تسجيل الدخول

حديث: (أتدرون ما الغيبة؟...) المحاضرة 13 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد، ومادة الحديث. حديثنا اليوم عن الحديث الثاني عشر، حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». رواه مسلم.

المفردات: قوله بهته، أي قلت فيه البهتان وهو الباطل. وأصل البهتان أن يقال له الباطل في وجهه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. والغيبه في اللغة هو كل ما غاب عنك، وسميت بذلك لغياب المذكور حين ذكره الآخرون. وفي الاصطلاح: ذكر الإنسان في غيبته بما يكره. قال ابن كثير: والغيبه محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة إلى غير ذلك.

اليوم نحن أمام كارثه، أمام مصيبة، أمام طامة. ليش مصيبة وكارثه وطامة؟ لأن من يسلم من هذا؟ من يسلم من الغيبة؟ يطلق عليها بعض العلماء فاكهة المجالس. الكلام في الناس؛ أصلاً ما تحل المجالس إلا فلان قال وفلانه قالت وفلان فعل وفلانه فعلت، وخاصة اسمحوا لي بين قوسين مجتمع النساء: شسوت فلانة؟ شقالت فلانة؟ شو طبخت فلانة؟ وين سافرت فلانة؟ وين كذا؟ وين كذا؟ وين كذا؟

حتى لا يتشعب بنا الكلام، خلونا نبدأ في الحديث ثم نفيض الكلام في هذا الموضوع الخطير جداً جداً جداً. النبي صلى الله عليه وسلم يطلق هذا السؤال على الصحابة ينبه: كارثه، مصيبة. أتدرون ما الغيبة؟ انظر أدب الصحابة. الصحابة قمة الأدب، قمة الأخلاق، قمة اللطف، قمة المكانة العالية. أبد، صحابه رسول الله والله لن يتكرروا، والله لن يتكرروا إلى قيام الساعة. اختيار من الله لهذه الصفوة.

أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». أحد الصحابه يستفسر، قال: يا رسول الله، أفرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». هي الكارثه هذه، هذه الكارثه، وإن كان ليس فيه ما تقول فقد بهته، بهتان. بعض الناس يقول: يا اخي انا والله ما قلت باطل، والله كل كلامي صح. أنا أدري أنه كله صح، لكن الكارثه أنه كله صح.

الغيبة داء. أذكر كلمة للحسن البصري احفظوها، يقول رحمه الله: إن الغيبة أسرع إلى دين صاحبها من الآكلة إلى جسده. أو كما قال، لكن هذا معناها. يقول: الغيبة تفتك بدين الرجل أسرع مما تفتك الآكلة بجسده. ايش الآكلة؟ الغرغرينة الآن، الغرغرينة ايش علاجها؟ البتر، ما في لها علاج، بتر على طول. فيقول الحسن رحمه الله: الغيبة أسرع إلى دين الرجل من الآكلة إلى جسده. ونحن ما شاء الله نحتسي الشاي، ورجل على رجل، والمكيف ما شاء الله يضرب، وفلان قال وفلانه قالت وفلان وفلتان قال.

ساذكر لكم بعض النصوص المرعبة، المرعبة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الربا بضع وسبعون حوباً». الربا كارثه، فآذنوا بحرب من الله ورسوله، لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال في الوزر سوا. درهم ربا أشد عند الله من ست وثلاثين زنية في الإسلام. ست وثلاثين زنية أشد في الإسلام من درهم ربا.

فحديث ايش يقول؟ الربا بضع وسبعون حوباً أو باباً، أدناه، أدنى الربا، أدنى إثم في الربا قال: كأن ينكح المرء أمه. اعوذ بالله، اعوذ بالله، الحيوانات ما تفعلها! ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وإن أربى الربا أربى الربا ما هو يا رسول الله؟ استطالة أحدكم في عرض أخيه المسلم». يا الله! نعم، أربى الربا عند الله استطالة أحدكم في عرض أخيه المسلم. ولذلك ذهب كثير من العلماء على أن الغيبة أعظم عند الله من الربا وأكل الربا. سمعت يا رعاك الله؟ الغيبة أربى الربا، استطالة أحدكم في عرض أخيه المسلم.

