تسجيل الدخول

أثر الإيمان على سلوك الفرد المحاضرة 11 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له. فما لنا من ربنا وأحياني بشرى نازد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد، هذه الأكاديمية المباركة. اليوم أيها الأحبه معنا نفس الحديث السابق، الحديث العاشر، وكما قلت في آخر اللقاء الماضي، هذا الحديث يحتاج إلى عدة وقفات وعدة لقاءات لما فيه من النصائح النبوية وما فيه من الأوامر الإلهية وما فيه من خير للفرد والأسرة والمجتمع والأمة.

هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». متفق عليه.

ثلاثة أوامر رئيسية في هذا الحديث وثلاثة أمور شرعية ذكرناها بالتفصيل في اللقاء الماضي، لكن نحتاج أن نؤكد عليها. أولاً، قضية أثر الإيمان على الفرد والأسرة والمجتمع. الإيمان إذا استقر في القلوب ظهرت آثاره على الجوارح، ظهر أثره على القلب وظهر أثره على اللسان وظهر أثره على الجوارح، لأن الإيمان له أثر.

ولذلك لما ننظر إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم، ماذا كانوا قبل الإسلام وققبل الإيمان وماذا أصبحوا بعد الإيمان؟ شتان بين ذاك وذاك. قبل الإيمان، يعني كان الصحابة أو كانت العرب أُمَّة جاهلية أشبه كما يقولون بقانون الغاب الكبير، يأكل الصغير والقوي يبطش بالضعيف، ما هناك إلا أعراف قليلة متواجدة. ما نقول ما كان هناك أعراف، لا، كان هناك أخلاقيات موجودة، لكنها ضعيفة وهذه الأخلاقيات كانت تخضع للأهواء.

فكانت فعلاً مجتمع الجاهلية الأول مجتمعاً مؤلماً بكل ما تـعنيه الكلمة. وأفضع ذلك وأسوأ ذلك هو الشرك؛ يعني لا نتأثر بشرب الخمور ووأد البنات وقطع الطريق، هذا لا شك أنه من العظائم والكبائر، لكن أعظم من ذلك أيها الأحبة قضية الشرك بالله سبحانه وتعالى، انتشار الأصنام التي تعبد من غير الله، الجهل المطبق على الناس.

ولذلك لما جاء الإيمان واستقر في القلوب وعرفه الصحابة وذاقوا حلاوته وشعروا بلذته وتنعموا بمادته، أصبح الصحابي شيئاً آخر، أصبح الصحابة نوعاً آخر. وكما قال صلى الله عليه وسلم: «خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام إذا فقهوا». وبالتالي الإيمان لما جاء إلى نفوس الصحابة وتشربت هذه القلوب بالإيمان، ظهر أثر الإيمان على الجوارح، فظهر أثر القلب على الإيمان وعلى القلب وصلاحه وتعلّقه بالله سبحانه وتعالى وترفُّعه عن سفاسف الدنيا وأهواء الدنيا وشهوات الدنيا وملذات الدنيا.

وظهر الإيمان على اللسان، فأصبح اللسان منضبطاً، اللسان له حدود، ما يمكن أن يتعدى هذه الحدود. وظهر الإيمان على الجوارح؛ على السمع، على البصر، على اللسان، على اليد، على القدم، على الظاهر وعلى الباطن، فأصبح المؤمن مميزاً بايمانه.

ولذلك يا أحبابي، فعلاً من نعم الله علينا أننا مؤمنون مسلمون، أننا من أهل الإسلام ومن أهل القبلة، أننا نعبد الله سبحانه وتعالى واحداً لا شريك له، وهذه قضية عظيمة جداً ينبغي أن نحمد الله عليها وأن ندافع عنها وأن نحرص عليها وعلى نشرها.

