دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، كتاب الله رحلة قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى لنا، زدنا كاذبين بالعلم كالآزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفوة محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب أكاديمية زاد في المستوى الرابع، حياكم الله على مائدة جديدة من موائد القرآن. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موعدنا اليوم أيها الإخوة مع سورة المسد، وهي سورة مكية ولها سبب نزول ولها قصة، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5].

أما سبب نزولها، فقد قال ابن عباس رضي الله عنه: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي لبطون قريش»، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو. جاء أبو لهب وقريش، فقال ﷺ: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟»، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: «فإني نذير لكم بين يديه في عذاب شديد». فقال أبو لهب: «تبًا لك! ألهذا جمعتنا؟»، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

أما "تبّ" فقد ذكرها الله هنا مرتين: "تبت" و"تب". تبت يدا أبي لهب وتب. تبت الأولى فالمراد بها الخسران، تبت يدا أي خسرت وخابت، وهي كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [القصص: 38]، والتباب هو الخسران، وهنا أي خسر وهلك، وهلك أبو لهب. "تبت يدا أبي لهب وتب"، فالتب الأول هذا هو دعاء عليه بالخسارة، أي خسر وخاب وضل سعيه وعمله وما قدمت يداه. أما التب الثاني "تبت يدا أبي لهب وتب" فهذا الثاني فهو خبر عنه بتحقيق الخسارة والهلاك، أي حقًا خسر وهلك. وقد أخبر باليدين، يعني "تبت يدا"، والمراد أبو لهب كله، ولكن هكذا جرت عادة العرب في التعبير عن البعض بالكل، والمقصود ليس يداه فقط إنما المقصود هو ذاته، ولكن عبروا هكذا العرب في تعبيراتهم وفي لغاتهم.

أما أبو لهب فمن هو؟ أبو لهب هو أحد أعمام رسول الله ﷺ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة، وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه؛ قيل إنه كان رجلًا وسيمًا وقسيمًا وجميلًا جدًا، فكأن الذي ينظر في وجهه يرى اللهب، كأنه يرى اللهب يخرج من وجهه لشدة جماله، ولكن هذا الجمال لم ينفعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكان أبو لهب أكثر الناس أذية لرسول الله ﷺ، كان كثير الأذية والبغض لرسول الله ﷺ والازدراء به والتنقص له ولدينه. وعن ربيعة بن عباد قال: رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يعني أبا لهب، يقول للناس إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا لي: هذا عمه أبو لهب، أخرجه أحمد وصححه الأرنؤوط.

وهذه الأذية أيها الإخوة هي أذية معنوية مؤلمة وقاسية جدًا لرسول الله ﷺ، فقد روي في بعض الروايات أنه كان يسير خلف النبي ﷺ، فكلما تكلم رسول الله بشيء أشار للناس بيده -أي هكذا كذا- أي أنه مجنون أو في عقله شيء، حاشاه ﷺ. لكن أبو لهب كان هكذا يجهد نفسه وراء رسول الله ﷺ زعمه منه أنه يريد أن يدافع دعوته، وكان من المشاكل أن الناس إذا رأوا هذا وسألوا عنه فقالوا عمه، قالوا عمه أعرف الناس به، إذ هو صابئ كذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكانت هذه الأذية من أعظم الأذى على رسول الله ﷺ، أذية معنوية ومن أقرب الناس إليه، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند. لكنه في النهاية أفلح رسول الله ﷺ وخاب أبو لهب.

أما قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ﴾ أي شيء أغنى عنه ماله ودفع من سخط الله عليه؟ لا شيء. ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني ولده، وتشمل كل مكتسب من مال وولد وشرف وغيره. وهذه فيها كما ذكر المفسرون عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب: «إذا كان ما يقول ابن أخي حقًا فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي»، فأنزل الله: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.

ثم قال الله عز وجل إخبارًا عن مستقبل أبي لهب: ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ أي سيُشوى عن قريب بنار ذات شرر ولهيب وإحراق شديد، ووصف النار بذات لهب لزيادة تقرير المناسبة بين اسم أبي لهب وبين كفره؛ اسمه أبو لهب وجزاؤه نار من لهب، نعوذ بالله.

