بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف.
ما زلنا أيها الأحبة مع الحديث الرابع عشر، هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوق، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». اللقاء الماضي تكلمنا عن هذا الحديث، وأريد في هذا اللقاء أيها الأحبة أن أتكلم عن قضية الشكر.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. القضية الكارثة التي يقع فيها كثير من الناس قضية كفران النعم. كفران النعم، يا اخي عندك نعم عظيمة لا تحصى، نعم عظيمة لا تحصى، كيف ما تشكر الله عليها؟ ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. سمعت يا رعاك الله أن الله لذو فضل على الناس وفضل الله عظيم كبير جداً يا إخواني، ما يمكن لعقلك أن يحصيه، ما يمكن لفكرك أن يعدد، قطع الله عليك هذا المجال فقال: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. لذلك أيها الأحبة على الإنسان أن يعترف بهذه النعم وأن يسعى إلى أن يشكرها. قيدوا النعم بالشكر، قيدوا النعم بالشكر. هذه القضية التي أثرناها وتكلمنا عنها في اللقاء الماضي كفران النعم، أنه بعض الناس ما يعترف إلا بما هو يفقده، أما الذي عنده ما ينتبه له.
يا اخي اعطاك الله يد وأصابع كاملة، بل بل يدان. اعطاك الله عينان، يا اخي صحيح أنت تلبس نظارة لكن غيرك أعمى. يا اخي صحيح أنك مثلاً عندك ولد وبنت لكن غيرك ما عنده. يا اخي صحيح عندك خمس ست بنات لكن غيرك يتمنى نص بنت معوقة، والله انا سمعت بهذا امرأة تقول: ليت عندي بنت أو نصف بنت معوقة ما عندي، بس محرومة. فالمشكلة دائماً النظرة السوداوية لحالنا. لذلك أيها الأحبة من القواعد المطردة في كتاب الله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. ولذلك من رزق الشكر سيرزق المزيد، يرزق المزيد. لذلك النبي يقول: «فهو أجدر أن لا تضدروا نعمة الله عليكم». أنتم عندكم نعم كثيرة، لكن بعض الجهلة، بعض المغفلين، بعض الذين يعني ما عندهم فكر ولا عندهم عقل: أنا ما عندي كذا، يا اخي أنت عندك أشياء كثيرة جداً جداً جداً، لكن أين استشعارك لهذه النعم؟
ولذلك أيها الأحبة، الشكر عبادة قلبية وعبادة قولية وعبادة جوارح. الله سبحانه وتعالى يقول ايش يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. شفتوا النعم التي الله عز وجل يقول: أنتم عندكم نعم كثيرة ما تحصوها، ومع ذلك من يشكر الله؟ يا إخواني أنا أسألك أنت الآن الذي تستمع إليه الآن أو تستمعين إليّ، كم مرة في الليلة تشكر الله على ما عندك من نعم؟ وأعظم نعمه أن جعلك مسلماً، هداك للإسلام، تخيل لو لا قدر الله أنك في مجتمع بوذي، مجتمع نصراني، مجتمع يهودي، مجتمع لا ديني، كيف تكون حياتك؟ إذاً من أعظم نعم الله أن هداك للإسلام.
ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله، وهو يتكلم عن الشكر، يقول: الشكر هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة. إذاً هو ظهور أثر نعمة الله على لسانك وعلى قلبك وعلى جوارحك. أما على اللسان فهو الثناء والاعتراف، دائماً تثني على الله وتعترف بنعمه. وعلى قلبك شهود ومحبة، دائماً تستحضر نعم الله سبحانه وتعالى: عندي بصر، عندي ولد، عندي زوجة، عندي متاع، عندي بيت، عندي أصدقاء، عندي أقارب، عندي قريب، عندي كذا عن، دائماً تستشعر هذه النعم، وأيضاً محبة الله عز وجل الذي رزقك هذه النعم. وعلى الجوارح انقياداً وطاعة، هذه الجوارح لابد أن تكون مسيرة وتقوم بأوامر الله سبحانه جل في علاه. إذاً أيها الأحبة الشكر عبادة عظيمة جداً، وينبغي الإنسان دائماً وأبداً أن يشكر الله سبحانه وتعالى.
