دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد بالعلم كالأزهار في البستان، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب وطالبات أكاديمية زاد في المستوى الرابع، حياكم الله وبياكم.

إلى مائدة من موائد القرآن، موعدنا اليوم بإذن الله مع تفسير سورة العصر، وهي سورة قليلة المبنى عظيمة المعنى، هي سورة مكية. قال الله عز وجل فيها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

ذكر أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: «ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟»، فقال له عمرو: «لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة»، قال: «وما هي؟»، قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: «أي مسيلمة، ولقد أنزل علي مثلها»، قال: «وما هو؟»، قال: «يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، والسائرك حفر نقر».

ما شاء الله، والوبر دويبة تشبه الهر كما هو معروف، ثم قال: «كيف ترى يا عمرو؟»، فقال له عمرو: «والله إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب». يعلم عمرو أنه كذاب، ويعلم مسيلمة أنه كذاب، ما الذي جاء بهذه الهراطق أمام قول الله الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال الشافعي رحمه الله مقولة مشهورة كل الناس تعرفها: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم». فعلاً يا إخواني لو تدبرنا هذه السورة فعلاً لو سعتنا. يقول بعض العلماء: الإنسان في خسارة، أصل الإنسان في خسارة، والربح أربعة أرباع، وهي التي ذكرها الله عز وجل في هذه السورة.

إن الإنسان لفي خسر، الأصل أنه في خسارة. إذاً ما هي أرباع الأرباح؟ الربح الأول: «إلا الذين آمنوا»، إذا حقق الإيمان كان له ربع الربح. فإذا حققوا «وعملوا الصالحات» له نصف الربح. وإذا حققوا «وتواصوا بالحق» له ثلاثة أرباع الربح. وإذا حقق «بالصبر» اكتملت أرباع الربح الأربعة فكان من الرابحين ونجا من الخسارة بإذن الله.

أما قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، فهذا قسم من الله جل جلاله بالزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر. وذكرت أقوال لعلنا نمر على بعضها، لكن هذا القول الجامع الجميل الذي يجمع كل هذا، أن العصر قسم من الله جل جلاله بالزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، إن الإنسان لفي خسارة وهلاك في كل أحواله في الدنيا وفي الآخرة. وأتى بقوله «لفي خسر» ليكون أبلغ من قوله «لخاسر»، وذلك لأن «في» للظرفية، فكأن الإنسان منغمس في الخسر والخسران محيط به من كل جانب. وهذه الفائدة ذكرها الطاهر بن عاشور في تفسيره الجميل «التحرير والتنوير»، وأنصح بهذا التفسير لمن أراد علوم البيان والتأويل والبلاغة والبديع، هذا من أجمل التفاسير في ثلاثين مجلدًا، كل مجلد جزء واحد، اسمه التحرير والتنوير، مطبوع موجود وأفضل طبعاته الطبعة التونسية.

وقال عز وجل وأتى بقوله كما ذكرنا لكم «لفي خسر»، لما ذكرناه لكم كأن الإنسان محيط بالخسر، إلا من اتصف بهذه الصفات: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم. وذكرنا لكم التلازم الكثير الطويل دائماً بين الإيمان والعمل الصالح، فهي من المصطلحات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت.

لأنه عبر مرة بالإيمان، وهو يراد به العمل الصالح في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] أي عملكم باستقبالكم القبلة التي كانت إلى بيت المقدس، فسمى الإيمان عملاً، وهو من أدلة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان ليس قولاً فقط، هو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، كما قال الحافظ الحكمي: «إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات، والإيمان درجات أعلاه لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق». فاستثني من جنس الإنسان كما ذكرنا عن الخسران، الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم.

والصالحات ذكر العلماء أنها تشتمل على شيئين: الأول الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهما شرطا قبول العمل، أي لا يقبل العمل إلا بالإخلاص وبمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، قال الفضيل بن عياض: «أي أيكم أخلصه وأصوبه». فذكر الفضيل بن عياض شرطي قبول العمل وهما الإخلاص والمتابعة.

لو قال رجل أريد أن أصلي الظهر خمساً، فصلى بكل إخلاص لكنها خمس ركعات، زاد ركعة هل تصح صلاته؟ لا تصح، لأنه لم يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب لو صلى أربع ركعات الظهر لكنه صلاها رياءً، هل يقبل؟ لا يقبل منه. إذاً لا بد من الإخلاص، ولا بد من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر الشيخ ابن عثيمين في تفسير السورة: «مخلصين له الدين»، قال: «هذان أيضاً شرطا قبول العمل؛ الحنيفية وهي متابعة الأنبياء، والإخلاص وهو إخلاص الدين والعمل لله جل جلاله».

