لو مدحك الله عز وجل ورفعك، وذم الناس كلهم، ما ضرك شيء!

ولذلك أيها الأحبة الأفاضل، الأصل في أعمالنا ينبغي أن تكون لوجه الله، لا نريد منها ثناءً ولا ذكراً ولا إطراءً ولا مدحاً ولا دنيا ولا منصبًا ولا جاهاً، بل الإنسان يبتغي بعمله وجه الله سبحانه وتعالى، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. أما قضية أن أبتغي بعمل فلان وفلان، هذه كارثة!

ولذلك الإنسان ينبغي أن يحذر؛ لأنه مر معنا سابقاً أن قبول الأعمال تقوم على شرطين: الشرط الأول: الإخلاص لله سبحانه وتعالى؛ تبتغي بعملك وجه الله سبحانه جل في علاه، لا ثناءً ولا شكوراً ولا مدحاً ولا رفعةً في الدنيا أبدا. تريد بععملك وجه الله سبحانه وتعالى لا أحد من الخلق، لا أحد من الناس. قال الله سبحانه وتعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». لذلك احرص أن يكون عملك لله خالصاً.

الامر الثاني: موافقَة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعتُه؛ أن يكون عملك لله متابعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. إذا لم تتوفر هذان الشرطان فالعمل باطل باطل. ولذلك أيها الأحبة، لابد من المجاهدة، لابد من المجاهدة أن نجاهد أنفسنا أن نخفي أعمالنا، حتى عن أقرب الناس لك! يقول لي رجل: عن زوجتي؟ حتى عن زوجتك! المرأة تقول: عن زوجي؟ حتى عن زوجك! حتى عن أبنائك! كلما كان العمل فيه خفاء، كلما كان أعظم أجرًا عند رب العالمين.

كان بعضهم ينام بجانب زوجته ويضع رأسه على نفس الوسادة ويبكي من الليل حتى الصبح لا تشعر! بعضهم كان يصوم السنوات الطويلة وأهله لا يعلمون؛ إذا خرج الصباح أخذ معه إفطاره كأنه يريد أن يفطر في الصباح فيتصدق به، ويأتي المساء المغرب عائداً من عمله فيأكل مع أهله يظنون أنه قد أكل في النهار وهو صائم! وكم وكم قرأنا في سير السلف الصالح من هذا العجب العجاب، كل ذلك لابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.

بل أحدهم ينصح أخاً له أنه ينبغي أن يكون أمره كله لـ قال: يا بني، انظر إلى عيني اليسرى، قال: والله لا أبصر بها منذ ثلاثين سنة، ضربني فلان عليها فأذهب بصرها، والله ما يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى! يقول: ثلاثين سنة وأنا قد ذهب بصر عيني اليسرى ما أحد يعلم، كل هذا ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.

فاذا أقول: الأصل في أعمالنا أن نخفيها لله سبحانه وتعالى. وفعلاً تقرا في سير السلف الصالح العجب والعجاب في هذا الباب، ويخفون أعمالهم وكيف لا يظهرونها! بعضهم قد يعني تدركه العبرة فيبكي خشية لله، فيمسح أنفه ويقول: ما أشد الزكام! وما به زكام، لكن حتى يكون عمله لله خالصاً، يبكي من خشية الله فيدعي الزكام!

لذلك هذا الأصل؛ الأصل في أعمالنا أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى، وكلما كان الإنسان يسعى إلى الإخفاء، إخفاء العمل لله، كان أعظم عند الله أجراً. ولذلك من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه». سمعت يا رعاك الله؟ حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه! هذا كله مبالغة في ماذا؟ مبالغة في إخفاء العمل والحرص على عدم اظهاره، حتى لا تختلف النية ويختلف الحال ويختلف القلب، و يعني يأتي الشيطان ويتسلط علينا ويتسلط على أعمالنا فيفسدها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولذلك أيها الأحبة، هذه أول وقفة معنا اليوم؛ قضية محاولة اخفاء العمل قدر ما تستطيع. لا يجيك الشيطان تقول: البارح رؤوك الناس متعباً فمالك يا فلان؟ قال: والله يا أخي أنا الحمد لله قمت الليل البارحة ومرقت والحمد لله، نسال الله القبول! نسال الله القبول! لكن لماذا تخبر الناس؟ لماذا تخبر الناس بعملك فيفسد؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. فاصل أيها الأحبة، ثم نعود مرة أخرى بإذن الله، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.