الله من أسماء ايش إخواني؟ الشكور، والشاكر. والشكور هو الذي يعطي الكثير على القليل. شكور تفعل شيئاً قليلاً، تقوم بعمل يسير، فيعطيك الله أضعافاً مضاعفة. مثلاً لو مثلاً قال صلى الله عليه وسلم: «لن يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع»، يعني كم مقدار الدمع؟ يعني بكى لو كان شيء بسيط. «لن يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع»، «سبق درهم ألف درهم»، «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يستلمها بيمينها فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه حتى تصبح مثل الجبل». إذاً الله هو الشاكر الشكور سبحانه جل في علاه.
إذاً الشكر أيها الأحبة شكر باللسان، شكر بالقلب، شكر بالجوارح. طيب، والحمد؟ الحمد هو حمد لله بلسانك وقلبك، أما الجوارح فينفرد بها ايش؟ ينفرد بها الشكر، فالشكر أعم من الحمد، فالشاكر يشكر الله بلسانه وبقلبه وبجواره، واما الحامد فهو يحمد الله بلسانه وبقلبه. أيها الأحبة الناس قسمان لا ثالث لهم: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. إما شاكراً وإما كفوراً، قسم ثالث ما فيه. فاما أن تشكر الله عز وجل على نعمه فيزيدك الله وتستحضر هذه النعم التي أنت تعيشها فتثني على الله بما هو أهله فيزيدك الله، واما أن تكفر هذه النعم فيسلبها الله منك. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3] قسم ثالث ما فيه، فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله.
هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنه التقنية الحديثة. فلستخدامها في طلب العلم ميزات؛ منها: سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا. ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في آلاف الكتب في ثوان معدود، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة. والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم، حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصة سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء. فلستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعط، ومن يتق الشر يوق».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اما بعد، فما زلنا مع الشكر أيها الأحبة. وكما قلت هما طريقان لا ثالث لهما: إما شاكراً وإما كفوراً، هكذا يقول الله سبحانه وتعالى. فاما أن تشكر نعم الله عليك فيزيدك الله، واذا زادك الله زادك الله، زادك الملك، زادك الكريم، زادك العظيم. واما أن تكفر بنعم الله فيسحب الله منك، بل قد تكون عليك وبالاً وجحيماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يوم من الأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يدخل المسجد فيجد رجلاً يرفع كفه إلى السماء يقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل، اللهم اجعلني من عبادك القليل، اللهم اجعلني من عبادك القليل. فانتهره عمر: يا رجل، ما هذا الدعاء؟ قال: يا أمير المؤمنين، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]؟ فعمر كان وقافاً، قال: أوَه يا عمر، كل الناس أفقه منك! أوَه يا عمر، كل الناس أفقه منك!
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] أيها الأحبة، الله سبحانه وتعالى وعد بالمزيد لمن شكر: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. لذلك تعود وتعود يا أمة الله، ما ياتيكم من رزق صغير أو كبير إلا احمد الله عليه واشكر الله عليه، جاءك كوب ماء: اللهم لك الحمد والشكر، جاءك شيء أي رزق ياتيك احمد الله، رايت نفسك وما عندك من: اللهم لك الحمد والشكر فيزيدك، وثق تماماً والله إذا رزقت الشكر ليرزقك، هذا أمر الله وهذا قضاء الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66]. طيب ايش اسوي يا رب؟ قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 66]. هذا خطاب لمن يا أحبابي؟ للنبي صلى الله عليه وسلم. بل الله فاعبد وكن من الشاكرين يا محمد، شوف كيف يامر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يكون شاكراً.
ثم القضية المهمة الأخرى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: 12]. يعني هل يا إخواني الله في حاجة لشكر؟ الله يعطيك النعم هذه كلها ويحتاج أنك تشكره؟ أبداً، الله غني سبحانه، ملك؛ أنت عبد فقير ما تملك شيء، والله ما نملك شيء كلنا. فالله سبحانه وتعالى الذي أعطاك والذي أغناك والذي أقناك غني عنك.