طيب، نظرة أخرى. بعض الناس يقول: زين انا ما اغتاب خلاص، والله انا ما اغتاب أبداً. طيب، هل تجلس في مجلس فيه غيبة؟ قال: والله انا ما لي صلاح. لا يا حبيبي، هنا الكارثه الثانية. الكارثه الثانية أن الذي يغتاب والذي يسمع الغيبة ولا ينكرها كلاهما في الوزر سوا. طب انا ايش في صلاح؟ لا، ما أنكرت عليه، تنكر قبل لا تقوم من المجلس.

طيب، ما الدليل؟ كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في سفر، وكان معهما غلام، فلما عادا وناما تلك الليلة، استيقظ قبل الغلام، فقال أحدهما للآخر: إن هذا فتى أو غلام نؤوم. يعني ناموا في السفر كنوم في الحضر. فأيقظه، وقال: اذهب إلى رسول الله فاستأدم لنا، اطلب لنا الإدام منه. فذهب الغلام إلى رسول الله، وقال: إن أبا بكر وعمر يستأدمانك. فقال صلى الله عليه وسلم: «قل لهما: قد استأدمتما، جاءكم الإدام». فرجع الغلام إلى أبي بكر وعمر، وقال: يقول صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وكذا فيما عندنا إدام! فذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا رسول الله، أنت قلت كذا وكذا كذا؟ ايش قال صلى الله عليه وسلم؟ أرعني سمعك. قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إني لأرى لحم أخيكما بين أنيابكما». الله أكبر! المتكلم واحد ولا اثنين؟ واحد، والرسول ايش يقول؟ بين أنيابكما، أنتم الاثنين!

فقال يا رسول الله: أحد، استغفر لنا. قال: «لا، بل يستغفر لكم». هو صاحب الغيبة اللي أنتم اغتبتوه، هو يستغفر لكم. لذلك الذي، الذي يتنازل عن الغيبة، المغتاب: يا فلان سامحني، انا والله اغتبتك سامحني، إلا إذا كان يعني يترجح لك أنه سيترتب عليها يعني خطأ أكبر ومشكلة أكبر، لا. لكن الأصل أن المغتاب هو الذي يتنازل عن حقه. «إني لأرى لحم أخيكما بين أنيابكما، أنتم الاثنين». المتكلم واحد، لكن الثاني ما أنكر، كلاهما في الوزر سوا.

فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى.

موسى التميمي: ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوته، أما لبرا أو أدبا أو غير ذلك. ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير. يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي. فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم.

فأخذ بيدي وانا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير، أكل ولدك سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهَدُ على جور.

ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم. ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره، لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد. وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي.

فإن حصل مثل هذا التفضيل، وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كان يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد؛ ما زلنا مع هذه الكارثه، الغيبة، فاكهة المجالس، أعراض الناس. قلت لكم يا أحباب قبل الفاصل: الذي يغتاب والذي يستمع الغيبة ولا ينكر، هم في الوزر سواء.

شاهد آخر، الصحابة الذين قالوا وهم قافلون من غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء. ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]. سؤال: المتكلم واحد ولا أكثر؟ المتكلم واحد، حتى إنه كان متمسك بناقة رسول الله وهو يقول: يا رسول الله، والله ما أردنا إلا المسامرة، والله ما أردنا كذا، يعتذر. والرسول يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم﴾ أنتم كلكم كفرتم بعد إيمانكم.

إذاً، احذروا: الذي يغتاب والذي يسمع الغيبة ولا ينكر، كلاهما في الوزر سوا. هذه الكارثه الثانية. الكارثه الثالثة أن الذي يغتاب أخاً له أو أختَ له، مسلماً أو مسلمةً، فهو يتصدق بحسناته لهم. يتصدق بحسناته، زيد يغتاب عمراً، فهو يجير حسناته. زيد يجير حسناته لعمرو، عمرو جالس مبسوط جالس في البيت ما يسوي شيء، وهذاك صلاته، وصومه، وصدقته، وقرآنه، وبذله، وقيام الليل، وصوم النهار، تجيير لفلان. أرسل، أرسل، أرسل. يا كبد الفلس! اشتغل واعبد الله عز وجل واعمل، وبكل بساطة تروح! بكل بساطة تروح!

