بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.
مع الحديث الرابع عشر، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» متفق عليه واللفظ لمسلم. شرح المفردات: قوله أجدر أي أحق، وقوله تزدروا أي تحتقروا. أيها الأحبة، حديث جامع مانع، وفيه من الفوائد ما الله بها عليم. ﴿انظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. الإنسان بطبعه يحب أن يكون أحسن من غيره، يحب الاستكثار، يحب أن يكون أحسن واحد، لكن الله سبحانه وتعالى له حكمة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولا نعلم حكمة الله أين تقع وكيف تكون؟
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». أنا لازم أكون مثل فلان أو أحسن من فلان، إذا فلان عنده بيت لازم يكون عنده بيت أحسن منه، إذا فلان عنده سيارة فارهة لازم يكون عنده سيارة أحسن منها، إذا كان فلان عنده... نحن لا نعلم حكمة الله فين. هذا الكون وما فيه يسير بأمر الله، وبحكمة الله، وبقدر الله، وباختيار الله سبحانه وتعالى، وبمشُيئة الله سبحانه وتعالى. لذلك أنت كمسلم كمؤمن ينبغي عليك أن تسير في هذه الدنيا؛ أقم دينَ الله في نفسك، لأهلك، في أسرتك، في بيئتك، الأمور الثانية لا تكلف نفسك فيها.
الله سبحانه وتعالى يا أحبابي حينما خلقنا قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. فالله عز وجل لم يطالبنا بالرزق وبكماليات الحياة، لا، الله طالبنا بالعبادة؛ اعبد الله كما أمرك يرزقك كما وعدك، اعبد الله كما أمرك يرزقك كما وعدك. ولذلك سيتعب الإنسان؛ سيتعب حينما يظل يقيس نفسه بالآخرين. تقيس نفسك بمن؟ وهل ستقيم نفسك بعدد محدد؟ يا أخي أنت سين من الناس، وأنا صاد من الناس، وفلان عين من الناس، كل إنسان له شخصيته، كل إنسان له قدره، كل إنسان له رزقه، كل إنسان له حاله. القضية أن تحسن فيما بينك وبين الله، القضية أن تقيم دين الله في نفسك، القضية أن تتعبد لله سبحانه وتعالى بما أمرك، ثم بعد ذلك يا عبد الله انظر كم سيأتيك من أفضال الله.
ثم الدنيا أيها الأحبة لا قيمة لها، والله ما لها قيمة. يقول صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء». ما لها قيمة هذه التي أغلنا أنفسنا فيها، أغلنا أنفسنا في طلبها، أغلنا أنفسنا في حبها والتزود منها، ثم ماذا؟ ليس معنى هذا أن نهجرها أو أن يعني ننقطع في الخلوات والفلوات والمساجد، لا. الله أمر بعمارتها، لكن لا تصبح هدفاً، اجعل هدفك الأساسي مرضاة الله سبحانه وتعالى، أما الدنيا وما فيها إن جاءت أو ما جاءت هذا باختيار الله وبمشُيئة الله وبقدر الله سبحانه وتعالى. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب». إذا أعطاك الله الدين فهو يحبك، ولذلك صدقني صدقني كل واحد فينا يعيش في نعم لا يعلمها إلا فاطر السماوات والأرض. الله سبحانه وتعالى ايش يقول؟ يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. والله ما تحصيها، والله ما تحصيها، ولا يستطيع إنسان أن يحصي نعم الله عليه.