أما قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، أي أوصى بعضهم بعضاً بالحق، وهو أداء الطاعات وترك المحرمات. هذا التواصي بالحق وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، كل هذا من التواصي بالحق، كما كان يقول الشيخ ابن باز رحمه الله.

﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي على طاعة الله وعلى المصائب، هذه أنواع الصبر: الصبر على طاعة الله، وعلى المصائب والأقدار، وعلى الأذى فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لأن الصبر لا بد أن يعقب الدعوة إلى الله، كما قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: 17]، «واصبر على ما أصابك»، فلا بد من الدعوة، ولا بد من الأذى للصبر.

ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل. يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عيدية ونقدية، وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد أية مسابقة، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟ الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول أن يكون ثمن البضاعة حقيقياً، بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر، وهو لا يجوز.

الشرط الثاني ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط؛ كأن يشتري حليباً أو عصيراً وهو لا يحتاج إليها، لكن ليحصل على الجائزة، ثم يريقها ولا يستفيد منها، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه. فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس»، فذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا بأس.

حياكم الله من جديد، أما فوائد أو بعض فوائد هذه الآيات؛ فإن جميع بني آدم في خسر، والخسر محيط بهم من كل جانب، إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. وإن الخسارة مراتب متعددة متفاوتة؛ قد يكون خاسراً مطلقاً كحال من خسر الدنيا والآخرة وفاته النعيم واستحق الجحيم، وقد يكون خاسراً من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الخسارة لكل إنسان إلا من اتصف بهذه الصفات المذكورة.

والصفات المنجية من الخسران كما ذكرنا لكم هي: الإيمان بما أمر الله به، وبالمناسبة لا يكون الإيمان إلا بالعلم فهو فرع عنه ولا يتم إلا به؛ فكيف نؤمن بالله ونحن لا نعلم عنه شيئاً؟ والعمل الصالح وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله وبحقوق خلقه، الواجبة والمستحبة أيضاً. والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله؛ أي شيء يطلق عليه حقاً يوصي بعضهم بعضاً بذلك ويحثه عليه ويرغبه فيه. والرابع: التواصي بالصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقدار الله المؤلمة؛ فهذه هي الأربع التي ذكرناها لكم قبل قليل.

وندلف الآن إلى شيء من الفوائد المتعلقة أيضاً بتفسير هذه السورة. طبعاً "العصر"، كما ذكرنا لكم، "الدهر"؛ هذا القول ذكره ابن عباس رضي الله عنه، فالعصر مثل الدهر. أقسم الله عز وجل به لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع جل جلاله. وقيل العصر الليل والنهار، قال حميد بن ثور: «ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلب أن يدرك ما تيمم»، والعصران أيضاً الغداة والعشي، وهذه أيضاً من أقوال العصر. وقيل إنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، قاله الحسن وقتادة، ومنه قول الشاعر: تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر .. وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر

وعن قتادة هو آخر ساعة من ساعات النهار، وإلى غير ذلك من الأقوال. والجامع كما ذكرنا لكم قبل قليل أنه الدهر والزمن المتصرف فيه أحداث الناس وحوادثهم.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ هذا جواب القسم، والمراد به الكافر. قال ابن عباس في رواية أبي صالح، وروى الضحاك عنه قال: يريد جماعة من المشركين؛ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث. وبالمناسبة هذا يسمى تفسير المثال، يعني ليس هؤلاء حصراً، ولكن هؤلاء أمثلة لمن خسروا، فهم أمثلة، فهذا يسمى التفسير بالمثال. وهو مبسوط في "قواعد التفسير"، ومن أراد فيه اتساعاً واطلاعاً يرجع إلى كتاب "قواعد التفسير" للدكتور خالد السبت، مطبوع في مجلدين، وهو من أجمل الكتب وأنفع الكتب المعاصرة.