ولذلك نجد أن الإيمان له أثر على السلوك الظاهر والباطن. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر قال: «فليقل خيراً أو ليصمت». فليقل خيراً، إذاً لابد أن يظهر إيمانك على لسانك فتبتعد عن الفحش في الكلام، عن الغيبة، عن النميمة، عن اللعن، عن استنقاص الناس، عن كل ما يُزري بك أيها المسلم. أيضاً لابد أن يكون الإيمان مؤثراً على الناحية الإيجابية فيصبح لسانك داعية إلى الله، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ينصح الناس، لا يخرج منه إلا كل ما يرضي الله عز وجل أولاً ثم يرضي الناس. يصبح اللسان يا إخواني لساناً إيجابياً، لا نسمع منه إلا الكلام الطيب والكلام النافع والكلام الصالح والكلام الذي يقود إلى الخير، لماذا؟ هذا أثر الإيمان.

فنجعل المسلمين كالمجرمين؟ لا يمكن. ولذلك احبتي في الله فعلاً الإيمان ينبغي أن يكون له أثر عظيم جداً، إذا لم يكن إيمانك أو إيماني يظهر على سلوكي أو سلوكك، إذاً ما الفرق بيننا وبين غيرنا؟ وبالتالي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، الإيمان سواء الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته وكل ما ينتج عن ذلك، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كل أصول الإيمان ومسائل الإيمان لها أثر.

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، أنت ستعود إلى ربك، إلى خالقك، إلى مولاك. إذاً هذه الحياة ما هي إلا حياة مؤقتة ليست دائمة، ستعيش فيها مهما عشت ستموت، كما قال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس.

لذلك احبتي في الله فعلاً الانسان لابد أن ينتبه، مهما عشت ستلقى الله سبحانه وتعالى عاجلاً أم آجلاً، عش ما شئت فإنك ميت. إذاً من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ذكر هنا في الحديث الركن الأول والركن الخامس من أركان الإيمان، ولا شك أنه ينطوي تحتها كل أركان الإيمان، لكن هذان الركنان من الأمور المؤثرة في حياة الإنسان.

فإيمانك بالله دائم ما ينقطع، وهو معك وأنت تعيش في ظلاله وتتقلب في ظلاله، لماذا؟ لأن أنت لا يمكن أن تستغني عن ربك سبحانه وتعالى طرفة عين. الإيمان باليوم الآخر هذه قضية كذلك مسلمة، لا يمكن أن يفر عنها أبدا. وبالتالي احبتي في الله قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فالذي سيحييك ثم يردك إلى اليوم الآخر ثم يحييك مرة ثانية هو الله سبحانه وتعالى، قال: «فليقل خيراً أو ليصمت».

الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها». والمراه التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة، وغير المعتدة، وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب.

ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن، واما التلميح بابداء الرغبة في الخطبة فمباشرة به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم. ويستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: «انظر إليها فإنه أحدى أن يؤدم بينكما». وللنظر في المخطوبة شروطاً منها: أن يكون الخاطب عازماً على الخطبة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، أن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، أن ينظر إلى ما يظهر غالبه كالوجه والكفين، ألا تكون المراه متبرجة أو متطيبة. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها.

ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتف بالنظرة الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها، لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه. وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير أذنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره.

فاذا فسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا لأنها في حكم المهر أو هبة لأجل اتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها خاصه إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج لقوله عليه الصلاه والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. ايها الأحبة، فما زلنا مع هذا الحديث وأثر الإيمان على سلوك الفرد.

أيها الأحبة، الإيمان يزيد بالطاعه وينقص بالمعصية، وهذه من المسلمات عند أهل السنة والجماعة، ﴿وَزَادُوهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173]. وبالتالي ايها الأحبة، كلما زاد الإيمان، كلما كان له أثراً إيجابياً علينا؛ أثر إيجابي على اللسان، أثر إيجابي على القلب، أثر إيجابي على الجوارح، أثر إيجابي على كل أحوالنا.

ولذلك احبتي في الله نحن حينما نجالس اهل الصلاح واهل العلم واهل الفضل نسمع من كلامهم وعباراتهم ونصحهم وفضلهم ما لا نسمعه من عامه الناس، لماذا؟ لأن الإيمان سيؤثر. وفعلا بعض الناس حينما تسمع كلامه درر، عسل، شيء لا يقدر بثمن. بعض الناس كلمة واحدة تاخذها منه فتفيدك إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ الإيمان له أثر.