لكن يأتي الشيطان فيبدأ يقيس الإنسان، يجعل يقيس نفسه على الآخرين. بينما النبي يجي يقول لك صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم». اللي بأسفل منك مليارات، والله مليارات. يعني بعض الناس الآن عنده مثلاً بيت، عنده وظيفة، عنده زوجة، عنده ولد، عنده مال بسيط، صدقني هناك من البشر ما عندهم الكلام هذا، ما عندهم الكلام هذا. لا، ليش فلان عنده بيت عمارة سبعة ثمانية أدوار أنا ما عندي؟ بيتي كله ثلاث أدوار. تقارن نفسك بالآخرين بتتعب. ولذلك إذا أردت أن تقارن نفسك بالآخرين قارن نفسك من ناحية الدين، أنت مطالب بهذا، أنت مطالب بأن تقارن نفسك بالدين؛ فلان كيف دينه وأنا كيف ديني؟ ليش فلان أحسن مني في صلاتي، في مسابقتي للمسجد، في صدقته، في قيامه الليل، في القرآن، في الحفظ، في صلة الأرحام؟ أنت مطالب بهذا، أما أن تقارن نفسك بامور الدنيا ستتعب.
طيب، تعالوا بنا نسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب. يقول صلى الله عليه وسلم: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم تكن فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً». وكلمة شاكراً وصابراً ما هي قليلة؛ إذا كتبك الله شاكراً، احمد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُوَ فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]، والله يقول ايش؟ ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. وأما الصابر، فيكفي فخراً قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيْرَ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكن فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً. ما هما الخصلتان؟ قال صلى الله عليه وسلم: «من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله عليه، كتبه الله شاكراً صابراً. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأسف على ما فاته، لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً». إذاً النظرة الصحيحة في دينك: انظر إلى من هو فوقك نقتدي به، وفي دنياك: انظر إلى من هو دونك وتحمد الله على ما أنت فيه، وبالتالي إذا كانت هذه النظرة عندك سيكتبك الله شاكراً صابراً.
وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة، ولا أرهب ناراً، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أعل؟ كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي: التدرج إلى معاص جديدة، التهاون في أداء الصلوات، التكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.
كل هذه أعراض لها أسباب منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات. فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعائه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعيينه عند الفتور والكسل. فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف: 28].
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زلنا ايها الأحبة مع هذا الحديث العظيم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». وقفنا أيها الأحبة قبل الفاصل عند الحديث الجميل الذي ذكرته لكم: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكن فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً». الخصلة الأولى قال: «من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به» -هذي القضية: فاقتدى به- «ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به، كتبه الله شاكرا صابراً».
أقول أيها الأحبة، هذا هو المطلوب: أن تنظر في دينك إلى من هو فوقك في العلم، في العطاء، في البذل، في الاتباع، في العمل، تقتدي به، دائماً ترى نفسك مقصر، وفي دنياك إلى من هو دونك فتحمد الله على ما فضلك الله به. صدقوني يا أحبابي، أذكر حضرت صلحاً بين رجل وزوجته، تقول المرأة: هذا ما فيه خير، هذا كذا، هذا كذا. فاذكر أعطيتها ورقة قلت: اكتبي كل سلبياته وكل إيجابياته. والله بيني وبينك كتبت سلبيات كثيرة وكتبت إيجابيات قليلة، فقلت لها لما رأيت: اتقي الله في نفسك. هي المشكلة أننا ننظر إلى قضية محددة وننسى أشياء كثيرة جداً.
وبالمناسبة قصة طريفة قرأتها أن رجلاً عنده بيت يريد أن يبيعه، وما هو عاجبه البيت، فذهب إلى زميل له مسوق وقال له: أبغاك تسوي لي إعلان عشان ايش أبيع البيت. فجاء الرجل إلى البيت ورآه، وبدأ يكتب الصور الإيجابية لهذا البيت؛ كيف أن له فناءً، وأن فيه حديقةً، وأنه على شارع رئيسي، وأن بجانبه مسجداً، وأن غرفه واسعة، وأن طلاءه جميل، وأن كهربته ممتازة، وأن جيرانه... بدأ يذكر الإيجابيات. فلما قدم الورقة لصاحبه -صاحب البيت يريد أن يبيعه- لما قرأ الورقة تهلل وجهه، ثم أمسك الورقة ومزقها. قال: لماذا؟ قال: أنا من زمان وأنا أتمنا أن أعيش في بيت كهذا البيت.