وقيل يعني بالإنسان جنس الإنسان، وهذا الصحيح في "خسر" لا في "غبن". وقال الأخفش: هلك، يعني أن الإنسان لفي هلكة. وقال الفراء: في عقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [القصص: 82]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. وقال ابن زيد: لفي شر، وقيل: في نقص. وقال إبراهيم: إن الإنسان إذا عُمّر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع، إلا المؤمنين فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم. قال تعالى، وهذا نظيره من تفسير القرآن بالقرآن: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4-5]، ومر بنا هذا في تفسير سورة التين.

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ذكرنا لكم أن هذا استثناء من الإنسان، إذ هو بمعنى الناس على الصحيح. "أوصى بعضهم بعضاً"، وحث بعضهم بعضاً بالتوحيد؛ كذا روى الضحاك عن ابن عباس. وقال قتادة: "بالحق" وقيل "بالقرآن"، وقيل الحق هنا هو الله جل جلاله، وكل هذه المعاني حق، فأي شيء يدخل في معنى الحق فهو حق، حتى لو قيل "على طاعة الله عز وجل". أما الصبر فعن معاصيه.

وقد تقدم في ذلك طبعاً من الفوائد حول هذه السورة ما ذكره ابن كثير والطبراني؛ قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر. وقال الطاهر بن عاشور: وكذلك تسميتها في مصاحف كثيرة أي بسورة العصر، وفي معظم كتب التفسير وهي كذلك بهذا الاسم، في مصحف عتيق بالخط الكوفي من المصاحف القيروانية في القرن الخامس: هكذا "سورة العصر".

وذكر أيضاً من الفوائد أنها مكية في قول الجمهور، وإطلاق جميع المفسرين، لأنه روي عن قتادة ومجاهد ومقاتل أنها مدنية، لكن القول الراجح كما ذكرنا لكم. وروي عن ابن عباس، ولم يذكر صاحب الإتقان الذي هو السيوطي في كتابه الإتقان أنها في عداد السور المختلف فيها، لكنه ذكرها من السور المكية. وهي الثالثة عشرة في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة الانشراح وقبل سورة العاديات. وبالمناسبة سورة العصر هي من أقصر ثلاث سور في القرآن إضافة إلى الكوثر وسورة النصر، واشتملت على إثبات الخسران الشديد لأهل الشرك ومن كان مثلهم من أهل الباطل، وعلى إثبات نجاة وفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وعلى فضيلة الصبر في تزكية النفس ودعوة الحق.

وقد كان كما ذكرنا لكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اتخذوها شعاراً لهم في ملتقاهم؛ روى الطبراني بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن الحصين الأنصاري من التابعين أنه قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر، أي سلام التفرق، وهو سنة أيضاً مثل سلام القدوم. قال الشافعي: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم، وروي عنه رواية نحو هذه: قال لو لم ينزل الله إلى الناس إلا هي لكفتهم، وقال غيره إنها شملت جميع علوم القرآن.

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، أقسم تعالى بالعصر قسماً يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن، والمقسم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه جل جلاله. وللعصر معانٍ يتعين أن يكون المراد منها، لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية.

يتعين إما بإضافته إلى ما يقدر أو بالقرينة أو بالعهد، وأياً ما كان المراد منه هنا، فإن القسم به إنه زمن يذكر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصر معين مبارك، وهذا من كلام الطاهر بن عاشور.

وقد جمع المعاني المختلفة؛ وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علم بالغلبة في وقت ما بين آخر وقت الظهر -اصفرار الشمس بين آخر وقت الظهر وبين الذي كان عليه زوال الشمس- ويمتد إلى أن يصير ظل الجسم مثلي قدر بعد الظل الذي كان له عند الزوال، وذلك وقت اصفرار الشمس، والعصر مبدأ العشي ويعقبه الأصيل والاحمرار، وهو ما قبل غروب الشمس، يعني هو العلم المعروف عندنا لوقت العصر. فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ويذكر بخلقه جل جلاله الشمس والأرض ونظام حركة الأرض حول الشمس، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم، وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار والفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه الشعاع الشمسي نحو الكرة الأرضية.

ونكمل بإذن الله بعد هذا الفصل عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».

وقت العصر وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار، وفيه ينقطع الناس إلى أعمالهم في النهار كالقيام في حقولهم وجناتهم وتجاراتهم في أسواقهم، ويذكر بحكمة نظام المجتمع الإنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على عمل ونظام لابتدائه وانقطاعه. وفيه يتحفز الناس للإقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهلهم وأولادهم، وهو من النعمة أو من النعيم. وفيه إيماء إلى التذكير بمثل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والابتهال والهرم.

وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني، أي كل عصر، ويطلق العصر على الصلاة المؤقتة بوقت العصر، وهي صلاة معظمة؛ قيل قال الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]، والمراد بالوسطى صلاة العصر. وجاء في الحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»، وذكر في حديث ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، فذكر: «ورجل حلف يمينا فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطى بها ما لم يعط».

وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علماً بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العقل. ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جيل من الناس، يعني هذا من معانيه كملك أو نبي، ويعين بالإضافة، فيقال مثل عصر إبراهيم وعصر محمد صلى الله عليه وسلم وعصر الجاهلية، وهكذا فيجوز أن يكون مراد هذا الإطلاق هنا ويكون المعنى به عصر النبي صلى الله عليه وسلم، والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في اليوم من قولك: فعلت اليوم كذا.

المقسم به كالقسم، فهو تعالى أقسم بزمانه في حياته صلى الله عليه وسلم كما قال: «لعمرك»، ويجوز أن يراد عصر الإسلام كله، وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم. وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإسلامية بالنسبة لعصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له إلى الليل، عملت اليهود إلى نصف النهار، ثم قالوا لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لكم، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا، واستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فأنتم هم».

فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإسلام في هذه الآية. قال ابن عطية المفسر -وكتابه المحرر الوجيز من أثمن الكتب، ويحقق الآن في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد حقق طبعه قبل هذا، لكن الذي عليه الآن العمل والتحقيق العلمي الرصين المحكم موجود الآن في الجامعة الإسلامية وانتهى بعض الطلاب منه ولا زال بعضهم-: «ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله». قال أبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر قال: «أقسم ربكم».

ومناسبة القسم بالعصر لغرض الصورة على إرادة عصر الإسلام ظاهرة؛ فإنها بينت حال الناس في عصر الإسلام بين من كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإسلام، ويعرف منه حال من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت. أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإسلام من الشرك أو بدين جاء الإسلام بنسخه مثل اليهودية والنصرانية؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

وتعريف الإنسان تعريف الجنس، مراد به الاستغراق، وهو استغراق لأنه يستغرق أفراد النوع الإنساني الموجودين في زمن نزول الآية، وهو زمن ظهور الإسلام كما علمنا قريباً، ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها، ولما استثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققا في غير المؤمنين.

والخسر مصدر وهو ضد الربح في التجارة، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبة حسنة، وتلك هي العاقبة الدائمة، وهي عاقبة الإنسان في آخرته من نعيم أو عذاب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16]. ثم قال الطاهر بن عاشور: فكانت الشبهة ملازمة للخسر بإحاطة الظرف، يعني لم يقل من الخاسرين، قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، فالخسران هنا محاط بالظرف فيه، فهي أبلغ من أن يقال الإنسان خاسر في خسر، أي أن الخسران محيط به من جميع جوانبه. ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقسم وحرف التوكيد في جوابه يفيد التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس إلا الذين آمنوا، فيتقرر الحكم تماماً في النفس.

وأعقب بالاستثناء بقوله السامع مبيناً أن الناس فريقان: فريق يلحقه الخسران، وفريق لا يلحقه شيء منه. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئاً من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات، ومن أكبر الأعمال الصالحة التوبة من الذنوب لمكتسبيها. فمن تحقق فيه وصف الإيمان ولم يعمل السيئات أو عمل وتاب منها فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي، أي حسن عاقبة أمره.

وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران، وهذا الخسر متفاوت، فأعظمه الخسران الناجم عن انتفاء الإيمان بوحدانية الله وصدق الرسول ﷺ، دون ذلك تكون مراتب الخسران متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها.

وما حدده الإسلام من ذلك من مراتب وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحش، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. قيل الحسنات عموماً، وقال القرطبي: المراد بالحسنات هنا الصلوات، أي يذهبن السيئات. وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد، أي أنه لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة؛ فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا.

قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. وتنكير خسر يجوز أن يكون الهدف منه التنويع، ويجوز أن يكون كما ذكرنا لكم التعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي القسم، والمعنى أن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون.

وقوله كما ذكرنا لكم: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ۖ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]. جعلنا الله وإياكم من هذا الصنف، وأسأل الله عز وجل أن يجعل اجتماعنا هذا وإياكم مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، وإلى لقاء قادم بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يأتيك ميسوراً بأي مكان.