ذكر الحسن البصري أن رجلاً اغتابه، فأرسل له طبقاً من رطب، وقال: لم أجد أكافئك به على أنك فضلتني على نفسك بحسناتك إلا هذا. يرسل له هدية يقول: ترى جزاك الله خير، أنت ما قصرت، أنت أعطيتني حسناتك وهي الباقية، ترى هذا التمر هدية لك، التمر يزول، الحسنات حتبقى. لذلك يقول ابن المبارك: لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي. ليش؟ لأنهم هم أولى الناس بحسناتي، أولى الناس بحسناتي.

وسئل رجل: ما ألتذ أنواع اللحوم؟ ما ألتذ أنواع اللحوم عندنا؟ لو طرحت، والله الحريات طيبة، والنجدي جيدة، وما شاء الله يعني الهرفي طيبة، والسواكني لك عليها، والبربري يمكن كذا. ونبدا نتكلم، نفصل في ايش؟ والسمك أفضل، واللحوم كذا، والدجاج بعض الأوقات البلدي. نفصلها! فقيل له: ما أفضل أنواع اللحوم؟ قال: لحم الإنسان. لحم الإنسان! قالوا: كيف ذالك؟ قال: لأن الناس كلهم يأكلونه، صح ولا لا؟ والله الملوك تأكله، والعلماء يأكلونه، والجهلة يأكلونه، عامة الناس يأكلونه، والرجال والنساء والصغار والكبار. فلان قال، وفلان قال، وفلانه قالت، وفلانه قالت، وخذ وخذ ها!

وين عقولنا؟ خاصة الآن مع هذه الثورة المعلوماتية وفي الإنترنت وفي الجوالات، يصبح لا، وبعدين خذ لك عروض، عروض من شركات الجوالات. عرض مفتوح، تكلم باقة، يقولك يقولك باقة، تكلم حتى تتعب. لك باقة، الأرقام هذه مجانية، تكلم لو تبغى في اليوم أربع وعشرين ساعة. تكلم! وبعض الناس: خلني خلني استفيد من هذه الباقة. ويبدأ بس.

والاخت، الاخت جزاه الله خير، تشيل الجوال، وبسم الله، جاراتها واحدة واحدة، وأخواتها واحدة واحدة، وبنات العمومة واحدة واحدة، والقريب، وزميلات المدرسة. فإذا انتهت، رجعت الدورة مرة ثانية! ليش؟ قالت: يا شيخ، خط مفوتر مجاني، أفعل! وين مجاني؟ وين وين؟ ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. كل كلمة، كل حرف مقيد مسجل، وين بنروح يعني؟ الاتصال الواحد كم فيه غيبة وكم فيه وكم فيه؟

عائشة رضي الله عنها لما قالت لصفية، يعني جارتها، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، ضرتها يعني، عائشة غارت من صفية، ولما مرت ولت صفية رضي الله عنها، تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: يا رسول الله، يكفيك من صفية أنها قصيرة! هي قصيرة طبعا، لكنها غيبة. يسكت صلى الله عليه وسلم، يتجاوز عنها؛ لأنها أحب الناس إليه. ها قال: ماهي عائشة ما سكت، ما سكت! ماهي عائشة؟ والله لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. كلمة واحدة! شفتوا كيف إثمها عند الله؟ كلمة واحدة!

الان الدول الغربيه ترمي النفايات، النفايات أين تخلص منها؟ في البحار تتخلص منها. وهذه كلمة واحدة يقول: لو مزجت بماء البحر ايش؟ لمزجته. إذا القضية خطيرة ولا ماهي خطيرة؟ والله خطيرة! فلماذا أين نحن؟ أين عقولنا؟ أين عقولنا؟

إذاً هذه كارثه ثانية، كما قلت، تجيير الحسنات للغير، والواحد غافل يشتغل ويعمل ويعبد ويصلي ويصوم ويتصدق ويعتمر ويحج ويصل أرحامه، وهي تروح لفلان وتروح لفلان وتروح لفلان وتروح لفلان، ويأتي يوم القيامة والرجال: ربك ما خلقتني، هذا إن لم يكن عليك جبال من الذنوب والمعاصي. الغيبة، الغيبة، الغيبة كارثه!