انظروا يا أحبابي، هو يعيش في هذا البيت لكنه ما نظر إلى الصورة الإيجابية فيه، يقول: أنا لي فترة طويلة أبحث عن بيت بمثل هذه المواصفات وأكتشفت أني أعيش في هذا البيت وأنا ما أدري. إذاً مشكلتنا دائماً لما تكون النظرة سوداوية نظرة تشاؤمية... لا يا أخي ولا يا اختي، ينبغي الإنسان دائماً في دينه أنظر إلى من هو فوقك فاقتدي به، في دنياك انظر إلى من هو دونك فتحمد الله عز وجل. ولما نقول تنظر لمن هو دونك، حتى ترى الشريحة الكبيرة. أنا أسأل سؤال: حياة أكثرنا الآن خاصة في مجتمعاتنا، يعني مجتمع الخليج، مجتمع بعض الدول الآن المتقدمة نوعاً ما، لا أتكلم عن دول فقيرة الآن يا إخواني، لو نظرنا إلى بيوتنا لوجدنا أن بيوتنا أفضل من بيوت هارون الرشيد رحمه الله!
يقول لي: كيف أفضل؟ اقول لك: هل الرشيد رحمه الله عنده أجهزة تكييف؟ ما عنده. ثلاجات؟ ما عندهم. مراوح؟ ما عنده. لمبات؟ ما عنده. غرف نوم إطالية وصينية ومصرية وكذا؟ ما عنده. الموكيت هذا الذي يؤتى من شرق الأرض ومن غربه؟ ما عنده. الأكواب هذه والأوراق والأقلام والنظارات والجوالات والتلفزيون والقنوات، هل عنده؟ ما عنده. إذاً حالنا أفضل من كثير من يا إخواني، بل والله بيوتنا أفضل مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام والعلماء المفضلة. ايش عندهم مساكين؟ ايش عندهم؟ كان صلى الله عليه وسلم في غرفة عائشة إذا أراد أن يسجد غمزها في قدمها فتسحب قدمها فيسجد، من ضيق الغرفة. الآن عندك أربع غرف وصالة ودورات -أكرمكم الله- ومطبخ وملحقاته والبيت ضيق.
إذاً مشكلة القناعة والمقياس الحقيقي دائماً ننظر إلى من هو أحسن منا. يا أخي انظر إلى من هو دونك ستجد ملايين أنت أفضل منهم. مرّوا على رجل، رجل أو جماعة مرّوا على رجل أعمى وأبرص وأشل، جالس يقول: الحمد لله، الحمد لله الذي فضلني على كثير من الخلق، الحمد لله الذي فضلني على كثير من الخلق. فقال له رجل: يا هذا بماذا فضلك الله على كثير من الخلق وأنت أعمى وأنت أبرص وأنت مشلول وفقير الحال وعلى قارعة الطريق؟ قال: أحمد الله على أنه أعطاني لساناً يذكر الله به، وقلباً يشكر الله على حاله. هذه قليلة؟ هذه قليلة؟
كم من إنسان عنده مليارات وملايين والله لا عنده لا لساناً ذاكراً ولا قلباً شاكراً. نعم الله علينا كثيرة، بعض الناس أعطاهم الله أموالاً لكن أين العافية؟ أين العافية؟ كما كانوا يسمون في حكمة آل داود: العافية هي الملك الخفي. بعض الناس ينظر إلى أصحاب القصور، وأصحاب العماير، وأصحاب الطائرات، وأصحاب المناصب، يقول: هذا الناس اللي عايشين صح. لا والله، أنت المؤمن العاجز، تعيش صح؛ تأكل مثل ما تريد، تشرب مثل ما تريد، تنام مثل ما تريد، تخرج وتدخل مثل ما تريد، تأكل الطعام الذي تريده، تفعل ما تشاء. غيرك ما يستطيع، صحيح عنده كنوز في البنوك لكنه ما هو أزرق، أي شيء تريد أن تأكله تفعله، تبغى تمشي تمشي، تبغى تصلي مع المسلمين في المسجد تستطيع، تلبس الثوب اللي تبغاه.