وكانت امرأته هذه هي أم جميل زوجته، وكانت من سادة نساء قريش، وهي أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة أيضًا عونًا عليه في عذابه في نار جهنم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما كانت عونًا لزوجها في أذية رسول الله ﷺ وصد الناس عنه، تكون يوم القيامة عونًا على زوجها، على رأسها من حطب جهنم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبإذن الله نستأنف بعد الفاصل. هل تريد أن تشتري سيارة وليس معك ثمنها؟ هل فكرت في شرائها بالتقسيط؟ ماذا يعني البيع بالتقسيط؟ البيع بالتقسيط هو بيع سلعة بثمن مؤجل يؤدى على أجزاء معلومة في أوقات معلومة، مثل ألف كل شهر. وهناك صور للبيع بالتقسيط من أشهرها صورتان؛ الأولى أن تشتري سيارة مثلاً ممن يملكها، سواء كان شخصًا أو شركة، على أن تدفع ثمنها مقسطًا، كأن يكون ثمن السيارة نقداً خمسين ألفًا، وثمنها بالتقسيط ستين ألفًا، فتختار الشراء بالتقسيط، فهذا جائز لا حرج فيه. دليل ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت...

كتب أهلها على تسع أواق في كل عام وقية، وكان ذلك بحضرة النبي ﷺ وأقرها على ذلك. فهذا الحديث يدل على جواز تأجيل الثمن وسداده على أقساط.

الصورة الثانية: أن تشتري سيارة ممن لا يملكها، وإنما يدفع ثمنها إلى مالكها نيابة عنك على أن تسدد المبلغ له مقسطًا مع زيادة. كأن يكون ثمن السيارة في المعرض خمسين ألفًا، فتطلب شراءها من جهة، فتقوم هذه الجهة بدفع الثمن خمسين ألفًا للمعرض على أن تسدد لها ستين ألفًا بالتقسيط، فهذا من الربا المحرم؛ لأن حقيقة هذا العقد أن هذه الجهة، سواء كانت فردًا أو بنكًا أو شركة، قد أقرضتك قرضًا ربويًا بفائدة، ولم تشرِ شيئًا في الحقيقة لنفسها ليصح بيعه لك.

ولهذا لو فُرِض أن البنك اشترى السيارة شراء حقيقيًا وقبضها لديه، ثم باعها عليك بالتقسيط بثمن أعلى مؤجل بدون شرط سابق ملزم بالشراء، فلا حرج في ذلك. فلا بد من توافر الشروط الآتية لشراء سيارة ونحوها بالتقسيط من البنك: أولًا: أن يشتريها البنك شراء حقيقيًا بحيث تنتقل إلى حيازة، ثم يبيعها بعد ذلك، ولا يجوز بيعها قبل أن تكون في حيازته. ثانيًا: ألا يكون هناك شرط ملزم من البنك بأن يشتريها العميل قبل أن يتملكها البنك. ثالثًا: أن يخلو العقد من اشتراط غرامة على التأخير في سداد الأقساط؛ لأن ذلك ربا محرم، لكن يجوز للبنك أن يحتاط لنفسه برهن السيارة، أو الاحتفاظ بوثيقة العقد والاستمارة حتى ينتهي العميل من سداد الأقساط.

نسأل الله تعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يرزقنا الرزق الحسن، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه. حياكم الله من جديد، كنا قد وصلنا وإياكم إلى الحديث عن أم جميل، أخت أبي سفيان، التي حكم الله عز وجل عليها وعلى زوجها بالنار وهما يمشيان على الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصفها الله عز وجل بقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، وحمالة الحطب صيغة مبالغة أي تحمل الحطب بكثرة، وذكروا أنها كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك فتضعه في طريق رسول الله ﷺ نكاية به وأذى له ﷺ.

ولما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته، جعل لامرأته وعيدًا مقتبسًا من فعلها وهو حمل الحطب في الدنيا، فأنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقد به على زوجها، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ أي أنها في الدنيا حمالة حطب وفي نار جهنم حمالة حطب، أما في الدنيا فكانت تحمله لتؤذي رسول الله ﷺ، وفي الآخرة تحمله لتزيد العذاب على ظهر زوجها الذي أعانته على صد الدعوة وعلى محاربة الداعي الأول محمد رسول الله ﷺ.

﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾، الجيد هو العنق، أي في جيدها حبل من ليف شديد خشن مفتول بإحكام مملوء نارا، نعوذ بالله من هذا الحبل في جيدها. قال بعض المفسرين: عذاب أم جميل يوم القيامة أن يوضع هذا الجيد والليف في عنقها فترفع على شفير جهنم فيهوي بها الجيد في قعر جهنم، ثم ترد إلى شفيرها أعلاها، ثم إلى قعرها، ثم إلى شفيرها، ثم إلى قعرها إلى أبد الآبدين، تمر على جميع دركات النار، أجارنا الله وإياكم من هذا.

ثم قال: ﴿وَصْلُهُ مِنَ الْمَسَدِ﴾ وهو الفتل. قال سعيد بن المسيب رحمه الله: «كانت لها قلادة فاخرة، فقالت لأنفقنها في عداوة محمد، فأعقبها الله بها حبلًا في جيدها من مسد»، نسأل الله السلامة.

أما فوائد الآيات فكثيرة جدًا، منها أن الله عز وجل سجل في كتابه العزيز الخالد النطق بغضبه وحربه لأبي لهب وامرأته جزاء الكيد لدعوة الله ورسوله ﷺ، والتباب والهلاك والسخرية جزاء الكائدين لدعوة الله في الدنيا، والنار في الآخرة جزاء وفاقًا؛ فما أعظم الصد عن سبيل الله والوقوف في طريق دعوة الحق.

ومنها علم الله سبحانه وتعالى بعواقب الأمور، فإن الله أنزل هذه السورة وأبو لهب وامرأته لم يموتوا، وأخبر أنهما سيعذبان في النار ولا بد، وهذا يعني أنهما لا يسلمان، فوقع كما أخبر عالم الغيب والشهادة. لذلك لم يدعوهما رسول الله ﷺ إلى الإسلام لأن الله قد حكم عليهما بنار جهنم وقد حكم عليهما بالكفر، أجارنا الله وإياكم.

وكان مما روي عن أم جميل، ولكثرة أذيتها لرسول الله ﷺ، أنها حملت يومًا فهرًا وهو صخرة كبيرة تريد أن تضرب بها رأس رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ جالسًا بجوار أبي بكر، فأقبلت بعد أن سمعت هذه السورة حين أنزلت فيها وفي زوجها، أقبلت على أبي بكر وهي لا ترى رسول الله ﷺ وهو بجواره، فكانت تقول: «يا ابن أبي قحافة، أين مذمم؟» وتريد به محمدًا ﷺ وهو عكس محمد مذمم. بلغنا أنه هجاها وتسمي القرآن شعرًا، يعني تسمي هذه السورة التي أنزلت فيها وفي زوجها هجاءً؛ أين مذمم؟ فجعلت تقول: «مذممًا أبانا، وديننا قلينا»، أي رفضنا محمدًا وهجرنا وتركنا دينه.

يقول أبو بكر رضي الله عنه: «فكنت أنظر فيها الفهر في يدها، وألتفت يمينًا إلى رسول الله ﷺ وهي لا تراه، أنظر فيها وأنظر إلى رسول الله وهي لا تراه، حتى انصرفت وهي تولول». فقلت: يا رسول الله، ألم ترق؟ قال: «لا، لقد أغشى الله على بصيرتها»، فحمى الله رسوله ﷺ منها ومن أذيتها، فانصرفت خائبة هالكة خاسرة، أجارنا الله وإياكم.

ومن فوائد هذه السورة أيها الإخوة، أن الله عز وجل حكم على بعض الناس بالنار وهم يمشون على الأرض وبشرهم بجهنم، وبشر بعض الناس بالجنة وهم يمشون على الأرض، فممن بشرهم الله بالجنة وهم يمشون على الأرض الصحابة العشرة المبشرون بالجنة وغيرهم من الفرادى الذين بشرهم، كما في قصة بلال رضي الله عنه.