ولذلك احبتي في الله نحرص على زيادة الإيمان، الإيمان يزيد بالطاعه وينقص بالمعصية، فكلما زادت طاعاتنا حسناتنا قرباتنا إقبالنا على الله سبحانه وتعالى كلما كان هذا له أثر عظيم جداً في زيادة الإيمان. إذا زاد الإيمان حسنت ثماره وآثاره فيستقيم السلوك الظاهر ويستقيم السلوك الباطن. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

ايها الأحبة، المؤمن هين لين، مفتاح للخير مغلاق للشر. المؤمن ايها الأحبة ليس مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير، لا. المؤمن المسلم يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم ودماءهم وأعراضهم، مؤمن ومسلم، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

فاذاً على الإنسان المؤمن، على الإنسان المسلم ايها الأحبة أن ينتبه، إياك أن تكون باب شر، إياك أن تكون باب فتنة، إياك أن تكون باب بلاء، بل دائماً كن هيناً ليناً ناصحاً داعياً إلى الخير، مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، نافعاً للمسلمين، نافعاً لجيرانك، نافعاً لأهلك. «فليقل خيراً أو ليصمت»، يعني إما خير أو صمت، أما شر فلا أبدا. ولذلك الذي يرى في نفسه أنه مفتاح شر، راجع إيمانك، راجع إيمانك، راجع علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، لأن المؤمن أبداً دائماً مفتاحاً للخير مغلاقا للشر، هين لين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا».

فلذلك احبتي في الله هذا هو المجتمع المسلم، هذا هو الفرد المسلم، دائماً إلى الخير قريب. ولذلك هنا في الحديث ايها الأحبة بدأ بقضية فليقل خيراً أو ليصمت، الكلام، اللسان، العبارات، يعني كما يقولون معظم النار من مستصغر الشرر. هناك مشاكل كبيرة حدثت، بيوت هدمت، علاقات تقطعت، لماذا؟ بسبب اللسان، بسبب الكلمه. ولذلك الشيطان حريص حريص على إيغار الصدور على القطيعة، فاحذر أن تخرج منك كلمة تندم عليها. وكم وكم وكم ندم أناس وفئة وآلاف والله وملايين من البشر بسبب ماذا؟ كلمة لم ينتبه لها حينما قالها، ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [الإسراء: 53].

ولذلك فعلاً كثير من المشاكل التي تحدث المجتمع بدايتها كلمة، ولكن من استطاع أن يضبط لسانه ويكظم غيظه فهذا هو الموفق والمسدد. فليقل خيراً أو اسكت، ما في داعي تقول شر، هذه ليست من صفات المؤمنين. ثم الإنسان يحرص تمام الحرص أنه لا يتكلم إلا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، فيما يرضي الله، فيما يقرب من الخير يباعد من الشر. هذا المسلم وهذا المؤمن وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان ايها الأحبة، قل خيراً أو اسمت.

بعض الناس كما قلت قد يقول كلمة، هذه الكلمة تسبب بلاء وحروباً وكوارث وقطيعة وآلاماً وأحزاناً، كلمة. كما قال أبو هريره رضي الله عنه وأرضاه عن ذلك الرجل الذي من بني إسرائيل الذي قال لأخيه: والله لا يغفر الله لك، فقال الله: من ذا الذي يتألّى عليّ ويمنع رحمتي؟ قد غفرت له وأحبطت عملك. قال أبو هريرة: قال كلمة أحبطت عليه دنياه وآخره، أو أوبقت عليه دنياه وآخره. كلمة واحدة؟ نعم، كلمة واحدة.

فانتبه يا عبد الله، انتبه لخطورة اللسان. انتبه يا أمة الله لخطورة اللسان. قال عليه الصلاه والسلام: «وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً ترفعه في الجنه كذا وكذا، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في جهنم سبعين خريفاً». فاحذر تسلم يا عبد الله، احذروا هذا اللسان، صغير الجرم كبير الجرم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم قال في التوجيه الثاني: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». لا شك أن أمة العرب أمة الكرم، وعُرف العرب بالكرم، والعربي لا يمكن أن يكون بخيلاً، الأصل في العربي لا يمكن أن يكون بخيلاً. يوجد هناء بخلاء، لكن الصفة والسمة السائدة عند العرب الكرم، ويتفاخرون بذلك، ويتفاخرون ويبذلون الأموال ويستدينون ويفعلون الأفاعيل العجيبة لإظهار الكرم. أكبر مسبه عند العربي أن يكون بخيلاً والعياذ بالله، بخيل هذه كارثه، كان العرب ينفرون من هذه الصفة، صفة البخل. وربما كان الرجل له عدد من البنات ما تزوجن، فيعتزل أحد الشعراء المشهورين ويذبح له ناقة ويكرمه غاية الإكرام فيمدحه بيبيتين أو بثلاثة من الشعر، فما يمر أيام أو...

إلى أن تزوجنا البنات كلهن. فلذلك العرب يمدحون الكريم ويذمون البخيل، وكذلك الإسلام يمدح ويحث على الكرم ويذم البخل. السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار، والشحيح بعيد عن الله، بعيد عن الناس، بعيد عن الجنة، قريب من النار.

وينبغي أن يحرص الإنسان، أيها الأحبة، أن يحرص الإنسان على قضية الكرم. فأكرم الخلق كلهم هو نبينا صلى الله عليه وسلم وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، والله لا حاتم الطائي ولا غير حاتم الطائي ولا ألف مثل حاتم الطائي يأتي في كرم المصطفى صلى الله عليه وسلم. لأن كرم النبي صلى الله عليه وسلم كرم حقيقي، كرم أصلي، كرم كما ينبغي أن يكون، لا رياء ولا سمعة ولا حب الذكر ولا حب الثناء، إنما كرم حقيقي. ولذلك لما تقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يرد أحداً يطلبه.

أهديت له جُبّة وكان محتاجاً لها صلى الله عليه وسلم، فرأى أحد الصحابة فقال: يا رسول الله أكسني؟ قال: نعم. فلامه الصحابه: كيف تطلب من رسول الله شيئاً وأنت تعلم أنه لا يرد أحداً؟ شوف الشاهد، لا يرد أحداً. فقال: إنما طلبتها لتكون كفني. وكانت كفنه رضي الله عنه وأرضاه.

الشاهد ما كان يرد أحداً صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كانت حياتها فيها شدة وفيها حاجة، ومع ذلك أبداً ما يرد أحداً. الصحابة كان في يوم الخندق يمر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد قد ربط على بطنه حجر من شدة الجوع، فيكشف عن قميصه وقد ربط حجرين اثنين من شدة الجوع ومع ذلك لا يرد أحداً أبداً عليه الصلاة والسلام.

نعود إليكم بعد الفاصل بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

لا شك أن الرياضة تكسب النشاط والحيوية، وتبني الجسم وتقويه، وتحصن من الإصابة بالأمراض، كما أنها علاج للاضطرابات النفسية والقلق والتوتر، وباب لملء الفراغ في النافع المفيد. وعلى الجانب الأخلاقي، فهي تنمي روح التعاون والمنافسة الشريفة واحترام الآخرين. والأصل في الرياضة الإباحة، أما إذا كانت لأهداف وغايات محمودة، كتقويم وتنشيط النفس للقيام بالواجبات الشرعية أو مجاهدة العدو، فإنها ترتفع من مستوى الإباحة إلى مستوى الاستحباب.

ولأن الإسلام منهج حياة، فقد وضع للرياضة ضوابط تعصم من الانحراف عن مقاصدها الأصلية. من هذه الضوابط: مراعاة المقصد الحسن عند ممارستها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». ووجوب ستر العورات والبعد عن مواطن إثارة الغرائز. وعدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو يغلب على الظن تحققه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». وألاهي عن واجب شرعي كالصلاة والصيام. والبعد بها عن المكاسب المحرمة كالقمار والمراهنات. وعدم الاختلاط بين الجنسين. وألا يغلب عليها التعصب بأن يبنى عليها ولاء أو براء. وعدم إيقاع الأذى المقصود بالمخلوقات، كاتخاذ الطيور أهدافاً للتدريب أو تعذيب الحيوانات أو التحريش بينها بقصد اللهو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وعودة وعودة أخرى. أقول أيها الأحبة: ما زلنا مع هذا الحديث، وقد توقفنا عند كرم النبي صلى الله عليه وسلم. وانظروا أيها الأحبة في هذا الحديث كيف أنه يشتمل على قضيتين في الكرم، قال: «فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».