تلبس ملابس رياضة، تنام زي ما تريد. غيرك ما يستطيع، ما يستطيع، عنده صح، عنده دنيا؛ كما قال أحدهم يقول: كثير من الناس يفني عافيته في البحث عن المال، فإذا وجد المال، إذا ولد المال، أفناه في البحث عن العافية. طيب، ما هي العافية عندك؟ من بدري؟ لا، لا، مشكلتي أنا لا، ما عندي، ما عندي عماير، ما عندي سيارات، ما عندي عمارات، ما عندي. عندك عافية؟
عافية تصلي مثل ما تريد. النبي صلى الله عليه وسلم ايش يقول؟ يقول: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، حياتك قبل موتك». اغتنمها، لذلك أيها الأحبة، بعض الناس كما قلت لكم مشكلته الأساسية أن هذا الكأس غير موجود عنده. عندك كؤوس كثيرة؟ عندك متاع كثيرة؟ لا، لا، هذا الشيء ما هو عندي. يا الله! طيب، النعم التي أنت ترفل فيها وتعيش فيها، لذلك حتى مشاكل أسرية، مشاكل أسرية بين الأزواج وزوجاتهم: ما سفرني، ما تجيب لي الماركة الفلانية، ما غير أثاث البيت، ما سوى كذا وما سوى كذا. وتبدأ مشاكل تخرج، لماذا؟ بسبب الدنيا. ترى الزوجة مثلاً الشمالية التي عند قريباتها وزميلاتها وجاراتها ما هي عندها. ترى تغيير المتاع والفرش، تغيير كذا. الله المستعان! الله المستعان! والله بعض الأوقات ندخل مع بعض الجمعيات الخيرية، ندخل إلى بيوت، تخرج وأنت تبكي، تبكي من حالهم وأوضاعهم! كيف وأنت تعد ملك من ملوك الدنيا؟ صدقوني يا أحبابي، بعض بيوتنا كما قلت قبل قليل تنافس بيوت السلاطين في السابق، تنافس بيوت السلاطين. يعني كما قلت لك، لو كان بيتك غرفة، فيه مكيف، فيه ثلاجة، فيه تلفزيون، فيه تليفون، فيه قنوات فضائية، فيه إنترنت، هل كانت عند السابقين؟ لذلك أنا أقول أيها الأحبة كما قال صلى الله عليه وسلم: أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. نعم كثيرة، نعم كثيرة ووفيرة، لكن كثير من الناس ما ينتبه.
فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أحبتي في الله، ما زلنا مع هذا الحديث الشريف، وعودة إلى الحديث الذي ذكرته في أول الحلقة: «من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله عليه، كتبه الله شاكراً صابراً». الله أكبر! والشاكر والصابر في الجنة. هذا هو الأصل في المسلم: في دينك انظر لمن هو فوقك، في دنياك انظر لمن هو دونك، تستقيم حياتك. لكن الكارثة إذا انقلبت الآية، انقلبت الآية. قال صلى الله عليه وسلم: «ومن نظر في دينه إلى من هو دونه». بعض الناس: أنا احسن من غيري يا اخي، أنا اصلي، غيري ما يصلي. يا اخي أنا اصلي في المسجد، غيري ما يصلي في المسجد. يا اخي أنا أتصدق، غيري ما يتصدق. يا اخي أنا، أنا أذكر الله، ويبدأ يبدأ نفسه. قال: ومن نظر في دينه إلى من هو دونه. وإذا نظرت إلى من هو دونك سيجيب، ستصاب بالعجب والكبر، يعني ستمدح نفسك، وزي ما يقول إخواننا المصريين: حتاخذ في نفسك مقلب. أنا أحسن من غيري. تقيس الدين ما تقيس بالادنى، تقيس بالأعلى. قال: «ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأسف على ما فاته». فلان معه وأنا ما معي الآن، عياله كلهم متوظفين أنا عيالي ما متوظف إلا خمسة بس الباقيين غير متوظفين، الآن ما شاء الله تبارك الله عنده كذا، زوجة جميلة، زوجتي على قد حالها. فلان ما شاء الله يعيش في دور، أنا أعيش في شقة. ويبدأ ايش؟ يأسف يأسف يأسف، لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً، لم يكتبه الله ايش؟ شاكراً ولا صابراً، لا يكتبه الله.
