دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات طلاب أكاديمية زاد، أهلا وسهلا بكم. الدرس الثالث بإذن الله من المستوى الرابع في مادة التفسير، سنتكلم اليوم عن سورة مهمة جدا وهي سورة العلق.

هذه السورة ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: 1-8]. الشطر الأول هذا هو الذي سيكون درسنا بإذن الله في هذه الحلقة.

هذه السورة كما تعلمون أيها الإخوة هي سورة مكية، وأكثر العلماء وأكثر المفسرين على أن هذه السورة هي أول سورة نزلت من القرآن، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. يكاد يجمع المفسرون على أن هذه السورة هي أول ما نزل.

سنتحدث وإياكم عن الخلاف في أول ما نزل؛ هل هي هذه السورة فهو قول، أم سورة المدثر هو قول، أم سورة الفاتحة وهو قول؟ والراجح والذي عليه الأكثر سورة ﴿اقْرَأْ﴾. وإن كان قول قوي ذكره بعض المفسرين أنها المدثر، فجمع علماء القرآن جمعا جميلا؛ أن سورة ﴿اقْرَأْ﴾ التي هي سورة العلق هي أول ما أنزل من شأن النبوة، أي أن حين أنزلت أصبح النبي محمدا ﷺ نبيا، وسورة المدثر هي أول ما نزل من الرسالة. إذا نبأ بـ ﴿اقْرَأْ﴾ وأرسل بـ المدثر، ثم نزلت الآيات والسور المكية، ثم بعد ذلك نزلت الآيات والسور المدنية. فهي أول ما أنزل على الإطلاق؛ هذه سورة العلق خصوصا الخمس الآيات الأولى منها وهي أول ما نزل في شأن النبوة، والمدثر هي أول ما نزل في شأن الرسالة، أي أنه أصبح بعد المدثر نبيا رسولا ﷺ، فهذا من أجمل الجمع.

نمر الآن معكم أيها الإخوة على التفسير التحليلي الواضح السهل، ثم بعد ذلك نحاول أن نفصل على قدر الوقت. أما قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أي اقرأ يا محمد مستعينا بالله الذي خلق كل شيء؛ هذا معنى باسم ربك أي مستعينا باسم الله الذي خلق كل شيء، الله خالق كل شيء جل جلاله.

ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، والعلقة هي الدم الجامد. فرق بين العلق والعلقة؛ العلق هو ما يبلغ الإنسان الحياة حين الاضطرار في أكل الميتة، والعلقة هي الدم الجامد الذي خلق الإنسان منه، إحدى حيثياته وإحدى جزئياته. فأصل خلق الإنسان من تراب، وذكر أن خلقه من طين، وذكر أن خلقه من حمأ مسنون، وذكر أنه من نطفة، وذكر أنه من علقة، ثم مضغة غير مخلقة ومضغة مخلقة؛ فكل هذه مراحل التطور والنشء للإنسان.

ثم قال الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فهذا تأكيد للقراءة ولطلب العلم، هذا تأكيد للأمر السابق بالقراءة. وربك الأكرم الكريم الحليم المتجاوز عن جهل العباد سبحانه وتعالى، ما للعباد عليه حق واسع، كلا ولا سعي لديه ضائع، إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله، وهو الكريم الواسع جل جلاله.

﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾؛ معنى القلم هنا أي علم الخط والكتابة بالقلم، وسنأتي إن شاء الله في آخر هذه الحلقة لتفصيل الأقلام وأنواعها. ثم قال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي أن الله جل جلاله علم الإنسان الكتابة ولم يكن يعلمها، وعلمه أشياء كثيرة كالقراءة والصناعة وغيرها، والإنسان في ذلك عالة لم يكن يعرف شيئا، من الذي علمنا؟ إنه الله.