إذاً، الكرم عندنا مبدأ أساسي في الإسلام، مبدأ أساسي في الإسلام. ولذلك المؤمن أيها الأحبة يكون سخياً معطاء واثقاً بما عند الله سبحانه وتعالى، لا يبخل ولا يمنع ما عنده، بل قدوته في ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في كرمه. يعني يوم حنين يا أحبابي، النبي صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويعطيهم، يعني غنم المسلمون غنائم عظيمة، أين أبو سفيان من المابل؟ أين صفوان بن أمية؟ مئة من الأبل. أين عيينة بن حصن؟ مئة من الأبل. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يعطي.

الآن في هذا الزمان من يعطي مئة من الإبل؟ ما سمعنا بهذا. لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعطي. ذلك الرجل لما جاء وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين، ذهب إلى قومه: يا قوم أسلموا، والله لقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. فأسلمت القبيلة كاملة. ولذلك أحبتي في الله، المؤمن لا يكون بخيلاً. طيب، إذا وجدنا مؤمناً بخيلاً؟ يوجد، لكل قاعدة شواذ. لكل قاعدة شواذ، لكن الأصل في المؤمن أن يكون سخياً، قدوته في ذلك من؟ قدوته النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه الكرام رضوان الله عليهم وسلف الأمة يا إخواني.

كلمة كريم ما أجملها يا إخوان! يكفي أن الله من اسمائه الكريم، الله هو الكريم الأكرم الجواد. فلذلك الله سبحانه وتعالى من كرمه يعطي عطاء، الإنسان ما يستحقه، لكن كرم الله عظيم، فيعطي على الشيء القليل شيئاً كثيراً، ويجازي بشيء كثير. لماذا؟ لأن الله هو الكريم، ﴿وَمَا مِن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21]. الله رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء.

ولذلك أحبتي في الله، الله الله أن نبتعد عن صفة الشح والبخل. نعوذ بالله، نعوذ بالله يا إخواني. البخل صفة ذميمة تبعد الناس منك، والكرم صفة جليلة تقرب الناس إليك. ولذلك «فليكرم جاره، فليكرم ضيفه». الجار له حق في الكرم والعطاء، هذا جارك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». جارك يا محمد، جارك يا محمد، جارك يا محمد! فظن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل سيضع له شيئاً من التركة إذا مات الجار.

إذاً، الجيرة لها حق، والجار قبل الدار. والعرب كانوا فعلا يحسنون اختيار الجوار، ويفرون من جوار الأشقياء، ويفرون من الجوار الذي لا يأنس الإنسان به ولا يركن الإنسان إليه ولا يجد فيه يعني مواقف الرجولة. لذلك الجيرة في الإسلام لها مكانة، يعني لأن يسرق الرجل من عشرة بيوت أهون عند الله من أن يسرق من بيت جاره، ولأن يزني الرجل بعشر نساء والعياذ بالله أهون عند الله من أن يزان بحليلة جاره. كلها عظيمة، لكن الأعظم أن يقع الإنسان والعياذ بالله في عرض جاره، هذه كارثه.

وحتى العرب في السابق أيها الأحبة، كما كان عندهم الكرم كان عندهم حسن الجوار. هذا عنترة، عنترة بن شداد في الجاهليه يقول: وأغض طرفي عن جارتي حتى يواري جارتي مخبأها. يقول: إذا ظهرت جارتي يقول غضضت بصري. وهو جاهلي ما يعرف شيئاً من الإسلام. جاء الإسلام فأكد على هذه الأمور، وأن الجار له حق عظيم جداً ينبغي أن ننتبه له. الجار يا أحبابي له حق عظيم، الجار قبل الدار.