يعني أنا حتى أنا أنبه إلى الموظفين والموظفات. الموظفين والموظفات: فلان قال، وفلانه قالت، والمدير قال، والمديرة قالت، والفراش قال، قالت، والفراش قالوا، وخذ! حتى الطلاب: ايش شفت الطالب الفلاني ايش سوى؟ الطالب الفلاني، غيبة، غيبة!

يوم من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم مع الجلساء جالس، فمرت رائحة تأذى منها النبي صلى الله عليه وسلم والصصحابة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: «أتدرون ما هذه الرائحة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذه رائحة الذين يغتابون الناس في النار». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. هذه الريحة النتنة هي رائحة أجساد أهل الغيبة اللي في النار، تأذى منها أهل الدنيا، فكيف بـ فكيف...

ما العذاب الذي سينزل عليهم حتى يخرج منهم هذه الرائحة الكريهة؟ ويقول صلى الله عليه وسلم: «مررت حين أعرج بي على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم». منظر مفزع مقزز! فقال صلى الله عليه وسلم: «من هؤلاء يا جبريل؟» قال: «هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس، الذين يغتابون الناس». شوف كيف الجزاء! نسأل الله أن يعافينا وإياكم.

لذلك أيها الأحبة نحرص، الله سبحانه وتعالى ايش يقول؟ يقول: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعضُّكُم بَعضًا﴾ [الحجرات: 12]. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه؟ الذي يغتاب مثل الذي يأكل لحم أخيه ميتاً. شوف: أخيه؛ أخوك، ابن أمك وأبوك، ميت قدامك وانت حزنان وتبكي ومتألم، وفجأة تقطع من يده وتاكل جسده! بالله تقبل هذا؟ تقبلها النفس؟ يمكن هذا يخطر على بالك؟ والله ما يخطر على بالي، لا الله عز وجل ذكره: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]. وين عقلك؟ وين عقلك؟

لذلك احذروا فاكهة المجالس، تذكروا قول الحسن: إن الغيبة أسرع إلى دين الرجل من الأكل إلى جسده. إذا أنت تعمل وغيرك يكسب، وين عقلك؟ فاحذر يا رعاك الله، واحذري يا أمة الله، احذروا من هذه القضية، قضية الغيبة؛ لأنها كارثة، وسهلة، ومحببة، وحتى لو جيت في مجلس الناس يتكلمون فيه، وقلت: يا فلان اتق الله، فلان اتق الله، قال: جاي يعكر علينا مجالسنا! خرب علينا الجلسة! لا، أخربها وأخرب أبوها إذا فيها معصية! والله وين عقلك أنت؟

فبعض الناس ما ينبسطون في المجالس إلا إذا قال، وقلنا، وفعل، وفعلنا، وشفت؟ وشفت آخر فضيحة؟ والجوالات آخر فضيحة، شفتوا ايش قال؟ حتى الآن هذه دخلت في الجوالات وفي الغيبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أتوقف إن شاء الله، ونعود إليكم إن شاء الله بعد الفاصل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فطلب العلم موصل إلى سعادة الأبد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وبرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رايت أن سفره لا يضيع. وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهراً في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيراً على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زنا مع هذه الكارثة: الغيبة. الغيبة! من يسلم منها؟ من يسلم منها أيها الأحبة؟ ولذلك أتمنى أن ندعو الله في دعائنا: اللهم اكفنا الغيبة وشر الغيبة وأسباب الغيبة ومجالس الغيبة. كما قلت لك وقلت لك يا أمة الله: أنت تعمل وغيرك يكسب، وانت تخسر، تبني لغيرك ما هو لك، بس شهوة كلام، شهوة كلام، شهوة مجلس!