طيب إذا كان غير شاكر، معناته ايش؟ الشاكر ايش ضده؟ الجاحد. والصابر ما ضده؟ القانط. وهذه كارثة، أن يجحد الإنسان نعم الله عليه، وأن يقنط ولا يرضى بقضاء الله وقدره. وين تروح من الله سبحانه وتعالى؟ لذلك قال: فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. لا يا إخواني، والله أحبابي، نحن نعيش في نعم عظيمة، نعم عظيمة، لكن من ينتبه لها؟ ما ينتبه لها إلا الذي فقدها. جاء رجل إلى أحد الصالحين يشكو فقره وعوزة وقلة ما عنده، ويشكوه بشدة. فماذا قال ذلك الرجل الصالح؟ قالوا: يا اخي، عينيك بمئة ألف؟ مئة ألف؟ قال له: لا تبيعني. أذنك بمئة ألف؟ قال له: لا. تبيعني يدك بمئة ألف؟ قال له: لا. تبيعني قدمك بمئة ألف؟ قال له: لا. قال: سبحان الله! عندك مئات الأوف وتقول فقير؟ عندك مئات الألوف يقول فقير؟ هذه مشكلتنا دائماً ننظر إلى ايش؟ نصف الكوب ايش؟ الفاضي. ما ننظر إلى نصف الكوب المليان. دائماً نظرتنا ايش؟ ناقصة، تشاؤمية، سلبية. لا تقول يا اخي أنا عندي كوب نصفه فاضي، لا، قول عندي كوب نصه مليان. هذا الصح، هذا من شكر النعمة أيها الأحبة.
يا اخي والله، زوجة الرجل الذي جاء إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه وطرق عليه الباب يبغى يشتكي زوجته، وإذا به يسمع يعني صوت امرأة عمر مرتفع. أمير المؤمنين الذي كسرا يخافه وقيصر يخافه، وفتح الأمصار وفتح البلاد وفتح أكثر من ألف مدينة، والشيطان يفر من من عمر، ومع ذلك ايش؟ يسمع زوجة عمر ترفع صوتها على عمر. إخواننا المصريين عندهم مثل جميل يقول: جيتك يا عبد المعين تعيني، لقيتك يا عبد المعين تنعان. المهم، الرجل لما سمع الكلام خرج، مشى. خرج عمر يرى من الطارق، وإذا بالرجل مشى، قال: تعال ايش عندك؟ لا، لا، ما عندي شي، خلاص. قال: ما عندك؟ قلت: قال يا أمير المؤمنين، جئت اشتكي من زوجتي فوجدتك تعاني مما أعاني منه يا أمير، زوجتي ترفع صوتها علي وتصيح علي وتتكلم علي. قال: ووجدتك أنت مثلي! أبو عمر، عمر الأمر الذي يفر الشيطان منه، بدأ يعطي الرجل الصورة الإيجابية: أليست طاهية طعامي، غاسلة ملابسي، مربية أبنائي أم أولادي؟ وبدأ يعطيه الصورة الإيجابية: أما أصبر عليها؟ هذه هذه القضية التي ينبغي أن نعيش عليها أيها الأحبة. يا اخي، أنظر إلى الصور المشرقة، أنظر إلى النعم التي عندك، أنظر إلى فضل الله عليك، لا تنظر إلى الأشياء التي حرمتها وهي قليلة، لأن نعم الله عليك كثيرة، والله ما تحصيها، والله ما تحصيها. لأن الله يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. إذاً دائماً يا عبد الله، دائماً يا أمة الله، الإنسان ينظر إلى ايش؟ إلى ما عنده ويحمد الله سبحانه وتعالى، وينظر في الدنيا إلى من هو دونه فيعرف نعمة الله عليه.
أحدهم يقول، يعني كان يتمنى أن عنده سيارة فارهة، كان يمشي بسيارة، سيارة جميلة لكنها ما هي فارهة، ما هي غالية. فرأى رجلاً يمشي، أو معه كما يقولون دباب كفرتين؛ حمد الله أنه عنده سيارة، وهذا عنده دباب كفرتين. اللي راكب الدباب الكفرتين زعلان، عنده دباب كفرتين وغيره عنده سيارة. وهو ماشي، رأى رجلاً معه كما يقولون ايش؟ دراجة هوائية. طيب صاحب الدراجة الهوائية جالس يسوق الدراجة الهوائية، زعلان من عنده دراجة هوائية، غيره عنده دباب وعنده غير ذلك. فرأى رجلاً يمشي، الحمد لله نحسب من هذا الذي يمشي. هذا الذي يمشي زعلان، يطالع هذا اللي معاه دراجة هوائية أنه أفضل منه: أنا جالس امشي برجولي وهو يمشي. مر على رجل مقطوعة أرجله: الحمد لله أنا عندي أقدام! شوفوا يا إخواني، الإنسان إذا لم يرزق القناعة لن يرضى، وكل واحد ايش؟ كل واحد يعني متجهم عن حاله، ما هو راضي بحاله. اللي عنده سيارة فارهة يبغى أكثر. صاحب الدباب يقول: صاحب السيارة أحسن مني. وصاحب الدراجة الهوائية يقول لك: صاحب الدباب أحسن مني. والذي يمشي على الأقدام يقول: صاحب الدراجة الهوائية أحسن مني. وكل واحد معترض على حاله!
يا إخواني، كما قيل للإمام أحمد رحمه الله: يا أبا عبد الله، متى الراحة؟ متى الراحة؟ قال: الراحة عند أول قدم في الجنة، أول قدم. أما إذا جلسنا نقيس أنفسنا بفلان وفلانة وآل فلان وآل فلانة، لا لا لا. ما يمكن أن تستقيم قلوبنا وترتاح نفوسنا ونحن في حياتنا. لماذا؟ دائماً عندنا عندنا أمثلة، عندنا موازنة مستمرة. لكن الإنسان حينما يتخلص من قضية الدنيا وطمع الدنيا وهلع الدنيا، وارض بما قسمه الله لك، ويكون عنده ثقة بالله وبما عند الله، كل الدنيا هذه يترفع عنها. فعلا رأينا بين كثير من الصالحين، خلاص عنده يقين، الدنيا أقبلت ولا أدبرت. قرأت في سيرة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن الملك خالد رحمه الله عليه زاره، أو الملك فهد، الشك مني، فرأى بيته، يعني بيتاً متواضعاً، فأراد أن يبني له بيتاً. هذا عالم، ولاة أمرنا وفقهم الله يجلون العلماء، فهذا هذا ولي الأمر يزور هذا العالم في بيته، فرأى بيته متواضعاً فقال له: سنبني لك بيتاً بارك الله فيك، عندي بيت يبنى في المنطقة الفلانية جزاك الله خير. فلما خرج الملك، طلاب يقولون للشيخ ابن عثيمين: أين البيت الذي تبنيه؟ قال: المقبرة الفلانية، الحي الفلاني في مقبرة. قالها لك هذاك بيتي. هو ما كذب على الملك، لكن قال هذاك: هذاك البيت فعلاً كل إنسان مقبرة. الشاهد، هؤلاء الذين عرفوا ما عند الله فترفعوا عن سفاسف الدنيا، هل لنا فيهم عبرة؟ يا من بدنياه اشتغل، وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة، القبر صندوق العمل.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. يا راغبا في كل علم نافع يأتيك ميسورا أكاديمية ينبوعها صافي فهما لنا من ربنا وأحيانا زادنا أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان
د. موفق كدسة الغامدي