ولذلك أحبتي في الله، يعني من ابتلي بجار سوء أسال الله أن يعينه. وأذية الجيران تستحق لعنة الله، انتبه، أذية الجار تستحق لعنة الله. كما جاء في الحديث، الرجل الذي ذهب إلى رسول الله يشتكي من أذية جاره: اصبر، اصبر، اصبر. في الثالثة قال: اطرح متاعك في الطريق. فذهب الرجل ووضع متاعه في الطريق. كل ما جاء رجل: ليه كذا فعلت يا فلان؟ لماذا فعلت هذا؟ قال: جاري يؤذيني. قالوا: لعنة الله! وكل ما مر قالوا: لعنة الله! فالجار سمع بهذا وذهب إلى رسول الله: يا رسول الله الناس يلعنوني. قال: إن الله لعنك قبل أن يلعنك الناس. قال: يا رسول الله لا أعود. فأمر الرجل أن يرفع متاعه. إذاً الجار له حق، انتبه، الجار له حق.

والإسلام أمرنا وحثنا بحفظ هذه الحقوق. يعني جارك قد يكون أقرب لك من أخيك شقيقك، يمكن أخوك يسكن في مكان بعيد، أقاربك في مكان بعيد، من الذي يغيثك بعد الله إلا جارك؟ من الذي يقف معك بعد الله إلا جارك؟ من الذي يعني تفزع إليه بعد الله في المدلهمات إلا جارك؟ لذلك الجار ولو جار كما يقولون. فمن حق الجار علينا أن نحسن له، تحسن إلى جارك. ومن حقه علينا أن نتحمله حتى لو أخطأ عليك، تحمل. ومن حق الجار ألا نؤذيه حتى برائحة الطعام، ما تؤذيه. فننتبه أيها الأحبة، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تصوم النهار، تقوم الليل، تتصدق بالأموال الكثيرة، لكنها تؤذي جيرانها، قال: هي في النار. وذكر له صلى الله عليه وسلم امرأة لا تصوم إلا القليل، ولا تصلي إلا المكتوبات، ولا تصدق إلا بالقليل، لكنها لا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة.

إذاً انتبه، انتبه يا عبد الله. احرص على جارك، احرص على جارك، لا تؤذيه، أحسن إليه، تحمل خطيئته. جارك؟ تقول لي يا اخي جارك هكذا؟ الإسلام هكذا ولو كان غير مسلم. مر معنا في اللقاء السابق أيها الأحبة تقسيم الجيران، أن جار له حق، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق. جار له حق، الكافر له حق الجوار، ما تؤذيه. وله حقان، جار له حقان: المسلم حق الجوار وحق الإسلام. وجار له ثلاثة حقوق: القريب المسلم: حق الجوار، حق الإسلام، حق القرابة. إذاً هذه قضية ما هي من نوافل الأمور يا أحبابي، هذه قضية مهمة.

أذكر قبل فترة من الزمان رأيت صورة عمارة كبيرة وهناك إعلان مكتوب بخط عريض: شقة للتقبيل بمبلغ واحد من الريالات أو عملة تلك المنطقة، يعني نقول مثلاً بريال. لماذا؟ بسبب جاري السوء! فضيحة، نسال الله أن يحفظنا وإياكم. طبعا هو ليس قاصداً، لكن يريد فقط ايش أن يتخلص من أذية جاره.

فإذاً الإسلام يأمرنا باكرام الجار، واكرام الضيف إذا نزل وحل عليك، لا، فرّق، قدم ما تستطيع لضيفك، ما تستطيع لضيفك. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ضيوف ما وجد شيئاً عنده، فقال: «من يستضيف ضياف رسول الله؟» فانبرى الصحابة. النبي صلى الله عليه وسلم ما وجد شيئاً عنده في بيته، تخيلوا تسعة بيوت للنبي صلى الله عليه وسلم لم يجد ما يضيف ضيفه، فاستضافه بعض الصحابة رضوان الله عليهم. الشاهد يا أحبابي، الإنسان حرص قدر ما يستطيع، قدر ما يستطيع أن ينتبه لنفسه وأن يكرم ضيفه وأن يحسن إلى جاره وأن يلزم لسانه. وهذا ديننا يا أحبابي حتى تستقيم حياتنا كما يحب ربنا ويرضى.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.