لذلك أيها الأحبة ينبغي أن ننتبه للمجالس الأسرية والمجالس العملية، ننتبه لهذه المجالس. حضر مجلس فيه غيبه فيه قم، ما تستطيع تنكر قم، ما تجلس فتبوء بالإثم، وتمد مالك صلاح، مالك في القضية لا من قريب ولا من بعيد. لذلك النبي حذر، حذر من الذين يتتبعون المسلمين، عورات المسلمين ويغتابونهم، يقول صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تتتبعوا عورات المسلمين ولا تغتابوهم؛ فانه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بداره أو بيته». انتبه! يكون الله خصمك! لا تتبع عوره المسلمين ولا تغتابهم، ثق تماماً أن الله سيكون لك بالمرصاد؛ فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته. هل لك قدرة أو لك قدرة بمواجهة الله عز وجل؟ انتبه! انتبهوا أيها الأحبة.

أرايت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبت. وبعض الناس يحلف: والله ما زليت عليه، والله ما كذبت عليه! أنا أدري انك ما زليت وما كذبت، لكن هذه الكارثة، هذه الغيبة التي ينبغي أن يترفع عنها المسلم المؤمن الذي عنده حرص على نفسه. كارثة! يجي يوم القيامة وكل واحد ايش يأخذ فيك من جهة؟ حقي يا رب، قال حقي يا رب، قال حقي يا رب، وهات حقي يا رب، وتوزع حسناتك وبعدين مفلس! ما عندك شيء، لا والله يجيك ناس يقول: يا رب أبغى حقي منه، طب أنا ما عندي! قال: يلا حولوا، حولوا من سيئاتكم عليه. الله يعينك! يلا تتحمل وكل عملك إفلاس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يقول صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة -وفي رواية: بحسنات كالجبال- فيأتي وقد ضرب هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم قذف في النار». نعوذ بالله من الخذلان. مفلس! احذر، احذري الغيبة الغيبة.

رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سكت لعائشة -وهي عائشة رضي الله عنها وأرضاها حبة الصديقة بنت الصديق- ما سكت، ما سكت، قالت كلمة واحدة بس، وكلمة حقيقية في واقعها، لكنها غيبة! فالإنسان يحذر، ويتعمد، يتعمد السكوت، يا أما قل خيراً أو اسكت عن شر تسلم. طيب، إن كان فيه ما تقول فقد اغتبت، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهت، والبهتان أعظم. شفت الكلام اللي سمعناه الآن كله في الغيبة، لما يجي البهتان لا لا البهتان أضعاف أضعاف أضعاف ما في الغيبة والعياذ بالله.

إذاً يا أخي بلاش مجالس! بلاش مجالس والله إذا كانت المجالس تقودني إلى النار ايش وديني فيها؟ إذا كان الحديث مع الناس يقودني إلى غضب الله ليش أتحدث مع الناس؟ يا لسان: قل خيراً تغنم، أو اسكت عن شر تسلم. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. لذلك احذر اللسان، احذر لسانك أيها الإنسان، لا يلدغنك إنه ثعبان. إذاً الإنسان يحذر، احذر تسلم.

الغيبة الغيبة داء خطير يفتك بدينك وبحسناتك وبعملك وانت ما تشعر، أنت ما تشعر. لذلك كان السلف الصالح حريصين. طيب، متى تجوز الغيبة؟ متى تجوز؟ وحينما أقول غيبة لا، الغيبة ذاتها متى يجوز أن أكلم بما يكره الآخر؟ ذكر العلماء وذكر النووي رحمه الله -يعني- هناك ستة أمور يجوز للإنسان أن يذكر ما يكره غيره، لكن بشروط ما هي على إطلاقها. قال النووي رحمه الله فيما يباح من الغيبة: اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب:

الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي فيقول: ظلمني فلان. ولا يجيك واحد عند القاضي يقول ايش عندك؟ قال: مظلوم. من اللي ظلمك؟ قال: والله يا شيخ ما ودي اغتابه. لا يا حبيبي اغتاب، لكن قول ايش اللي فيه؟ فيش ظلمك؟ بماذا ظلمك؟ حتى تبين.

الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب. تروح عند فلان مسؤول في الهيئة ولا كذا، أو مسؤول في المنطقة تقول: يا فلان ادرك الحق فلان، عنده منكر جالس يوزع المنكر بين الناس. هذا لا باس في ذلك، لا باس في هذا أبدا، وهذا ليس من الغيبه، تغيير المنكر لا يتم تغيير المنكر إلا بالاخبار عن صاحب المنكر.

الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو اخي أو زوجي أو فلان بكذا، ايش الحكم في كذا؟ فهذا لا باس أيضاً المستفتي أن يتكلم بهذا.

الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه، مثل: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز؛ يعني مثلاً درس علمي يتكلم عن الراوي وفلان هذا ضعيف هذا مسكوت عنه هذا كذا هذا كذا، فلا باس، بل هو واجب.

الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته، واحد يشرب خمر قدام الناس يروج أمور محرمه تقول: والله أنا أخاف الله وما ودي أقع في عرض الرجل. لا، هذا رجل يؤخذ على يده ويؤطر على الحق أطراً. فخذ المكس و جبايه الأموال ظلماً، فيجوز ذكره بما هو بما يجاهر به.

السادس: التعريف، إذا كان الإنسان معروفاً بلقب كالأعمى والأعرج والأصم والأعمى والأحول يجوز ذلك؛ فلان من قالوا سليمان بن مهران؟ قالوا الأعمش، ومن رجال البخاري. فانت تذكره من باب ايش؟ التعريف به. فهذه ستة أمور يجوز للإنسان أن يتكلم فيها في بما يكره الغير.

إذاً أحبتي في الله كما قلت هناك ستة أسباب لا تدخل تحت الغيبة، لكن أنا أود أن أشير إلى نقطة مهمة: الشيطان حريص على بعض الناس. تقول: يا فلان، فنان ايش اخباره؟ قال: لك الله يغفر لنا ويغفر له! شوف دعاء وهو غيبة! أدعو له غيبة؟ نعم، لما قلت الله يغفر لنا ويغفر له تقصد فيها الانتقاص أصلاً، فدعوتك هذه مع أنها دعوة لكنها غيبة؛ لأنك ذكرتها بأيش؟ بمحمل ايش؟ التنقص. طيب فلان ايش أخبار وفلان؟ يا شيخ ما نبغى نغتاب! ما اغتبت أنت الآن بأم الغيبة؟ ما تبغى تغتابه يعني أنت أنت تعرض به.

فلذلك يا إخواني ترى الشيطان حريص، احرصوا! احرص! فلان أخبر... لا حول ولا قوة إلا بالله، يا أخي خلاص واضحة، أي فعل أو حركة أو رمز أو إشارة فيها انتقاص أو عبارة فيها انتقاص فهي غيبة، والشيطان حريص على إيقاع وسحبنا إلى أن نقع في هذه البوابة، بوابة بوابة الغيبة فاكهة المجالس اللذيذة؛ يعني فيها لذة يا سلام لما أتكلم في فلان وفلان وفلانة وفلانة وآل فلان وآل فلان! والشيطان يحليها على لسانك يحليها. احذر! انتبه! لا يجيك الناس يوم القيامة ويأخذون حسناتك وانت طالع فيهم، لا، وغيرك إثمها في الدنيا وأثرها السيء وشؤم في الدنيا قبل الآخرة.

لذلك أيها الأحبة الله الله! احفظ لسانك أيها الإنسان، لا يلدغنك إنه ثعبان. نعم، كم من انسان ممدد في قبره ميت، لا في السابق كان له وكان له، لكن احذر اللسان اللسان اللسان! الغيبة الغيبة الغيبة! أسأل الله سبحانه وتعالى باسمائه وصفاته أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الغيبة، وأعيننا من الخيانة. أسأل الله أن يؤتي نفوسنا تقواها، وأن يزكيها، هو خير من زكاها، هو وليها ومولاها. اللهم اغفر لآبائنا، وارحم أمهاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.