شهر رجب هو الشهر السابع من شهور السنة الهجرية، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة، وهي: ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، ورجب. وفيه وقعت كثير من الأحداث المهمة والمؤثرة في تاريخ الأمة؛ ففي شهر رجب سنة اثنتين للهجره كان تحويل القبلة من بيت المقدس بالشام إلى المسجد الحرام بمكة، وكان حدثاً من الأحداث الكاشفة عن ثبات المؤمنين وسفاهة المنافقين. وفي شهر رجب سنة تسع للهجره كانت غزوة تبوك؛ وإن لم يقع فيها قتال بين الصفين، إلا أنها كشفت المنافقين وفضحت كل من في قلبه مرض من المدسوسين بين أظهر المسلمين. وفي منتصف رجب سنة أربع عشرة للهجره فتح المسلمون مدينة دمشق، وطلب أهلها الصلح مع المسلمين. وفي العشرين من رجب سنة مئة وواحد عشرة للهجره توفي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله عن تسع وثلاثين سنة، وبويع يزيد بن عبد الملك بالخلافة من بعده. وفي آخر ليلة من رجب سنة مئتين وأربع للهجره توفي الإمام الشافعي رحمه الله عن أربع وخمسين سنة، تاركاً مؤلفات عظيمة في الأصول والفقه، ومن أهمها: كتاب الرسالة، وكتاب الأم. وفي السابع والعشرين من رجب سنة خمسمئة وثلاث وثمانين للهجره كان استرداد المسلمين لبيت المقدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بعد انتصاره الباهر في حطين، حيث دخل القدس الشريف وأدى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى بعد حوالي ثمان وثمانين عاماً من الاحتلال الصليبي لبيت المقدس. وفي العشرين من رجب سنة تسعمئة واثنتي عشرة للهجره كان بزوغ فجر الدولة العثمانية بعد انتقال الخلافة الإسلامية من المتوكل على الله آخر خلفاء الدولة العباسية إلى السلطان سليم الأول أول خلفاء الدولة العثمانية. شهر رجب أحداث فاصلة في تاريخ الأمة الإسلامية.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:

ما زلنا مع هذا الحديث العظيم ايها الاحبه الافاضل، أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن». عاجل بشرى المؤمن أيها الأحبة؛ البشرى قد تكون على عدة أحوال وأشكال، وذكر المصنف في الكتاب شيئاً منها.

من ذلك من الأحوال البشرى التي قد يرسلها الله سبحانه وتعالى على العباد؛ أن يطرح السعادة والطمانينة وانشراح الصدر حين العمل؛ تعمل عمل فتشعر بسعاده، بانس، بلذة، بشعور جميل جداً جداً جداً، هذا هو من عاجل بشرى المؤمن. ولذلك بعض السلف يقول: والله إنه لتمر بالقلب ساعات يطرب فيها من ذكر الله، فاقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه، إنه لخير عظيم. إذاً من المبشرات أن يسعد الإنسان بالعمل؛ يشعر بلذة، بحلاوة على لسانه وفي نفسه وفي ظاهره وباطنه بهذا العمل الذي يقوم به، إن كانت عبادة، إن كان صوم أو صلاة أو ذكر أو قران أو دعوة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، تجد أن له لذة، هذه من البشرى. فرق بين من يصلي ويستمتع بصلاته، من يعتمر ويستمتع بعمرته، من يفتح المصحف ويستمتع بهذه القراءة، وبين من يفعل ذلك تكلفاً وتجشماً!

كذلك من المبشرات يا أحبابي؛ ثناء الناس عليك وأنت لم تطلب ذلك. لما مرت جنازة على النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى الناس عليها خيراً قال: «وجبت». ومرة أخرى فأثنى الناس عليها شرا فقال: «وجبت». فقال عمر: ما وجبت في الأولى وما وجبت في الثانية يا رسول الله؟ قال: «أما الأولى فأثني عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه». ترى الناس ما يجتمعون على باطل؛ أنا ممكن أن أخدع واحد أو اثنين أو عشرة أو خمسين أو أكثر، لكن أخدع الناس كلهم؟ لا! هذه من سنن الله سبحانه وتعالى أن الخير يظهر والشر يظهر. أنا قد أخدع كذا واحد، لكن أخدع الأمة؟ ما أقدر! الناس سبحان الله، «الارواح جنود مجنده، ما تعارف منها اختلف، وما تناكر منها ائتلف». ولذلك أيضاً هذه من المبشرات أن الناس يثنون عليك وأنت ما تطلب أصلاً.

كذلك من المبشرات أيضاً أيها الأحبة، أن يرى للإنسان الذي عمل صالحاً المنامات الطيبة؛ فلان والله راى فيك رؤيا حسنة، هذه أيضاً من عاجل بشرى المؤمن، والرؤيا من المبشرات وجزء من أربعين جزءاً من النبوة. إذاً هذه كلها محفزات.