ثم قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا﴾، وهذه الكلمة يستعمل كثيرا في القرآن، خصوصا في السور المكية؛ لأنها كلمة ردع وزجر، أي ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان، أن ينعم عليه ربه بتسوية خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر بربه، أي لا يليق هذا ولا يكون بالإنسان.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ يخبر تعالى أن الإنسان ذو فرح وأشر وبطر وطغيان، ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ أي أن رأى نفسه استغنى بماله وولده طغى وتكبر، وهذا حال كثير من الناس إلا من رحم الله، كلما ازداد الغنى ازداد الطغيان. لذلك من أجمل الأدعية: «اللهم أغنني ولا تطغني»، لأنه في الغالب إذا استغنى الإنسان طغى، إلا من رحم ربك، جعلنا الله وإياكم ممن رحم.

ثم قال تعالى، وقال العلماء في توصيف ذلك، هذا الإنسان بصفة عامة ويستثنى منه المؤمن؛ فإنه لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين: «اللهم أغنني بحلالك عن حرامك ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». فالمؤمن دائما مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى، يسأل ربه كل حاجة ويلجأ إليه عند كل مكروه.

﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾، هذا تهديد من الله عز وجل لجنس الإنسان، فالرجعة والمرجع والمرجوع كلها مصادر تفيد بأن الإنسان حتما سيرجع إلى ربه وسيعود إليه جل جلاله، والحديث أصلا لجنس الإنسان الطاغي كأنه تهديد ووعيد؛ سترجع أيها الإنسان الطاغي إلى الله جل جلاله، فإن الله إليه المرجع وإليه المصير، وسيحاسبك على كل شيء. فالأصل في ذلك الرجوع إلى الله جل جلاله.

هذا التفسير الإجمالي لهذه المقاطع، ولكن هناك فوائد ومسائل لا بد أن نتكلم عنها، وحري بنا ألا نتجاوزها. أهم مسألة وحصل فيها خلط كثير، خصوصا في بعض المقاطع التي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي مسألة الأمية: هل النبي ﷺ أمي أم لا؟ الحقيقة هو الذي عليه نص القرآن ونص السنة. وقول العلماء إن النبي ﷺ أمي، لكن ما معنى أمي؟ وهذا هو وجه الجدل، هل يعني الأمية الجاهل؟ حاشا رسول الله ﷺ، حاشاه أن يكون جاهلا، لكن الأمي حتى عند أهل اللغة وأهل البلاغة هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]، وهذا لإقامة الحجة على كل أحد؛ فبالرغم من كونه ﷺ أميا فقد أتى بهذا الكتاب العظيم. سوف نستكمل هذه المسألة بتفصيل إن شاء الله بعد الفاصل، ونواصل بإذن الله.

السلام عليكم. العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث.

ومنه نفل كتبحر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة بخطوة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه. ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل.

وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور. ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما تترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر، ولا نقتصر على الحفظ والتلقين؛ فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا في الدين...».

حياكم الله من جديد، كنا قبل الفاصل قد توقفنا عند مسألة أمية النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا لكم أن الأمي معناه الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا نعني أبدًا بالأمية الجهل، فحاشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون جاهلاً، بل هو أمي وسيد العلماء، كما قال فيه شوقي: يا أيها الأميُّ حسبك رتبةً في العلم .. إن دانت بك العلماءُ

ويؤيد هذا قول الله عز وجل كما ذكرنا لكم: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]. أي إنك يا محمد لم تكن تعرف الكتابة، وهذه لإقامة الحجة على كل أحد؛ فبالرغم من كونه صلى الله عليه وسلم أمياً فقد أتى بهذا الكتاب العظيم الذي لا يسع أحداً من كبار المتعلمين مهما بلغ أن يأتي به، فكيف وهو أمي صلى الله عليه وسلم؟ فيقطع بذلك على كل أحد التشكيك في أن القرآن والسنة من وضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

لذلك أيها الإخوة هذه المسألة مهمة جداً وتأصيلها مهم جداً. كيف نقول مثلاً كما يشاع في بعض مقاطع التواصل أن الأمي نسبة إلى أم القرى إلى مكة؟ معنى هذا أن أهل مكة في هذا الزمان كلهم أميون، لا يمكن أن يكون هذا القول صحيحاً أبداً. الأمي ليس نسبة إلى أم القرى، بل الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. والله قال بالنص الصريح: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]، وهذه الأمة أميون؛ أي أن الأمة بعمومها وشمولها أمة أمية، لأن الذين كانوا يقرأون ويكتبون قليل.

لماذا جعل الله وقدر أن يكون نبيه وخليله صلى الله عليه وسلم أمياً؟ جعله كذلك حتى لا يقال إنه قرأ وكتب في علوم الأولين وجاء بهذا الوحي والقرآن منها مثله مثل الشعر. لماذا لم يكن شاعراً صلى الله عليه وسلم؟ وما علمناه الشعر وما ينبغي له، لماذا؟ لأنه لو كان شاعراً صلى الله عليه وسلم إذاً قيل عن هذا القرآن شعر، ولو كان ساحراً -حاشاه- لقيل عن هذا القرآن سحر. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * كَالْقَوْلِ الَّذِي لَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [يس: 69-70]. إذاً عُصم النبي صلى الله عليه وسلم من السحر والكهانة والشعر حتى لا يوصف القرآن الذي يتنزل عليه صلى الله عليه وسلم بهذا، والنبي صلى الله عليه وسلم أمي قولاً واحداً ولا شك في هذا.

أما غير هذه من الأقاويل السطحية التي يقولها بعض العقلانيين في هذا الزمان، كقولهم في مسألة "حتى يلج الجمل في سم الخياط" أن الجمل المراد به الحبل الغليظ، فهو قول مرجوح، والذي عليه الأكثر وعليه جموع الصحابة أن الجمل هو الجمل، وعموماً كان الجمل حبلاً غليظاً فهو يستحيل دخوله أصلاً في سم الخياط. وانتشرت أيضاً مقاطع كثيرة يروج لها بعض العقلانيين أيها الإخوة ليس فيها شيء من أقوال المفسرين، وكلها مبنية على العقل، ليست مبنية على قرآن ولا على سنة، ولا على صحيح البخاري ولا على صحيح مسلم ولا على غيرها من هذه الكتب. إذاً من هو مرجعنا في هذه المسائل؟ مرجعنا ليس العقلانيين، إنما أهل التفسير، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

كان حديثنا في المقدمة عن التفسير الواضح الظاهر الذي لا يسع كل مسلم ومسلمة الجهل به. وفيما بقي من الوقت، أنفرد في بعض المسائل من باب الفائدة وتدارس وتذاكر العلم. ذكرنا لكم أيها الإخوة وأيها الأخوات أن هذه السورة بالإجماع مكية وهي أول ما نزل، وهذا روي عن كثير منهم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وعدد آياتها تسع عشرة آية، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. وكما ذكرنا لكم نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء.

وعلمنا خمس آيات من هذه السورة، وذكرت لكم أن القول الآخر في النزول هو "المدثر"، واتفقنا أن أول النبوة "العلق" وهو أول الرسالة، و"المدثر" هو أول ما نزل على الإطلاق، والصحيح طبعاً أن أول ما نزل هو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: «أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: اقرأ، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1-3]». خرجه البخاري في صحيحه.

وفي الصحيحين عنها قالت: «أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء؛ أن يخلو بنفسه، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيها الليالي ذوات العدد». ومعنى يتحنث يعني يتعبد، يسبح الله ويمجد الله، يخلو بالله جل جلاله قبل أن يرجع إلى أهله، كان يتحنث ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه جبريل فقال: اقرأ، فقال: اقرأ، قال: فأخذني فغطني، فقال: اقرأ، فقال: «ما أنا بقارئ». يقول النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل "ما أنا بقارئ" أي لا أعرف القراءة، أنا أمي لا أقرأ ولا أكتب. وهذه الآية أيضاً يفسرها بعض العامة "ما أنا بقارئ" أي لا أريد أن أقرأ، وهذا ليس بصحيح أبداً.

إنما قوله: «ما أنا بقارئ»، أي لست من أهل القراءة ولا من أهل الكتاب، هذا المقصود وليس رفضًا للقراءة، إنما يخبر النبي ﷺ عن حاله، يقول: أنا لست من أهل القراءة، لذلك لا أقرأ.

يكلم جبريل، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ»، أي لا أعرف القراءة. قال: فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني ثم قال: اقرأ. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

ومعنى «اقرأ باسم ربك» أي اقرأ ما أنزل إليك من القرآن مفتتحًا باسم ربك، وهو أن تذكر التسمية ابتداء كل سورة، هذه السورة وغيرها من السور. إذاً هذا هو معنى أول آية وقصة الحديث الذي ورد ونزل فيه مطلع هذه السورة.

أما قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ أي خلق الإنسان، قيل يعني ابتداءً يعني آدم من علق، أي من دم، وهذا طبعًا على خلاف المعروف فإن آدم خلق من طين، لكن الصحيح أن يقال: خلق الإنسان من علق أي ابن آدم، أي سائر أبناء آدم إنهم خلقوا من علق، والعلق هو الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح؛ إذاً الدم الجامد يسمى العلق، وإذا كان يجري يسمى المسفوح. وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ فذكره بلفظ الجمع لأنه أراد الإنسان بالجمع، وكلهم خلقوا من علق بعد النطفة، والعلقة قطعة من دم رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها.

نستكمل الحديث بإذن الله بعد الفاصل. هل تظن العلم وجبة سريعة تجهز وتؤكل في لحظات؟ بل يحتاج طالب العلم إلى صبر طويل. قال يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسم»، فيصبر على حضور مجالس العلم ودوراته، أو متابعتها عبر الشبكة أو الفضائيات العلمية، ويصبر على المراجعة حتى يثبت الحفظ. قال أبو بكر الصبغي عن بعض مسائل العلم: «كررتها على نفسي ألف مرة حتى تحققتها».

ويصبر على السهر في العلم فإن في النهار أشغالا. قال بعض الفضلاء: «متى تبلغ من العلم مبلغا يرضيك، وأنت تؤثر النوم على الدرس، والأكل على القراءة؟». ويصبر على النصب والتعب في تحصيل العلم. قال تعالى في قصة خروج موسى عليه السلام لطالب العلم: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]. ويصبر على إنفاق المال في طلب العلم وشراء الكتب ونحو ذلك. قال إسماعيل بن عياش: «ورثت من أبي أربعة آلاف دينار أنفقتها في طلب العلم». واصبر على طلب العلم حتى تنال طرفًا منه، وأسأل الله المزيد. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

أهلاً بكم، نستكمل الحديث بإذن الله. وصلنا إلى بيان العلقة، ما المقصود بها؟ لكن السؤال: لماذا قال الله عز وجل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾؟ لماذا ذكر الإنسان هنا؟ خصصه بالذكر هنا تشريفًا لهذا الإنسان، وقيل أراد أن يبين قدر نعمته على عبده بأن خلقه من علقة مهينة حتى صار بشرًا سويًا وعاقلًا مميزًا، إذاً هي في النهاية تكريم للإنسان.

أما قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، ذكرنا لكم أن «اقرأ» هنا تأكيد ليقرأ التي افتتحت بها السورة وتم الكلام، ثم استأنف، يعني «اقرأ» هنا نقف عندها فقط لبيان المعنى، وإلا فهي في الحقيقة موصولة «اقرأ وربك الأكرم»، لكن «وربك» هذا كلام مستأنف، أي كلام جديد، «وربك الأكرم» أي الكريم. وقيل: «اقرأ وربك» أي اقرأ يا محمد وربك يعينك ويفهمك وإن كنت غير القارئ، والأكرم بمعنى المتجاوز عن جهل العباد، أسأل الله أن يتجاوز عنا وعنكم.

﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، ما زال الحديث عن الله. ذكر بعض المفسرين أن فيه مسائل، وهذه من الفوائد الممتعة الجميلة؛ قالوا: قوله ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ يعني الخط والكتابة، وهو الراجح الظاهر الذي ذكرناه لكم في مطلع تفسيرنا الإجمالي لهذه السورة، أي علم الإنسان الخط والقلم.

وعن قتادة قال: «القلم نعمة من نعم الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش»، فدل على كمال كرمه سبحانه بأن علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو؛ وما دونت العلوم، ولا قيدت حكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتبت الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولاها ما استقامت أمور الدين والدنيا. هذا الذي ذُكر هو في فضل الكتابة على المسألة الأولى.

قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة؛ القلم الأول الذي خلقه الله بيده وأمره أن يكتب، والقلم الثاني أقلام الملائكة جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقادير والأكوان والأعمال، والقلم الثالث أقلام الناس، هذه الأقلام التي بأيدينا جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم ويصلون بها مآربهم. وفي الكتابة فضائل جمة، والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي. هذا الكلام الذي سمعتموه هو كلام الإمام القرطبي رحمه الله رحمة واسعة في كتابه جامع الأحكام.

ثم قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قيل الإنسان هنا آدم عليه السلام، علمه أسماء كل شيء حسب ما جاء به القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، فلم يبق شيء إلا وعلم سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكر آدم للملائكة كما علمه، وبذلك ظهر فضله وتبين قدره وثبتت نبوته وقامت حجة الله على الملائكة، وامتثلت الملائكة الأمر لما رأت من شرف الحال ورأت من جلال وسمعت من عظيم الأمر، ثم توارثت ذلك ذريته خلفًا بعد سلف، وكان قالها قوم عن قوم.

وقيل يعني الإنسان هنا هو الرسول محمد ﷺ، ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]، وعلى هذا فالمراد بعلمك المستقبل، فإن هذا من أوائل ما نزل. وقيل هو عام، أي عام في كله: آدم والنبي ﷺ وسائر الملائكة وسائر الأنبياء، لكن الحديث هنا عن البشر عن الإنسان، إذاً أخرجوا تعليم الملائكة ويبقى تعليم الإنسان، سواء كان آدم أو غيره من أبنائه الأنبياء أو من أبنائه من سائر البشر.

وقيل وهو قول عام، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: 6]، أي كلا إن الإنسان ليطغى. هذه الآية نزلت في أبي جهل، وقيل نزلت السورة كلها في أبي جهل؛ نهى النبي ﷺ عن الصلاة، فأمر الله نبيه ﷺ أن يصلي في المسجد ويقرأ باسم الرب، ويجوز أن يكون خمس آيات من أولها أول ما نزلت ثم نزلت البقية.

في شأن أبي جهل، و﴿كَلَّا﴾ هنا بمعنى حقًا؛ إذ ليس قبله شيء، والإنسان هنا أبو جهل. والطغيان كما ذكرنا لكم هو مجاوزة الحد في كل شيء؛ لذا يقال الطاغوت وهو على سبيل المبالغة، ويقال الطاغية، وكلها مشتقة من طغى. والطغيان مجاوزة الحد في كل شيء.

أما قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾، فالمعنى أن الإنسان يستغني إذا صار ذا مال وثروة. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: قال لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون أتاه أبو جهل فقال: «يا محمد، تزعم أنه من استغنى طغى؟ فاجعل لنا جبال مكة ذهبًا لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعوا ديننا ونتبع دينك». قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: «يا محمد، خيرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا بهم ما أرادوا، فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة». تعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أن القوم لا يقبلون ذلك، فكف عنهم إبقاءً عليهم.

أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾، أي إليه المرجع من هذا وصفه، فنجازيه، ويعود إلى الله؛ فإليه المصير وإليه الجزاء.

إذن، إلى هنا ينتهي تفسير حلقة اليوم، أي المقطع والشطر الأول من هذه السورة. وكنا قد ذكرنا في أولها فضل العلم وأهله، وفضل النبي صلى الله عليه وسلم رغم أميته. فكيف وهو الرجل الأمي الذي أوتي كل هذه العلوم وكل هذا القرآن وكل هذا الوحي؟ إذاً هو أمي أي لا يقرأ ولا يكتب، لكنه سيد العلماء. يا أيها الأمي، حسبك رتبة في العلم أن دانت لك العلماء. هذا فضله صلى الله عليه وسلم علينا وعلى سائر الصحابة، وهو بدر وقمر صلى الله عليه وسلم، وأصحابه النجوم.

وأهل العلم من العلماء هم أهل الفضل وأهل المجد؛ ففي هذه السورة تنبيه وتأكيد على فضل القراءة، وأنها أول ملازم العلم وأول الطرق. جعلنا الله وإياكم من العلماء العاملين من الراسخين. أسأله جل جلاله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل هذا المجلس حجة لنا لا علينا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.