فلاحظوا يا أيها الإخوة كيف أن أبا لهب رجل شديد الجمال، كثير العيال، كثير المال، سيد قبيلة، شيخ قوم، لكن كل هذا لم ينفعه؛ لأنه لم يوجد الإيمان والعمل الصالح في قلبه. ولاحظوا بلال الحبشي رضي الله عنه، رجل أسود، قليل المال، قليل العيال، قليل الجمال، ولكن قيمته عند الله غالية جدًا. والفرق بينهما الإيمان والعمل الصالح فقط، هذا هو الميزان عند الله؛ إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. بلال قال فيه عمر رضي الله عنه: «سيدنا أعتق سيدنا»، يعني أبو بكر أعتق بلالًا، سماه رضي الله عنه وأرضاه، وكان يقربه عمر فيجلسه يمينًا عنه وهو أمير المؤمنين، وكان يجلس المولى الآخر خباب بن الأرت عن يساره.

تخيل هذا الموقف: أمير المؤمنين وعن يمينه مولاه بلال، وهو خباب بن الأرت، حتى إن هذا قد وقع في بعض سادة قريش الذين تأخر إسلامهم كأبي سفيان رضي الله عنه وصفوان بن أمية. قيل في بعض الروايات إن صفوان وأبا سفيان لم يجدا مكانا في مجلس أمير المؤمنين إلا عند الباب، ورأيا بأعين عينهما كيف كان بلال عن يمين الخليفة أمير المؤمنين، وخباب عن يساره.

فقال أبو سفيان بكلام لا يسمعه عمر رضي الله عنه إلى صفوان بن أمية: «يا صفوان، عبيدنا وموالينا أحدهما عن يمين الخليفة والآخر عن يسار الخليفة، وسادة قريش ومشيخة القبيلة عند الأبواب». فقال صفوان بن أمية كلمة هي منهج حياة: «يا أبا سفيان، تقدموا فقدمونا، وتأخرنا فأخرونا»، وقيل في رواية: «ادعوا فأجابوا، ودعينا فشردنا».

لذلك قال الله عز وجل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المزمل: 20]. هكذا تقدم هؤلاء البسطاء المساكين في نظر أعين الناس فكانوا من السابقين الأولين للإسلام، وهي عادة الله سبحان الله في الإسلام؛ فكان أول من يؤمن بالأنبياء بسطاء الناس والبعيدون عن الغنى. لذلك قال قوم نوح: ﴿مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: 27]؛ يرون أنهم أراذل لأنهم بسطاء فقراء، لكن هؤلاء هم الذين قام عليهم الدين وقام عليهم الإسلام.

كم ضحى بلال رضي الله عنه وخباب من أجلنا! فقد كان يقول عمر رضي الله عنه: «ما رأيت أحدا أُوذي في الله مثل بلال». قال خباب: فكشفت له عن ظهري، فقال: «يا خباب، والله ما رأيت أفظع من ظهرك». فقلت: «يا أمير المؤمنين، والله إنهم كانوا ليوقدون النار فما يطفئها إلا وكد ظهري»، أي ماؤه وشحمه، يجعلون ظهره عليه حتى تنطفئ النار.

تعذب الصحابة كثيراً وأوذوا كثيراً ودعوا إلى الله وامتحنوا وابتلوا لأجل أن يصلنا الدين سهلاً هيناً، فالله الله في هذا الدين العظيم أيها الإخوة. ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم، فإذا علم الله منه حسن النية فقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل. ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلقة العلم مع الصغار.

قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر»، وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمة العالية. وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام. ولأن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط، سُئل: أيسنّ بمثل أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين.

قال تعالى: ﴿بُشْرَىٰ لَكُمْ﴾ [الكهف: 30]. تنازل أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان. حياكم الله من جديد، كما ذكرت لكم أيها الإخوة وأيها الأخوات، إن الميزان والمقياس عند الله عز وجل هو بالإيمان والعمل الصالح؛ لا يهم الجمال ولا المال ولا العيال، ولا تهم نظرة الناس وكلامهم، ما يهم عند الله هو الإيمان والتقوى، لذلك قال الله: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37].