أعود إلى أصل الموضوع؛ أصل الموضوع هناك أثر يروى عن عبد الله بن مسعود يوقف عليه وهناك من رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ما هو؟ لعله قد مر معنا سابقا: ما أسر عبد سريرة إلا البسه الله رداءها علانية؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر! أعيدها مرة ثانيه: ما أسر عبد سريرة إلا البسه الله رداءها علانية؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر!

بمعنى أن كل انسان قد يكون له خبيئة عمل، أما صالحة وأما طالحة. ما أسر عبد سريرة أي سريرة خير أو شر، إلا البسه الله رداءها علانية، تظهر هذه من سنن الله سبحانه وتعالى! حتى لو أظهرت خلاف ما أنا مبطن عليه، أنا مثلاً أظهرت الوجه الصالح اللحية والالتزام والمشيخة وأنا من الداخل فاسد سيء، سيظهر الله سريرتي عاجلاً أم آجلاً، سيظهرها الله!

قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه حينما ذهب إلى الراهب الأول والثاني والثالث، الأول والثاني فعلاً كانوا يظهرون الصلاح وياخذون أموال الناس، ولذلك لما ماتوا دلهم سلمان رضي الله عنه على أعمالهم القبيحة فأخذوهم ورجموهم بالحجاره بعد موتهم، وهذه كما قلت لكم من سنن الله سبحانه وتعالى الكونية.

فاذا، ما أسر عبد سريرة إلا البسه الله رداءها علانية؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر! انسان يكون له عمل صالح بينه وبين الله لا يعلم به أحد، لكن يظهر للناس؛ هذا يثني عليه، هذا يدعو له، هذا يخدمه، هذا يسلم عليه، هذا يقضي له حاجته، هذا في خدمته، لماذا؟ أثر العمل الصالح، الخبيئة الصالحة، السر الجميل بينك وبين الله تظهر آثاره في محيا الناس وفي ردة فعل الناس لك.

والعكس بالعكس؛ انسان عنده خبيئة عمل سوء ما راه أحد ولا علم به أحد، ولكن إذا ظهر إلى الناس، إذا ظهر إلى الناس هذا يشتمه وهذا يكرهه وهذا يذمه وهذا ينفر منه وهذا لا يحبه وهذا يتكلم عليه! يا اخي ما حد راني! لا لا، في شيء. السريره السريره! ما أسر عبد سريرة إلا البسه الله رداءها علانية؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر!

يقول أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر! قالوا: كيف ذلك؟ قال: يخلو بمحارم الله، يخلو بمحارم الله فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين! هل راوه؟ ما راوه! هل راوه وهو يمارس الحرام وينظر في الحرام ويعاقب حرام؟ لا، لكن سبحان الله، أثر العمل، أثر الخبيئة السيئة تظهر في ردود الأفعال. ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر! قالوا: كيف ذلك؟ قال: يخلو بمحارم الله فيلقي الله له البغض في قلوب...

المؤمنين. لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله عن أهل المعاصي: وإن هملجت بهم البراذين وطقطقتها، قال: أبى الله إلا أن يذل من عصاه. إن ذل المعصية ليظهر على محياهم، نعوذ بالله، ذل المعصية يظهر. وكذلك أثر الطاعة يظهر.

ولذلك في الحديث: أن الله عز وجل إذا أحب عبداً قال: يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه. قال: فيحبه جبريل، وينادي: يا أهل السماء، إن الله يحب فلanaً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض. هذا القبول هو شاهد عاجل بشرى المؤمن. الناس إذا راوه أحبوه، دعوا له، خدموه، قضوا حاجته، وقفوا معه، ذبوا عن عرضه. لماذا؟ قبول من الله سبحانه وتعالى قذفه في قلوب الناس، عاجل بشرى المؤمن.

وإذا كانت الأخرى؛ إذا الله سبحانه وتعالى أبغض عبداً قال: يا جبريل، إني أبغض فلاناً فأبغضه. فيبغضه جبريل، وينادي أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ويووضع له البغض في الأرض، مهما حاول أن يتصنع، مهما حاول أن يتزيا بزي الصالحين والطيبين، لا، لا، والعياذ بالله، البغض يظهر، البغض يظهر. لماذا؟ هذه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى.