قال الله سبحانه وتعالى حاكيا عن سليمان عليه السلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]. هنا الشاهد: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]. غني، مستغن عن الخلق؛ كريم، يعطي من غنى سبحانه. فاذا حينما الإنسان شكر فإنما يشكر لنفسه، تشكر الله فيزيدك، تشكر فيزيدك، تشكر فيزيدك إلى ما لا نهاية. الله غني، لكن الله له سنن، له سنن؛ كلما شكرت الله زادك الله.
كيف أشكر الله؟ استحضار النعمة التي أنت فيها، حالك يا اخي. بعض الناس في غفلة، شوف الدنيا فيها من أمراض ما الله به عليم، آلاف يمكن ملايين الأمراض والفيروسات الله حفظك منها، تقدر تحصي هذه الملايين؟ الناس في ملايين من الابتلاءات الله حفظك منها، تقدر تحصي هذه الملايين؟ لذلك الله يقول ايش: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. تلبس ثوبك وتروح تصلي في المسجد، آلاف مؤلفة من البشر ما يقدر يغادر غرفة المستشفى، آلاف مؤلفة في السجون، آلاف مؤلفة ما يقدر يخرج من بيته خوفاً وهلعاً قد يقتل في أي لحظة. إذاً كلما استشعرت هذه النعم كلما ينبغي أن يزيد شكرك لله عز وجل على هذه النعم وحمدك له على هذه النعم. ولذلك الإنسان ينبغي دائماً يشكر يشكر.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12]. غني حميد، غني كريم وغني حميد، ماذا تريد بعد ذلك؟ إذاً حينما الإنسان يشكر فهو يشكر الغني، وهو غني كريم وغني حميد، والحميد هو ايش يا إخواني؟ برضه نفس الشكور، حميد يحمدك تفعل شيئاً قليلاً يعطيك شيئاً أكبر. إذاً الإنسان حينما يشكر هو يشكر لنفسه ما هو لله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى غني عنا: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].
إذاً أحبتي في الله، الإنسان يشكر الله عز وجل على هذه النعم فيزيده، فكلما نظرت إلى من هو دونك استشعرت نعم الله سبحانه وتعالى. أيها الأحبة الأفاضل، النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معاذ بن جبل، يعلمه ماذا يقول: «يا معاذ، والله إني لأحبك. إذا صليت فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». «اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك». شوف وصية المحب لحبيبه وهذا المحب أصدق الناس صلى الله عليه وسلم: «إني لأحبك، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك». إذاً الشكر مطلب.
قال صلى الله عليه وسلم لشداد بن أوس: «يا شداد بن أوس، إذا اكتنز الناس الذهب والفضة فاكنز هذه الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، واسالك شكر نعمتك وحسن عبادتك، واسالك قلباً سليماً ولساناً صادقاً، واسالك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، واستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب». إذا اكتنز الناس الذهب اكنز هذه الكلمات: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد»، ثم قال ايش: «واسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك». فالنعم تحتاج شكر يا أحبابي، إذا لم تقيد بالشكر تفر، تفر.
قال صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمراً كله له خير، إن اصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن». إذاً ينبغي دائماً أن تشكر الله سبحانه وتعالى حتى يتحقق فيك ايش لفظ ايش وصف المؤمن. كما أنك تشكر الله تشكر الناس. قال
حتى الناس يا إخواني يحتاجون أن تشكرهم على ما يقدمون لك من خدمات أو من معونات أو من مساعدات، فتشكر الله وكذلك تشكر الناس. من عظيم فضل الله علينا يا أحبابي، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمد عليها، أو يشرب الشربة فيحمد عليها»؛ يعني هو أن الله هو الذي يرزقك، فتقول: اللهم لك الحمد يا رب ها، فيكتب لك مغفرته ويرضى عنك سبحانه جل في علاه. والذي يأكل طعاماً فيقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، ما النتيجة؟ يغفر الله له ذنوبه. إذاً نحتاج أن نفعل الشكر في حياتنا، أن نشكر الله دائماً، وأن نحمد الله دائماً، وأن ندعو الله أن يوفقنا للشكر. كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ربي اجعلني لك شكاراً، شكاراً لك، ذكاراً لك، أواهاً منيباً. فأسأل الله أن يرزقك الشكر، ونسأل الله أن يرزقنا الشكر.
