تسجيل الدخول

حديث: (لا حسد إلا في اثنتين...) المحاضرة 14 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد، هذه الأكاديمية المباركة بإذن الله تعالى.

ومعنا الحديث الثالث عشر، وهو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» متفق عليه.

شرح المفردات: قوله: لا حسد، الحسد في اللغة تمني الحاسد زوال نعمة المحسود، وهو في الشرع أعم منه في اللغة، والمراد به هنا في الحديث حسد الغبطة، وهو أن يرى النعمة في غيره فيتناها لنفسه من غير أن يتمنى أن تزول عن صاحبها، وهذه الغبطة وهي جائز ومحمود.

قوله: فسلط على هلكته في الحق، أي تغلب على شح نفسه وأنفقه في وجوه الخير. هلكته أي إهلاكه، وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقي منه شيئاً، وكمله بقوله في الحق أي في الطاعات، ليررفع عنه أن يكون المراد الإسراف المذموم. وقوله: الحكمة، أي العلم الذي يمنع من الجهل ويزجر عن القبيح. هذه هي معاني الكلمات للحديث.

أيها الأحبة، نعود إلى الحديث بارك الله فيكم، قال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين»، واتفقنا أيها الأحبة أن المقصود بالحسد هنا إيش؟ الغبطة. لكن دعونا نتوقف قليلاً مع كلمة حسد، الحسد كما ذكر في اللغة تمني زوال النعمة عن الرجل عن الشخص، والعياذ بالله، تمني زوال النعمة عن المحسود، وهذه كارثه، الحسد مرض خطير يا أحبابي، مرض خطير جداً جداً جداً، وإن دل على شيء فإنما يدل على خبث الطوية ورداءة النفس وسوء المعدن وعدم التربية الصحيحة. الحسد له يعني مآسي كثيرة وله اعتبارات كثيرة، يا اخي بأي حق تتمنى زوال النعم عن الشخص الآخر؟ من الذي رزقه؟ من الذي أعطاه؟ من الذي تفضل عليه؟ من الذي أكرمه؟ سبحان ربي العظيم.

ثم الأمر الآخر، ما يدريك على أن النعمة التي عند المحسود قد تكون استدراج؟ قد يكون له خبيئة عمل هي ليست عندك. ولذلك الحسد والعياذ بالله عرف في التاريخ أنه من أخلاق اليهود، من أخلاق اليهود ومن أخلاق الناس الذين ما عندهم كرامة ولا عندهم أخلاق ولا عندهم سؤدد ولا عندهم يعني قيمة حقيقية، ولذلك اليهود والنصارى حسدوا المسلمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالذات اليهود، كانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرفون أنه رسول الله وأنه هذا الرسول الخاتم، لكن حسدوا العرب لأنه خرج من العرب وما خرج من يهود.

ولذلك كما قال حيي بن أخطب رأس اليهود، يقول: عداء إلى أن أموت، ما يمكن، مع أنهم يعرفونه. عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه، حبر من أحبار اليهود ومن كبار اليهود رضي الله عنه الذين أسلموا، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسلم وقال: يا رسول الله، ادع اليهود واسألهم عني. وفعلاً دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، وكان عبد الله بن سلام موجوداً لكنه كان مختبئاً، فقال صلى الله عليه وسلم لليهود: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: شيخنا وابن شيخنا، عالمنا وابن عالمنا، حبرنا وابن حبرنا. وبدا يثنون عليه ويمجدون. فقال: أرايتم إن أسلم؟ قالوا: لا يمكن أن يسلم، لا يمكن أن يسلم. فخرج عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه من خلف الخباء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك يا محمد رسول الله. مباشرة قالوا: هذا كاذب وابن كاذب، جاهلنا وابن جاهلنا. فتبسم ابن مسعود وقال: يا رسول الله، أما قلت لك إن يهود قوم بهت؟ انظروا أيها الأحبة، ومع أن عبد الله بن سلام من كبارهم وأسلم لكنهم حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم وحسدوا أمة العرب أن يخرج منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً الحسد هو من أخلاق من أخلاق إيش؟ من أخلاق اليهود.

الحاسد هو يعترض على قدر الله وعلى حكمه الله وعلى فضل الله وحكم الله عز وجل، لما أنا أحسد إنسان أن الله أعطاه هذه السلعة أو هذا الخير، لماذا أحسده؟ من الرزاق؟ من المعطي؟ من المانع؟ هو الله سبحانه وتعالى. فأنت حينما أو أنت حينما تحسدين أو تحسد إنسانًا لماذا؟ من الذي رزقه؟ من الذي تفضل عليه؟ من الذي أعطاه؟ من الذي أكرمه؟ الله، أتعترض على الله سبحانه وتعالى؟ لذلك الحاسد مغفل، مغفل الحاسد. الحاسد يعيش في هم وفي غم وفي ألم وفي حزن، يعيش الليل والنهار وهو متألم على ماذا؟ لا يعلم، بس لماذا فلان عنده سيارة؟ لماذا فلان ابنه صالح؟ لماذا فلان زوجته كذا؟ لماذا فلان عنده وانا ما عندي؟ لا إله إلا الله، من الذي يقسم الأرزاق؟ ولذلك الحسد داء خطير.

قيل في السابق من الأبيات المشهورة يقول: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله. وكم وكم وكم من القصص التي تروى قديماً وحديثاً في عاقبة الحسد، فهذا يحسد فلان فتنقلب عليه الآية والعياذ بالله، الوقت لا يتسع أن نتكلم في مثل هذه القصص، لكن أقول أيها الأحبة العاقل يعلم أن الله هو الذي يقسم الأرزاق ويعطي ويمنع، أنت احمد الله واصبر. لذلك لما تشوف التاريخ، أبو جهل عمرو بن هشام، أما كان يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله؟ بلى والله يعلم، والله يعلم، لكن لماذا لم يؤمن به؟ قال: تنافسنا بنو هاشم في الرفادة وفي السقاية وفي إطعام الحجيج، فنافسونا فنفسنا، ثم يأتون يقولون منا نبي، ما منكم نبي، كيف يقول الكلام هذا؟ مستحيل، عداء إلى أن يموت البعيد. فالذي منعه من الإيمان والاسلام الحسد، كيف تقول بنو هاشم منا نبي وما منكم نبي؟ فالحسد والعياذ بالله يمنع من اتباع الحق ومن اتباع الخير، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من هذا الداء الخطير الخبيث، ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل، العلم شجره والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: لا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً. وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».

والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية، والخشية تنير العقل. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن تقوى الله وسيله إلى حصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا في حديثنا المبارك: «لا حسد إلا في اثنتين»، وتكلمنا عن الحسد وبينا خطورة الحسد وأنه اعتراض على أمر الله وقضائه وقدره. أما الغبطة فهي مطلوبة، الغبطة محفزة، أن ترى إنسان أنعم الله عليه بشيء، أما دين وأما دنيا وأما مال وأما عطاء، فتغبطه على هذا يعني تتمنى مثله وتدعو له بالبركه، فهذا مطلب، وهذا يحفز الناس يا أحبابي على أن الانسان دائما يحاول أن يترقى في امور دينه أو في امور دنياه.

قال: «رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق»، إنسان أعطاه الله مالاً، لكن هذا المال لم يجعله ادخاراً وكنزاً يمنع منه حق الله عز وجل، ويمنع منه العطاء والصدقة وحق الفقير وحق المسكين وحق الجار وحق القريب وحق البيت، لا، وإنما سلط المال على هلكته في الحق، بمعنى أنه أهلك ماله في إيش؟ فيما يرضي الله سبحانه وتعالى في الحق. بعض الناس قد يسلط ماله والعياذ بالله في إيش؟ في الباطل، لا لا لا، إنما سلط هذا المال فيما يرضي الله عز وجل.

دعونا قبل أن نكمل الكلام في هذه النقطه، أتكلم عن المال يا إخواني، نعم، المال الصالح للرجل الصالح، المال لا يذم لذاته ولا يمدح لذاته مثل الدنيا، أن الانسان اخذ هذا المال من وجه حق وانفقه في وجه حق فانعم واكرم، وان كانت الاخرى والعياذ بالله. لذلك احبتي في الله المال اذا جاء الى يد المؤمن احسن استخدامه واحسن الانتفاع به، لكن الكارثه اذا وصل الى يد لا تحسن التعامل معه. في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلمًا» - ساذكر معنى الحديث - «فهو يقضي في ماله بعلمه، فيصل به رحماً، ويعرف لله فيه حقاً، فهذا في أعظم المنازل»، علم ومال، إذاً هذا في أعظم المنازل.

طيب، قال: «ورجل أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً، فهو يقول: لو أن لي مثل فلان من المال لفعلت مثله»، هو ما عنده مال لكن عنده علم. فقال صلى الله عليه وسلم: «فهما في الأجر سواء».

«ورجل آتاه الله مالاً» - هنا الكارثه - «ولم يؤته علماً، فهو لا يعرف لله فيه حقاً ولا يصل به رحماً، فهذا والعياذ بالله في أخبث المنازل».

«ورجل آتاه الله» - أسف، لم يؤته الله لا مالاً ولا علماً - الرابع هذا الصنف الرابع، فيقول إيش: لو أن لي مثل فلان مالاً لفعلت مثله، هو ما سوى شيء لكنه تمنى أن يكون مثله. قال صلى الله عليه وسلم: «فهما في الوزر سواء».

إذاً المال بإذن الله عز وجل إن أحسن الإنسان استخدامه رفعه ونفعه، لكن الكارثه إذا كانت الاخرى. بعض الناس والعياذ بالله قضية بس أكنز المال، عبد للمال، عبد للمال والعياذ بالله، مسكين هذا، هذا عليه غرمه وللاخرين غنمه. المال فتنة، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]، لكن الإنسان يستعين بالله سبحانه وتعالى ويجعل هذا المال قائده إلى الجنة يا إخواني.

عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه اشترى الجنة بماله مرتين، ومرة ثالثة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه لها قصه جميلة، يمكن الوقت ما يتسع، لكن لما جاءته يعني قافلة كبيرة جداً، أكثر من ثلاثمائة بعير في عام الرمادة، وجاء التجار وأعطوه في الدرهم أربعة دراهم، ومع ذلك قال: أعطيت أكثر. فجعلها صدقة في سبيل الله، قال: أعطاني الله عشرة بالدرهم، عشرة. عندكم زيادة؟ قالوا: ما عندنا. قالوا: أشهدكم أنها صدقة في سبيل الله.

يقول ابن عباس: فبت تلك الليله، فرايت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام على برذون أبلق عليه جبة من نور وفي يده عصاً من نور وفي قدميه خفان من نور مستعجل، فقلت: يا رسول الله، مهلا فقد اشتقت إليك! فقال: يا ابن عباس، إن ابن عفان قد تصدق بصدقة وقد قبلها الله، وقد زوجه الله من الحور العين، وقد دعينا إلى عرسه. اللهم صل على رسول الله.

الشاهد، المال نعم المال الصالح للرجل الصالح، الذي يعرف به حق الفقير وحق المسكين وحق القريب وحق الجار وحق المسلم، ما يخزن ويكنز، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك المال أيها الأحبة قد يكون للإنسان منزله عظيمة في الدنيا وفي الآخرة، وقد يكون فتنة على الإنسان فيجعله العياذ بالله بخيلاً شحيحاً ممسكاً جماعاً منوعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إذاً أقول الإنسان يحرص، يسأل الله المال، لكن إيش؟ يسأل الله المال ويسأل الله أن يجعل المال في يده ولا يجعله في قلبه، يجعل المال في يده ولا يجعله في قلبه، لأن كما بعض الناس يا إخواني يفتن بالمال، يفتن، كما جاء في بعض الروايات في الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت ذلك. وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت ذلك. وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمتة لأفسدت ذلك. وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم، ولو أصححته لأفسدت ذلك. إني أدبر عبادي كيف أشاء، إني بهم خبير بصير».

تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». لكن أقول على الإنسان أن يحرص أن يأتي المال من حلال وأن يخرجه في حلال.

لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً مالاً كثيراً فسلط على هلكته في الحق.

سلام يا أحبابي، ما أجمل أن يكون إنسان غنياً وأن يكون كريماً! هذه أقول أيها الأحبة هذه جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، جنة الدنيا قبل جنة الآخرة؛ تلمس أحوال المحتاجين، الفقراء، المساكين، المعوزين، المنقطعين، الأرامل، هذا كرم من الله سبحانه وتعالى. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور قال: «والصدقة برهان».

الصدقة إيش برهان؟ برهان على ايش يا إخواني؟ برهان على صحة إيمانك ولا لا؟ بعض الناس تقول له: صلِّ، يصلي؛ صمْ، يصوم؛ اقرأ قران، يقرا قران؛ حج واعتمر، يحج ويعتمر؛ اذكر الله، يذكر ذكر الله. تصدق؟ قال لك: ها! إيش هنا الميزان؟ هنا المحك، والصدقة برهان. ولذلك أحبتي في الله، إذا أعطاك الله المال وعرفت حق الله فيه، هنيئاً لك! والكارثة الكارثة الكارثة حينما يرزق الإنسان مالاً فيكن، يمثل له يوم القيامة والعياذ بالله شجاع أقرع، ثعبان يطارده في عرصات يوم القيامة والعياذ بالله، لا يخرج زكاة ولا حق لله ولا حق للناس، ولا حتى بعض الناس هو محروم في ذاته، الله أغناه لكن ترا تتصدق عليه؟ لا لا لا هذا الكلام هذا ما يصلح أبدا. المؤمن لا، المؤمن الله.

وبعدين يا إخواني، الله سبحانه وتعالى له حكمة؛ يعطيك المال فإذا عرفت له حقه فيه وتصدقت وأنفقت بارك الله لك وزادك، وإذا منعت وجمعت، ها، صرفه الله عنك. ولذلك أيها الأحبة، الله الله في كثرة الصدقة، في كثرة العطاء، لا تنتظر الورثة، لا تنتظر الورثة يتصدقون عنك وأنت ما تصدقت عن نفسك، لا تنتظر أن يكون أبناؤك أغير عليك منك، مستحيل! ما سمعنا هذا في التاريخ، فإذا أنت لم تقدم لنفسك لا تنتظر الورثة، لا الزوجة ولا الابناء ولا الأحفاد، لا، قدم لنفسك، والله يوم القيامة لو تذهب للواحد تقول: يا ولدي، يا زوجتي، يا أخي، يا اختي، حسنة! يقول: نفسي نفسي. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27]. من اكرام الله تعالى للانسان ان شرع له الاستئذان واكد ادابه حفظا لخصوصيته وتعظيما لحرمته. ومن هذه الاداب ان يختار الوقت المناسب للزياره، ان يستاذن ثلاثا ولا يزيد عليها فان اذن له والا رجع، الا يجعل استئذانه متواصلا بل يجعل بين كل استئذان واخر وقتا يسيرا، الا يستقبل الباب بل عن يمينه او يساره، ان يخبر المستأذن باسمه عند الاستئذان حتى يعرف.

فاذا تبين للمستأجر صاحب البيت فلينصرف ولا يدخل، ان يلقي السلام على اهل البيت اذا دخل، والاستئذان يكون ايضا على المحارم لئلا يكون في الدخول دون اذن انكشاف لعوره او اطلاع عليها. فقد جاء رجل الى عبد الله بن مسعود وقال: استأذن على امي؟ فقال: ما على كل احيانه تحب ان تراها. وإنما شرع الاستئذان لما فيه من فوائد تعود على الفرد والمجتمع؛ منها: ترضيه النفوس وحفظ الحرمات، رفع الحرج عن المستأذِن والمستأذَن عليه، اتاحه الفرصه لصاحب البيت ان يستر عوراته وما يكره ان يطلع عليه، اشاعه الاطمئنان في المجتمع حيث يامن الانسان عدم اقتحام بيته الا باذنه، سد الذرائع كي لا يقع البصر على ما لا يحل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإذن من أجل البصر».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

الشطر الثاني من الحديث قال: «ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها». الله أكبر يا إخواني، من نعيم الله على العبد أن يرزقه الله العلم وأن يرزقه الله المال، كما مر معنا في الحديث الذي قبل قليل: «إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلما»، علما ومالا فهو يعرف لله فيه حقا ويصل فيه رحما، قال: «هذا في أعظم المنازل». والله نعمه عظيمة! طيب، لو قلت لي ايهما افضل: أن يعطيك الله المال وإلا العلم؟ لا والله العلم، لا والله العلم، العلم، العلم، العلم؛ لأن العلم هو يحرصك والمال أنت تحرسه، العلم هو الذي يرفعك والمال أنت الذي ترفعه، العلم يزيد بكثرة الإنفاق منه، المال كلما أنفقت منه نقص.

لذلك الشافعي رحمه الله له كلمة جميلة يقول: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. انتبه! فالعلم مزية، العلم مكانة، العلم يقربك من الله، العلم يجنبك الفتن، العلم يثقل موازينك، العلم يقربك إلى ربك وإلهك، العلم العلم. مهما تكلمنا في العلم سيظل اللسان قاصراً. ولذلك الشيء الوحيد الذي طالب الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستزادة منه هو العلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

يعني شوف، أنا أقول لك، يعني حتى الدليل على ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» أو قال: «مما طلعت عليه الشمس» لا، الدنيا وما عليها. أربع كلمات! يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. ما يمكن أن يستوي العالم وغير العالم، ما يمكن أبدا يا إخواني! والله، اسمحوا لي في الكلمات هذه؛ حتى في عالم الكلاب أكرمكم الله والملائكة، الكلاب النجسة، الكلاب النجسة ها، ومع ذلك بسبب العلم تتفاوت، فالكلب المعلم إذا صاد لك يجوز أن تأكل من صيده، والكلب غير المعلم إذا صاد لك لا يجوز أن تأكل من صيده. فانظروا أثر العلم هذا أكرمكم الله على أمة الكلاب؛ الكلاب المعلمة إذا صادت جاز أكل صيدها، وأما الكلاب غير المعلمة فلا يجوز أكل صيدها، تصيد لك شيء ما يجوز تأكل لا طائر ولا غزال أبدا غير معلم، فكيف ببني البشر؟ فكيف بالذي كرمه الله سبحانه وتعالى؟

ولذلك أيها الأحبة، احرصوا احرصوا احرصوا على العلم، العلم معك أين ما كنت، العلم قوة، العلم ثبات، العلم هداية، العلم سعادة، العلم قرب من الله، العلم نجاة من الفتن، العلم أقصر طريق إلى الجنة. لذلك أيها الأحبة ننتبه: «ورجل آتاه الله الحكمة» أي العلم «فهو يقضي بها ويعلمها». يا سلام! الحكمة؛ الحكمة شيء من العلم، العلم أعم وأعظم، ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. وبالتالي أحبتي في الله، على الإنسان ألا يشبع من العلم. الإام أحمد رحمه الله رؤي في يده محبرة ماشي فيها، قالوا: إلى متى أبا عبد الله مع المحبرة؟ قال: مع المحبرة إلى المقبرة! أبداً. ونقرا في سير كثير من العلماء في سكرات الموت، ويسأل عن مسائل دقيقة في العلم في سكرات الموت.

لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، ﴿مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾. ولذلك نحن مطالبون بالعلم الشرعي والعلم غير الشرعي؛ العلم الشرعي لإقامة الدين، وغير الشرعي لإقامة الأمة وإقامة العلم وإقامة البلاد والعباد. لكن يهمني الآن أتكلم أحبابي على قضية إيش الذي جاء في الحديث: الحكمه يقضي بها ويعلمها للناس. ولذلك أحبتي في الله، العلم يرفع وينفع ويثبت ويقرب إلى الله سبحانه جل في علاه، يكفي أن الله سبحانه وتعالى ميز العلماء فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28]. العلماء هم اشد الناس خشيه لله سبحانه وتعالى.

العالم يا إخواني، كما قلت، يستطيع بجهد قليل أن ينال أجراً كثيراً؛ جهد قليل العالم ينال أجر كثير: «من دل على خير فله مثل أجر من تبعه». يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها وأرضاها، فذهب فصلى ثم عاد في الضحى وإذا بها في مصلاها، فقال: «ما زلت على حالك الذي تركتك عليه؟» قالت: نعم، أذكر الله يا رسول الله. فقال: «لقد قلت بعدك ثلاث كلمات أو أربع كلمات ثلاث مرات تعدل بما قلت منذ أن اصبحت» -أربع كلمات ثلاث مرات تعدل بما قلت منذ أن أصبحت!- قالت: ما هن؟ قال: «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»، «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته». هذه ثمان عشرة ثانية تعدل بما قلت منذ أن أصبحت! كم ساعة جالسة رضي الله عنها وأرضاها؟ شفتوا العالم كيف؟

كما في الحديث أيضا اللي ذكرت آنفاً: «ورجل أعطاه الله علماً ولم يؤته مالاً فقال: لو أن لي مالاً لفعلت مثل ما فلان يفعل -فهو بنية فجرهما سواء- فهما في الأجر سواء». فالعالم أيها الأحبة يصل إلى أعلى منازل الجنة بإذن الله تعالى بأقل الطرق وأقل التكاليف وأقل الجهد؛ عالم، عالم يعرف كيف يعبد الله، يعرف كيف يتعامل مع الله، كيف يعيش في الدنيا، العالم يعلم الناس، يصلح الناس، يأامر بالمعروف، ينهى عن المنكر، ينصح الناس، يدعو الناس، كل من سمع، كل من اتبع، في موازين حسناته. يكفي الفخر والكرامه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض والنملة في جحرها والحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير». بالله، في كرامة أعظم من هذه الكرامة؟ الله سبحانه وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض والنمل في جحره والحوت في البحر، مليارات من المخلوقات! مِمَّا خلق الله، كم في الأرض يا إخواني، كم في السماء من الملائكة وكم في الأرض من الخلق يصلون على معلمي الناس الخير؟ ولا يعلم الناس الخير إلا العالم.

لذلك أحبتي في الله، العلم مطلب والجهل مهرب، اطلب العلم، وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ﴾، وفَقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. إذاً الإنسان يحرص أن يتعلم، وأحرص ولو كنت كبيراً في السن، فإن تموت وأنت متعلم خير من أن تموت وأنت غافل جاهل ولا حول ولا قوة إلا بالله. تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً» شوف الشاهد: عالماً أو متعلماً!

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ، سخام بالأسواق، جيفه بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة». هذا خطأ، ينبغي أن تكون عالم بأمر الآخرة قبل أمر الدنيا، فإذا علمت بأمر الآخرة جاءتك الدنيا تسعى خلفك يا عبد الله. الوقت انتهى، نلتقي إن شاء الله في اللقاء القادم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.