لذلك أيها الأحبة، على الإنسان أن يعمل العمل الصالح ولا يهتم، يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى. حمَدك الناس أم ذمك الناس، أقبل الناس عليك أم أعرض الناس عنك، لا تهتم، إنما ابتغي بعملك وجه الله سبحانه وتعالى. يا إخواني، لما نقرأ في بعض سير السلف الصالح، البخاري رحمه الله، البخاري محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح، يا إخواني لما مات، ما رافقه في جنازته إلا أربعة أو ستة على اختلاف الروايات فقط! ما مشى في جنازته إلا أربعة أو ستة أنفار فقط! هل أنقص منه شيء؟ أبدا، إذا قيل: أصح كتاب بعد القرآن الكريم، قالوا: البخاري، صحيح البخاري رحمه الله. إذا الشمس لا يمكن أن تحجب، لا يمكن. فالانسان يبتغي بعمله وجه الله سبحانه وتعالى، فان جاءك المدح والثناء من الناس فهذا من عاجل بشرى المؤمن لك، وإن لم ياتك بشيء فالله سبحانه وتعالى أدرى بك وبعملك.

عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر. قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالبا للعلم خير من أن تموت قانعا بالجهل، وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات. قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب، فأبيت ساهرا فرحا بتلك الفائدة. وقال أبو الطيب البغدادي: قرات على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن». أيها الأحبة، إن ظهرت أعمالك فهذا فضل الله سبحانه وتعالى، وإن لم تظهر فهذه حكمة الله سبحانه وتعالى، لكن الحذر ثم الحذر ثم الحذر من طلب الرياء والسمعة والثناء. والله لو أثنى البشر كلهم عليك وسخط الله عليك، ما الذي ينفعك؟

لذلك أيها الأحبة، الإنسان يحرص قدر ما يستطيع على إخفاء العمل. طيب، يجي انسان يقول لي: يا اخي أنا أظهِر عملي لعل الناس أن يتأَسَّوا به. العلماء لهم تفصيل جميل في إظهار العمل، فقال العلماء: إذا كان إظهار العمل من أجل تزكية النفس وحب الإطراء والثناء عند البشر، فهذا مردود وهو محبط للعمل، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. فالانسان يحذر ولا تمنن تستكثر، لا تمن على الله عملك، ولنعلم أن أعمالنا بفضل الله وتوفيقه وتاييده، والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا.

إذا الإنسان يعرف أنه ما يفعل شيئا إلا بتوفيق من الله، فالله يعينك ويسددك. ثم تطلب الرياء والسمعة، هذه كارثة! فهذه الصورة الأولى: إن كان إظهار العمل من باب تزكية النفس: أنا سويت، أنا فعلت، أنا قدمت.. أحذر! الله عز وجل يحذرنا: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. وإذا كان إظهار العمل من باب تحفيز الناس ولعل الناس أن يتأسوا بهم، فلا باس في ذلك، وهو من باب قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، إن كان المقصد أن نحفز الناس والبشر على هذا العمل. لكن برضه أقول: الإنسان يحذر قدر ما يستطيع من إظهار الأعمال، حاول قدر الامكان أن يكون عملك خالصا لله سبحانه وتعالى.

أقول أيها الأحبة، من الأمور المهمة أيضا أن الشيطان لن يتركنا في حالنا، لن يتركنا في حالنا. كيف ذلك يا إخواني؟ الشيطان حريص علينا قبل العمل، وأثناء العمل، وبعد العمل. قد ياتيك الشيطان قبل العمل يريد أن يغرّك، لكن قوة إيمانك بعد توفيق الله لك وعزيمتك وهمتك تتغلب على الشيطان وساوسه وتزيينه، فتعمل العمل وتقوم بالعمل على أتم وجه يعجز الشيطان عنك في هذه المرحلة أن يفسده عليك. يعجز، يحاول يمنعك يمنعك يمنعك، فتصر وتستعين بالله فتفعل هذا العمل. إذا هذه أول مرحلة للشيطان خسر فيها هذه اللعبة.

ناتي إلى المرحلة الثانية: سيحاول الشيطان معك أثناء العمل. الآن قبل كده يبغى يردك، تغلبت عليه ودخلت العمل وقمت تعمل، يجيك الشيطان الآن يحاول أن يفسد عليك العمل بماذا؟ بخلاف النية. مثل إنسان دخل يصلي مثلاً؛ الشيطان منعه من الصلاه في البدايه، لكنه أبى إلا أن يصلي، فدخل المسجد يصلي، وهو يصلي بدا الشيطان يلعب اللعبة الثانية، ما هي؟ بدا يقول: فلان يطالع فيك، فلان جنبك، فلان ينظر إليك، حسن صلاتك، أظهر الخشوع، طول الركوع والسجود.. هذه المرحلة الثانية، يريد أن يظفر بك أيضا من هذه المرحلة حتى تفقد أنت الآن دخلت لله عز وجل، لا، يريد أيضا أن يفوت عليك الأجر العظيم. قد يصيدك وقد يوقعك، لكن إذا أعانك الله سبحانه وتعالى ونفذت من هذه المرحلة الثانية، سيتسلط عليك في مرحلة ثالثة.