باسمه تعالى، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما زلنا أيها الأحبة مع الشكر ومكانة الشكر وفضل الشكر، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. مع نعم الله الكثيرة، لكن مع الأسف الجحود ونكران النعم وكفران النعم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أحبتي في الله، إليكم هذه الدرة من درر الحسن البصري؛ يقول الحسن البصري رحمه الله: إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها الله عذاباً. ولهذا استكمال كلام الحسن: كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة، ويسمونه بالجالب لأنه يجلب النعم المفقودة. كلام واضح؛ أن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، يرزقك الله نعمة من النعم، فإذا لم تشكره عليها قلبها الله عذاباً.
أضرب لك مثالاً؛ واحد يتمنى الولد: يا رب ارزقني أولاداً ذرية، يا رب ارزقني ذكوراً، فيرزقه الله الأولاد والابناء الذكور، فإذا لم يحمد الله على هذه الننعمة أن يقوم عليها كما ينبغي، وعلى تربيتها كما ينبغي، وعلى تعليمها كما ينبغي،ها تقلب والعياذ بالله عذاباً، يجي يوم من الأيام يقول: اللهم عليك بولدي فلان، اللهم عليك بولدي فلان، يدعو عليهم، يصبح عذابا عليه. إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها الله عذاباً. ولذلك كانوا يسمون الشكر بايش؟ بالحافظ، لأنه يحفظ النعم الموجودة، ويسمونه بالجالب، لأنه يجلب النعم المفقودة. فالشكر حافظ وجالب، يحفظ ما عندك من نعم موجودة، ويجلب لك ما ليس عندك من نعم مفقودة. كلمة تكتب بماء الذهب.
لذلك علينا أيها الأحبة أن نكثر من شكر الله سبحانه وتعالى، اشكر الله على حالك، على بيتك، على زوجتك، على أبنائك، على بناتك، على وظيفتك، على هدايتك، على عقلك يا أخي، على صلاتك، على صيامك، على قرآنك، على ذكرك، على كل نعم الله عليك. طيب، يجيني واحد يقول: يا أخي الشيخ والله النعم كثيرة، وش أقول؟ النبي صلى الله عليه وسلم علمنا دعاء جميلاً، قال صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، إلا أدى شكر يومه، ومن قاله حين يمسي فقد أدى شكر ليلته». في الصباح وفي المساء: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر. أنت اديت شكر يومك، وإذا قلته في الليل أديت شكر ليلتك، وهذا لا يعني ولا يغني أن تترك الشكر الدائم على نعم الله عليك.
أيها الأحبة، مقولة جميلة أيضاً جداً جداً للفُضيل بن عياض؛ مقولة جميلة للفضيل بن عياض ماذا يقول؟ يقول: عليكم بملازمه الشكر على النعم، فقلَّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم. الله أكبر، أعيدها مرة ثانيه: عليكم بملازمه الشكر على النعم، فقلَّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم. يقول: اشكروا الله على النعم ليش؟ قال: الأصل أن النعمة إذا زالت أنها ما تعود. قَلَّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم، الأصل أيها الأحبة أن النعم إذا زالت زالت بغير رجعة، خلاص راحت، نادراً ما تعود. وهذه سنة من سنن الله عز وجل، لكن حينما أنت تقيد هذه النعم بالشكر، فإن الله يحفظها عليك. أكثر من شكر الله، أكثر من شكر الله سبحانه وتعالى دائماً: اللهم لك الحمد والشكر، اللهم لك الحمد والشكر على نعمك وعلى أفضالك وعلى رزقك وعلى فضلك وعلى بركتك وعلى عطائك. دائماً اشكر الله عز وجل، جاءك رزق، جاءك شيء، جاءك شيء اشكر الله، شعرت في نفسك بصحة، بعافية، بهداية اشكر الله.