هكذا أراد الله عز وجل. لذلك لما رأى الصحابة دقة ساقي ابن مسعود حين صعد النخلة وضحك بعضهم رضي الله عنهم لدقة ساقي ابن مسعود، قال لهم رسول الله ﷺ: «أتضحكون من دقة ساقي ابن مسعود؟ والذي نفسي بيده إنها لتعدل في الميزان مثل جبل أحد». ابن مسعود رضي الله عنه كان رجلاً نحيلاً رقيقاً، لكن قيمته ووزنه عند الله غالية جداً وعظيمة جداً وكثيرة جداً؛ لأنه من الصحابة الكرام ومن العلماء من علماء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

وكذلك مر رجل بين يدي رسول الله ﷺ وأصحابه فقال: «ما تقولون في هذا؟»، قالوا: «يا رسول الله هذا حري أن يشفع وإن خطب أن ينكح»، رجل وجيه وعظيم في أعين الناس. ثم مر رجل آخر فقال: «ما تقولون في هذا؟»، قالوا: «يا رسول الله هذا حري ألا يشفع ألا ينكح»، رجل بسيط جداً في نظر أعين الناس، فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده إن هذا البسيط ليزن ملء الأرض من ذاك».

إذاً المقياس عند الله غير المقياس عند الناس؛ فالنظر الإلهي إلى الإنسان وإلى العبد الصالح غير النظر الخارجي الظاهري، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. لذلك قال النبي ﷺ: «رب أشعث أغبر ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبره».

وأوصى النبي ﷺ الصحابة بأن يطلبوا دعاء تابع من التابعين وهو أويس القرني رضي الله عنه وأرضاه، وهو سيد التابعين. كان رجلاً فقيراً مسكيناً في نظر أعين الناس لم يبالوا به، ولكن النبي ﷺ أوصى الصحابة، وأوصى عمر رضي الله عنه: «أن أدركه فليطلب منه أن يسأله». فقال النبي ﷺ كما روي في بعض الأحاديث: «إنه يشفع من الناس كما عدد أهل مضر».

ولم يتركه عمر رضي الله عنه، كان يبحث عنه في إمداد أهل اليمن، في حجاج أهل اليمن في كل سنة، حتى وجده أخيراً في عرفة يرعى النخيل في جلد يابس وفي حذاء هامد، وهو صاف قدميه يصلي بين يدي الله. وكانت قصته المشهورة مع عمر؛ فقال عمر: «أرني عن جنبك»، حتى رأى موضع البرص البسيط الذي جعله النبي ﷺ علامة في معرفة أويس في عرفة. فقال أويس: «من أنت يرحمك الله؟»، فقال عمر بن الخطاب، فحين عرف أنه أمير المؤمنين عانقه. وأراد عمر أن يعطيه من العطاء فتركه لزهده في الدنيا، وأبى هذا العطاء، وأبى اللباس، وأبى النعال رضي الله عنه، فسأله عمر أن يدعو له فما تركه عمر حتى دعا له، ثم انصرف هائماً على وجهه باتجاه الكوفة رضي الله عنه وأرضاه.

كان رجلاً بسيطاً، أهل اليمن كانوا يأخذون أويس معهم في رحلتهم إلى الحج يرعى لهم أغنامهم وإبلهم ولم يكن يعرفوه حق المعرفة، لكن الله عرفه من فوق سبع سماوات، وأخبر به رسوله ﷺ الذي أخبر به أصحابه رضي الله عنهم، وجعل لهم علامة فارقة حتى يعرفوه ويطلبوا منه الدعاء، فأويس القرني رضي الله عنه وأرضاه كان بسيطاً.

في أعين الناس لكنه كان عظيمًا عند الله. وآخر ما أقوله في مثل هذه المواقف قصة جليبيب رضي الله عنه وأرضاه. فقد كان جليبيب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذميم الخلقة، أي لم يكن جميلًا، وكان فقيرًا، وكان كما يقال مقطوعًا من شجرة؛ لا عاقلة له، لا قبيلة، لا قريب. لا أم، لا أب، لا عم، لا خال، لا أحد. لكن كان له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نظر يومًا في وجهه صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جليبيب، ألك في الزواج؟». قال: «نعم يا رسول الله، ولكن من يزوجني؟ رجل فقير لا مال لي ولا عاقلة». فقال: «أنا أزوجك، اذهب إلى بيت فلان من الأنصار». وقد كثرت الروايات في هذا، ولكني أذكر لكم مجموع القصة.

فانطلق جليبيب إلى هذا البيت من الأنصار، فخرج إليه صاحب البيت وأبو البنت فقال: «نعم يا جليبيب». قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنكح ابنتكم». ففرح الرجل كثيرًا وقال: «ومن خير لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟». لكنه قال: «إنه لا يستنكحها له، إنما يستنكحها لي، ألك أنت يا جليبيب؟». قال: «نعم». قال: «أما أنت فلا».

ثم رجع حزينًا أسيفًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم: «ارجع إليهم فقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنكح ابنتكم». فرجع، فخرجت له هذه المرة الزوجة أم البنت، فقالت: «ما تريد يا جليبيب؟» وزوجها معها، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنكح ابنتكم». فقالت الأم: «ومن خير لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟». فقال زوجها: «لكنه يستنكحها له، وليست لرسول الله». قالت الزوجة: «أما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك؟ والله لا نزوجك».

فرجع حزينًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فقال: «ارجع لهم وقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنكحون ابنتكم». فرجع لهم الثالثة، فخرجت البنت فقالت لأبيها وأمها: «أتُردان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد به لي أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم». فعاد جليبيب وأخبر رسول الله الخبر، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحًا شديدًا، ورفع يديه إلى السماء فقال: «اللهم صب عليها الرزق صبًا، ولا تجعل عيشها كدًا. اللهم صب عليها الرزق صبًا، ولا تجعل عيشها كدًا».

تزوج جليبيب، وزوجها التي رضيت به لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كانت إحدى مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج جليبيب مع هذا الجيش المقاتل الذي يقوده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ممن قُتل في تلك الغزوة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه: «من تفقدون؟»، فيقولون: «نفقد فلانًا وفلانًا وفلانًا». فكانوا لا يذكرون جليبيبًا أبدًا، فيسألهم: «من تفقدون؟»، فيقولون: «فلانًا وفلانًا»، فيسألهم: «من تفقدون؟»، فيقولون: «فلانًا وفلانًا»؛ لأن جليبيب ليس صاحب شأن في نظرهم.

فقال صلى الله عليه وسلم بنفسه: «ولكني أفقد أخي جليبيبًا». فذهب بنفسه يبحث عنه صلى الله عليه وسلم حتى وجده قد قتل سبعة من المشركين ثم قتلوه، فجعل يحمل رأسه بيده ويرفع ويمسح التراب والدم عن وجهه ويقول: «جليبيب أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك. اللهم إني أشهدك أني عنه راضٍ فارض عنه، اللهم إني أشهدك أني عنه راضٍ فارض عنه». ثم شاح بوجهه صلى الله عليه وسلم سريعًا هكذا. فقيل له: «لم يا رسول الله أشحت وجهك؟». قال: «لقد رأيت نساءه من الحور العين يتسابقن إليه ويتبادرن أيهن يسبق إليه، فأشحت وجهي لما أعلم من غيرة جليبيب رضي الله عنه وأرضاه».

وكان بعد ذلك امرأة جليبيب تجهز عشرة مجاهدين في سبيل الله في زمان رسول الله وزمان الخلفاء لما فتح الله عليهم، فكانت من أثرى أثرياء أهل المدينة، وذلك ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان جليبيب فقيرًا مسكينًا معدمًا، لا مال ولا جمال، ولكنه فاز بالجنة التي عرضها السماوات والأرض، وبرضا الله وبرضا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو لم يكن شيئًا في نظر أعين الناس، لكنه كان غاليًا جدًا في نظر الله وفي نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

العبرة يا أيها الإخوة ويا أيتها الأخوات، الإيمان والعمل الصالح ليس بالمال ولا بالجمال ولا بالعيال. أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الدرس حجة لنا لا علينا، وأن يوفقنا وإياكم لكل خير، وإلى لقاء جديد بإذن الله في درس متجدد مقبل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.