ما هي مرحلة بعد العمل؟ هو معاك ما يتركك، لكن الله أقوى، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، ولا يتاثر به إلا ضعاف الإيمان، ضعاف العلم. ولذلك ياتيك في المرحلة الثالثة بعد العمل؛ أنت الآن صليت أو صمت أو تصدقت خلاص، طيب، يجيك الشيطان يريد أن يظهر هذا العمل: والله الحمد لله أنا أمس صمت بفضل الله ونسال الله القبول، أمس الحمد لله ختمت القرآن أمس بفضل الله ونسال الله يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، والله يا إخواني أمس كنت ماشي في طريق ورأيت إنسان فقير تصدقت عليه، نسال الله أن يجعل أعمالنا خالصة.. ها! شوف، بعد انتهاء العمل يلحك يلحك، لماذا؟ حتى يفسد عليك العمل. لذلك كثيرا من الجهلة إن لم يقع في الأولى وقع في الثانية، وإن لم يقع في الثانية وقع في الثالثة، والله يعصمنا وإياكم.

أذكر قبل فترة من الزمن كان هناك انتخابات في بعض المجالس البلدية كما يقولون، الشاهد ليس هذا، الشاهد أن يعني المني لما رأيت رجل إعلان لأحد المتقدمين المترشحين، واحد يريد أن يترشح في هذه المجالس، ماذا كتب عن سيرته الذاتية؟ لازم يكتب: فلان الفلاني، شهادة كذا وكذا وكذا. لكن الذي المني -وال والله يا إخواني يمكن الكلام ده أكثر من عشرة اثني عشر سنة- المني حينما قرأت: إمام وخطيب لمدة عشرين سنة محتسب! يا الله! يعني الشيطان مد له الحبال ومد له الحبال ومد له الحبال، ثم جاءه في هذا المطب البسيط فأوقعه في شر أعماله. نسال الله يتقبل منه، لكن كانت كارثة بالنسبة لي حينما أقرا أنك أنت يا مسكين من أجل منصب دنيوي لا يقدم ولا يؤخر تقوم بالتباهي بأعمالك: عشرين سنة إمام وخطيب احتساب مجاني احتساب، وإمام للعيدين احتساب! مسكين، ضحك عليك! ضحك عليك عشرين سنة وأنت تصلي وتصوم وتعمل وتدعو، ثم يجيك كذا في فجأة وبحركة بسيطة يكاد أن يبطل هذا العمل كله! نسال الله، لأن ألا يبطل، أنا لا أعلم الغيب، لكن أقول يا إخواني هذا يحذر منه، إنسان يحذر من إظهار العمل، أنت تتباهى بين الناس أني عشرين سنة وأنا إمام، وأنا إمام احتساب، محتسب لم أخذ راتبا ولا مكافأة ولا شيئا! طيب لماذا؟ هذا الذي أنا أحذر منه، أن الشيطان قد في البداية يعجز معك، أثناء العمل يعجز معك، لكن بعد العمل قد يوقعك في شر أعمالك.

احذر، احذر أن تظهر الأعمال إلا لله سبحانه وتعالى، وثق تماما أن الله عز وجل سيظهر وجهك المشرق منك، لأن الظلام لا يمكن أن يغطي على النور أبدا. ابن تيمية رحمه الله مات في السجن آخر حياته، مات مسجونا سنتين وكذا، وهو في السجن ثم مات مسجونا، ومع ذلك ذكره أطبق الآفاق، كثير من علماء الأمة يا أحبابي، ولذلك نقول: لن يصح إلا الصحيح.

لكن أولاً: احذر، احذر من إظهار الأعمال قدر ما تستطيع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي». إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي. قدر ما تستطيع، أظهرت أعمالك الحمد لله هذا فضل الله، أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعلك بشرى بين الناس، إن لم تظهر، الله سبحانه وتعالى يعلم، وكفى بالله حسيبا، وكفى بالله عليما، وكفى بالله رقيبا. هل ننشد الخير إلا من الله سبحانه وتعالى؟

ولذلك أيها الأحبة، احرصوا على إخفاء أعمالكم حتى تكون خالصة لله، وثقوا تماما أن الله عز وجل سيظهر وجهك المشرق عاجلا أم آجلا، لأن هذه سنة من سنن الله تعالى. نكتفي بهذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى باسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء. اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.