تذكر الله سبحانه وتعالى يعطي عطاء عظيماً جداً، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]. لذلك أيها الأحبة هذه الوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاءت من فراغ، أغلب الناس في غفلة، يعيشون في نعم عظيمة، صباحاً ومساءً، ليلاً ونهاراً، سرا وجهاراً، والنفوس غافلة، والألسن فاترة، واستشعار النعم مفقود، ومتى يعرف النعمة؟ إذا زالت، إذا زالت النعم. لذلك أيها الأحبة من اسباب المحافظة على النعم ترك الذنوب والمعاصي، إذا كنت في نعمة فرعها فإن الذنوب تزيل المعاصي، تزيل النعم، الذنوب.
إذاً أحبتي في الله، شكر الله عبادة عظيمة جداً، تشكر الله بلسانك ثناء واعترافا، وتشكر الله بقلبك شهوداً ومحبة، وتشكر الله بجوارحك انقياداً وطاعة. يعني شوف، شكر اللسان مطلب، لكن ليس معنى هذا أنني لا أوظف جوارحي في مرضات الله سبحانه وتعالى، لا، أنت من شكر النعم أن هذه الجوارح توظفها فيما يرضى الله سبحانه وتعالى، أن هذا القلب دائماً يستشعر هذه النعم التي أنت تعيش فيها وتحب الله عز وجل من أجلها ومن غيرها كذلك. فبالتالي طول ما الإنسان يحمد الله ويشكر ويعترف بهذه النعم، والقلب يشهد بها ويحب الله ويتعلق بالله، والجوارح تنقاد في مرضاة الله، تحقق الشكر، تحقق الشكر في حياتنا، وهذا مطلب كبير جداً كما سمعنا من الحديث، حتى لا ندخل في قضية كفران النعم. والله يا أحبابي، والله الذي لا إله إلا هو، ما هم إلا طريقي، كما سمعنا: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. فإذا الإنسان غفل عن هذه النعم سيغفل عن شكر الله وعن حمد الله وعن الاعتراف لله بها، وبالتالي تكون كارثة، وبالتالي تكون كارثة عظيمة.
قال بعض السلف: النعم وحشية فقيدوها بالشكر، النعم وحشية تستوحش من أصحابها فقيدوها، فقيدوها بالشكر. وقال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: قلت لأخ لي أوصني، فقال: ما أدري ما أقول، غير أنه لا ينبغي لهذا العبد أن يفتر عن الحمد والاستغفار، فإن ابن آدم بين نعمة وذنب، ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر، ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار. دائماً كن إيش؟ دائماً شاكراً لله، حامداً لله، مستغفراً تائباً لله، فأنت إما بين نعمة تحتاج أن تقيد بالشكر، أو ذنب يقع منك تحتاج التوبة والاستغفار. أحد الصالحين استأجر حمالاً، وكان هذا الحمال طوال الطريق: الحمد لله، استغفر الله، الحمد لله، استغفر الله. فلما وصل الحمال إلى دار العالم، قال له العالم: أنت ما عندك إلا الحمد لله استغفر الله؟ قال: لا، أنا أحفظ القرآن كاملاً، ولكني أعلم أنني بين أمرين؛ إما نعمة من الله تحتاج أن أشكر الله عليها، أو ذنب، أو ذنب مني يحتاج أن أستغفر الله عليه. فقال: يا فلان، حمال أفقه منك، حمال أفقه منك!
إذاً أيها الأحبة، وصية النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا نكفر نعم الله علينا، دائماً انظر إلى من هو دونك في الدنيا، لا تنظر إلى من هو فوقك، فانه أجدى ألا تزدري نعمة الله سبحانه وتعالى. نعم الله كثيرة علينا يا أحبابي، نقيدها بالشكر والحمد لله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى هو الشكور، هو الشاكر سبحانه وتعالى لعباده، ويعطي الكثير على القليل، لأنه هو الغني الحميد، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء، ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبت أقدامنا، وأن يهدي قلوبنا، وأن يشرح صدورنا، وأن يغفر لموتى المسلمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي